الفصل 82 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم روز امين

المشاهدات
16
كلمة
5,469
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

سألته بدهشة مفتعلة ممتزجة بحدة طفيفة: -وأنا ليش ما عندي خبر من قَبل عن هالفيلا؟ وشو لازمتها من الأساس؟ انزعج من حدتها عليه وطرح تلك الأسئلة، فأخر ما ينقصه الآن هو طرح تلك الأسئلة الغبية، صاح بها معنفًا: -وده وقته يا "رولا"! وتابع مسترسلًا بنبرة حزينة ونظرات أعين منكسرة لحثها على التعاطف معه: -أنا في مصيبة كبيرة وإنتِ بدل ما تقفي جنبي جاية تحاسبيني؟ وتابع بكذب ظهر بنبرات صوته المرتبك:

-على العموم يا ستي دي فيلا كنت شاريها علشان أقدمها لك هدية في عيد جوازنا الجاي. -حياتي إنتَ يا عمرو... قالتها بابتسامة مزيفة لتجذبه وتسكنه أحضانها، ثم بلحظة تحولت ملامحها لحادة ونظراتها لنارية وهي تقول: -تؤبرني قديش حنون. خرج من بين أحضانها لينطق بهلع لم يستطع مداراته لسيطرة الخوف عليه: -مش وقت أحضان يا رولا، إحنا لازم نسيب المكان ده حالًا، الوقت مش في صالحنا. -شو عامل إنتَ وسِتهم لحتى تنهار بهالشكل؟

-وبعدين معكِ يا رولا... صرخ بها وهو يدور حول حاله كالأسد الجريح مما جعلها تتراجع وتقول لاستقطابه: -خلص، بوعدك ما رح أسألك بعد هلا. زفر ونطق بلهفة ممتزجة بقلق عميق: -اطلعي بسرعة هاتي حاجتك المهمة وجهزي الولاد، وادي خبر لمامتك علشان تجهز. وتابع بحسم: -لازم في خلال نص ساعة بالكثير نكون اتحركنا من هنا.

صعدت الدرج لتجد والدتها تقف بأعلاه، ومن الواضح أنها كانت تتسمع عليهما، أمسكت بكفها وسحبتها حتى وصلت إلى باب غرفتها ودفعته لتوصده جيدًا قبل أن تهتف بحدة: -دخلك شو عامل هالتافه هو وإمه الحرباية لحتى يكون مرعوب هيك؟ أجابتها هامسة: -ما بعرف يا ماما، بس شكله الموضوع كبير ومعقد. -ونحن شو بيدخلنا بقصصهم يا ماما؟ ... قالتها نائلة بارتياب لتتابع بحذر: -خليني أتلفن لبيك وبخبره شو يلي صار، وهو بيتصرف وبيقُلنا شو بنعمل.

هتفت "رولا" تترجى والدتها بنظراتها المستعطفة: -دخيلك يا ماما ما تدخليه للبابا في الموضوع. تابعت وهي تنظر للأمام بشرود وكأنها تخطط لشيء ما: -أنا بحلها، وهلا بترجاكِ تساعديني لنضب أغراضنا عالسريع لحتى نتحرك من هون. زفرت المرأة بضيق لا يروق لها تصرفات ابنتها الهوجاء لكنها مضطرة لمجاراتها كي لا تحزن. *** العودة إلى قرية "آل ناصف"

وقف الحاج محمد يصرخ بكامل صوته يأمر الجميع بالابتعاد عن الصيدلي وكأنه يخاطب نفسه، فحتى أبنائه ضربوا بأوامره عرض الحائط وانقضوا على الصيدلي كالذئاب المفترسة الجائعة، صرخ أيضًا إمام الجامع في محاولة منه للابتعاد وبات يقص عليهم بعض آيات الذكر الحكيم دون جدوى، حالة من الهرج والمرج أصابت الوسط.

حضر رجال الشرطة بسياراتهم بعد أن استعان بهم بعض أبناء القرية ممن رأوا أن زمام الأمور قد انفلتت على الآخر لتعم الفوضى بالبلدة، ترجل رجال الشرطة من السيارات وبدأوا بالانتشار حول الاشتباك وبدأ الضابط بالصياح يأمرهم بالابتعاد عن الصيدلي وأخصائي المعمل دون فائدة، اتسعت عينيه حين رأى غضب الناس وتجمهرهم حول الرجلين، الأمر أشبه بحيوانات مفترسة جائعة قد عثروا على فريستين فانقضوا عليهما لينهشوا من لحمهما دون الشفقة على صرخات الفريسة، أخرج الضابط سلاحه ورفعه للأعلى ليطلق بعض الأعيرة النارية في الهواء الطلق كي يُجبر الناس على الابتعاد، كرر العملية عدة مرات حتى ابتعد الجميع بمساعدة الحاج محمد وإمام الجامع ورجال الشرطة.

صرخ الضابط حين وجد الرجلين يغرقان بدمائهما بمنظر تقشعر له الأبدان، وجه كل منهما مشرح وأظافر أهل القرية قد حفرت وكل وضع علامته المؤثرة فوق جسديهما: -أنا عاوز أعرف إيه اللي بيحصل هنا بالظبط ومين المسؤول عن الفوضى والخلل الأمني اللي حصل ده؟ وأشار لرجاله الاطمئنان على الطبيبين، بينما ازدرد السيد محمد لعابه فهو المسؤول الأول والآخر عما حدث وبدر من أهل قريته، نطق بصوت حاول السيطرة عليه ليخرج ثابتًا وهو يقول:

-الموضوع كان بسيط يا باشا وكان عبارة عن قاعدة عرفية بينا كأهل بلد واحدة. قاطعه الضابط بحدة بالغة: -مش إنتَ اللي تقرر إذا كان بسيط ولا لا يا حاج محمد، وبعدين البلد دي فيها قانون، وحتى لو هتعمل قاعدة عرفية فدي كمان ليها أصول وقوانين وإحنا بنكون مدعيين فيها لضبط النفس عند الجميع، وعلشان لما الأمور تتطور وتخرج عن السيطرة زي ما حصل هنا، نكون موجودين ونسيطر على الأوضاع.

انتفض جسد السيد محمد عندما استمع إلى صوت رجل الشرطة المبلغ بالاطمئنان عن المتعدي عليهما وهو يقول: -الصيدلي مات يا أفندم. اتسعت عيني الضابط لتعلو أصوات شباب عائلة ناصف وأهل القرية جميعًا وهم يقولون بقلب لا يعرف الشفقة على هذا القاتل بائع ضميره: -في ستين داهية، عقبال دكتور التحاليل. صرخ الضابط بكامل صوته كي يحث جميع الأبواق التي فُتحت على الصمت: -الكل يسكت، مش عاوز أسمع صوت حد فيكم. وتابع متوجهًا باتهام للسيد محمد:

-إنتَ المسؤول قدامي عن موت دكتور فريد، وعلشان كده مضطر أقبض عليك، وهناك تبقى تحكي لنا تفاصيل الفوضى اللي حصلت دي، حصلت إزاي. علت أصوات الناس باعتراض على التحفظ على السيد محمد ناصف ليهتف إمام الجامع موضحًا حقيقة الأمر: -الحاج محمد بريء من ذنب الدكتور يا حضرة الضابط، الراجل عمل أقصى ما بوسعه وحاول يبعد الناس ويهديهم، لكن الشباب مسمعوش لحد وثاروا على الدكتور وحصل اللي حصل. وتابع بحكم مكانته كرجل دين:

-وبكده الحاج محمد بريء من دمه، ودم الراجل اتفرق بين شباب البلد. -أنا ماليش دعوة بالكلام ده كله يا سيدنا الشيخ، أنا هنا بنفذ القانون، والقانون بيقول إن كل واحد مسؤول عن اللي حصل النهارده هيتقبض عليه ويتحقق معاه إلى أن تثبت براءته أو إدانته. هرول طلعت يتحامى في الضابط فقد كان يختبئ تحت أحد الأرائك الخشبية خشية من ثورة أهل البلدة عليه وضمه مع ذاك الثنائي، صرخ مستنجدًا بجسد يرتجف هلعًا:

-احميني من أهل البلد يا حضرة الضابط، أنا بريء، والله ما كنت أعرف أي حاجة. قطب جبينه يسأل: -إنتَ مين يا جدع إنتَ؟ أجابه أحد الشباب: -ده طلعت البنهاوي يا باشا، واحد من اللي اتفقوا على مرض وفضيحة الست أزهار. ازدرد لعاب "طلعت" وقبل أن ينطق نافيًا وجد قبضة الضابط تهبط بقوة على كتفه كمن عثر على ضالته وهو يقول: -هو أنتَ بقى طلعت البنهاوي صاحب المطعم اللي على الطريق بره، وقعت ولا حدش سمى عليك يا حبيبي. وصاح مناديًا

على أحد رجاله: -عسكري إسماعيل، خد الواد ده ارميه في البوكس واتحفظ عليه كويس على ما نفضى له ونشوف مصايبه هو كمان. صرخ "طلعت" متعجبًا: -أنا عملت إيه يا باشا؟ نطق الضابط مفسرًا تحت ترقب أهل البلد وتمعنهم بالحديث:

-صلاح حرامي الحمير اتقبض عليه من كام ساعة وهو متلبس بسرقة حمارين من غيط في البلد اللي جنبكم، ولما استجوبناه اعترف إنه بيسرق الحمير بالاتفاق معاك علشان تدبحها وتستخدمها في المطعم بتاعك على أساس إنها لحمة بقر وجاموس. ارتعد طلعت من نظرات أهل القرية التي صوبت نحوه كسهام مسممة بينما صاح أحد الشباب بذهول وهو يشعر بالتقزز:

-يعني إيه، الكفتة واللحمة المشوية والحواوشي اللي كنا بناكلهم الفترة اللي فاتت دي كلها، كانت من لحم الحمير؟ انتهز عزيز الجوهري الذي حضر هو وشقيقه "وجدي" حين علم بما يجري من كارثة، وهتف ملقيًا بكامل اللوم على أهل قريته: -اشربوا يا بلد، مش جريتوا ورا الأكل الرخيص وقاطعتوا مطعمنا اللي بنتقي الله في كل لقمة بنقدمها لكم فيه؟ وتابع شامتًا: -أهو عمرو البنهاوي وطلعت طلعوا بيأكلوكم لحم حمير وكمان مسروق. صرخ طلعت متنصلًا

بندالة كعادته: -أنا ماليش دعوة يا باشا، المطعم باسم "عمرو" والاتفاقات وتوريد اللحمة وكل حاجة هو المسؤول عنها، أنا موظف شغلتي أبيع وأورد له الفلوس وبس. لم يكن عزيز هو الوحيد الذي انتهز تلك الفرصة لتوجيه اللوم إلى أهل قريته فقط، بل اتبع الحاج محمد أيضًا نفس النهج حيث وجه لومه إلى ضابط الشرطة قائلًا:

-شوفت يا باشا، عرفت إن كان عندي حق لما نفيت نسل البنهاوي النجس وقطعت دابرهم من البلد كلها، كنا عايشين مرتاحين والبلد كانت هادية، لحد ما رجعوا تاني وإنتَ بنفسك يا باشا اللي جيت وأجبرتنا على دخولهم لما حضرت مع رجالتك افتتاح مطعم الشؤم والندامة. وتابع محملًا إياه الذنب: -وأهم البهوات طلعوا بيقدموا فيه سمومهم للناس في لحمة الحمير، ويا عالم الأمراض اللي دخلت جسد الناس من اللحمة اللي حرمها ربنا في كتابه العزيز.

صاح إمام الجامع موجهًا حديثه إلى ذاك الـ"طلعت" المتحفظ عليه من قِبل رجال الشرطة: -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنتوا إيه يا أخي، ما بتخافوش من ربنا ولا بتتقوه، دايرين تأذوا وترازوا في الخلق، حتى اللقمة بتاعت الناس ما سلمتش من أذاكم، هتقابلوا ربنا وتقفوا قدامه يوم الموقف العظيم بأنهي وش؟!

فارت دماء الشباب داخل عروقهم، وجميعهم شعر بالتقزز، حتى منهم من أصابه الهلع وأمسك بطنه وبدأ يتقيأ بإعياء، بينما أقبل البعض ليهاجموا طلعت، فاستشعر الضابط الخطر فقام بإطلاق الرصاص الحي بالأعلى للتفريق، وسريعًا أمر رجاله بالتحفظ على طلعت داخل سيارة الشرطة، وبالفعل هرولوا لإخفائه عن العيون خوفًا من أن تطاله أيادي أهل القرية فيمزقوه ويحولوا جسده لإرب.

هاجت الناس وتحول المكان إلى هرج ومرج من جديد، كل هذا يحدث تحت نظرات ذاك الواقف جانبًا، عيناه ممتلئة بدموع الألم والحسرة، يشعر بالخزي والعار ويتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه ليختفي من أمام أعين الناس المشفقة على حاله.

حضرت سيارتا الإسعاف، حملت إحداهما جثة الصيدلي تحت صرخات والدته وزوجته التي برغم ما حدث لصغيرها بسبب لعنة المال الملطخ بشرف سيدة بريئة، إلا أن خبر وفاته نزل عليها كصاعقة كهربائية زلزلت كيانها بالكامل، والآن خسرت زوجها وسيلحق نجلها بأبيه وستبقى وحيدة بلا ونيس يؤنس عالمها، وذاك ابتلاؤها من المولى عز وجل ربما لرفعة شأنها، فالبلاء وإن كان ظاهره النقمة إلا أن حقيقته نعمة، فالله يبتلي أهل الطاعة إما لمغفرة ذنوبهم أو رفعًا لدرجاتهم، وفي كلا الأمرين خير للإنسان لو عقل وصبر.

حملت السيارة الأخرى أخصائي التحاليل مع التحفظ عليه من قبل رجال الشرطة لحمايته وأيضًا لضلوعه في الجريمة، واتجهت إلى المشفى لعلاجه.

بدأ الضابط بالتحفظ على بعض الشباب للتحقيق معهم في واقعة وفاة الصيدلي فريد والتعدي على الآخر، ومن بينهم نجلي السيد محمد بذاته وبعض أبناء العائلة بالإضافة لبعض أهالي القرية الذين شاركوا بأخذ حق ابنة قريتهم والثأر ممن تعديا على شرفها، ليصرخ أهالي الشباب ويعترضوا فطمأنهم الضابط أنها مجرد إجراءات احترازية وسيتم الإفراج عنهم إذا ما ثبت تورطهم وذلك لتهدئة الوسط ليس إلا، لكنه سيتبع التحقيق بشفافية وحتمًا سينال كل متعدٍ جزاءه بعدل الله وحكمة القانون.

تحدث الحاج محمد إلى الضابط بصوت عالٍ كإشارة منه إلى الشباب المتحفظ عليه ورسالة للجميع بألا تأتي سيرة إجلال في أقوالهم أثناء الإدلاء بشهادتهم في محضر الشرطة الرسمي: -يا باشا المتهم الرئيسي في اللي حصل ده كله هو عمرو البنهاوي، بمساعدة الشيطان طلعت. -وستهم يا حاج محمد... نطقتها إحدى النساء ليخرسها بنظراته وهو يقول بذات مغزى وصل للجميع:

-الكلام اللي قلته هو اللي حصل يا باشا، وباعتراف الصيدلي الله يرحمه قدام الجميع وكمان دكتور التحاليل، ولا إيه يا أهل البلد؟ وافقه الجميع بصوت عالٍ لثقتهم باتباعه للعدالة. نطق الضابط مستفسرًا من المرأة: -مين ستهم؟! ابتلعت ريقها وبعد تفكير تحدثت بتفسير: -أنا قصدي إن أمهم قصرت في تربيتهم وكده هي معاهم.

لم يهتم الضابط بتفسير المرأة وتحدث إلى السيد محمد باحترام لسببين، أولهما خشية من غضب التجمهر لأجل كبيرهم الحكيم، والآخر هو أنه حقًا يكن للسيد احترامًا لعدم تعديه يومًا على القانون واحترامه للجميع، عدا تلك الحادثة التي تصرف بها بهوجاء: -أنا هاخد الشباب على القسم وأبدأ التحقيق في القضية يا حاج محمد، ومستنيك تجي لي النهاردة القسم علشان ناخد أقوالك أنت كمان، وياريت تجيب معاك الست الشاهدة مرات طلعت.

-أنا تحت أمرك يا باشا، اتفضل جنابك وأنا هصرف الناس وأهديهم وأحصلك على القسم. بعدما انصرف الضابط ومعه جميع المشتبه بهم وهم أكثر من مئة شاب على الأقل، هدأ السيد محمد الأهالي وانصرفوا ليقترب هو من حسين المهزوم، حاوط كتفه وتحدث متضامنًا: -قلبي عندك يا حسين يا ابني، مش عارف أقول لك إيه. وتابع الرجل ناصحًا لأجل ما يشعر به ذاك الخلوق من مشاعر مميتة: -خد بعضك وارجع لعيالك يا ابني، ونصيحتي ليك انسى البلد وخليك مكمل في طريقك.

-ليا عندك طلب واحد قبل ما أمشي يا خال... قالها بصوت منكسر ذليل ليجيبه الرجل بهدوء: -اطلب يا ابني، عاوز فلوس؟ قالها محمد بصدق ليقطع الآخر حديثه قائلًا بخجل: -كتر خيرك يا خال، مستورة الحمد لله. وتابع وهو يبتلع لعابه: -أنا بقول تديني أمي أخدها معايا، ووعد عليا ما هتشوف وشها تاني ولا هتسمع عنها أي حاجة. -طلبك متأخر يا ابني، أمر أمك مبقاش في إيدي خلاص. ترجاه بعينيه متذللًا فحرك الرجل رأسه وتحدث:

-ده طلب ست اتظلمت واتداس على شرفها وعفتها بجزمة أهل البلد كلهم، وأقل حاجة نريحها في آخر أيامها. سأله بذهول: -يعني هتسلمها أمي بجد يا خال؟! هتسلمها أختك؟! تنهد الرجل بأسى وتحدث والألم ينهش بصدره: -أنت فاكرني مبسوط وأنا بسلم أختي لأزهار، ستهم بنت الحاج ناصف اللي كانت رجالة البلد بأكملها بتقف لها باحترام، بس للأسف، أمك هي اللي عملت ووصلت نفسها للنهاية دي، والقصاص عدل ربنا في الأرض يا حسين.

نزلت دموعه ألمًا وحسرة على ما وصلت إليه عائلته وطلب أن يرى والدته للمرة الأخيرة فرفض محمد للتحفظ على إجلال من قبل أزهار بغرفة واحدة لكنه أصر على رؤيتها. بمسكن حسين البنهاوي داخل القاهرة الكبرى حضر يوسف بصحبة شقيقته بعدما أخبرته الأخيرة بأن ابنة عمها أبلغتها عبر الهاتف بانهيار والدتها خوفًا على أبيها المتواجد وسط النار، على الفور حضر هو وشقيقته كي يؤازرا أسرة عمهما.

يجلس منكسًا رأسه والحزن والهم والألم يسكنون ملامحه، يقابلون جلوسه مروة المنتحبة وابنتيها وأيضًا زينة التي تحدثت وهي تحتوي كف زوجة عمها الحنون: -كفاية عياط يا خالتي، إن شاء الله عمي هيتصل بيكي تاني الوقت ويطمنا عليه. خرج من الداخل أحمد حيث كان بالحمام، وهتف بحدة وهو يجاور ابن عمه بالجلوس: -أنا اللي عاوز أعرفه بابا رايح ليه أصلًا، إحنا لينا إيه هناك أو مين علشان نروح له ويحط نفسه في وسط النار علشانهم؟!

-والله يا ابني أنا قلت الكلام ده لعمي... جملة تأكيدية نطق بها يوسف ليتابع بعدم رضا ظهر فوق ملامحه: -قلت له ركز مع ولادك وشغلك وخرج الناس دي من حساباتك، لأن محدش فينا هيشوف خير في قربه منهم. نطقت مروة بدموعها الحزينة: -أنت بتتكلم علشان الموضوع بعيد عنك يا يوسف، لكن عمك حسين ميقدرش يبعد، دول في الأول والآخر أمه وإخواته، وعمك ضميره حي، ميقدرش يسيبهم وهما في الظروف دي. ضيق بين حاجبيه قبل أن يسألها مستنكرًا:

-ومين اللي حطهم في الموقف ده يا طنط؟! مش عمايلهم السودة وإجرامهم وعدم خوفهم من ربنا؟! واسترسل يهز رأسه بذهول وعدم إدراك لمدى إجرامهم وشيطنة عقولهم: -حضرتك مستوعبة هما عملوا إيه، دول لوثوا دم ست بريئة بمرض مميت ومرعب. وتابع بتحريك رأسه باستنكار وجنون: -وياريتهم اكتفوا بكده، دول مش بس لوثوا دمها، دول لوثوا سمعة ست شريفة ودنسوا طهارتها قدام أولادها وأهل البلد كلهم، دول غلبوا الشياطين بتفكيرهم الحقير. وتابع يسألها

وقد أوشك على فقدان عقله: -حضرتك مستوعبة عمي رايح يساند مين؟! ارتفع صوت شهقاتها وتزايد هبوط دموعها ليزفر هو مسترسلًا: -أنا مش قصدي أضايق حضرتك بكلامي، أنا بعرفك إن عمي غلطان في دعمه ليهم. -يوسف عنده حق يا ماما... قالتها جنة لتهتف بجسد مستنفر: -العيلة دي مشفناش من وراها غير العار والهم. أكمل على حديثها أحمد الثائر:

-وبدل أبوك ما يبعد ويكفينا شرهم، مصر يجري وراهم علشان يورط نفسه معاهم، أدينا قاعدين حاطين أيدينا على خدنا ومستنيين نعرف اللي حصل معاه، يا ترى لو البوليس قبض عليه معاهم هنعمل إيه وهيكون موقفه هو إيه؟ نطقت الصغيرة تقى سريعًا وعيناها تتشبثان بأمل بابن عمها: -لو بابا اتقبض عليه يوسف أكيد هيطلعه، مهو ضابط ويقدر يعمل كده. وتابعت متعلقة بعينيه بتوسل بريء: -مش كده يا يوسف؟ شملها بنظرات حزينة ونطق كي يهدأ من ورع تلك الصغيرة:

-بابا محدش هيقدر ييجي جنبه يا تقى، لأنه مش مدان بأي فعل، اطمني يا حبيبتي. وتابع وهو يتطلع إلى زوجة عمه: -كفاية عياط يا طنط لو سمحتي. نطقت بتوجس وريبة: -أنا خايفة لياخدوا عمك في الرجلين يا يوسف، بحكم إنه أخوهم، وخصوصًا إن أبوك الندل ورطهم وهرب زي عوايده. برغم احتراق روحه وغضبه من ذكرها بلقب "أبوك" ولصق اللقب به إلا أنه تمالك من غضبه وتحدث مهدئًا روعها:

-إن شاء الله مش هيحصل كده، وصدقيني لو الموضوع لا قدر الله اتطور والشرطة قبضت على كل الناس اللي كانت حاضرة زي ما بتقولي، أنا هتصل ببابا فؤاد وهخليه يتدخل. استمع إلى رنين جرس الباب فأشار سريعًا إلى أحمد الذي تأهب للوقوف وتحدث: -خليك يا أحمد، ده غالبًا هيكون دليفري المطعم. تحرك باتجاه الباب لتسأل مروة متعجبة: -دليفري إيه اللي جاي لنا الوقت؟ أجابتها زينة بهدوء كعادتها:

-ده يوسف اتصل بمطعم مشويات وإحنا جايين في العربية، وحجز لنا عشا علشان ناكل مع بعض. وتابعت بحرج يعود لشخصيتها: -هو قال أكيد أنتوا مش قادرين تقفوا في المطبخ وتعملوا عشا وأنتوا في الظروف دي. -ومين ليه نفس للأكل وعمك في وسط النار يا زينة...

قالتها لتنهمر دموعها بغزارة. احتضنتها زينة وانهمرت دموعها هي الأخرى قلقًا وحزنًا على ذاك الحنون الذي احتواها في كنفه منذ أن كانت طفلة حتى ترعرعت بين أحضانه وصارت شابة يتشرف الجميع بحسن تربيتها. استلم يوسف الطعام من العامل وحاسبه، ثم أغلق الباب ليضع الأكياس فوق الطاولة الصغيرة وهو يقول: -يلا يا جماعة علشان نتعشى. أشارت بكفها باعتراض:

-خد ولاد عمك وكلوا انتوا يا ابني، أنا مش هقدر أحط لقمة في بوقي إلا لما ألاقي عمك داخل علينا من الباب. -مش هينفع اللي حضرتك بتعمليه ده، صدقيني موضوع عمي أبسط مما تتخيلي، وشوية وهتلاقيه داخل علينا لإن زي ما قولت لك، هو ملوش أي علاقة بالموضوع. أقبل عليها وبسط كفه وتحدث: -مينفعش تفضلي من غير أكل الفترة دي كلها، قومي علشان خاطري. وتابع من باب الضغط عليها: -ولا مش عوزاني أكل معاكم؟

على فكرة أنا جعان ومأكلتش من إمبارح حتى اسألي زينة. نطقت سريعًا تؤكد على حديث شقيقها: -آه والله ما حط لقمة في جوفه من ساعة ما عمي حسين ما كلمه، عايش طول اليوم على القهوة. نطقت جنة أيضًا: -لو مقومتيش أكلتي إحنا كمان مش هناكل. نطق يوسف يجبرها على الاستجابة: -إيه يا طنط، أنا هفضل مادد إيدي كده كتير ولا إيه؟

تبسمت له لتضع كفها بخاصته فأسندها الشاب والفتيات واتجه جميعهم إلى الطاولة ليخرجن الفتيات الطعام ويرصصنه ويبدأ الجميع بتناوله، دون شهية ولا تذوق وكأن كلًا منهما يؤدي وظيفة ويأكل، غصبًا لأجل الآخر. ولجت بعدما استأذنت بالدخول وتحركت باتجاه ذاك القابع خلف مكتبه الخشبي. أمسكت كوب القهوة وقامت بوضعه فوق سطح المكتب وهي تقول بملامح وجه جادة: -قهوة سعادتك يا باشا. خلع عنه نظارته الطبية ليفرك عينيه برفق،

وأغلق الحاسوب وهو يقول: -تسلم إيدك يا عزة. أمسكت كأس الماء وقامت بوضعه بجوار القهوة لتنطق مستفسرة: -ألا إيه آخر الأخبار يا باشا؟ ناظرها مستفهمًا لتتابع مفسرة: -أخبار البلد واللي بيجرى فيها. -ملكيش دعوة بالموضوع ده... قالها بحزم، ليتابع بإشارة تحذيرية من سبابته: -وإياك إيثار تعرف حاجة عن الموضوع يا عزة، صدقيني المرة دي بالذات ما هرحمك. لوت جانب فمها لتنطق متهكمة:

-وأنا لو عاوزة أقول لها كنت هاجي أقول لك إنت من الأول ليه؟! مصمصت شفتيها ونطقت وهي تضرب كفها بالآخر بأسى: -أنا مش صعبان عليا في الليلة دي كلها إلا يوسف يا حبة عيني، الواد كل ما ييجي يقوم ويسند ظهره ييجي المنيل على عينه ويسحبه معاه لتحت بعمايله السودة. وتابعت بإشارة من كفيها: -كانت جوازة الشوم والندامة، ودفع تمنها المسكين. رفع قدح القهوة وارتشف منه القليل لينطق بهدوء ورزانة: -بطلي ندب يا عزة وروحي شوفي وراكي إيه.

-يعني هيكون ورايا الديوان... قالتها وهي تشيح بكفها لتتابع وكأنها تتحدث مع إحدى صديقاتها: -ادينا بنتسلى.

استند بظهره للوراء ورفع حاجبه الأيسر يطالعها باستغراب، في محاولة لفهم تلك المرأة غريبة الأطوار، يقسم بداخله أنها أغرب امرأة قابلها بتاريخ حياته، عجيبًا أمره معها، برغم أفعالها العجيبة وبرغم شخصيته الحاسمة التي ما كانت تسمح بالماضي لتعدي أحدهم مهما كان حدوده التي وضعها لحاله، إلا أنه يتعجب لأمره، كيف سمح لتلك البسيطة اختراق قوانينه ليس فقط القوانين من تم خرقها بل اخترقت بعفويتها قلب ذاك الجامد ليصبح لا يطيق الاستغناء عنها واعتاد رؤية وجهها صباح كل يوم، أصبحت رؤيتها إدمانًا كفنجان قهوة الصباح من يدها، ضيقت بين عينيها لتقطع

حبل أفكاره بسؤالها العفوي: -اسم الله عليك يا باشا، إنت بتبص لي كده ليه؟! أجابها بجمود: -بتملى في جمال طلتك يا عزة. -يو كتك إيه يا سيادة المستشار، ضحكتني يحظك ربنا... قالتها بعفوية وضحكة خرجت من القلب لتنير وجهها البشوش. حاوط فكه بكف يده ثم بات يلف مقعده يمينًا ويسارًا لينطق: -عارفة يا عزة لو حد غيرك قالي يو كتك إيه، كنت عملت فيه إيه؟! نطقت بنبرة توددية:

-أنا عارفة إن ليا غلاوة عندك، عشان كده باخد راحتي معاك في الكلام، ولعلمك بقى... نطقتها بجدية لتتابع مفسرة: -أنا مباخدش راحتي في الكلام كده إلا مع حبايبي والناس القريبين مني، آه. -يا هنايا.... قالها ساخرًا ومازال يطالعها لتقطع عليهما ذاك الحوار الخارج من القلب تلك التي ولجت لتقول: -قاعد لوحدك ليه يا حبيبي؟ -سلامة الشوف يا نضري... قالتها باستهجان لتمصمص شفتيها مسترسلة بتهكم عاتب:

-شايفاني هوى قدامك ولا اكونش مش قد المقام. اقتربت عليها لتحتوي كتفيها ومالت على أحدهما تضع رأسها بحنو، ظهر بصوتها وهي تنطق بدلال: -إنت قد الدنيا كلها يا زوزة، واكيد مقصدش اللي جه في بالك. -طب اسيبك بقى مع جوزك تسليه، وأروح أسخن للباشا الكبير كباية حليب تريح أعصابه قبل ما ينام.

انصرفت وأغلقت الباب لتقترب الأخرى من حبيبها، عدلت من وضع المقعد وباتت تواجهه، ليمسك كفها ويجذبها حتى سقطت فوق ساقيه بعنف، أثار كلاهما، اقتربت عليه تستند بجبهتها على خاصته ونطقت بإثارة أمام شفتيه: -إنت قد الحركة دي يا باشا؟! -قدها ونص يا قلب الباشا... اقترب على شفتيها يلتقطهما ويغوص معها بقبلات حارة أشعلت قلبه بعشقها، ابتعد لينطق من جديد: -وحشتني شقاوتك قوي يا إيثو. تبسمت وباتت تداعب أنفه بخاصتها بملاطفة:

-أنا كلي ملكك يا حبيبي. مال يلتقط شفتيها من جديد لينتفض كلاهما على دفع الباب مما جعلها تهب واقفة ليرى كلاهما ذاك المشاغب الحامل لهرته الجديدة، هتف بسعادة وهو يقبل عليهما: -يا بابي، مشموش عمال يسأل عليك. -الله يخربيت مشموش على اليوم اللي دخل فيه أم البيت ده... قالها فؤاد وهو يزفر في محاولة منه لتهدئة حالة الذعر التي سببها له ذاك المشاغب الصغير، وتابع وهو يطالع تلك المجاورة له التي دخلت في نوبة من الضحك:

-إحمدي ربنا إنك لحقتي تخلفي لك مني تلات عيال قبل ما أقطع الخلف على إيد القرد المسلسل اللي خلفتيهولنا وطلقتيه علينا في البيت. أطلقت قهقهاتها المرتفعة مع رفعه لحاجبه يطالعها متعجبًا، اقترب الصغير من مقعد والده ونطق مجددًا وهو يلصق قطته بصدر أبيه: -سلم على مشموش وبوسه يا بابي. نطق مستنكرًا: -يا ابني إنت ليه مش مقتنع إن اللي في إيدك دي أنسة، قطة حضرتك مش قط، يعني مشموشة. أشار إلى والدته وتحدث:

-والله دي غلطة مامي مش غلطتي، هي عارفة إني بحب اسم مشموش ومش هنده لقطي غير بيه. وتابع وهو يحتضن القطة بدلال لامس قلب أبيه تحت نظرات إيثار الحنون: -شوف يا بابي شبه مشموش إزاي، ده حبني قوي على فكرة؟ ذاك الصغير استطاع أن يمتلك الجزء الأكبر من قلب فؤاد علام، بل الوحيد القادر على خلق بسمته من قلب الأحزان، قرب صغيره ليرفعه مثبتًا إياه فوق ساقيه ثم قبل وجنتيه وتحدث بنبرة حنون وصوت هادئ: -إنت عارف إن أنا بحبك قوي؟

أومأ برأسه ليتابع فؤاد بحالة هائلة من المشاعر تجتاح قلبه: -لا إنت مش فاهم، أنا بحبك قوي، بحبك أكتر من أي حد في الدنيا كلها. -حتى أكتر من تاج؟! ... قالها الصغير متعمقًا بعيني أبيه بترقب واهتمام، ابتسم فؤاد حين فطن مغزى سؤاله، فطالما شعر بانجذاب فؤاد إلى شقيقته أكثر لشعور فؤاد الدائم واقتناعه بأن الفتاة تحتاج أكثر لحنان أبيها، غمره بلمساته الحنون فوق وجنته ونطق: -أكتر من أي حد في الدنيا، ملوك ده ساكن قلب بابي من جوه.

ابتسامة واسعة احتلت ثغره الصغير لتتسع شفتيه بلونها الوردي مما جعل قلب فؤاد يتراقص فرحًا، احتضن مالك والده ليتمسح بصدره وهو يقول: -وأنا بحبك أكتر حد في الدنيا كلها يا بابي، حتى أكتر من مشموش. احتضنت كلاهما وتحدثت متأثرة بنبرة حنون: -ربنا يخليكم ليا وميحرمنيش منكم أبدًا.

كان مساندًا برأسه على زجاج نافذة سيارة الأجرة عائدًا في طريقه إلى منزله بالقاهرة، يحمل داخل قلبه همومًا لو تفرقت على مدينة بأكملها لكفت ووفت، تذكر قبل قليل بعدما ترجى خاله وولج إلى تلك القاسية التي بمجرد أن رأته حتى تجعد جبينها بينما نطق هو بدموعه التي لم يستطع أن يكظمها أكثر: -ليه عملتي كده، شايفة وصلتي نفسك وولادك لإيه؟! -إنتِ آخر واحد يحق لك الكلام يا عرة الرجالة. نطقت حديثها وهي ترمقه بحدة

لتتابع بعدم ذرة ندم واحدة: -أنا وأخوك خدنا حق أبوك من الحربوءة اللي قتلته وريحنا جسده في التربة. نطق بألم ينخر بأعماق قلبه لأجلها: -حق إيه، إنتِ مش واخدة بالك إن أبويا قتل جوزها ويتم عيالها وكله بسببك إنتِ، لولا تحريضك للحاج هارون على نزوله في الانتخابات قصاد أبويا ما كانش حصل حاجة من كل ده. -إمشي من قدامي وروح لمراتك اللي سحبتك وراها زي الخروف ونستك أهلك وناسك، يلا غور من هنا.

قالتها بجبروت ليخرجه محمد من الغرفة ويغلقها عليها من جديد. داخل مسكن حسين، تأخر الوقت وما زال يوسف وزينة يجلسون بصحبة العائلة منتظرين حضور حسين الذي حضر بعد مدة ليطمئن عليه الجميع ويعود يوسف وشقيقته إلى مسكنهما دون أن يسأل عن تفاصيل ما حدث كي لا يزيدها على عمه المسكين.

_بينما انتقلت إجلال عنوة عنها إلى منزل أزهار وبنفس الغرفة التي تسكن بها حسبما طلبت الأخيرة، اقتربت أزهار من إجلال الجالسة فوق المقعد لتصرخ الأخيرة وهي تشير بيدها هلعًا: -لو قربتي مني هقطعك بسناني يا أزهار. فتحت أزهار درج المنضدة الصغيرة وأخرجت منه أمبولًا معبأ بدواء داء السكري وتحدثت بابتسامة شامتة: -شوفتي سوء نيتك يا مرة، ده أنا عاملة حسابك وجايبة لك حقنة السكر وهديها لك بأيديا كمان.

توقفت تطالعها وتحدثت بابتسامة سعيدة ووجه من يراه لا يصدق أن تلك هي أزهار المريضة وكأن شعور الانتصار وعودة حقها أعادا لها صحتها: -ومن حظك الحلو إني بأعرف أدي حقن من أيام الله يرحمه الحاج هارون، فاكراه يا إجلال؟! وتابعت بمغزى ساخر: -إسكتي، مش جالي إمبارح في الحلم وبعت لك معايا السلام، قولت له أبدًا يا حاج، سلام كده على الماشي ما ينفعش، نادرًا عليا ما أجي لك وإيدي فاضية أبدًا، لازم أجيب لك حبيبة القلب في إيدي وأنا جاية.

أنهت حديثها ومالت بجسدها تقلب داخل كيس مملوء بالنفايات الخاصة بها حيث يتركها نجلها ويأخذها كل يومين ليدفنها داخل الصحراء كي لا يتأذى أحد، صرخت إجلال وهي تقول عندما وجدتها تمسك إبرة مستعملة لحقن الدواء: -إنتِ بتعملي إيه، إعقلي يا أزهار. نطقت أزهار بصوت عالٍ تستدعي ابنتها وزوجة نجلها اللتان ولجتا وقامتا بتثبيت تلك السمينة التي صرخت وهي ترى أزهار تملأ الإبرة المستعملة من الدواء وتقترب عليها:

-إتقي الله وخافي من ربنا يا أزهار، إعملي لآخرتك اللي قربت وسيبك من انتقام الدنيا. نطقت ابنة أزهار وهي تغرس أظافرها بلحم ذراعها المقيد: -إخرسي يا ولية يا سو، إنتِ تعرفي ربنا علشان تتكلمي عنه. اقتربت أزهار وغرست سن الإبرة الملوث منها وأفرغت الدواء وهي تبتسم بتشفٍ وشعور نشوة النصر يملأ نفسها تحت صرخات إجلال واستنجادها بالبشر دون جدوى. انتهت لتقول: -بالمرض إن شاء الله يا غالية.

وتابعت وهي تشير لابنتها وزوجة نجلها المرتديتين القفازات الطبية السميكة لحمايتهما: -اطلعوا بره وسيبوني مع حبيبتي لوحدنا. أمسكتها ابنتها عنوة عنها وهي تقول: -حسن أخويا قال نرميها في الأوضة القبلية ونقفل عليها، وكل يوم هندخلك ليها في ميعاد الحقنة، لحد ما نتأكد من إن المرض صاب جسدها، بعدها نرميها في بيتها زي الكلبة. تابعت أزهار متشفية:

-نسيت أقول لك على آخر الأخبار، مش الحاج محمد عطى البيت بتاعك وكل أملاك الملعون ابنك للبت نوجا وأهلها، الحاج محمد بعت جاب أهلها وتلاقيهم الوقت مهيصين في خير البيت ونعيمه. كانت تستمع إليها والغضب والحقد يملآن قلبها لتتابع الأخرى بشماتة: -يلا، ولاد حلال ويستاهلوا، وشوية لما المرض يمسك فيك هنبعتك لـ نوجا علشان تاخد منك حقها هي كمان، وتدوقك من النعيم اللي دوقتيهولها.

قد قرر نجل أزهار إبعاد إجلال وعزلها بغرفة بعيدًا عن والدته خشية من أن تنتقم منها وتؤذيها أثناء نومها. *** عصر اليوم التالي، تحديدًا داخل منزل السيد "أحمد زين الدين" خرج من باب المنزل الداخلي يطوف بعينيه باحثًا عن زوجته، وجدتها تجلس على أحد المقاعد القريبة من حوض السباحة، أقبل عليها فلمح دموعها التي سارعت بتجفيفها كي لا تظهر أمامه بهيئة ضعيفة، تنهد وسحب مقعدًا ليقابلها الجلوس، طالعته قبل أن ينطق لائمًا:

-وبعدين معاك يا نجوى، بقى لك يومين من وقت ما سميحة سافرت وإنتِ ما بطلتيش عياط؟! هتفت بحدة أظهرت مدى غضبها: -حتى حزني على فراق بنتي عاوز تمنعني منه، مش كفاية حرمتني من وجودها جنبي هي وأحفادي؟! وتابعت بلوم غائر: -لازم تعرف إني لا يمكن هسامحك على اللي عملته في بنتك الوحيدة وشمت فيها وفيا اللي يسوى واللي ما يسواش. نطق يحثها على التعقل ورؤية الصورة كاملة:

-قبل ما تلوميني على قراري اللي صححت بيه وضع ومنعت بيه خراب بيت بنتك، كان من الأولى تعقليها وتفهميها إن اللي بتعمله ده حرام وغلط وعيب، وشرعًا يندرج تحت بند خيانة الزوج. -إنتَ اتجننت يا أحمد؟! قالتها بأعين مندهشة لتتابع بنبرة عاتبة: -لما إنتَ تتكلم كده عن بنتك خليت إيه للغريب والعدو؟! هتف موضحًا:

-والله ما فيه عدو لبنتك غيرها هي نفسها، شيطانها مقويها وللأسف هي ماشية وراه بعيون مغمضة، جوزها طيب وبيحبها، وهي ضامنة وجوده وعلشان كده بتدوس على رجولته، ولو اتحمل مرة وعشرة علشان بيحبها، هيجي له وقت ويفوق من غيبوبة حبها ويثور لكرامته، بنتك يا هانم ممرمطة الراجل وراها، الأول لما حبت تهرب وهي شايفة سعادة ابن عمها واستقراره مع مراته، فخدت جوزها واستقروا في دبي، والراجل علشان بيحبها نفذ لها رغبتها، بعد سنين من الاستقرار

والنجاح اللي حققوه الاتنين هناك، في لحظة نهت له على أحلامه لما الخايب أخوها كلمها وطلب منها يرجعوا علشان يكونوا جبهة واحدة يحاربوا بيها إيثار، سحبت جوزها وراها زي المعزة وبرضه علشان بيحبها طاوعها، لكن لحد إيمتى هيتحمل جنان بنتك يا نجوى؟!

وتابع بحدة: -بنتك مريضة بحب فؤاد يا هانم، والمفروض إنتِ تشجعيني على قراري ده، ده لو كنتي فعلًا بتحبيها وخايفة عليها. صمتت لتيقنها صحة حديث زوجها لينطق هو من جديد في محاولة منه للتخفيف عن تلك الأم الحزينة لفراق نجلتها الوحيدة: -إهدي يا نجوى وقومي اغسلي وشك، وتعالي يا ستي نكلمها فيديو كول مع بعض ونتطمن عليها.

أومأت له وتحركت للداخل تحت نظراته المشيعة لدخولها ليخرج تنهيدة حارة خرجت من أعماق صدره حزنًا على فراق غالية قلبه ولكن لم يكن أمامه سوى ذاك القرار فلم تترك له سميحة خيارًا آخر. ***

صباح اليوم الثالث منذ انفجار العاصفة، فاق من نومه ليجد جواره خاليًا، فتح عينيه يتلفت من حوله فلم يجد لزوجته أثرًا، تنهد ثم سحب جسده لأعلى مستندًا على خلفية السرير، بعد قليل كان داخل كابينة الاستحمام والماء ينهمر على جسده، خرج وجفف جسده ليرتدي بورنس الحمام، نزل إلى الطابق الأرضي وجد رولا تقف بداخل المطبخ تجهز له طعام الإفطار، نطق وهو يتلفت من حوله باحثًا عن أطفاله بعدما وجد الهدوء يعم المكان: -فين الأولاد يا رولا؟

-راحوا لعند الجيران مع الماما. اتسعت عينيه ذعرًا ليصيح بهلع ظهر بعينيه: -جيران مين اللي وديتي عندهم الأولاد، إنتِ شكلك اتجننتي يا رولا؟! وتابع وهو يزدرد لعابه رعبًا: -إنتِ مش عارفة إن البوليس بيدور عليا وإن ما ينفعش أي حد مننا يخرج ويتشاف لحد ما ييجي ميعاد هروبنا من البلد عن طريق البحر، ده إحنا قافلين التليفونات يا رولا، تقومي تخرجي الأولاد علشان حد يشوفهم ويتعرف عليهم؟! اقتربت عليه وتبسمت بدلال وهي تحثه على الهدوء:

-بليز تهدى يا عمرو، أنا والماما عارفين ومقدرين الوضع يلي نحن فيه، هاديك الجارة الماما اتعرفت عليها هون بالحديقة يلي بأول الكومباوند، وهي لبنانية، يعني ما دخلها بحوارنا، فيك تهدى وتقعد لنتروق سوى. وأشارت إلى الطاولة التي تتوسط المطبخ: -اطلع بعيونك وشوف شو مجهزهتلك مرتك الحلوة للترويقة، عملت لك البيض بالبسطرمة يلي بتحبه. حاول جاهدًا أن يهدأ من حاله وزفر يخرج ما في صدره ثم طالعها بأعين متعجبة قبل أن يسألها:

-وإنتِ لابسة ومتشيكة كده ورايحة على فين؟ أشارت بكفها بلامبالاة وهي ترص الصحون فوق الطاولة لتنطق بوجه عابس: -دخيلك لوين بدي روح، إلنا تلات أيام من وقت يلي صار ونحن محبوسين متل الفروج بالعشة. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنطق مفسرة: -قلت لحالي بلكي لو لبست لي شي فستان وعملت شعراتي بتتحسن نفسيتي ولو شوي. اقترب عليها وأخذها داخل أحضانه لينطق بنبرة حنون مصطنعة ككل حياته معها:

-أنا آسف يا حبيبتي، أنا عارف إني تعبتك معايا، بس كلها يومين والمركب اللي هنسافر فيها هتكون جاهزة، معلش اتحملي معايا شوية لحد ما نعدي من الأزمة دي، وبعد ما تنتهي هنرجع هنا تاني، وأقوى من الأول، المحامي طمني وقال لي إن القضية مش كبيرة وموت الصيدلي ضعف الموقف القانوني، بس قال لي من الأفضل تسافر لك شهرين بره البلد لحد ما يخلص لي هو القضية ويجيب لي البراءة. احتوت وجنتيه وتحدث بابتسامة ساحرة وهي تقول:

-فداك عمري يا تؤبرني، لو بتطلب حياتي ما بتأخر. -حبيبة قلبي يا رولا. قالها ثم التقط منها قبلة سريعة قبل أن يجلس ويبدأ بتناول الطعام. باغتته بسؤال وهي تتناول إحدى شرائح الخيار: -وأنا بقلب في درج الكومود شفت وصل كهربا لها البيت باسمك، ما قلت لي إنك كنت رح تسجلي إياه بذكرى جوازنا؟! توقف الطعام بحلقه ليسعل، فناولته كأس الماء وهي تقول بدلال مفرط: -اشرب مي حياتي. ارتشف بعض الماء ثم تحدث بعدما أخذ نفسًا ليهدأ، ثم تحدث كذبًا:

-أصل البايع كان مستعجل فاضطريت أشتريها وأسجلها بإسمي، وكنت هنقل لك ملكيتها على عيد جوازنا، بس حصل اللي حصل. ابتسمت، وبعد انتهاء تناول طعام الفطور حضرت له مشروب القهوة فتناوله على نفس طاولة المطبخ. ارتشف منها رشفة ليقول بتلذذ: -تسلم إيدك يا حبيبتي، القهوة حلوة قوي، ما كنتش أعرف إنك ست بيت شاطرة كده. وتابع بابتسامة: -تقريبًا دي أول مرة من ساعة ما اتجوزنا، تجهزي لي فيها الفطار وتعملي لي القهوة بنفسك.

وقفت بالجهة المقابلة له ثم مالت للأمام لتستند بكفيها على سطح الطاولة وهي تقول بأعين تطلق حممًا بركانية لو خرجت لفحمته: -ورح تكون المرة الأخيرة يا حقير. اتسعت عينيه وهو يسألها باستغراب: -إيه الهزار السخيف ده يا رولا؟ أجابته بابتسامة ساخرة: -معك حق، نحن ما زلنا بمرحلة الهزار، بعد شوي رح تشوف طاقة جهنم يلي رح تنفجر بوشك يا واطي.

بدأ يشعر بثقل برأسه ودوار خفيف، قاوم فتح عينيه بقوة وصعوبة دون جدوى، ليسألها بلسان ثقيل وحروف خرجت بصعوبة وهو يرى صورتها تبتعد وكأنها أصبحت سرابًا يبتعد: -أنت عملتي فيا إيه يا "رولا"؟ -ما تخاف، ما رح موتّك بهيدي السهولة، رح جهز لك طقوس بتليق بقصة حبنا الكبيرة، رح يكون وداع بيليق لخداعك الكبير يلي عيشتني فيه سنين طوال، وأنا ماشية وراك مثل المغفلة.

ارتمى برأسه للخلف مستسلمًا لتأثير الحبوب المنومة التي وضعتها له بكوب القهوة، فهرولت سريعًا إليه لتقبض على خصلات شعره بقوة اقتلعت معها بعضًا من خصلاته، وألقت برأسه بعنف شديد للخلف لترتد رأسه وباتت تهتز دون استقرار، ثم هرولت إلى أحد أدراج المطبخ لتخرج منها حبلًا جلبته خصيصًا وبدأت بتقييده ولف الحبل حول المقعد وتقييد يديه من الخلف، ثم شددت على تقييد ساقيه بأرجل المقعد. وقفت منتصبة الظهر تتخصر بيديها، لتبتسم وهي تقول بشر ظهر على ملامحها

التي تحولت وكأنها شيطان: -وهلأ جهزنا كل شي للاحتفال، بس تفيق ببلش العرض، بوعدك رح تنبسط كتير بس تشوف الفقرات يلي مجهزت لك إياها يا تؤبرني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...