الفصل 40 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الأربعون 40 - بقلم روز امين

المشاهدات
22
كلمة
7,492
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

لم أكن يومًا أغار، كنت أسير في الحياة بتبختر كالطاووس، وأعبر طرقاتها كالإعصار. لم يشغلني أحد ولم أرَ من هو أفضل مني ليجعلني أغار، وطالما رأيت أن الغيرة دليل على الضعف وعدم الثقة والانكسار، لكنني في حبك قدمت لحالي ألف وألف اعتذار على سوء فهمي لكثير من الأشياء، فبرغم بلوغي ووصولي لهذا السن المتقدم إلا أنني أعترف وأعلنها صراحة أنني أغار.

تملل بغفوته ليتعجب حين لم يشعر برأسها تسكن أحضانه ككل يوم، وكأن هذا ما أيقظه من نومه العميق. فتح عينيه يبحث عنها ليتفاجأ بعدم وجودها بالفراش. سحب جسده للأعلى ونظر لشاشة هاتفه يستعلم عن الوقت، فوجد الساعة لم تتخطَ الخامسة فجرًا بعد. على الفور ترجل من فوق الفراش وانطلق نحو باب الحمام ليطرقه بخفوت، وحين لم يجد ردًا أمسك المقبض وأداره فلم يجدها أيضًا. ارتفع صوته وهو ينطق باسمها: -إيثار، حبيبي أنتِ فين؟

قالها وهو يتجول سريعًا داخل الجناح باحثًا عنها حتى وصل للبهو، ليهدأ خوفه ويتسمر بوقفته حين وجدها تركع فوق سجادة الصلاة بخشوع، مرتدية الثياب الخاصة بالصلاة "الإسدال". تنفس بهدوء وتحرك نحو المقعد القريب منها وجلس يتأملها حتى انتهت من الصلاة والدعاء، فهب واقفًا ليبسط ذراعه يساعدها على النهوض، لتنطق هي بعينين آسفتين: -أنا آسفة يا روحي، شكلي قلقتك. وقف بوجهها لينطق بعينين تشع حنانًا: -ولا يهمك يا حبيبي. ليسترسل وهو يتفحص

ملامحها الذابلة بارتياب: -أنتِ كويسة؟ تنهدت لتقول بنبرة خافتة كي تطمئنه: -الحمد لله. -مالك يا بابا؟ قالها بتوجس، ليتابع متلهفًا وهو يرى إعيائها الشديد: -فيه حاجة وجعاكِ؟! نطقت وهي تحتوي وجنته بلمسات حنون: -متخافش يا حبيبي أنا كويسة، كل الحكاية إني قومت من النوم لقيت نفسي عاوزة أرجع فروحت الحمام رجعت وأخدت شاور وصليت الفجر. رأت بعينيه ألمًا لأجلها ولومًا لحاله على تلك الحالة التي وصلت لها بفضل حملها بجنينه، فتحدثت

كي تزيل عنه ذاك الشعور: -حبيبي أنا كويسة والله. حاوط كفها الموضوع على وجنته وقربها من فمه ليضع قبلة حنون قبل أن يسحبها وهو يقول: -طب يلا يا عمري علشان تكملي نومك. تحركت بجواره ليدثرها تحت الغطاء ويجاورها بعد أن أسكنها بأحضانه لتغمض عينيها بسكون. ظل يحدثها حتى دخلت في سبات عميق من جديد، فأغمض هو الآخر عينيه ليغفو. ***********

بمنزل نصر البنهاوي، وبالتحديد داخل مسكن حسين، كان غافيًا بجانب زوجته فشعرت هي بأقدام تتقدم ناحيتها، فتحت عينيها سريعًا لتجدها تلك الطفلة المسكينة "زينة" ابنة عمرو، فقد اتخذتها مروة لتسكن معها بغرفة ابنتها بعدما تم حبس والدتها، وكالعادة عمرو لم يسأل عن حالها، فدائمًا يراها ابنة الخطيئة التي دمرت حياته ولولاها لكانت إيثار وصغيره مازالا يمكثان في كنفه وداخل أحضانه. تحدثت الصغيرة بعينين مكسورتين: -أنا عاوزة أغير هدومي.

تطلعت مروة عليها لتجد الصغيرة متبولة على حالها، فهي تعاني من التبول اللاإرادي نتيجة معاملة والدتها القاسية لها وغياب دور الأب بحياتها. للأسف نسبة كبيرة من المتواجدين بالمنزل يتعاملون معها مثل أبيها "ابنة الخطيئة"، لذلك أخذتها مروة واحتضنتها كي تزيل عنها شعور الضياع الملازم لها طيلة الوقت. هبت من مرقدها لتمسك كفها وتحدثت وهي تحثها على اتباعها: -حاضر يا قلبي.

ولجت بها لداخل الحمام، ساعدتها على الاغتسال وبدلت لها ثيابها، وخرجت لتنطق الصغيرة بهدوء: -أنا جعانة. تمزق قلب مروة على حال تلك المسكينة لتأخذها بأحضانها علها تزيل ولو قليلًا من حزنها العميق الساكن بداخلها، وتحدثت بنبرة حنون جديدة على الطفلة: -حاضر، هدخل أعمل لك ساندوتش جبنة وأجيب لك تفاحة تاكليهم على ما أقوم سليم وليلى وننزل علشان نفطر كلنا.

ابتسمت الصغيرة بخفوت. خرج حسين من الغرفة في طريقه للحمام فوجد زوجته تضع صحنًا به شطيرة وثمرة فاكهة وتقدمهما للصغيرة، فتحرك إليها وحاوط كتفها وهو يقول: -ربنا يجازيكِ خير يا مروة، أنتِ أثبتي إنك بنت أصول بجد. تنهدت بحزن ظهر عليها وهي تطالع الصغيرة التي تتناول شطيرتها بنهم لتنطق بحزن عميق: -الله يسامحه أخوك وأمها، جابوها للدنيا من غير حسابات ورموها. -الله يسامحهم.

قالها بألم ليميل على الصغيرة يضع قبلة حنون فوق رأسها ومس بكفه على شعرها لتواجهه بعينيها البريئة لينطق بحنو: -كُلي يا زينة، وأنا هبعت أجيب لك شيكولاتة أنتِ وسليم وليلى. ابتسمت بخفوت ليعتدل بوقفته ويقول وهو يتوجه إلى الحمام: -هروح أتوضى وأصلي الضُحى. ***********

أما في شقة طلعت وياسمين، خرج من حجرة نومه بملامح وجه غاضبة ليجد زوجته تجلس فوق المقعد تبكي وتنتحب منذ الأمس، حيث تشاجرا وخرجت لتقضي ليلتها ببهو المسكن. اقترب عليها ونطق بحدة وهو يشملها باشمئزاز: -وفري الدموع دي يا حلوة لليوم اللي هدخل عليكِ فيه بالعروسة الجديدة.

هبت من جلستها لتنطق بصوت بح من كثرة بكائها، ناهيك عن جفونها المنتفخة بفضل الدموع التي ذرفتها، فقد ظلت تبكي طوال الليل منذ أن أخبرته بما علمته بشأن الجنين، حيث أخبرتها الطبيبة أنها ستنجب أنثى للمرة الرابعة: -حرام عليك يا طلعت، أنا ماليش ذنب علشان تعاقبني وتتجوز عليا. واسترسلت تعلمه بما قصته عليها الطبيبة: -الدكتورة قالت لي إن جوزك هو المسؤول عن نوع الطفل وإني ماليش أي علاقة بالموضوع ده.

لم تكمل جملتها ليباغتها بصفعة قوية نزلت على وجنتها زلزلت كيانها بالكامل، ثم أمسكها من ذراعها ليهزها بعنف قائلًا بعينين تطلق شزرًا: -لو سمعتك بتقولي الكلمة دي تاني هدفنك صاحية ولا حتى بناتك هيشفعوا لك عندي. ليدفعها بقوة ارتمت أرضًا على أثرها وهو يقول بتهديد مباشر: -مفهوم. تحرك للأسفل وتركها غارقة بدموع القهر. ***********

تملل على صوت التنبيه الخارج من الهاتف المحمول، ليمد يده سريعًا يغلقه كي لا يزعج خليلة روحه. سحب ذراعه من تحت رأسها بهدوء وتسلل كي لا يوقظها. ولج إلى الحمام اغتسل وتوضأ وصلى فرضه ثم ارتدى ثيابه وقبل أن يخرج مال على وجنة تلك النائمة ليقبلها بوله، ثم تحرك إلى الأسفل وما أن هبط من فوق الدرج وجد شقيقته تخرج من المطبخ بعد أن أشرفت على العاملات وأوصتهم على الإسراع في تجهيز سفرة طعام الإفطار. تحرك باتجاهها ليأخذها بحضنه ويميل مقبلًا

رأسها بحنان وهو يقول: -صباح الخير يا حبيبتي. برغم أنها حزينة على موقفه الحاد وتصرفه بشكل غير لائق مما أحرج زوجها ووضعه بموقف لا يحسد عليه، إلا أنها ابتسمت بخفوت لتجيبه بنبرة حنون: -صباح النور يا فؤاد. ثم سألته مستفسرة: -إيثار منزلتش معاك علشان تفطر ليه؟ تنهد بأسى ثم أجابها بملامح وجه يبدو عليها التأثر: -إيثار نايمة، الحمل تاعبها قوي يا فيري وطول الوقت بترجع، ما صدقت إنها نامت محبتش أزعجها. أجابته بحنان للتهوين

على قلب شقيقها العاشق: -مرحلة وهتعدي يا حبيبي، دي شهور الوحم الأولى وعلى ما تخلص هترجع لطبيعتها. ثم استرسلت كي تطمئن قلبه: -أنا هخلي عزة تجهز لها الفطار وهطلع لها بنفسي على الساعة عشرة تكون أخدت كفايتها من النوم. تعمق بعينيها بامتنان لينطق شاكرًا: -متشكر يا حبيبتي، ربنا يخليكِ ليا. -ويخليك ليا يا فؤاد.

نطقتها بابتسامة واسعة وصدق بعد محو حديثه معها لحزنها منه، حاوط كتفها وتحرك كلاهما صوب غرفة الطعام لينضما لباقي الأسرة يتناولون طعام الإفطار. بعد قليل خرج من باب القصر ليتوجه إلى الجراج، انتبه على صوت والده من خلفه. التفت ليتحرك علام باتجاهه وحاوط كتفه يحثه على التحرك للأمام. نطق مستفسرًا: -أنتَ كويس؟ -الحمد لله يا باشا، أنا تمام. قالها بهدوء ليسترسل متعجبًا: -بس ليه حضرتك بتسأل؟ -بطمن على ابني. نطقها مبررًا

ليتابع بنظرة عاتبة: -مش من حقي ولا إيه؟! نطق سريعًا بحصافة: -لا طبعًا يا باشا حقك طبعًا. تنهد بهدوء ليسأله: -طب بمناسبة الحقوق أظن من حقي أعرف إيه اللي مغيرك بالشكل ده من ناحية جوز أختك؟ قطب جبينه ليسأل بمراوغة: -إيه اللي خلاك تقول كده يا باشا؟ نطق بدون تفكير: -حالة الجنان الرسمي اللي شفت ابني العاقل الرزين عليها إمبارح. هتف باستهجان ظهر بين فوق ملامحه: -هو علشان عندي نخوة وغيران على مراتي أبقى خلاص اتجننت؟!

تجاهل حديثه المستهجن ليسأله بوضوح: -إيه اللي جد أنا معرفوش وعمل شرخ بينك وبين ماجد يا فؤاد؟ أغمض عينيه ثم أخذ نفسًا عميقًا ليجيبه بوضوح: -البيه كان متعشم هو وأهله وطمعان يورث عرش علام زين الدين وابنه اللي عاشوا يبنوا فيه طول عمرهم. قطب جبينه بعدم استيعاب ليهتف الآخر بغضب ظهر بعينيه المشتعلة: -سمعته بوداني يوم عزومة عمي أحمد في مزرعة الخيل، كان بيتكلم مع مامته في التليفون وأتاريهم كانوا راسمين على كده من زمان.

وبدأ يقص عليه ما استطاع اكتشافه بفطانته من تلك المكالمة ليأخذ علام نفسًا مطولًا ليزفره بهدوء قبل أن ينطق بكلمات عقلانية لرجل حكيم رأى في الدنيا ما أوصله لذاك النضوج الفكري: -كل اللي قولته دي طبيعي يا ابني، دول في الأول والآخر بشر، والبشر خطّائين. وبعدين الناس لا فكروا في أذيتنا لا سمح الله ولا حتى سعوا لأي حاجة توصلهم لمبتغاهم. ثم رفع كتفاه بلامبالاة ليتابع:

-الظروف كلها والشواهد كانت بتقول إن كل ما نملك هيوصل في نهاية المطاف لأولاد فريال، وإصرارك العجيب ورفضك للجواز خلى ماجد وأهله غصب عنهم يفكروا في الموضوع ده. نطق بارتياب ظهر بعينيه: -وإيه اللي يضمن لحضرتك إن الدكتور المحترم ما يحاولش يأذي مراتي ويخسرني ابني؟ على تساؤل نجله بثقة هائلة:

-مش هيحاول لسبب بسيط، ماجد ابن عيلة وأصيل وأهله مش محتاجين فلوسنا علشان يدبروا لنا خطط ومؤامرات، متنساش إني سألت عليهم بنفسي وعملت تحرياتي وقت ما ماجد اتقدم لخطبة فريال. نطق بحدة ظهرت بصوته: -بس دول طمعوا وفكروا يا باشا، وحتى لو معاهم ومش محتاجين ده مش مبرر إنهم ميفكروش، البحر دائمًا يحب الزيادة. أجابه علام بمنطقية كي يهدأ من ثورته:

-يا ابني البني آدم خطّاء، يعني هو الشيطان هيقعد يتفرج ويسيب الناس في حالهم كده عادي، مش لازم يغوي ده ويخلي ده يدخل في طريق الذنوب وهكذا. وتابع مسترسلًا بتوصية: -أنا مش عايزك تتأثر باللي حصل وتغير طريقتك مع جوز أختك، على الأقل علشان خاطرها هي وأولادها. سأله بغيرة ظهرت بعينيه: -وبالنسبة لمراتي؟ نطق مستفسرًا: -مالها مراتك؟

-يا بابا مراتي مش واخدة حريتها في البيت، طول الوقت متكتفة بحجابها ولبسها وحضرتك شفت اللي حصل إمبارح. قالها بضيق لينطق بحدة وغيرة جديدين عليه: -المفروض الدكتور المحترم لما نزل وشاف مراتي تعبانة وراقدة على الكنبة كان خرج في الجنينة لحد ما اتعدلت وقعدت كويس، لكن المنظر اللي أنا شفته ده مش مقبول بالنسبة لي. سأله والده باستعلام: -مراتك هي اللي اشتكت لك؟ أجابه سريعًا لينفي: -لا طبعًا، إيثار لا اشتكت ولا عمرها هتشتكي.

أخذ نفسًا عميقًا ليتابع موضحًا: -إيثار عاشت ظروف قاسية تخليها تتحمل تعيش جوة النار من غير ما تشتكي. تطلع والده بتمعن ليسترسل هو: -عزة حكت لي عن الحياة اللي عاشتها في بيت نصر البنهاوي وكم الذل والمهانة والأذى النفسي اللي اتعرضت له من ناس مريضة. نطق بغصة مرة وقفت بحلقه: -مراتي شافت كتير قوي يا بابا وحقها عليا إني أريحها وأوفر لها حياة هادية مستقرة من غير أي حاجة تنغص عليها حياتها. سأله بجبين مقطب:

-أنتَ عاوز إيه يا فؤاد، بتفكر في إيه؟ -لسه مش عارف يا باشا. قالها بصدق لصعوبة حل تلك المعضلة ليتابع بجدية: -لازم أتحرك علشان ألحق مواعيد شغلي. أشار علام بيده: -كلامنا لسه مخلصش. أومأ له بموائمة وتحرك صوب السيارة ليستقلها منطلقًا إلى عمله. ********** بنفس التوقيت داخل منزل نصر البنهاوي يجلسون جميعًا يتناولون الطعام فاستمع نصر لصوت الغفير الخاص به يهتف صائحًا بتهليل: -يا سعادة النايب، يا حاج نصر.

زفر بضيق لينطق بصوت مرتفع كي يصل إلى ذاك الصائح: -تعالى يا جلاب المصايب وقول ما عندك. ولج الغفير وتبادل النظرات بينه وبين إجلال المبتسمة لعلمها ما سيخبره به: -فيه حاجة حاصلة في البلد ولازم جنابك تعرفها. تطلع عليه ليهتف بسخط وحدة: -أنا عارف إن دخلتك الشؤم دي وراها مصيبة، قول وخلصني. نطق بكلمات متلبكة خشية من غضب سيده المتجبر:

-صور هارون بيه ابن عم الست إجلال مالية شوارع البلد، والمركز كله ملوش سيرة إلا على ترشيحه في الانتخابات قصاد جنابك. جحظت عينيه بحدة هو وأنجاله الثلاث وبلحظة تحولت لمشتعلة وهو يقول بعدم استيعاب: -أنتَ بتقول إيه يا واد، هارون مين ده اللي يتجرأ ويترشح قصادي. قاطعه صوت إجلال الصارم وهي تقول بحدة وعينين تطلق سهامًا نارية: -متنساش نفسك يا حاج نصر وأنتَ بتتكلم عن الحاج هارون ابن أخو الحاج ناصف.

تطلع عليها نصر غير مستوعب حديثها ليهتف طلعت بعدما انتفض من مقعده وهب واقفًا بعصبية: -هو ده وقت الكلام ده يا ستهم، أنتِ مش سامعة الغفير بيقول إيه؟ نطقت بلامبالاة وهي تتناول إحدى اللقيمات وتمضغها بهدوء ثار تساؤلاتهم جميعًا: -سمعت يا حبيبي، وإهدى بقى أنتَ وأبوك واقعدوا كملوا فطاركم. -اخفي من وشي واطلع على برة. قالها نصر قاصدًا الغفير ليطالع إجلال بنظرات تشكيكية ويسألها: -أنتِ كنتي عارفة بإن ابن عمك هيترشح قصادي؟!

بكل جبروت نطقت: -آه كنت عارفة، وأنا بنفسي اللي خليت المحامي يقدم ورق الترشيح إمبارح. جحظت عينيه وعين عمرو الذي هتف بحدة واعتراض: -كلام إيه اللي بتقوليه ده يا ماما، إزاي تعملي حاجة زي كده؟! تعالت أصوات أنجالها الثلاث وهم يلقون باللوم عليها تحت صدمة نصر ونظراته الزائغة، فانتفضت من مقعدها بحدة أوقعت المقعد لتنطق بجبروت وهي تشير إلى مروة وياسمين: -كل واحدة فيكم تاخد عيالها وتطلع على فوق، يلا.

نطقت كلمتها الأخيرة بسخط لتهرول كل منهما بتخبط تسحب أطفالها وأيضًا حملت مروة ابنة عمرو وهرولوا ليصعدوا الدرج سريعًا، أما إجلال فنطقت بقوة وهي تتحرك لغرفة جانبية: -وإنتوا، تعالوا ورايا. ولج الجميع ليجدوها واقفة كالأسد الذي يستعد للانقضاض على فريسته. ولج نصر والصدمة مازالت تعتلي ملامحه لينطق بصوت خافت وعينين لائمتين: -ليه؟! قولي لي سبب واحد يخليكِ تخونيني وتطعنيني في ظهري يا إجلال؟!

وإلى هنا لم تستطع الصمود أكثر لتهتف بصراخ أنثى طعنت على يد من اختارته وسلمته روحها عن طيب خاطر وما تركت شيئًا يرفع من شأنه إلا وفعلته وبالآخر فضل عليها أخرى من النساء: -علشان طلعت واطي وعديم الأصل، عضيت الإيد اللي اتمدت لك بالخير. -ماما... نطقها عمرو معترضًا على أسلوبها المهين لوالده لتكمل هي بعينين بهما غضب سيحرق أمامه الأخضر واليابس: -الخسيس أبوكم طلع متجوز عليا ومستقرضني ليه خمس سنين.

نزلت كلماتها غير المتوقعة عليه كصاعقة كهربائية شلت جميع حواسه. اتسعت عينيه بقوة وارتجف جسده لينطق بخفوت: -مين اللي وصلك الكلام الفارغ ده؟ هتفت بقوة وغضب العالم أجمع قد تجمع بعينيها: -العقد العرفي اللي متجوز الجربوعة بتاعتك بيه وصلني لحد عندي على التليفون. لتسترسل والغل والحقد يتأكلان من قلبها ويقطعاه إربًا: -لولا ابن الـ... اللي بعت لي العقد شطب على اسم أبو البنت، كان زمانك واخد عزاها من زمان.

وكان فؤاد قد شطب على اسم عائلة شذى بالعقد حرصًا منه على عدم الوصول إليها وإيذائها على يد تلك المجرمة. اتسعت أعين أنجاله وتحولت إليه باتهام لينطق حسين متسائلًا: -الكلام اللي أمي بتقوله ده حصل يا أبا؟! استجمع قواه ليهتف مستنكرًا بصوت واثق اصطنعه بصعوبة بالغة: -ما حصلش يا حسين، ده أكيد حد عاوز يوقع بيني وبين أمك، والحد ده هارون لأن هو الوحيد اللي ليه مصلحة في كده.

كانت مستعدة لكشف كذبه وإنكاره، فأخرجت هاتفها ووضعته أمام أعين الجميع على الفيديو الذي وصلها من فؤاد لينصدم الجميع وأولهم نصر الذي نطق بوجه شاحب كالموتى وخزي من أنجاله: -مين اللي وصل لك الفيديو ده؟! ألقت بالهاتف أرضًا لتنطلق صوبه بهجوم ضارٍ وباتت تهزه من تلابيب جلبابه وهي تصيح: -هو ده كل اللي همك يا واطي؟ رايح تتجوز عليّ عيلة قد عيالك يا شايب يا عايب؟ تتجوز على ستك وتاج راسك وراس أهلك بالنفر؟ ومتجوز مين؟

رقاصة يا مهزق؟! لم يستطع الدفاع عن حاله من كثرة المفاجآت التي قذفتها بوجهه والتي علمت بها عن طريق فؤاد، فبات يهتز بيدها كخرقة بالية مستسلمًا لهزاتها العنيفة التي تنفث بها عن غضبها العارم. هرول أنجاله الثلاثة كي ينقذوا والدهم من قبضة تلك التي تحولت إلى غول ليلحق بهم غضبها وباتت تضرب بقبضتها كل من يقترب منها ليقف طلعت خلفها ويلف ذراعيه القوية على جسدها كي يستطيع التحكم بحالة الهياج التي أصابتها لتصرخ بقوة

ونجلها يعود بها للخلف: -هدمرك يا واطي، وزي ما عملتك عن طريق أهلي ههدك برضه عن طريقهم، ما أبقاش إجلال بنت الحاج ناصف إن ما رجعتك شحات زي ما كنت. أمسك حسين كف ذاك المذبهل ليحثه على الخروج: -تعالى معايا يا أبا، يلا نروح المزرعة على ما أمي تهدى. خرج سريعًا بصحبة نجله تحت صرخاتها التي تدل على وصولها للمنتهى من الجنان. وقف طلعت أمامها لينطق في محاولة منه لتهدئتها بعد أن تركها:

-اهدي يا ستهم وخلينا نفكر بالعقل، كرسي البرلمان مش لازم يخرج من إيد أبويا، كده هيبتنا في البلد هتروح. هتفت بفحيح كالأفعى: -وهو ده المطلوب يا طلعت، أنا هرجعه شحات زي ما اتجوزته. قال بتعقل: -بس أنتِ كده مش هتضريه لوحده يا ستهم، أنتِ كده بتدمرينا كلنا. واسترسل بخبث أظهر أنانيته: -لو كان لازم تنتقمي منه كنتِ قدمتِ لي أنا، وأهو على الأقل الكرسي ما كانش خرج من البيت. هتفت من بين أسنانها مبررة بحقد ضارٍ:

-ما كانش هيتوجع، أنا قصدت إن هارون بالذات هو اللي ياخد الكرسي علشان أذله وأذوقه من نفس الكاس اللي شربني منه. ارتمى عمرو على المقعد ليضع رأسه بين كفيه بأسى على ما وصل له الجميع. **********

قاد حسين السيارة ليجن جنون نصر وهو يرى تلك اللافتات الدعائية الانتخابية الخاصة بهارون وهي تملأ الشوارع وصوره الملصوقة على جميع الحوائط، وما زاد جنونه هو إزالة جميع اللافتات والصور الخاصة به وإلقائها على الأرض ليدهسها المارة تحت أحذيتهم بشكل مهين. صرخ بعلو صوته وهو يسب ويلعن لينطق حسين بتهدئة: -اهدى يا حاج، أنتَ مش قليل برضه وليك ناس كتير هتنتخبك. صرخ بعلو صوته:

-محدش هيجرأ يدّي لي صوته طالما اللي مترشح قصادي من عيلة أمك يا حسين، هما خلاص، حطوا إيديهم في إيدين بعض واتفقوا على تدميري. وتحدث وهو يضع كفه على ذقنه بتفكر: -بس ده بعدهم، مش نصر البنهاوي اللي يقف يتفرج وهو متكتف على حد بيدمره، واحدة بواحدة والبادي أظلم يا هارون. وصل إلى المزرعة فابتعد عن ابنه وأمسك هاتفه وما هي إلا ثوانٍ وكانت شذى تجيبه بدلال أنثوي كعادتها ليصرخ بقوة أرعبتها:

-بقى بتسجلي لي فيديو وتبعثيه لمراتي يا بنت الـ... سبها بلفظ منافٍ للآداب والأخلاق لتنطق بدفاع عن حالها: -أنتَ بتقول إيه يا نصر، أنا مش فاهمة حاجة. صاح بحدة: -أنتِ هتستعبطي يا روح أمك، مش أنتِ اللي بعتي الفيديو لمراتي. ظلا يتحدثان لتتذكر تلك "الفتنة" وارتباكها بذاك اليوم بالتحديد الذي بلغها به نصر، أبلغته بما حدث تلك الليلة بالتحديد واختفاء الفتاة من بعدها وعدم ظهورها مرة أخرى فتحدثت بجنون:

-هي ما فيش غيرها، بس مين اللي وراها وخلاها تعمل كده. لم يطرأ بمخيلته فؤاد فقد اعتقد بغبائه أن من فعل هذا هو ذاك الـ هارون لينتقم منه على ما حدث بالماضي وتفضيل إجلال عليه وليسحب منه أيضًا مقعد البرلمان لتيقنه قيمة ذاك المنصب لديه فتحدث بضيق: -تقفلي معايا وتسيبي الشقة حالًا، مراتي لو عرفت توصل لك مش هيطلع عليكِ نهار. انتفض داخلها برعب لتسأله بصوت يرتجف هلعًا من شدة خوفها: -هروح فين يا نصر؟! -روحي في أي داهية...

قالها بحدة لينطق موضحًا الأمر: -أنتِ أصلك ما تعرفيش شر ستهم واصل لحد فين، روحي لأي واحدة من صاحباتك واقعدي عندها لحد ما أخلص من الانتخابات وأجي لك نشوف هنعمل إيه. بلهفة نطقت قبل أن ينهي المكالمة: -طب حول لي فلوس علشان ما معييش. -هو أنتِ ما بتشبعيش فلوس؟! قالها بسخط ليغلق الهاتف بعدما وعدها أنه سيحول لها مبلغًا من المال يكفي احتياجاتها لحين الانتهاء من تلك الأزمة. **********

ليلًا، استقلت المقعد المجاور له لينطلق بسيارته متجهًا إلى أحد الأماكن الشهيرة بالعاصمة الخاصة بتقديم المأكولات. ضغط على زر تشغيل جهاز الموسيقى لينطلق صوت آمال ماهر وهي تغرد كالبلابل في غنوتها الرائعة "أنا حبيتك". بدأت تدندن معها وهي تتطلع على حبيبها الناظر أمامه بتمعن يراقب الطريق تارة وتارة أخرى يتطلع على عينيها حتى انتهت الغنوة. سألته بعدما تنهدت براحة: -إيه اللي طلعها في دماغك النهاردة إننا نخرج نتعشى بره؟!

تنفس بهدوء قبل أن يجيبها: -حسيت إني مقصر معاكِ قوي الفترة اللي فاتت، خصوصًا إننا ما خرجناش من بعد ما رجعنا من المالديف. تبسمت بجاذبية وتنهدت براحة. ظلت تنظر إليه بعينين مغرمتين حتى وصلت إلى المكان المقصود. كان المظهر مبهرًا للغاية حيث جذب بصرها ليسألها ذاك المحاوط لخصرها: -إيه رأيك في المكان يا حبيبي؟ نطقت لانبهار ظهر بعينيها: -يسحر يا فؤاد، حلو قوي.

استقبلهما الموظف ليتبعاه حتى وصلا إلى الطاولة الخاصة بهما ليسحب لها المقعد الخاص بها ويلف ليقابلها بالجلوس على المقعد المقابل. جلسا وطلبا عشاءهما وانتظرا. اشتغلت الموسيقى وتوجه كل ثنائي للمكان المخصص للرقص. وقف وأغلق زر حلته ليتوجه إليها باسطًا ذراعه وهو يقول بابتسامة ساحرة: -ممكن حبيبة حبيبها تسمح له بالرقصة دي؟ نطقت بملاطفة وهي تناوله كفها: -ولي الشرف معالي المستشار. استلم كفها ليحتويه برعاية وتحرك بجوارها

وهو يهمس بنبرة هائمة: -معالي المستشار وقع في حب إيثار هانم ولا حدش سمى عليه. أطلقت ضحكة رقيقة أثارت جنونه ليهمس بجانب أذنها بتهديد مشاكس: -ضحكة كمان من دي وهخليهم يحجزوا لنا سويت نطلع نقضي فيه ليلتنا. تطلعت عليه لينطق بوقاحة: -مش هيبقى فيه وقت نروح بيتنا.

ابتسمت خجلًا. وقف قبالتها ليحتوي ظهرها بأحد ذراعيه ويضع كفه الآخر بخاصتها ليبدأ معًا أولى خطوات رقصتيهما. أراحت رأسها على صدره لتستمع لنبضات قلبه المغرم وهي تدق بتناغم. رفعت رأسها لتطالع عينيه المغرمة لتنطق بنبرة تمتلئ بالعشق الجارف: -طول عمري عندي ثقة إن ربنا عادل وهيكافئني على صبري، بس عمري ما تخيلت إن المكافأة هتبقى أنتَ يا حبيبي. ابتسم بحبور ظهر بعينيه لتتابع بغرام هائل:

-أنتَ جنتي على الأرض يا فؤاد، وكأن كل حاجة حلمت بها من أول طفولتي لحد ما قابلتك ربنا جمعها لي كلها وقدمها لي في صورتك. تعمق بعينيها لينطق بنبرة هامسة مغلفة بالحنان:

-اتغيرتِ قوي عن أول مرة شفتك فيها، كنتِ جامدة صلبة، كنتِ زي قزازة مكسورة حادة بتجرح أي حد يقرب منها، برغم الوش الخشب اللي طول الوقت كنتِ مركباه ونظارتك الطبية والبدلة اللي تشبه بدل الرجالة، إلا إني أول مرة شفتك فيها حسيت إن فيكِ حاجة مميزة، حاجة لمست روحي وعملت حالة استنفار جوايا. واسترسل متعجبًا: -إيه هي ما كنتش أعرف، بس مع كل يوم كان بيعدي وبنقرب فيه من بعض كنت بتأكد إنك ليّ، ليّ وبس. تنهدت لتنطق بحالمية:

-أنا بحبك قوي. -وأنا بعشق كل ما فيكِ... قالها بهيام ليسألها بعينين بالغرام متوسلتين: -هو أنا ممكن أطلب من حبيبة حبيبها طلب؟ هزت رأسها لتنطق بصوت يدل على مدى هيامها: -أنتَ تؤمرني يا حبيبي. -بموت فيكِ يا عمري... نطقها بحنان ليتابع بنبرة حنون: -أنا بكرة إجازة وعاوز أسهر معاكِ في أوضة الجاكوزي، محتاج أستجم وأنتِ في حضني. ابتسمت وهي تجيبه بمداعبة: -بس كده، ده أنا قلت إنك طمعان في عربيتي وهتطلب إني أتنازل لك عنها.

أطلق ضحكة جذابة زلزلت كيانها لينطق بمشاكسة: -أنا آه طماع بس مش للدرجة دي.

ظلا يرقصان إلى أن وصل عشاءهما وتحركا ليتناولاه. دللها كثيرًا وهو يطعمها بيده تحت سعادتها التي تخطت عنان السماء. انتهيا ثم عادا إلى المنزل فكان الجميع قد ذهبوا لغرفهم. تحركا ليختفيا داخل غرفة الجاكوزي التي أشرفت حكمة على تجهيزها للعاشقين. ارتدت الثوب الخاص بالسباحة لتجاوره النزول إلى المسبح. استند على جداره ليأخذ حبيبته أمامه وبات يدللها بعمل مساج لظهرها وكتفيها ساعدها كثيرًا على الاسترخاء لدرجة أنها أرخت رأسها للخلف تسندها على صدره لتقول بصوت مسترخٍ

وعينين مغمضتين: -فؤادي. رد باسترخاء: -إيه يا بابا؟ تنفست لتنطق بخفوت واستمتاع: -هو أحنا ينفع ننام مكاننا كده؟ ضحك ليجيبها: -مش للدرجة دي يا إيثار، هي آه الماية سخنة وتجنن والأجواء تسحر، وأحلى ما في الموضوع هو قربنا من بعض بالطريقة دي وحالة الاسترخاء. ليسترسل بصوت حنون: -ومع ذلك ما فيش أحلى من إني آخدك في حضني وننام باستمتاع. ابتسمت ليكملا ليلتهما ثم صعدا لجناحيهما ليغفو كل منهما داخل أحضان الآخر باستسلام ومتعة.

********** بعد يومين. داخل المحبس الخاص بالنساء، كانت تجلس فوق التخت المخصص لها لتدخل السجانة عليهن وهي تتطلع بينهن وتصيح بصوتها المرعب لتسكت أصوات عراكهن العالية: -اخرسي يا ولية واتلمي منك ليها. صمتن جميعهن لتنظر هي باشمئزاز إلى تلك المرأة التي حضرت إليهن في قضية قتل إحداهن وتنطق بتشفٍ: -عمليتك اتحددت كمان أسبوع، بعد ما تقومي منها إن شاء الله هتلبسي الأحمر علشان نجهزك لزفتك الأخيرة يا حلوة.

تطلعت سمية عليها بغضب لتنطلق ضحكات النسوة وهن يرمقونها بنظرات ساخرة أثارت غضبها لتكمل السجانة وهي تنظر إلى أحلام كبيرة العنبر: -وبعدين معاكِ يا أحلام، مش ناوية تجبيها لبر أنتِ والنسوان بتوعك ولا إيه؟ هتفت المرأة ذات الوجه المريب الملئ بالندبات مما يوحي لإجرامها: -وأنا عملت حاجة يا ريسة، ما أنا قاعدة في حالي كافية غيري شري أهو. هتفت المرأة بملامح وجه ساخطة:

-والبت سامية اللي كسرتوا لها رجلها إمبارح بالليل والدكتور جبسها لها الصبح، كنتِ بتسلمي عليها يا روح أمك منك ليها. كادت المرأة أن تتحدث فأوقفها صوتها الحاد وهي تنطق متوعدة: -اتلمي يا أحلام ولمي نسوانك علشان لو حطيتكم في دماغي هزعلكم، وأنا زعلي وحش. نطقت مرغمة: -ما عاش ولا كان اللي يزعلك يا ريسة. رمقتها المرأة قبل أن تخرج من جديد. تحركت أحلام حتى وصلت إلى سمية ثم رمقتها بازدراء لتنطق بافتراء:

-قومي يا بت نفضي لي سريري وغيري لي الملاية وادخلي اغسليها هي والغيار اللي قلعته إمبارح. نطقت بملامح وجه مكفهرة: -بقول لك إيه، اتكلي على الله وسيبيني في حالي. -وإن ما سيبتكِ يا روح أمك هتعملي لي إيه؟! نطقتها بعينين تطلقان شررًا ثم سحبت شفرة الحلاقة من داخل فمها لتشهرها بوجهها مما جعل الأخرى ترتعب لتهب واقفة وهي تنطق بخضوع وإذلال: -خلاص خلاص، هعمل لك اللي أنتِ عاوزاه. تحركت إلى تختها لتنطق إحدى السجينات:

-حرام عليكِ اللي بتعمليه في البت ده يا أحلام، دي عندها المرض الوحش يا ولية، أنتِ ما فيش في قلبك رحمة. -لا ما فيش يا سنيورة، ولو صعبة عليكِ قومي اشتغلي مكانها يا إما تنقطينا بسكاتك... صمتت المرأة لتتابع الأخرى وهي تقترب من سمية وترمقها باشمئزاز: -مش كفاية قاعدة عالة علينا، مقطوعة من شجرة لا حد بيسأل فيها بلقمة حلوة تسد جوعنا ولا خرطوشة سجاير تعمر لنا نفوخنا، ولا حتى كام ملطوش تسد بيهم تمن قعدتها في المخروبة دي.

واسترسلت وهي تدفعها لتقع أرضًا: -يبقى على الأقل تخدمنا بقعدتها. ارتطم جسدها بالأرض لتستند بذراعيها وقد اشتعل داخلها بغضب عارم ولو بيدها الأمر لوقفت وحطمت رأس تلك المرأة وما تركتها إلا غارقة وسط بركة من الدماء. تحدثت أخرى بنبرة إنسانية: -الولية عيانة يا أحلام، حرام عليكِ كده. نطقت بصوت متجبر:

-اللي صعبة عليكِ دي يا أختي قتالة قتلة، مسكت الست وضربتها بالسكينة تسع طعنات، يعني ولية قادرة ومفترية ولو جت لها الفرصة هتعمل فينا زي ما عملت في المسكينة اللي راحت هدر. صمتن النسوة لتتابع أحلام بنبرة ساخطة بعدما تطلعت عليها بحدة: -ما قومي يا بت تشوفي شغلك. استندت على كفيها لتقف تفعل ما أمرتها به تلك المتجبرة عنوة عنها. داخل شركة أحمد زين الدين.

كان يخرج من مكتب المدير التابع له بعدما أنهى بعض التعاملات ليتحرك إلى كافيتريا الشركة لبدء فترة الراحة الفاصلة بين ساعات العمل. وجد تلك الجميلة تقابله ويبدو أنها هي الأخرى بطريقها لنفس وجهته، إنها "أميرة" تلك الفتاة التي لفتت انتباهه منذ أن استلم عمله في الشركة، فقد رأى بها كل ما تمنى في الفتاة التي يريدها شريكة لأحلامه، الأدب والأخلاق والاحتشام في ملابسها وأيضًا حجابها بما يتلائم مع دينه وتربيته وقناعاته. نظرت عليه بخجل وكادت أن تمضي بوجهتها لولا اقتحامه لطريقها

وهو يقول بابتسامة هادئة: -إزيك يا أستاذة أميرة؟ -الله يسلمك يا أستاذ أيهم... نطقتها بهدوء وصوت بدا عليه الارتباك بعض الشيء لينطق هو من جديد: -رايحة الكافيتريا؟ أجابته بهدوء: -آه، هروح آخد أي ساندويتش خفيف مع نسكافيه. أشار لها لتجاوره ثم سألها ليخلق حديثًا بينهما: -عاملة إيه في شغلك؟ ابتسمت لتجيبه بمشاكسة: -المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده، أنتَ ناسي إن أنا أقدم منك هنا ولا إيه يا حضرة المحاسب؟

ابتسم ليجيبها بحفاوة تأثرًا بملاطفتها له: -في النقطة دي معاكِ حق، بس بما إني الراجل فلازم أبدأ بالسؤال وأطمن على أحوالك، ولا إيه يا أستاذة؟ أومأت بموافقة لتسأله بما يشغل بالها وبال الجميع منذ أن تم تعيينه معهم بالشركة: -هو حضرتك قريب باشمهندس أحمد الزين؟! هز رأسه لينطق نافيًا: -لا خالص. -غريبة قوي... نطقتها بتعجب ليسألها بجبين مقطب:

-إيه الغريب في كده، ولا هي الشركة عاملة التعيينات حكر على شباب عيلة الزين وأنا ما أعرفش؟! ضحكت بجاذبية لفتت انتباهه لتجيبه على تساؤله الفكاهي: -ما أقصدش طبعًا، إحنا كلنا افتكرناك قريب الباشمهندس لأنه مهتم بيك لدرجة إنه وصلك بنفسه لمكتبك أول يوم، كمان اختار لك مكتب مميز في الشركة، بس كده. أجابها بابتسامة بشوشة: -أنا هوضح لك سبب الاهتمام ده، ببساطة كده أختي تبقى مرات فؤاد علام ابن أخو الباشمهندس. اتسعت عينين الفتاة

لتسأله بذهول ظهر بعينيها: -تقصد سيادة المستشار فؤاد علام ابن المستشار علام زين الدين؟! أومأ لها بإيجاب لينطق ببساطة: -بالضبط كده. نطقت الفتاة بحبور ظهر فوق ملامحها: -أنا عارفة فؤاد علام وباباه، جم الشركة كذا مرة قبل كده، لما بيكون فيه أحداث كبيرة زي افتتاح فروع جديدة أو إتمام صفقات كبيرة بيحضروا، وكمان بنشوفهم في الحفلات الخاصة بالشركة. واسترسلت بصدق نال استحسانه:

-ناس محترمة جدًا وأكيد أختك حد مميز علشان فؤاد علام يختارها تكون مراته. تطلع إليها معاتبًا إياها بافتعال وهو يقول بمداعبة: -طب إيه، هنفضل نتكلم كتير كده عن أختي وجوزها؟ ابتسمت لتسأله بمشاكسة: -طبيعي لأن ما فيش أحاديث مشتركة بيننا علشان نتكلم فيها. وصلا إلى الكافيتريا ليتحركا إلى إحدى الطاولات وتحدث وهو يشير لها بالجلوس:

-طب ما تيجي نخلق لنفسنا أحاديث مشتركة، مش يمكن دماغنا تطلع واحدة ونوحد أفكارنا ونلمها على بعض بدل ما هي مشتتة وكل فكرة تايهة في طريق لوحدها. ابتسمت بخجل لفهمها مقصده لتجلس مقابلة له ليتابع هو بهدوء: -هتاكلي إيه؟ أملت عليه ما ستتناوله من طعام فأبلغ به العامل وبدأ يتحدثان ليبحثا معًا عن النقاط المشتركة بينهما ليستكشف كل منهما الآخر بعدما اكتشف كلاهما انجذابه للآخر. ***********

عصرًا، داخل فيلا أحمد زين الدين، كانوا يصطفون حول مائدة الطعام يتناولون وجبة الغداء. أحمد وزوجته نجوى ونجلهم بسام وزوجته. تطلع أحمد من حوله ليسأل زوجته باستغراب: -سميحة ما نزلتش لحد الوقت ليه؟! أجابته بلامبالاة: -هي قالت للشغالة نازلة وراكي. ما هي إلا ثوانٍ وكانت تهبط من أعلى الدرج بمرح وسرعة مرتدية ثيابًا يبدو من هيأتها أنها على كامل استعدادها للخروج. وصلت إلى أبيها لتميل على وجنته واضعة قُبلة وهي تقول بسعادة:

-هاي داد. نظر لهيأتها ولحقيبة اليد التي تحملها ليسألها متعجبًا: -رايحة فين؟! نطقت بحبور ظهر فوق ملامحها: -رايحة عند عمو علام، هقضي اليوم عندهم ويمكن أبات مع فريال. تحدثت نجوى بلامبالاة: -اقعدي اتغدي قبل ما تمشي. نطقت بهدوء: -ما ليش نفس يا مام، هبقى آكل حاجة خفيفة بالليل معاهم.

أخذ أحمد نفسًا عميقًا كي يستطيع ضبط انفعالاته من أسلوب ابنته وتصرفاتها التي أصبحت مستفزة لأبعد الحدود بشأن زياراتها المتكررة لمنزل عمها وتعمدها استفزاز مشاعر زوجة فؤاد بالتحديد وهذا ما لمسه يوم التجمع العائلي بالمزرعة. تحدث بنبرة صوت حازمة: -اقعدي اتغدي يا سميحة، وبالنسبة لزيارة بيت عمك أجليها ونبقى نزورهم أي يوم تاني أنا وأنتِ. طالعته باستنكار لتنطق بصوت معترض: -وليه ما أروحش النهاردة زي ما خططت ليومي؟!

نطق بحدة ظهرت بنبرات صوته: -علشان ما ينفعش تروحي للناس بيتها كل شوية، كل واحد عنده حياته الخاصة وأكيد محدش بيرتاح لما حد يقتحم عليه بيته ويقيد حريته فيه. تذمرت ومطت شفتيها للأمام لتقاطعه نجوى بطريقة مستفزة: -أنتَ بقيت غريب قوي يا أحمد وحقيقي ما بقتش قادرة أفهمك. طالعها بجبين مقطب غير مستوعب هجومها لتسترسل مفسرة لتذكيره بطريقة استهجانية:

-أنتَ مش طول عمرك بتقول لأولادك لازم تروحوا تزوروا عمكم وتقربوا من ولاده، وطول الوقت كنت بتتكلمهم عن القيم الإنسانية الجميلة وصلة الرحم والكلام الكبير اللي طول عمرك بتسمعهولنا لحد ما حفظناه؟! واسترسلت باستهجان: -إيه اللي جد خلاك تمنع سو وتديها محاضرة في احترام القواعد الأساسية للزيارات المنزلية والعائلية والكلام الكبير اللي أنا مش فاهمة معظمه ده. احتدت ملامحه وظهر الغضب على محياه لينطق بصرامة:

-كلامي اللي مش عاجبك ده محاولة أخيرة لإنقاذ كرامة بنتي اللي مصرة إنها تهدرها بغبائها، يعني كلامي وتصرفي ده لمصلحتها يا هانم. أخذت تقلب عينيها بضجر يوحي لعدم تقبلها لحديثه فطالما رأته رجل الخطابات الفارغة، ليتابع هو بحدة تحت ألم وحزن سميحة: -هو أنتِ حاسة بحاجة ولا شايفة حد في البيت ده غير نفسك، اقعدي مع بنتك وقومي بدورك كأم ولو لمرة واحدة في حياتك.

امتعضت ملامحها وقد بدا عليها الانزعاج وهي تنظر لزوجة بسام التي انتفضت واقفة لتنطق بانسحاب وهي توجه حديثها إلى زوجها لتعفي الجميع الحرج: -أنا طالعة أوضتي يا بسام. أومأ لها باستحسان لتصرفها الراقي. وما أن صعدت حتى انفجرت نجوى بحدة ترجع لتقليل زوجها من شأنها أمام زوجة نجلها: -عاجبك الفضايح دي، مرات ابنك تقول علينا إيه؟! هتف بعصبية وحدة ظهرت بعينيه:

-علشان تعرفي إنك مغيبة ومش عايشة معانا على أرض الواقع، مرات ابنك عارفة وشايفة كل حاجة ومش هي بس يا مدام، كل اللي حوالينا ملاحظين جري بنت أحمد زين الدين ورا ابن عمها ورمي روحها عليه ومحاولة تطفيش مراته وإثارة غيرته. ظهر التوتر أكثر على ملامحها لتنطق بصوت مرتبك تنفي به اتهام والدها عنها: -إيه الكلام اللي حضرتك بتقوله ده يا داد، دي إهانة أنا لا يمكن أقبلها. طالعها بحدة ليهتف بعصبية:

-أنتِ فاكرة إن أنا مبسوط وأنا بواجهك بالكلام ده، ده أنا قلبي بيتقطع عليكِ وكاتم في نفسي من يوم اللي حصل وشفته بعيني في المزرعة. ليتابع بغضب عارم لو خرج لأحرق الأخضر واليابس: -بس خلاص يا سميحة، مش هقدر أسكت أكتر من كده وأنا شايفك بتهيني كرامتك وتمرمغي باسمي في الأرض. تابع بقهر ظهر بصوته المتألم:

-كنت ساكت وبقول بكرة تعقل وتعرف مصلحتها فين، دي دكتورة وعقلها كبير وأكيد هتراجع نفسها وتعرف غلطها وتتراجع عنه، بس للأسف، كل شوية بتزيدي في الخيبة وبتثبتي لي أنا قد إيه فشلت في تربيتك. تحرك بسام ليجاور والده لينطق بهلع ظهر بعينيه عندما رأى حدة والده الهائلة: -أرجوك يا بابا اهدى، حضرتك كده ممكن تتعب. ارتمى على مقعده من جديد ليقول بانكسار: -تعب إيه ونيلة إيه اللي بتفكر فيهم في وسط الخيبة اللي إحنا فيها دي يا بسام.

هزت رأسها بدموع لينطق بصرامة وهو يشير لها نحو الدرج: -اطلعي على أوضتك وآخر مرة هنبهك فيها للموضوع ده. واسترسل بحدة: -وتفكري بشكل جدي في موضوع خطوبتك من مازن الجيار، وآخر الأسبوع ده تديني الأوكيه علشان أبعت لأبوه الموافقة. أغمضت عينها في ألم ثم فتحتهما من جديد لتنهمر دموعها فوق وجنتيها ثم هرولت تصعد الدرج. التفت أحمد لزوجته التي تشعر بالخجل بعد أن قام زوجها بتعرية روحها وأظهر فشل قيادتها لأسرتها وبالتحديد ابنتها.

تحدث بصرامة بالغة: -تصرفات بنتك من النهاردة مسئوليتك، أي غلطة ليها أنتِ اللي هتتحاسبي عليها قدامي. واسترسل موبخًا إياها وهو يرمقها بازدراء: -وفوقي بقى لبيتك شوية وانزلي من قصر وهمك العالي وعيشي معانا على أرض الواقع. نطق كلماته الحادة ليندفع كالإعصار إلى غرفته تحت صدمة نجوى التي تحدثت لنجلها بذهول: -باباك شكله اتجنن خلاص يا بسام. أجابها الشاب بنفي تضامنًا مع تصرف والده الصحيح:

-بالعكس يا ماما، اللي عمله بابا مع سميحة صح جدًا، بس للأسف، متأخر قوي. *********** في الحادية عشر ظهرًا من اليوم التالي.

خرجت من حجرتها متأنقة ترتدي ثوبًا رائعًا أظهر جمالها وأناقتها وقامت بوضع القليل من مساحيق الزينة لتجعلها أيقونة جمال رغم شحوب وجهها قليلًا بفضل الحمل، فقد هاتفتها لارا أيمن وأخبرتها أنها ستأتي اليوم لزيارتها كي تطمئن عليها هي والصغير. توجهت صوب الدرج لتهبط منه بهدوء وهي تستند على درابزين السلم الزجاجي لتلحق بها فريال التي كانت تحمل صغيرها وتهبط للطابق الأرضي. ضحكت لتنطق بمشاكسة لزوجة شقيقها:

-من أولها نازلة تستندي على الدرابزين زي العواجيز، أمال لما توصلي للشهر السابع هتعملي إيه؟ التفتت تناظر تلك اللطيفة التي تمتلك روحًا دعابية لم تكتشفها سوى بعشرتها ثم تحدثت وهي تأخذ نفسها بصعوبة: -والله ما فاهمة إيه اللي بيحصل لي ده يا فيري، أنا فعلًا حاسة إن بقى عندي تمانين سنة، مع إني حملت في يوسف والوضع كان طبيعي جدًا. رفعت قامتها لأعلى لتنطق مفخمة من شأن شقيقها:

-وأنتِ عاوزة تساوي حملك في يوسف بحملك في ابن فؤاد علام، نحن نختلف عن الآخرون يا أستاذة. أطلقت إيثار ضحكة عالية لتتابع الأخرى بوقاحة: -نصيحة بس خفوا من الجاكوزي وتوابعه، قولي له عيب وياريت يحترم الحدث ويدي له وقاره وقيمته. نطقت من بين ضحكاتها وهي تتابع النزول: -يا بنتي حرام عليكِ مش قادرة أضحك. ثم تابعت وهي تتطلع إلى الصغير بنظرة حنون: -ابقي سيبي لي فؤاد علشان أبص له وأجيب بيبي قمر زيه. أجابتها بتحيز لشقيقها الغالي:

-بصي للنسخة الأصلية اللي عندك وأنتِ تجيبي بيبي ما لوش مثيل. ابتسمت بسعادة وتحدثت باستحسان: -عجباني قوي علاقتك أنتِ وفؤاد. بدون تفكير نطقت بعينين سعيدتين: -ده بابا التاني وأنا أمه التانية. ابتسمت وظهر الألم بعينيها حين تذكرت جحود أشقائها عليها وبعدهما كل البعد عن روحها. وصلت كلتاهما أسفل الدرج لتخرج عزة من المطبخ وبيدها حاملًا كريستالي ملئ بأصناف متعددة من الفواكه لتقول بسعادة بالغة:

-لارا اتصلت بيوسف وقالت له إنها خلاص قربت على البوابة، والشقي مستنيها هو وبيسان في الجنينة وعامل هوليلة. ابتسمت لها إيثار وتحدثت: -ما هي كلمتني من شوية، أنا هخرج استناها بره. تحدثت فريال إلى عزة بنبرة ودودة: -حضرتي ضيافة كويسة تستقبلوها بها يا عزة؟! نطقت بنبرة حماسية: -أيوه يا هانم، جهزت الترابيزة اللي في الجنينة وحطيت عليها من جميع خيرات ربنا، ربنا يوسع عليكم يا هانم. أومأت لها لتتحدث إلى إيثار:

-أنا هاجي أستقبلها معاكِ وبعدين هسيبكم علشان تتكلموا براحتكم. بعينين ممتنتين نطقت: -ميرسي لذوقك يا فيريال. نطقت بنبرة هادئة: -ميرسي على إيه، ده بيتك يا بنتي. خرجت بجوار فريال ليقابلها صغيرها بحماس وسعادة: -مامي، لارا كلمتني وجاية حالًا.

بالكاد أكمل جملته لتلج سيارة لارا بعدما سمح لها حارس البوابة وبعد قليل ترجلت من السيارة ممسكة بيديها بعض الحقائب المملوءة بالهدايا للصغير الذي هرول عليها لتحتضنه بقوة بعدما ناولت ما تحمل بيديها إلى عزة. باتت تزيده من قبلاتها الشغوفة التي أثارت حنق الصغيرة التي تتطلع على صديقها وهو معلقًا بين أحضان تلك الفتاة الشقراء. نطقت وهي تتحسس شعر رأسه: -وحشتني يا وحش يا اللي ما بتسألش على لارا.

كان يشدد من احتضانه لعنقها ليبتعد قليلًا وهو يقول بطفولة: -مامي هي اللي مش بترضى توديني عندك، أنا قلت لها عاوز أروح عند لارا وجدو أيمن وهي اللي مش رضيت. نطقت وهي تتحرك به صوب التي انطلقت ضحكاتها على صغيرها الذي ألقى بالتهمة على عاتقها ليبرئ حاله: -خلاص كده أخدت براءة ومامي هي اللي هتتعاقب. أفلتت الصغير من أحضانها لتحتضنها إيثار وهي تنطق بسعادة هائلة: -وحشتيني قوي يا لارا. -لو وحشتك بجد كنتِ جبتي جو وجيتي زورتينا...

قالتها بنبرة لائمة لتتابع مبررة: -مش تستني لما العروسة تسيب تجهيزاتها للفرح وتيجي علشان تشوفك. نطقت بعينين معتذرتين: -والله غصب عني يا لارا، أنا حكيت ظروفي واللي حصل لي مؤخرًا للباشمهندس في التليفون، وبررت له خوف فؤاد عليّ من الخروج. -بابا وماما وكلنا مقدرين ظروفك يا قلبي، أنا بهزر معاكِ... قالتها الفتاة بملامح وجه بشوشة لتنتقل إلى فريال قائلة باحترام وهي تصافحها بلباقة: -إزيك يا مدام فريال؟ أجابتها

الأخرى بابتسامة مشرقة: -إزيك أنتِ يا لارا، نورتينا. التفتت الفتاة على صوت عزة المعترض وخفة ظلها: -وأنا ما فيش إزيك يا عزة، ولا أنا كنت بايتة في حضنك وأنا ما أعرفش؟ بملاطفة نطقت وهي تستعد لاحتضانها: -والله وحشتني طولة لسانك يا زوزة. اتسعت عينيها لتشهق وهي تقول باعتراض مفتعل: -طولة لساني، طب ابقي شوفي مين هيجيب لك الكريم كراميل اللي عملته مخصوص علشانك. نطق الصغير ملطفًا الأجواء بطفولته:

-عزة عملت لك الكريم كراميل علشان أنتِ بتحبيه يا لارا. مالت لتضع قبلة حماسية على وجنة الصغير لتنطق بملاطفة وهي تداعب وجنتيه بأناملها: -يا قلب لارا أنتَ، خلاص أنا هصالح عزة علشان خاطر الكريم كراميل.

ضحك الجميع لتنسحب فريال إلى الداخل لتترك لهما بعض المساحة للتحدث. جلست إيثار ولارا وعزة بصحبة يوسف حيث أجلسته لارا فوق ساقيها لتضمه بأحضانها كي تشبع روحها من ذاك الذي صنع لحاله مكانًا بقلبها. نظر على تلك الصغيرة الجالسة بصحبة المربية تلهو بألعابها وعينيها مثبتتين بنظرات غاضبة على ذاك القابع بأحضان تلك الشقراء. أفلت حاله من بين أحضان لارا ليذهب صوب التي ما أن رأته يقبل عليها حتى أزاحت ببصرها للجهة الأخرى.

جلس بجوارها لينطق بعفوية: -أنتِ زعلانة مني يا بيسان؟ ربعت ذراعيها فوق صدرها لتنطق بغضب طفولي: -آه زعلانة، ومش هلعب معاك تاني يا جو، ويلا روح عند صاحبتك اللي سبت بيسو وروحت عندها. لوى فمه قليلًا يتعمق بملامحها الغاضبة ثم تحدث لترضيتها: -علشان خاطري ما تزعلي. ابتسمت لتقول له: -طب تعالى ألعب معايا ومش تروح عندها تاني. ابتسم بسعادة بالغة ليشاركها اللهو ويندمجا متناسيين من حولهما. ***********

داخل شقة صديقه رأفت المتواجدة بالمركز التابع لهم كان يجلس بصحبة الرجل الوسيط بينه وبين المشتري لينطق بملامح وجه جادة: -رجالتي هتروح الأسبوع الجاي علشان تبدأ حفر في سوهاج، إحنا خلاص جهزنا كل حاجة وهنستغل انشغال الكل في الانتخابات ونبدأ من غير ما حد يحس بينا. واستطرد بما أثار تعجب الآخر: -بس قبل ما نبدأ ليّ طلب عند الخواجة، والطلب ده تنفيذه هيكون قصاد نسبتي. سأله الرجل متعجبًا حديثه:

-يعني إيه، مش هتاخد نسبتك من تمن الآثار اللي هتطلع من الحفر؟! هز رأسه بإيجاب لينطق الرجل بتردد: -أنتَ عارف نسبتك دي ممكن تتقدر بكم؟! نطق دون تفكير: -عارف ومتنازل. هتف رأفت صديقه بحدة في محاولة منه لإفاقة صديقه من غفوته: -اعقل يا عمرو وبطل جنان، اللي أنتَ طالبه ده مستحيل. واسترسل ناصحًا:

-وبعدين انسى بقى وفوق لنفسك واتعلم من اللي فات يا أخي، خد الفلوس وعيش بها ملك زمانك، اتجوز عيلة بنت 18 تدلعك وتنسيك اللي فات، وخلف لك منها كام عيل قبل العمر ما يعدي بيك يا صاحبي. رمقه بنظرات كالسهام النارية ليقول بحدة: -يا تقول كلمة عدلة يا تسمعني سكاتك يا عم رأفت. ضيق الرجل بين عينيه ليسأله بفضول: -هي إيه الحكاية يا عمرو، طلب إيه ده اللي خلى صاحبك اتجنن كده؟ نطق ببرود:

-عاوز رجالة الخواجة يخطفوا لي مراتي وابني ويسفروهم لي فرنسا، وأنا هخلص له مصلحته وأسلمها له بيضة مقشرة وبعدها أحصلهم. قطب الرجل جبينه ليسأله بعدم استيعاب: -طب ولما هما مراتك وابنك هتخطفهم ليه؟! كاد أن يرد لولا صوت رأفت الذي صدح بحدة: -علشان لا دي مراته ولا من حقه ياخد الواد. واسترسل بإبانة:

-البيه مطلقها والست في عصمة راجل تاني، ومش أي راجل ده مستشار وأبوه التاني مستشار وعضو في المحكمة الدستورية، حتى الواد متنازل عن حضانته لأمه. اتسعت أعين الرجل وهتف بحدة وغضب: -أنتَ اتجننت يا عمرو، عاوزنا نلعب مع ناس في القضاء وإحنا شغلنا كله شمال؟! أرجع ظهره للخلف لينطق بصرامة: -والله ده شرطي الوحيد علشان أكمل لكم العملية بتاعتكم، غير كده اعتبروني منسحب. تنهد الرجل ليقول بهدوء وعقلانية:

-اديني يومين أبلغ فيهم البوص وأشوف رأيه إيه. -على أقل من مهلك... قالها عمرو تحت استشاطة رأفت من تصرفات ذاك الأبله الذي لا يتعلم من أخطائه أبدًا. *********** بغرفة إجلال، ولج نصر إليها لتهب واقفة وتحركت صوبه وهي تهتف بحدة وعينين تطلق شررًا: -اطلع بره ورجلك لو خطت أوضتي تاني هكون قطعاها لك يا نصر. أشار لها بكفيه لتتوقف ثم نطق سريعًا: -اهدي يا إجلال وخلينا نتكلم بالعقل، عيب اللي بتعمليه ده. هتفت بغضب عارم وهي تقول:

-العيب لو اتعمل مع أهل العيب ما يبقاش عيب يا ابن البنهاوي. نطق بخنوع وتذلل كي يستدعي هدوئها: -أنا جاي أراضيكِ وأشوف كل طلباتك وأنفذهالك، لو على موضوع البت هطلقها وهغورها من حياتي خالص، بس استهدي بالله وخلي ابن عمك يسحب ورق ترشيحه، عيب يا بنت الناس لما تقفي مع واحد زي هارون قصاد جوزك أبو ولادك. لوت فاهها ساخرة لتقول متهكمة: -خلصت الكلمتين اللي جاي تبلفني بيهم ولا لسه، لو خلصتهم خد الباب في إيدك وأنتَ طالع. كاد أن

يتحدث قاطعته بعنف وشراسة: -ولو على الرقاصة بتاعتك اللي خبيتها مني أنا هعرف أوصل لها، وما بقاش إجلال إن ما خليت الدبان الأزرق ما يعرف لها طريق. وصل لذروته من الغضب ليصيح بحدة وسخط: -ماشي يا إجلال، أنا هخلصها بطريقتي، بس خليكِ فاكرة إني جيت لك لحد عندك وأنتِ اللي اتمنعتِ. قالها لينطلق غاضبًا كالإعصار تحت اشتعال روحها وغضبها العارم منه وهي تقول:

-أنتَ لسه شفت حاجة يا واطي، اصبر عليّ، إن ما خليتك تلف حوالين نفسك زي المجنون ما أبقاش أنا ستهم. *********** ليلًا داخل بهو قصر علام زين الدين. كان علام وزوجته وفريال وماجد يجلسون يتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم، أما فؤاد فكان يهبط الدرج محتوي كتف حبيبته برعاية. وصلا للتجمع العائلي لينطق بنبرة هادئة: -مساء الخير. رد الجميع التحية لتقول هي الأخرى بعدما ألقت التحية على الجميع: -إزيك حضرتك يا بابا؟

أجابها بابتسامة حنون: -إزيك أنتِ يا حبيبتي وإزاي حفيدي البطل؟ ابتسمت بسعادة لتجيبه بملاطفة: -مغلبني معاه والله يا بابا. ساعدها فؤاد على الجلوس ثم جاورها لتبتسم عصمت قبل أن تقول بنبرة حماسية: -استحملي التعب لحد ما حبيب نانا يشرف وبعدها أشيل عنك كل التعب، مش هخليكِ تشتكي منه أبدًا. -إن شاء الله يا ماما... قالتها بحبور ليسألها ذاك العاشق باهتمام زائد بعدما وضع إحدى الوسائد الصغيرة خلف ظهرها:

-مرتاحة يا بابا ولا أحط لك كمان مخدة وراء ظهرك؟ تحمحمت لتجيبه بهدوء: -كده كويس يا حبيبي تسلم إيدك. أومأ لها ليعتدل بجلسته. ليسألها علام بنبرة أظهرت اشتياقه الجارف لمعرفة نوع جنس حفيده الغالي: -هتعملي سونار للشقي ده إمتى يا إيثار؟ ليتابع بملاطفة: -عايزين نتعرف عليه أكتر علشان نعمل له استقبال بالشكل اللي يليق بيه. أجابته ببشاشة وجه وابتسامة سعيدة تأثرًا بحنين ذاك الراقي للتعرف على حفيده:

-الدكتورة قالت لي الأسبوع الجاي إن شاء الله. نطق ذاك العاشق وهو يتطلع إليها بعينين أظهرت كم العشق الذي يكنه لها بقلبه: -بنوتة وشبه أمها إن شاء الله. نطقت عصمت برضا بقضاء الله ظهر بصوتها وداخل عينيها: -كل اللي يجيئ من ربنا خير، أهم حاجة يوصل بالسلامة بصحة تامة ونفرح بنسلك يا حبيبي.

أمن الجميع على حديثها ليتطلع ماجد إلى فريال بذات مغزى بادلته إياها بنظرات يملؤها الحزن وكأنها تدعوه للتراجع فتنهد قبل أن ينطق بنبرة جادة بعدما اتخذ قراره وحسم أمره: -أنا وفريال أخدنا قرار وحابين نبلغكم به. تطلع الجميع إليهما ليجدوا علامات الحزن والأسى تملأ ملامح فريال بينما سأله علام مستفهمًا: -خير يا ماجد؟! -خير يا سيادة المستشار... قالها برزانة ليتابع موضحًا: -إحنا قررنا نشتري شقة نعيش فيها لوحدنا.

أغمضت عصمت عينيها بألم وكأن كلماته نصل سكين حاد اخترق نصف قلبها لتندفع الدماء على إثره بشدة ولم يختلف الوضع عند فؤاد، نعم وجوده بدأ يسبب له المشاكل والحرج ولم يعد يتقبل تواجده الدائم بالمنزل ذاته مع زوجته، لكنه بالوقت ذاته يتألم بل يذرف قلبه دمًا من مجرد فكرة خروج شقيقته من المنزل التي عاشت بداخله منذ أن أتت إلى الدنيا ولم تخرج منه إلى الآن، أما إيثار فشعورها كان مختلفًا، فقد اقتحم داخلها شعورًا هائلًا بالذنب وحملت حالها نتيجة قرار ماجد بالابتعاد والخروج، فقد بات واضحًا للضرير السبب الذي دفع ماجد لاتخاذ تلك الخطوة الصعبة بعد تغير معاملة فؤاد له.

خرج صوت عصمت متألمًا وهي تسأله بقلب يذرف دمًا: -إيه اللي خلاك تاخد الخطوة دي يا ماجد وأنتَ ليك سنين عايش معانا؟ -كده أحسن للكل يا دكتورة... قالها ليسأله علام بهدوء: -يا ابني أنتَ عايش معانا من سنين وخلاص بقيت واحد مننا، إزاي عاوز تاخد بيسان وفؤاد من حضننا وتبعد؟ شعور ضارٍ بالذنب اقتحم قلب فؤاد، لينطق ماجد مفسرًا بطريقة تجنب بها شرط علام بداية زواجه بابنته منعًا للحرج للجميع:

-يا باشا إحنا كنا عايشين معاكم علشان الولاد يكونوا ونس ليكم، لكن ما شاء الله مدام إيثار حامل وبكرة ولاد سيادة المستشار يملأوا القصر عليكم، وإحنا مصيرنا في يوم هنمشي علشان يكون لنا حياتنا الخاصة وولادنا يتربوا في بيت أبوهم، فخليها الوقت أحسن من بعدين. أغمض فؤاد عينيه بألم ليخرج صوته أخيرًا بنبرة يكسوها الحزن والألم: -ما فيش داعي تخرجوا من القصر يا ماجد، أنا كنت بدور على مكان قريب من هنا وهأنقل فيه أنا ومراتي.

وقبل أن يكمل جملته صاحت عصمت بصوت أظهر مدى ذهولها وجنونها معًا: -إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله ده يا فؤاد، أنتَ عاوز تاخد مراتك وابنك اللي ليّ سنين بحلم بإني أربيه على إيديا وتمشي؟! نطق علام لتهدئة حبيبته: -اهدي يا عصمت من فضلك، ومش عاوز أي كلام في الموضوع ده من أي حد فيكم. -لكن يا باشا... كلمة نطقها ماجد ليقاطعه علام بحدة وصرامة: -مش عاوز أسمع صوت حد فيكم، وأنا هحل الموضوع ده بنفسي.

كانت تجاور زوجها بجسد ينتفض وقلب حزين يشعر بالأسى. تخيلت للحظة أن عصمت وعلام وأيضًا فريال ستتغير معاملتهم لها ولصغيرها عقابًا منهم على ما حدث من نجلهم. توقعت أنهم سيحملونها نتيجة ما حدث مما أصابها بتقلصات خفيفة بالرحم مع شعور بالغثيان والإعياء الشديد. لاحظ ارتجاف جسدها ليحول نظره إليها ليفزع عندما وجد وجهها شاحبًا لينطق سريعًا بهلع أصاب قلبه: -مالك يا بابا؟ ضغطت على كفه وهي تغمض عينيها بقوة لتنطق بخفوت

بعدما شعرت بدوار شديد: -أنا تعبانة يا فؤاد، الحقني. هلع الجميع وهرولوا باتجاهها لتصيح عصمت بنبرة مرتبكة: -مالك يا إيثار، حاسة بإيه يا حبيبتي؟! هتفت فريال بكلمات خرجت مرتجفة: -اتصل بالدكتورة بتاعتها وبلغها إننا رايحين لها حالًا يا فؤاد. لم يكن يستمع لأحد منهم كل ما كان يشغله هو حبيبته ذات الوجه الشاحب وفقط. *********** بنفس التوقيت ببلدة مجاورة لقرية نصر البنهاوي.

كان هارون يتجول بالبلدة بصحبة رجال وشباب عائلته في جولة دعائية. وبلحظة استمع الجميع لطلقات نارية متتالية انطلقت من خلف الأشجار ليصرخ أحد الرجال بهلع بعدما رأى أحدهم ممددًا على الأرض غارقًا بدمائه بعدما أصابته رصاصة واستقرت بين عينيه ليقع صريعًا في الحال على إثرها: -الحاج هارون اتقتل يا بلد، الحاج هارون اتقتل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...