أذناب الماضي الجزء الثاني من أنا لها شمس أشارت بكفها والهلع تجلى بنبراتها المرتبكة أثناء دفاعها عن نجلها: -هو مشجعنيش والله، أنا اللي طلبت منه.... ابتلعت باقي ما في جوفها من كلمات حين رمقها بنظرة تحذيرية يحثها على الصمت من خلالها فأخرصتها والتزمت الصمود. تيقن الشاب ما حدث بفطانته من خلال ما استمع من مناوشات بين والداه فتحدث بهدوء، مدافعًا عن والدته:
-أنا وافقت ماما احترامًا لرغبتها وخوفها على مشاعر حضرتك لما تعرف حاجة زي كده. -يوسف... قالها بحزم، وتابع: -أكتر حاجة بكرهها هي المبررات الخايبة، إيثار مراتي وأظن إن من أبسط حقوقي إني أعرف كل حاجة تخصها وخصوصًا موضوع زي ده. لم يجادله الشاب فتحدث ممتصًا حالة الغضب التي أصابته: -حضرتك عندك حق، أنا آسف وصدقني مش هتتكرر. زفر بقوة كي يستعيد هدوئه ثم نطق بجدية:
-اتصلي بالمحامي بتاع البيه وخليه يجيب معاه الوصية واستناني بكرة في شقتك الساعة تمانية بالليل أنت واختك وهو. -حاضر... قالها يوسف بهدوء ليأخذ الآخر نفسًا عميقًا ثم تحدث: -تصبح على خير يا يوسف. نطق يجيبه: -وحضرتك من أهله يا بابا.
أغلق الهاتف ثم تطلع إلى تلك المنكمشة على حالها وقد اغرورقت عينيها وتلألأت بحبات الدموع. ساقته قدماه وبدون إضافة حرف، سحبها ليدخلها بين أحضانه. تشبثت بثيابه بقوة ثم أخرجت تنهيدة حارة تنم عن ارتياحها. نطق بصوت حنون بعدما رأف بحالها: -عرفاني بتجنن لما بتخبي عليا حاجة، ليه بتعملي فيا كده؟! همست برقة وصدق: -خفت عليك يا حبيبي.
شدد من ضمته لها وتنفس بهدوء، ثم سحبها معه ليتسطحا فوق الفراش وظل محتضنًا إياها حتى غفى كلاهما وغاصا في سبات عميق. صباح اليوم التالي، ولجت بصحبتها إلى غرفة الطعام لتنطق وهي ترى الجميع مصطفًا حول الطاولة: -صباح الخير. رد جميعهم التحية بينما مال فؤاد على والده مقبلًا رأسه وهو يقول: -أخبار صحتك إيه يا باشا. -أنا تمام يا حبيبي.
انتقل أيضًا إلى والدته ليحصل منها على بركة يومه وبعدها جلسا وباشرا الطعام. تحدثت عصمت التي كانت تباشر إطعام الصغير وذلك بعدما تطلعت لثياب زوجة نجلها البيتية: -متأخرة في النوم النهارده يا إيثار، مش رايحة الشغل ولا إيه؟! -مسمعناش المنبه يا ماما، فاتصلت بيهم وبلغتهم إني إجازة النهارده. تابعت وهي تتطلع على ذاك العظيم: -عامل إيه يا بابا؟ أجابها بابتسامة ودودة لابنته التي لم ينجبها:
-أنا تمام يا بنتي، أهم حاجة تكونوا أنتم والأولاد كويسين وبخير. استمعوا إلى صوت فريال الحماسي التي ولجت للتو: -صباح الخير، عندكم فطار ليا ولا أروح أفطر في أي رستوران؟ اتسعت ابتسامة علام وتحدث بسعادة: -ده أنا أبعت أجيب لك مطاعم القاهرة كلها لحد هنا. احتضنته من الخلف بسعادة وهي تقول: -حبيبي يا بابا، ربنا يبارك لي فيك يا سعادة المستشار. نطقت تاج بدلال على جدها الحنون: -خلي بالك يا جدو أنا بغير. هزت
رأسها ونطقت لاستفزازها: -أنا بنته قبل ما يشوفك يا مفعوصة أنت، هتساوي نفسك بيا ولا إيه؟ هبت واقفة لتترك مقعدها وتحركت نحو مقعد جدها ونطقت وهي تعانقه بدلال مزاحمة عمتها: -كده، طيب يا عمتو، أنا بقى هخلي جدو يختار بينا ويبلغك بنفسه إن تاج فؤاد هي التوب في قلب علام باشا. هتف الصغير بغيرة وضحت عليه وهو يوبخ شقيقته: -أنا التوب يا نجرسية، وبطلي تحضني في رقبة جدو هتخنقيه يا أوفر.
تعالت ضحكات الجميع، بينما حاوط علام كف ابنته الحبيبة وتحدث وهو يخلص حاله بدهاء من تلك المعضلة: -فيري الجميلة أول بنوتة تتولد في البيت، واللي نورته زي ما نورت حياتي كلها، أغلى وأجمل ما هداني ربنا. مالت تقبل وجنته متأثرة بحديث والدها حيث تجلى الصدق من بين نبراته. أشار لها فؤاد بعينيه ونطق بممازحة: -خدتي جرعتك من الدلع والحنان، اركني على جنب يا حبيبتي.
ضحكت وبالفعل جلست بأحد المقاعد ليتابع علام وهو يحتضن ذراعي الصغيرة التي لفتهما حول عنق ذاك الحنون الذي يغمرها بدلاله الدائم: -أما بقى قلب جدها فدي جت علشان تنور البيت كله هي وزين باشا خليفة جده. ابتسم الفتى وغمرت السعادة قلبه، وتمتم يشكر جده باحترام يليق بشخصه، بينما شددت الفتاة من عناقه وباتت تغمره بالقبلات الحميمية: -وأنت نور عيون تاج يا جدو.
ربع ساعديه بحدة وبدا الغضب على وجهه وشفتيه الممطوطة للأمام مما أدخل الجميع في حالة من الضحك على هيئة ذاك المشاغب الصغير، مما جعل عصمت تحتضنه: -أنت بقى روح قلب نانا من جوه. نطق علام لإنقاذ حاله من غضب ذاك الصغير: -وقلب جدو كمان، ملوك ده بهجة البيت ومصدر سعادته وسعادتي أنا شخصيًا. حرك رأسه ونطق بأسى: -أنا زعلان منك يا جدو ومش بكلمك خلاص. نطق الجد بملاطفة:
-وهتقدر على بعادي يا صديقي، طب مين هيروي معايا الورد وشجرة الريحان الجديدة؟ وتابع بما جعل عينيه تتسع من شدة السعادة: -ومين هيروح معايا النادي يوم الجمعة هو ومشموشة؟ رفع يده للأعلى وتحدث متحمسًا: -أنا، بجد يا جدو هناخد مشموش معانا. أومأ له ليصفق الصغير بحماس. سألت عصمت ابنتها من باب الفضول والاطمئنان على حياتها: -جوزك وولادك ما فطروش في البيت ولا إيه يا فريال؟ -آه يا حبيبتي... قالتها وهي تقطم بعض الخبز
ثم تحدثت بعدما مضغته: -ماجد عميد الجامعة عازمهم على فطار جماعي النهارده، وبوسي وفؤاد نايمين ومش بيقوموا الوقت. تطلعت على إيثار وسألتها: -شكلك مش رايحة الشركة النهارده؟ -قمت متأخرة وقلت أريح النهارده. أجابتها بسعادة: -كويس جدًا، خلينا ننزل بعد العصر علشان فيه كام حاجة عاوزة أشتريهم وكنت حابة آخد رأيك معايا. -أوكي يا فيري. نطق فؤاد يذكرها بموعد المساء: -متتأخريش برة ومتنسيش ميعاد زيارتنا ليوسف. -هروح معاكم يا بابي...
هتف بها الصغير وما أذهل فؤاد هو صوت تلك المقبلة عليهم وبيدها صحنًا به نوعًا من البيض المطهو والتي ما أن استمعت إلى حديث فؤاد حتى هتفت هي الأخرى كالأطفال: -وأنا كمان خدوني معاكم إلهي يسعدك. نطقت وهي تضع ما بيدها أمام فريال وهي تقول بحبور: -أول ما لمحتك وأنت داخلة، جريت وعملت لك البيض بالبسطرمة اللي بتحبي تاكليه من إيديا. مالت فريال برأسها تستنشق رائحة البيض الشهية ثم هتفت متحمسة:
-الله الله على الروائح يا زوزة، أحلى واحدة تعمل بيض بالبسطرمة في مصر كلها. -إن شاء الله يخليك يا بنت الأصول... قالتها ثم حركت بصرها سريعًا لتسأل ذاك الذي يتابع تناول طعامه: -ما ردتش عليا يا سيادة المستشار؟ أجابها ساخرًا: -مستنيك لما تخلصي فقرة استعراض البيض بالبسطرمة يا شيف شربيني. -يعني أروح أجهز نفسي؟ قالتها بلهفة ليحبطها جوابه: -طبعًا لا. -دايمًا كده كاسر بخاطري... نطقتها بحزن لتتابع تشتكية لكبير العائلة:
-يرضيك كده يا سعادة الباشا؟ نطق علام لمراضاة تلك المرأة البسيطة التي يكن لها الكثير من المعزة والاحترام: -خدها معاكم يا سعادة المستشار. -مش هينفع يا باشا، أنا رايح أتكلم مع يوسف في موضوع خاص بيه هو وزينة. ضيقت فريال ما بين عينيها وسألته بريبة: -خير يا فؤاد، موضوع إيه ده؟ أجابها باقتضاب: -حاجة قانونية خاصة بورثهم يا حبيبتي. أومأت بتفهم وأجابته: -آه، يوسف كان بلغنا إنه مش هياخد ورثه. ابتسم علام وتحدث متفاخرًا
بتربية يده: -يوسف عمره ما فشل في إنه يخليني أفتخر بيه. نطقت إيثار تنسب الفضل لأهله: -ده تربية إيدك يا باشا، كان لازم يطلع نزيه وضميره حي. أجابها بابتسامة ودودة: -الفضل الأول لربنا ثم ليك يا إيثار، أنت اللي زرعتي جواه بذرة الضمير الحي وأسستِ صح من البداية. أكملت عصمت على حديثه: -ده حقيقي يا باشا، الشهادة لله يوسف من يوم ما دخل البيت وهو يشرف وتربيته تخلي أي حد يفتخر بيه. أشادت فريال أيضًا بتربية الشاب أما
فؤاد فنهض يتحدث بانسحاب: -يلا أشوفكم على الغدا إن شاء الله. طالعه علام وسأله باهتمام: -عامل إيه في قضية سعد عبد الوهاب يا فؤاد؟ -كله تمام جنابك... قالها باحترام ليتابع: -كنت عاوز أتناقش مع سعادتك في كام نقطة فيها وآخد رأي سعادتك، لو رجعت من عند يوسف بدري نقعد مع بعض نص ساعة، لو اتأخرت يبقى بكرة بإذن الله. -إن شاء الله يا حبيبي. وقف زين وتحرك مع أبيه وهو يقول: -بابي، كنت عاوز أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم. مسح على رأس
الفتى وقال بنبرة حميمية: -لو الموضوع مش مستعجل ممكن نأجله لبكره يا حبيبي، لو ضروري هتصل بيك وأنا في الشغل وندردش. تحدث الفتى: -خلينا بكرة أفضل، أنا مبحبش التواصل على التليفون. ابتسم يجيبه: -اتفقنا يا بروفسير. ابتسم لمداعبة والده وكاد فؤاد أن يتحرك للخارج فقطع طريقه ذاك المشاغب حيث نطق بقوة: -إزاي هتمشي قبل ما تبوس مشموش يا بابي؟ نطق بعدما فقد صبره: -يا ابني أنا مش طايق أبوسك أنت شخصيًا، هبوس القطة؟!
استدار ليكمل بطريقه لتقاطعه مرة أخرى عزة التي هدرت تسأله: -مدتنيش عقاد نافع يا باشا. -في إيه يا ماما؟ ... قالها وهو يقلب عينيه بسأم، ثم التف بنصف جسده يطالعها مسترسلًا: -عقاد نافع في إيه؟ نطقت: -في الموضوع اللي كلمتك فيه. هتف بنفاذ صبره: -عزة، أنا متأخر على شغلي، انجزي وقولي عاوزة إيه وسيبك من أسلوب ما أنت لو كنت بتهتم كنت عرفت لوحدك ده. أخبرته باستقطاب: -خدني معاك عند يوسف.
-مش هينفع، فيه أسرار هتنفتح ومينفعش تكوني موجودة هناك. مصمصت شفتيها قبل أن تنطق بافتخار: -أسرار على عزة، ده أنت طيب قوي يا سيادة المستشار. نجدتها إيثار قبل أن يفتك بها: -روحي اعملي القهوة لبابا يا عزة. وتحدثت لحبيبها: -يلا يا حبيبي علشان ما تتأخرش على مواعيدك. طالعها بعدم اكتراث قاصدًا فتحدثت بعدما احتضنت كفه ورافقته للخارج: -هو أنت لسه زعلان مني؟ نطق بتهديد مباشر مصاحبًا نظراته الحادة:
-إوعي تفتكري إن اللي حصل هيعدي بالساهل، يبقى لسه متعرفيش جوزك كويس يا مدام. تذمرت بدلال تسأله: -وأنا عملت إيه لكل ده يا فؤاد؟ نطق مذهولًا من استنكارها لرد فعله: -بقى تخبي عني مصيبة زي دي وشايفة نفسك معملتيش حاجة يا مدام؟! وتابع مستنكرًا: -وكنتي عاوزة تعملي إيه أكتر من كده يا إيثار؟ تعلم أنها أخطأت لكن يشفع لها حبها الكبير ونية عدم إزعاجه، نطقت بدلال في محاولة منها لتهدئة ثورة حبيبها:
-طب دلعي ليك في الچاكوزي والمساچ وكسر حدادي على ماما علشان أدلعك، كل دول ما يشفعوليش عند حبيبي؟ باغتها بإجابته: -دي نقرة ودي نقرة يا مدام. وتابع باستفزاز أثار حنقها: -وبعدين ده واجبك على فكرة. احتدت ملامحها وكأنها تحولت لأخرى وهي تقول بحنق: -هي بقت كده، أوك يا فؤاد، قابل بقى يا حبيبي. انتهت من كلماتها واستدارت لتتحرك عائدة للداخل بخطوات واسعة، نطق وهو يشيع مغادرتها: -أنت هتهدديني. -أهو ده اللي ناقص كمان...
قالها بصوت هامس ليستقل مقعده بالكنبة الخلفية ثم تحرك السائق منطلقًا للأمام بعدما اتخذ الإشارة من سيده.
داخل قرية كفر ناصف، يقف عزيز بجوار شقيقه وجدي متطلعًا برضا على المطعم وهو مزدحم بالزبائن بعد غلق مطعم المدعو "عمرو البنهاوي" وتشميعه بأمر من النيابة العامة وحبس طلعت والمالك الوهمي الذي اشتراه عمرو لتخليص حاله من تلك التهمة التي كانت ستزج به إلى السجن المؤكد، أتى قرار الغلق بعدما تبين استخدامهم للحوم الحمير وطهوها وتقديمها للمستخدمين على أنها لحوم أبقار وماعز، نطق عزيز بزهو: -أخيرًا المطعم رجع زي ما كان.
تحدث وجدي برضى وحمدًا: -الحمد لله يا عزيز، ربنا مبارك لنا في فلوس أبونا الحلال، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح. -عندك حق، عمرو حاول بكل قوته يضيق علينا عيشتنا علشان ينتقم، بس ربك اسمه العدل، والحمد لله، نصرنا على شره وخلصنا منه. حك وجدي ذقنه وتحدث:
-أنا لحد الوقت مش مصدق إن عمرو البنهاوي بكل شره ده مات، لا ومات موتة بشعة، ده أنا لولا يوسف أكد لي إن الطب الشرعي أكد إن الجثة اللي لقيوها في الحريق جثته مكنتش صدقت إنه يموت بالسهولة دي. -محدش كبير على الموت يا وجدي، مكنش فيه حد في شر نصر البنهاوي، وأهو غار في ستين داهية، وبموتة أوسخ من موتة أبوه وعلى ايد عيل شمام ميسواش تلاتة مليم. وتابع بابتسامة: -تعرف إيه اللي يضحك في موضوع موت عمرو يا وجدي.
طالعه شقيقه ينتظر تكملة الحديث فتابع الآخر متهكمًا: -إن عمرو بكل جبروته ده حياته تخلص على إيد واحدة ست. -أه والله عندك حق. فأكمل عزيز حديثه الساخر: -بس البت مراته دي باين عليها ولية قادرة، البت فحمت جثته من غير ما يرف لها جفن. أجابه وجدي: -ربنا يكفينا شر قسوة القلوب، وفي الآخر محدش يعرف هو عمل معاها إيه يوصلها لإنها تحرقه وهو حي. نطق عزيز مستشهدًا: -يعني هيكون عمل فيها ربع اللي عمله في أختك.
تنهد وجدي والألم شق صدره قبل أن ينطق بأسى تجلى بنظراته: -مسكينة إيثار، شافت على إيديه هو وأهله ذل وإهانة وأذى محدش يتحملهم، واللي يحزن إننا كنا مشاركين معاهم في أذية أختنا الوحيدة. نطق مبررًا أفعالهم بالماضي كي يحث شقيقه على الخروج من دائرة الشعور بالذنب: -اللي حصل زمان كان غصب عننا يا وجدي، إحنا كنا غلابة قوي ونصر وابنه استغلوا فقرنا، ده إحنا كنا بنقضي عشانا نوم يا جدع.
-مش صحيح يا عزيز، إحنا كنا مستورين وأحسن من غيرنا، الطمع هو اللي ملى عنينا بعد ما نصر وعياله شاوروا لنا بمالهم الحرام علشان يذلونا ويجبرونا نجيب أختنا بالغصب هي وابنها ونرميها تحت رجلين دلوع أمه. هز رأسه وتحدث مشمئزًا: -يااااا يا عزيز، ده إحنا كنا أوسـ..... قوي يا جدع، جزمة إيثار كانت برقبتنا إحنا التلاتة. تنهد كلاهما وشعرا بالخزي، حضر إليهما أحد العمال وقال:
-الشغل كتير قوي علينا يا عم عزيز، إحنا عاوزين نفرين كمان علشان نعرف نسد. صاح معنفًا وهو يرمقه بحدة: -يا أخي طب قول اللهم صلِ على النبي أو اللهم بارك، أي حاجة تكسر بيها سم العين. أجابه الشاب باستفاضة: -هو أنا هحسدكم يا عم عزيز، يعلم ربنا إني فرحان من قلبي إن المطعم رجع يشتغل تاني، يعني هو أنا كان عاجبني وقف الحال اللي جه علينا بالخسارة ده، أنا بتكلم في مصلحة الشغل. نطق وجدي ناهيًا الحديث في هذا الموضوع المثير للجدل:
-خلاص يا بكر، المعلم عزيز ميقصدش، روح شوف شغلك، وبالنسبة للنفرين أنا هدور على شابين ولاد حلال وهجيبهم في أقرب وقت. أتى المساء وجميع ما يعنيه الأمر حضر بمسكن يوسف، فؤاد، إيثار، زينة بالإضافة إلى المحامي، أمسك فؤاد الأوراق الخاصة بتلك الوصية وتحدث ساخرًا: -مبدئيًا كده الوصية دي باطلة شرعًا وقانونًا، "لا وصية لوارث" يا أستاذ.
تحمحم المحامي لتيقنه من صحة الحديث النبوي وحديث المستشار أيضًا، بينما تابع فؤاد تحت ذهول يوسف وإيثار وزينة التي سألته مستفسرة: -باطلة إزاي يا سيادة المستشار؟! أجابها باستفاضة:
-الوصية بحرمان أحد الورثة الشرعيين من الميراث باطلة شرعًا يا زينة، لأنها تعتبر وصية بمعصية وتهدف لحرمان المستحقين من حقهم اللي شرعه ربنا سبحانه وتعالى، في الحالة دي، تعتبر الوصية باطلة لأنه لم يتحقق فيها عدل الله، ده غير إنها مخالفة لوصية الله سبحانه وتعالى، وهي أن يقسم الميراث على الأبناء جميعًا الذكور والإناث، وده بناءً على قول الله
تعالى في كتابه العزيز: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ" {سورة النساء: الآية 11}، وده طبعًا محصلش في التقسيمة الغريبة اللي عملها المدعو عمرو البنهاوي واللي مخالفة للشرع والقانون، ومعرفش إزاي محامي زيك وافق على بنودها. أجاب مبررًا:
-يا أفندم أنا مكنتش أعرف إن عمرو بيه عنده بنت تانية، كل اللي بلغني بيه هو إنه عاوز يكتب ثروته بالتساوي بين أربعة، طليقته السيدة إيثار وأولاده التلاتة. اشتعل داخل فؤاد فهدأته نظرات يوسف الأسفة، نطق فؤاد يسأله متهكمًا: -وإزاي وافقت على القسمة بالشكل ده والمفروض إنك دارس شريعة وعارف إن القانون بيحكم بما نصه الشرع، بالذات فيما يخص الميراث، البيه ساوى بين الذكر والأنثى، واستثنى أشخاص وحرمهم من حقهم الشرعي في الميراث.
-يا أفندم أنا بلغته بكل العوار اللي سيادتك ذكرتها دي، بس هو قال لي إن الورثة مش هيعترضوا وإنه سأل المحامي الخاص بتاعه في فرنسا وقاله قانونيًا الوصية تعدي طالما محدش من الورثة هيتكلم. ثم تابع على استحياء وهو يتبادل النظرات بين الجميع: -وبعدين حضرتك إحنا بنتكلم عن عمرو البنهاوي، مش على شيخ جامع يعني. سأله متهكمًا عليه: -وإنت بقى لما عارف إنه عمرو البنهاوي يا أستاذ يا بتاع القانون، بتشتغل معاه ليه؟!
-لأن القانون اللي سيادتك استشهدت بيه ده هو اللي كفل لعمرو واللي زيه أحقية الدفاع عن نفسه ووجوب محامي خاص للدفاع عن مصالحه طالما معاه وبيدفع، وأنا كنت بشوف شغلي مش أكتر. عاد بظهره للخلف وتحدث عن دراية: -طب يا باشا زي ما قولنا الوصية دي باطلة وهتتقطع حالًا لأن كل الورثة معترضين على القسمة. وطالع الجميع يسألهم: -ولا إيه؟ وافقه الجميع فقام بتمزيقها أمام أعين الجميع، وتحدث:
-الورثة المستحقين هما أولاده الأربعة، ووالدته، وطبعًا بالنسبة للارا فـ "القاتل لا يرث". مال على أذن يوسف وحدثه بهمس: -أنا خالفت ضميري كقاضي بيحكم بشرع الله والعدل لأول مرة علشان خاطرك، ودي حاجة مخلياني قرفان من نفسي وأنا قاعد. -أنا آسف إني حطيتك في موقف زي ده يا باشا، بس فعلًا مكنش هينفع... جملة قالها يوسف بأسى ليتذكر ما حدث بينه وبين فؤاد منذ عدة ساعات حيث هاتفه الآخر أثناء تواجده بمكتبه.
عودة لما قبل عدة ساعات قليلة، نطق فؤاد وهو يتحدث إلى الشاب عبر الهاتف من داخل مكتبه بالعمل: -أنا بكلمك قبل ما نقابل المحامي بالليل علشان يبقى عندك علم. وتابع بجدية: -ابن الزنا لا يرث يا يوسف، وده قانون ربنا اللي وضعه، يعني زينة شرعًا ملهاش الحق في ورث عمرو البنهاوي. سأله الشاب متعجبًا: -أيوا يا بابا بس زينة متسجلة باسمه، وهو اتجوز أمها شرعي على إيد مأذون، أعتقد كده المشكلة اتحلت. قولًا واحدًا أجابه:
-ابن الزنا لا يرث ولا يُنسب لأبيه في الشريعة الإسلامية يا يوسف، وده لعدة جوانب أهمها حفظ الأنساب ومنع اختلاطها، وتجنب انتشار الفاحشة، وحماية المجتمع من المشاكل الاجتماعية والأخلاقية اللي ممكن تحصل عن طريق الموضوع ده، الحكم ده جاء استنادًا لحديث سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، ومعنى الحديث إن الولد ينسب للزوج الشرعي، وللزاني الرجم والخيبة والخسران.
صُدم مما استمعه من فؤاد، بات يحرك رأسه وهو يقول بألم لأجل تلك الضحية لرجل حقير مستهتر تحركه شهواته الحيوانية دون أدنى تفكير فيما سيترتب عليه، وامرأة كانت تستحق الموت آلاف المرات على ما فعلته من فاحشة نتج عنها تلك البريئة: -أنا لا يمكن أبلغ زينة بحاجة زي ده، البنت ممكن تنهار وتروح فيها. ثم تابع بتيهة: -وحتى لو قلت لها وطبقنا عليها الشرع، هتقول لخطيبها وأهله إيه؟! هتبرر لهم عدم ورثها في تركة أبوها بإيه؟!
أنا كده بدمر أختي بإيديا وأنا لا يمكن أعمل فيها كده. -بص يا يوسف، أنا عندي اقتراح يخلصنا من المشكلة دي وبكده هنمشي صح شرعًا وقانونًا. تعلقت عينيه مستنجدًا ليتابع فؤاد: -إحنا نقسم الورث بينك وبين جدتك وإخواتك من رولا، وبعدها أتنازل إنت عن نصيبك بيع وشراء لزينة، وبكده هنكون حققنا اللي إحنا عاوزينه من غير ما نتعدى على الشرع، ولو إن الحل ده يعتبر التفاف ومراوغة بس ربنا عالم ومطلع، وإن شاء الله هيغفر لنا لحسن نيتنا.
أثنى الشاب على ذكاء أبيه الروحي وشكره بشدة. عودة للحاضر، همس متابعًا: -يلا قول اللي اتفقنا عليه خلينا نخلص. تحمحم لينطق متحدثًا إلى المحامي: -الورث هيتوزع بشرع الله بيني أنا وسليم ونور وجدتي إجلال. طالعته باستغراب، متى كان طامعًا أو ظالمًا ليكرر ما فعله والدها ويسلبها حقها، لطالما عاهدته خلوقًا يمتلك ضميرًا حيًا، استرسل وهو يتطلع إليها كي لا يتركها فريسة للشيطان: -وأنا هكتب نصيبي بيع وشراء لـ زينة. سألته متعجبة:
-وليه ما أخدش حقي معاكم يا يوسف؟! سألها بجدية: -بتثقي فيا ولا لأ يا زينة؟ ردت بصدق: -أكيد، بس عاوزة أفهم. نطق كي يجبرها على الرضوخ لقراره وإغلاق النقاش في تلك النقطة: -من غير ما تفهمي، اسمعي كلامي وتأكدي إن عمري ما هعمل حاجة تأذيكي. هنا كان دور المحامي في السؤال:
-أنا كمان محتاج أفهم، منين قطعتوا الوصية وقلتوا إنها باطلة، ومنين هتحرموا نفس الاسم من حقها في الميراث الشرعي، وليه حضرتك تتنازل لها عن حقك لما ممكن تاخد حصتها وإنت تحتفظ بنصيبك؟! -خلصت كلامك؟ ... قالها فؤاد بجدية ليومي له المحامي بنعم فتابع هو بصرامة: -نفذ اللي انطلب منك بدون أسئلة، الباشمهندس يوسف عارف هو بيعمل إيه كويس، وأخته راضية. وسأل الفتاة للتأكيد: -ولا إيه يا زينة؟ بدون تفكير نطقت:
-أي حاجة يقولها يوسف أنا موافقة عليها، محدش هيحبني ويخاف عليّ قده. طمأنها الفتى بعيناه، فتوجه الرجل بسؤال تلك الحاضرة بالجسد فقط، فمنذ أن بدأت الجلسة وهي صامتة لم تنطق بحرف واحد: -حضرتك ليكي نصيب شرعي وقانوني، وفيكي تطالبي وتتمسكي بيه. حك ذاك الجالس ذقنه ثم همس بهسيس وعينين تطلق شزرًا: -وإنت مالك؟! ارتبك من هيئة الرجل التي لا تبشر بقدوم خير، لينطق مبررًا بنبرة متلبكة دلت على مدى توتره:
-واجبي وضميري المهني كمحامي يحتموا عليّ أنبهها بحقوقها يا أفندم. بمنتهى السخرية تحدث: -ضـ إيه؟! ضميرك المهني؟! وكان فين ضميرك المهني ده يا باشا وإنت بتكتب وصية باطلة جنبت فيها الأم والابنة، هنقول إن عمرو البنهاوي شرير ومكنش حاكي لك عن إنه ليه بنت رابعة، طب بالنسبة لوالدته إيه النظام؟! ارتبك الرجل فتابع الآخر بصرامة وحدة مريبة:
-ياريت يا أستاذ تنفذ المطلوب منك من غير ما تجود من عندك، وبالنسبة للأستاذة فأنا هريحك وهريح لك ضميرك. ونطق متهكمًا: -هو إحنا في ده اليوم اللي ضمير السيد محامي عمرو البنهاوي يصحصح كده ويفوق. أشار إلى تلك التي تجاور زينة الجلوس: -اتفضلي يا مدام بلغيه بقرارك. نطقت بجزم وحسم لقرارها: -أنا مش عاوزة حاجة من الورث ده، وبعدين هورث بصفتي إيه؟! وتابعت وهي تترجى زوجها:
-ياريت تنهي المهزلة دي بأسرع وقت علشان الكل يرتاح يا سيادة المستشار. نطقت الفتاة على استحياء وحال ضميرها التردد: -بما إن حضرتك بتفهم في الشرع كويس وعندك المعلومات الكافية بحكم دراستك وشغلك، كنت عاوزة أعرف هل الورث من المال المشبوه يجوز؟ أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يجيبها باستفاضة:
-بصي يا زينة، المسألة فيها خلاف بين العلماء، منهم اللي شايف إن الميراث بيطهر المال الحرام، والبعض الآخر شايف أنه لا يحل للوارث أخذه إذا كان معروف مصدره الحرام. وتابع باستفاضة أكبر: -بمعنى إن بعض العلماء أجاز أحقية الورث وإنه حلال للوارث وأسندوا الحرمانية على اللي جمع المال، والبعض الآخر حرموه وأجازوا التخلص منه من خلال صرفه في أوجه الخير المختلفة. نطقت الفتاة بتشتت وتيهة:
-أنا مش فاهمة حاجة، يعني الورث ده حلال ولا حرام؟ "استفتِ قلبك" قالها بهدوء ثم تابع: -الموضوع عليه خلاف وده رحمة بينا كمسلمين، قدامك فتوتين تقدري تختاري من بينهم الفتوى اللي تريح ضميرك، أهم حاجة تستفتي قلبك وتمشي ورا إحساسك. تلألأت حبات الدموع بعينيها لتنطق متأثرة: -ولو ما عنديش رفاهية الاختيار؟ نطق بثقة: -يبقى تختاري الأنسب لظروفك وتتوكلي على الله، وبالنسبة للفتوى يُسأل عنها اللي أفتى بيها.
كأنها كانت تنتظر تلك الفتوى لتريح ضميرها المتعب، لا أحد يشعر بما تعانيه من صراع داخلي يمزق كيانها بالكامل. وجه المحامي سؤالًا وجيهًا إلى يوسف وزينة: -طيب بالنسبة للثلاث شركات اللي موجودين هنا في مصر، مين هيديرها من حضراتكم؟! تطلعت إلى شقيقها كالغريق ليسألها هو: -تقدري تديري الشركات بنفسك يا زينة؟! نطقت بانزعاج بعدما أصيب جسدها بالاضطراب:
-لا طبعًا يا يوسف، وبعدين أنا لسه بدرس، وحتى لو مخلصة، أنا ما أقدرش على الحمل الكبير ده. تحدث يوسف بجدية: -أنا شايف إنها تتباع أفضل، وفلوسها تتوزع على الورثة حسب الشرع. وافقه الجميع وبما أنه مكلف بالوصاية على الصغيرين مِن قِبَل عمرو فهذا سيسهل عليه الكثير من الأمور، نطق فؤاد كي يُعلم يوسف: -في حالة البيع أو التصرف في أي شيء يخص الأطفال لازم حكم قضائي يا يوسف، هتتقدم بطلب للمحكمة وتباشر معاهم.
انتهت الجلسة وتحرك كلٌ إلى وجهته، باليوم التالي حضر رامي لزيارة خطيبته، أبلغه يوسف أن زينة ستحصل على إرثها قريبًا، دون إبلاغه أنه تنازل عن حقه في الميراث، وبما أن الميراث سيتحول إلى مال نقدي فقد سهل هذا من الأمر وجعله سريًا، فلو ظل الإرث على حاله كان سيفتضح أمرهم، جلست بجوار رامي وباتَا يتحدثان بشأن إدارة حياتهما القادمة والتخطيط لها تحت عدم اكتراث رامي بذاك الإرث، فلم يكن يضعه بالحسبان وقد عشقها لشخصها لا للمال الذي ظهر فجأة، سألها بعدما لاحظ حزنًا عميقًا
يسكن العينين: -مالك يا حبيبتي؟ انتبهت لتسأله بتشتت: -مالي؟ ما أنا كويسة أهو. نطق معارضًا: -لا مش كويسة يا زينة، ومش من النهارده، أنتِ ليكِ فترة متغيرة، ملامحك وعيونك ساكن فيهم حزن غريب. لم تستطع الصمود فانهارت حصونها لتنهمر الدموع بغزارة من عينيها، انزعج بشدة وتألم لأجلها ليسألها من جديد بارتياب: -مين مزعلك يا حبيبتي؟! -الدنيا يا رامي... وتابعت بألم ودموع بعدما خارت قواها: -الدنيا مزعلاني قوي. حاوط
كفها بعناية ثم تحدث بصدق: -أنا جنبك، المفروض ده يطمنك وينسيكِ الدنيا بحالها. برغم حيائها الكبير إلا أنها شددت من ضمة يده وذلك لحاجتها الشديدة لمن يمدها بالشعور بالأمان والتي لم تعثر عليه سوى بحضرته وبحضرة يوسف ذاك النبيل، نطقت تستعطفه بدموعها وقد أصيبت بحالة من التشتت والارتياب جراء حصولها على هذا الإرث وريبتها من فكرة حرمانيته:
-اوعدني إنك هتفضل جنبي يا رامي، قولي إن عمرك ما هتتخلى عني أبدًا وهتفضل تحبني بنفس المشاعر بعد ما نتجوز. قطب جبينه متعجبًا لحالتها، سألها بقلق على تلك الحبيبة وما أصابها: -مالك يا زينة فيه إيه يا حبيبتي؟! ليتها تستطيع البوح بما يؤرق نفسها ويؤلمها، اكتفت بذاك الرد لتتوارى خلفه: -بتسألني مالك يا رامي، أنتَ ناسي إن بابا الله يرحمه لسه ما كملش شهر.
تفهم حالتها وبات يهدأ من روعها ويزرع داخل نفسها الأمل بكلماته التشجيعية. خرج يوسف من المطبخ حاملًا واجب الضيافة وقدمه إلى رامي، وانضم لهما وبات الجميع يتبادلون فيما بينهم الأحاديث بقلوب وعقول مشتتة. بعد يومين
جالسًا بأحد المقاهي العامة المتخصصة بتقديم الحلوى والمشروبات الباردة والساخنة أيضًا، يتناول كوبًا من القهوة الساخنة بينما تتناول تلك التي تقابله الجلوس نوعًا من الحلوى الغربية مع كوبًا من المياه الغازية، تحدثت إليه عندما وجدته شاردًا: -مالك يا حبيبي؟ -ما فيش يا بوسي...
قالها بنبرة محملة بالكثير من الهموم بسبب شقيقاه الصغيرين وزينة وتيهتها برغم حصولها على الإرث إلا أن حالتها النفسية تتراجع للأسوأ وهو لا يعلم أهذا بشأن وفاة والدها أم من ريبتها بشأن ذاك الإرث المشكوك في أمره، ردت عليه بأسى لأجله: -ما فيش إزاي يا يوسف، ده أنتَ مش شايفني قدامك أصلًا. وتابعت بدلال كي تسحبه لعالم عشقها: -هي دي لهفتك عليا، ده أنا ليا كام يوم ما شفتكش. قطع حديثهما رنين هاتفه، نظر بشاشته وجد رقمًا دوليًا فلم
يتردد لحظة وأسرع بالرد: -السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نطق الطرف الآخر: -كيفك يوسف، أنا نائلة، أُمها لـ "رولا" أرملته لبيك. احتدت ملامحه حين استمع حديثها، ما شعر بحاله سوى وهو يهدر بصوت متهدج من شدة الغضب: -قصدك اللي قتلت أبويا مش أرملته. نطقت المرأة بقلب ينزف دمًا: -ما اتصلت فيك لنحكي بهالموضوع يا يوسف، رولا خلاص، البوليس كمشها وهي هلأ عم تتعاقب على جريمتها، وكتير ندمانة على اللي عِملته، وراح تقضي عمرها بالحبوس.
وتابعت بحرص على مصلحة الطفلين:
-أنا أخدِت رقمك من رولا لحتى نحكي عن إخواتك، سليم ونور، أنا سألت المحامي تبعي وهو خبرني بإن حضانة الصغار من حقي، بس المحامي بلغني اليوم إن أنتَ تقدمت بطلب للحكومة الفرنسية واستشهدت بتاريخ سليم إلياس في الإجرام، وقتل رولا لعمرو بهالطريقة الانتقامية، خبرني إن بهالحالة وبموجب القانون الفرنسي فيهن يسلموك الصغار لتربيهم أنتَ، بلغني كمان إن بيك أسند لإلك وصاية الصغار وهايدا عزز لموقفك القانوني. نطق بحدة:
-أنا عارف الكلام ده كله، مش مستنيكي أنتِ والمحامي بتاعك علشان تبلغوني بيه. قاطعته بنبرة حكيمة: -إسمعني للآخر يا يوسف، أنا فيني أهرب بالصغار ونكفي حياتنا بمكان ما حدا بيعرفنا فيه، وزلمته لجوزي بيقدروا يعملوا هيك ببساطة، بس أنا ما بدي بعدك عن إخواتك ولا بعدهن عنك، ولا بدي تربطني علاقة بهادول المجرمين، بترجاك لا تجبرني ألجأ لإلهن. وتابعت بصدق ظهر بنبرات صوتها:
-أنا بدي الأولاد يتربوا بيناتنا لحتى ما ينحرموا من جو العيلة. وتابعت في محاولة منها لإقناعه: -أنا غيره لسليم يا يوسف، إسأل منيح عني وعن شُغلي، وبحكم منصبك فيك تتأكد من يلي حكيت لك إياه، أنا من البداية اخترت طريقي وعم كفي فيه لهلا، عِندي براند ملابس باسمي وشُغلي كتير معروف عالميًا، شغلي على المضبوط وفيك تتأكد، ومن بعد يلي جرى لـ "سليم" و "رولا" راح أمشي جنب الحيط مِثل ما بتقولوا عنكم بمصر. تابعت بترجي تجلى بين
نبراتها الحزينة تحت تأثره: -اترك لي نور وسليم أنا بربيهم، وبحلف لك بحياة الله راح ربيهم مِثل ما كنت أنتَ راح تربيهم. تألمت وهي تكفي حديثها بدموع جاهدت لإخفاء أنينها كي لا يظهر ضعفها عبر الهاتف: -أنا خسِرت كِل شيء بلحظة، جوزي وبنتي يلي راح تقضي باقية حياتها بالحبوس، ما بقى لي غير هادول الزغار، منشان الله يا يوسف، اتركهن لي لحتى أقدر كفي حياتي. تابعت بلهفة توعده بصدق:
-وبوعدك راح تشوفهن بأي وقت بتحدده، وفيك تاخدهن لمصر زيارات وقت ما تحب، بس الله يخليك اتركهن، بترجاك ما تاخدهن مني ولا تضطرني أهرب فيهن ونعيش نتنقل من مكان لمكان مِثل المطاريد والمجرمين، هيدا ما له منيح منشان نفسية الزغار.
لم يجد بداخله ما يجيبها به، لقد وضعه القدر بين اختيارين كلاهما أشبه بسلاح ذي حدين، يعلم أن اختيار أحدهما سيدخله في حالة من الشقاء، ومن أين يأتي النعيم وهو بين نارين، فإذا ترك شقيقيه إلى تلك المرأة سيظل قلقًا بشأن تربيتهما على الأخلاق ونشأتهما على الأسس الصحيحة والقواعد الدينية، فهي بالأخير زوجة لأحد رجال العصابات العالمية وقضت معه أعوامًا كثيرة ومن البديهي تكون قد تأثرت ولو ببعض من صفاته البغيضة، وإذا اختار الحل الآخر سيدخل حربًا إلى أن يعثر على الصغيرين ويأخذهما من تلك التي ستهرب بهما بالتأكيد، وبعد عودتهما إلى البلاد سيبدأ حربًا جديدة متعددة الأطراف، فالجميع ضد اتخاذه لذاك القرار الصعب، هو بذاته لا يعلم إذا كان بإمكانه تحمل تربيتهما أم لا.
-ليش ساكت يا يوسف، ما سمعت جوابك؟ -اديني وقت أفكر. قالها تحت نظرات بيسان الحائرة. نطقت لإقناعه: -بعرف إنك خايف عخواتك، وهيدا حقك ما قلت شي، بس بوعدك رح ربيهن منيح، وإنت كمان فيك تساعدني، فيك تتواصل معهن على الانترنت، وتقلهن شو ما بدك. وسألته بلهفة منتظرة جوابه بشوق: -بحياة الله توافق، هون مدارسهن حلوة كتير وهنن مرتاحين فيها ومعودين على العيشة هون، وأنا رح أبذل كل جهدي لحتى ربيهن منيح.
لم يجد أمامه سوى الموافقة تحت سعادة المرأة، فبالأخير هي جدتهما ومن البديهي أن تهتم بهما أكثر من أي شخص آخر. بعد مرور عام كامل على كل هذه الأحداث، مرت بحلوها ومرها.
ولجت إلى ذاك المنزل المجاور لقصر والد زوجها، فتحت الباب بالمفتاح ثم تطلعت على أثاث المنزل الفخم والديكورات الرائعة التي باشرت هي وفريال بمساعدة بيسان على اختيارها، لم يشارك يوسف بتجهيز منزل الزوجية وذلك بسبب انشغاله بالعمل مع جهاز المخابرات المصري حيث توسع عمله معهم مع وضع حراسة مشددة من المخابرات على ذاك الذي أصبح كنزًا بالنسبة للجهاز، صعدت للأعلى تتنقل بين درجات الدرج بسعادة لا يضاهيها شيئًا، فاليوم سترى عرس نجلها على من فتن قلبه بعشقها، تحركت بين الرواق المؤدي للغرف لتتوقف أمام إحداهما، طرقت الباب ودخلت لتجد غالي عينيها يغفو بسبات عميق وسط تخته،
نطقت وهي تقوم بإيقاظه: -يوسف، حبيبي قوم الساعة واحدة الظهر. -إممم، سبيني نايم ساعة كمان يا ماما. قالها بخمول ونعاس لتنطق بتصميم: -قوم يا حبيبي هتتأخر على فرحك، ده أنت لسه هتاخد شاور وتجهز نفسك، الميكب أرتست عند بيسان بقالها أكتر من ساعتين، يلا قوم. وتابعت وهي تناوله قميصه بعدما تزحزح الغطاء وظهر نصفه العلوي عاريًا: -قوم البس تيشيرتك واستر نفسك. تأفف وهو يقول ردًا على حديثها:
-أنا مالي ومال بيسان يا ماما، دي واحدة رايقة، لسه هتعمل حمام مغربي ومساج وترسم تاتو وليلتها طويلة، ادعي لها تقدر تخلص قبل ميعاد الفرح. وتابع متهكمًا: -إنما أنا راجل جاهز، هنط في البدلة واركب عربيتي ونص ساعة هبقى في الفندق، سبيني بقى ساعة كمان. زفرت حين استمعت لاسم الفندق: -معرفش إيه لازمة تصميمك إن الفرح يتعمل في فندق، ما كنا عملناه في قصر الباشا بدل الشحطتة دي. أجابها باقتناع:
-أه علشان رؤسائي في الجهاز يقولوا عامل فرحه في بيت أهل مراته. -طب يلا يا حبيبي علشان تفطر مع جدو وتيتا واخواتك، ده أنا منعتهم ييجوا هنا بمعجزة، فريال قالت لهم اللي هشوفه في الڤيلا هنفخه. وتابعت وهي تعيد ترتيب الغرفة: -وزينة ورامي كمان وصلوا والكل مستنيك هناك. رفع عنه الغطاء بعدما ارتدى قميصه ثم وقف لتقترب هي منه وعلى غرة جذبته لتسكنه أحضانها وهي تقول مربتة على ظهره بحنان وتأثر:
-ألف مبروك يا حبيبي، عشت وشوفتك عريس يا يوسف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!