كنت لي يومًا أسمى وأنبل أمنياتي، حتى أني لقبتك بأعظم انتصاراتي، فكيف بين ليلة وضحاها يتحول انبهاري لبغض وتصبحين أضخم خيباتي. فؤاد علام زين الدين بقلمي روز أمين ارتدت أفخم ثيابها استعدادًا لرؤية أبيها العزيز التي حرمت من رؤياه لمدة تخطت الستة أشهر، منذ آخر زيارة لها إلى البلدة وما حدث بها، حيث اتفق عزيز مع عمرو ووالده وهاتفها أيهم ليبلغها بمرض أبيها الشديد، وبأن عليها الحضور الفوري لتهرول لمنزل عائلتها والرعب يعتريها.
دقت فوق الباب بلهفة لتجد ذاك العاشق يقابلها بباقة رائعة من الزهور مع ابتسامته التي باتت تبغضها ككل شيء يتعلق به ويذكرها بماضيها الأليم. تنفست بقوة وكأنها تنفض عنها تلك الذكريات البغيضة لتنتعش روحها وهي تنظر لانعكاس صورتها في المرآة وتبتسم وكأنها تبث الأمل بداخلها. خرجت من غرفتها لتجد عزة تقابلها، حيث ولجت من شرفة البهو بعدما روت الزهور والزرع، لتهتف بانبهار عند رؤيتها لتلك السعيدة:
"وشك منور وكأنك بدر في ليلة تمامه، طبعًا حد قدك هتشوفي أغلى الغوالي أبوك وابنك." لم تعر لحديثها اهتمامًا ولم تلتفت لها من الأساس، لتسترسل الأخرى بتقليل من حجم ما اقترفته: "مكنوش كلمتين وقولتهم اللي هتفضلي لوَيالي بوزك عليهم طول النهار." احتدت ملامح الأخرى وهي ترمقها باشتعال، لتستطرد عزة بتطفل كعادتها: "طب هو أنت كنتي بتكلمي مين؟ هتفت بحدة بالغة:
"كنت بكلم وكيل النيابة المسؤول عن حادثة كريم الله يرحمه، يا رب تكوني ارتحتي بعد الرغي والهرتلة اللي قولتيها قدامه." لوت فاها لتقول بلامبالاة بعد تفكر: "وهو يعني وكيل النيابة ده ما بيستحماش زينا؟ رفعت ساعديها لأعلى وقبضت على كفيها بقوة وهي تغمض عينيها في محاولة منها للسيطرة على كم الغضب الهائل الذي أصابها من أثر لامبالاتها، لتصيح وهي تقول بامتياض ظهر بين على ملامحها المكفهرة: "عزة...
قطع حديثها صوت جرس الباب، فهرولت عزة بالمبادرة بفتحه كي تنأى بحالها من انفجار تلك الغاضبة بها. ولج والدها وهو يحمل صغيرها ويجاوره الحارس الخاص بالبناية يحمل عنه حقيبة كبيرة مليئة بخيرات. لوت جانب فمها بطريقة ساخرة لتقول بنبرة تحمل الكثير من الألم: "كتر خيرها." تنهد الأب لأجل تلك الموجوعة، لتهتف بانتشاء في محاولة منها للخروج من دوامة أحزانها التي لا تنتهي: "تعالى يا بابا اغسل إيديك ووشك علشان نتغدى." واستطردت وهي تحمل
صغيرها وتتحرك به للداخل: "أنا وعزة عملنا لكم كل الأكل اللي بتحبوه." "عملتي لي الفراخ المقرمشة اللي بحبها يا مامي؟ "عملت لك كل الحاجات اللي بتحبها يا قلب مامي... نطقتها بنبرة تفيض حنانًا وهي تتطلع لصغيرها الذي اشتاقت لرائحته حد الجنون. جلست بصحبة والدها الحنون وتناولا الغداء فوق الطاولة التي رص عليها كل ما لذ وطاب من أكلات متنوعة يفضلها والدها ونجلها العزيزان.
بعد انتهاء الطعام، جلس الجميع بالبهو وبدأوا بتناول الفاكهة والحلوى ليقضي الجميع سهرة مميزة. في آخر الليل، بعدما ولجت لداخل حجرتها لتستريح من عناء اليوم، وجدت من يطرق الباب بخفة فسمحت له، ليدخل والدها بابتسامته البشوش التي تعشقها، لتسأله بتلهف: "عايز حاجة يا بابا؟ "عايز أتكلم معاك شوية... قالها بهدوء، لتجيبه وهي تشير إلى حافة الفراش، ليقول بتأثر بعدما تجاورا الجلوس:
"أنا عارف إني ما كنتش الأب الكويس ولا السند الشديد ليك، ما قدرتش أحميك من ظلم اللي حواليك وأولهم أمك وإخواتك." كادت أن تتحدث فطلب منها الصمت حتى ينتهي: "أنا خائف عليك ليبهدلوك من بعدي يا بنتي." "بعد الشر عليك يا حبيبي، ربنا يطول في عمرك ويبارك لي فيك... نطقتها بفزع، ليجيبها بإيمان. تحدثت بعينين متأثرتين: "أرجوك يا بابا تبطل الكلام ده وبلاش تقلقني عليك." أجابها بهدوء:
"سيبك من الكلام ده وخلينا نتكلم في المهم، أمك وأخواتك حب المال عامي عنيهم، وعلشان ينوبهم جانب من مال نصر المتلتل مستعدين يعملوا أي حاجة حتى لو كانت الحاجة دي فيها أذيتك." توقف ليأخذ نفسًا عميقًا تحت نظراتها المتأثرة ليقول بعزيمة: "علشان كده أنا فكرت في حاجة هتحميك منهم لو جرى لي أي حاجة." قطبت جبينها لتسأله مستفهمة: "ورقة إيه دي يا بابا؟ تنفس بهدوء ليخبرها:
"ده عقد بيع وشراء مني ليك بالبيت والأرض اللي حيلتي، خليت محمد ابن عبد السلام أبو مسعود المحامي يكتبهم لي وبصمت عليهم أنا واتنين شهود، فاضل بس إمضتك وأمنته ما يجيب سيرة لأي مخلوق." واستطرد تحت ذهولها: "دول اللي هيأمنوكي من غدر إخواتك بيك." هتفت وهي تهز رأسها باستنكار: "لو كنت فاكر بإنك كده بتحميني فاحب أقول لك إنك باللي عملته ده بترمييني في نار جهنم بإيديك." "عزيز أخويا لو عرف مش بعيد يقتلني فيها...
نطقتها بعيون زائغة مرعوبة، لتسترسل برفض تام: "ده غير إني مستحيل أوافق على حاجة زي دي، أنا مش عايزة منهم حاجة غير إنهم يحبوني ويحسسوني إني أختهم، ده غير اللي حضرتك عملته ده حرام شرعًا وأنا لا يمكن أوافق عليه." أخذ نفسًا عميقًا ليتحدث بتفاخر برد فعلها: "أنا كنت متأكد إنك هترفضى ومستحيل تاخدي حق أخواتك، وعلشان كده كتبت لك كل حاجة وأنا مطمن." ضيقت بين عينيها لتسأله: "أنا مش فاهمة حاجة! تحدث بإبانة:
"بصي يا بنتي، أنا عارفة إنك مستورة من ورا شغلك، عندك شقتك وعربيتك وقادرة تعيشي وتربي ابنك برغم اللي... "ولما حضرتك عارف ده كتبت لي كل حاجة ليه؟ أجابها بحكمة رجل اكتسبها عبر سنوات عمره الطوال: "العقود دي هتفضل معاك ومش هتطلع إلا لو عزيز حاول يضايقك وياخد حضانة ابنك منك، ساعتها هتخرجيها وتهدديهم بيها وتحطيها شرط ببعادهم عنك، وأنا متأكد إن ساعتها عزيز هيختار السكات والبعد، وبكده أبقى حميتك من شرهم حتى بعد مماتي."
ترقرقت الدموع بعينيها بعدما اكتملت فكرته ووضحت لها، لترتمي بين أحضان غاليها الذي يفكر بحمايتها من أشرار روايتها حتى بعد رحيله. انهمرت دموعها لتغرق ثياب ذاك الطيب مما جعل دموعه هو الآخر تسيل. داخل المطبخ الخاص بسجن القناصر المخصص للنساء، تقف تلك النحيفة القوام بثوبها وحجابها بلونهما الأبيض، تزفر وتبرطم ببعض الكلمات الساخطه كعادتها وهي تقوم بتقليب الطعام بالوعاء الكبير، لتهتف تلك:
"بطلي برطمة وخلصي اللي في إيدك علشان تلحقوا تطفحوا في الميعاد." رمقتها بنظرة غاضبة، لتهتف الأخرى وهي تشملها بازدراء: "قلبي الأكل كويس يا بت بدل ما يتحرق منك وتتجازي زي العادة." لم تجبها، لتسترسل الأخرى متهكمة: "شكلك حبيتي الانفرادي وبتحرقي الأكل مخصوص علشان تترمي فيه." انطلقت ضحكات السجينات ساخرين من تلك التي تتعالى على جميعهن، لتصيح السجانة بصوت غليظ دب الرعب بقلوبهن: "اخرسي يا وليه وشوفي شغلك منك ليها."
"ولا يهمك منهم، دول شوية غجر ما يعرفوش قيمتك يا بنت الأكابر." تنهدت نجلا بأسى وهي تتطلع في المرآة وعلى المكان التي زجت بنفسها بداخل براثنه، لتتحسر على ما آلت إليه. رفعت ذراعها لتجفف بطرف الجلباب جبهتها المتعرقة من جراء موقد النار الواقفة أمامه، لتتابع تقليب ما بداخل القدر بذراعيها وهي تلعن حالها وفؤاد اللذان أوصلاها إلى هنا. اقتربت منها سيدة ببداية عقدها الخامس ويبدو على وجهها الطيبة لتقول بنبرة هادئة:
"لو فضلتي على حالتك دي هتتعبي، حاولي تتقبلي الوضع الجديد لحياتك وبلاش تستفزي الستات بسكاتك ونظراتك ليهم، علشان ما يحصلش زي قبل كده ويتربصوا لك ويضربوك." لم تجبها، لتسترسل الأخرى متعجبة صمودها: "يا بنتي ده أنت ليك سنتين هنا، ما زهقتيش من السكات! طب ما وحشكيش الكلام، دي حتى الستات معروفين بالرغي." أخذت تقلب عينيها بضجر من ثرثرة تلك السيدة التي تصر على اقتحام دائرة الصمت التي صنعتها لحالها، لتتحدث بعدما سئمت حديثها:
"ممكن تسيبيني في حالي؟ تحدثت المرأة بتودد: "يا بنتي أنا خايفة عليك، السكات ده مش حلو علشانك." "غريبة قوي، هو أنت هتعرفي مصلحتي أكثر مني؟ نطقتها بسأم لتهتف بسخط بعدما احتدت ملامحها: "ممكن تبعدي عني؟ قالتها وهي تشير بكفها باشمئزاز، لتهز السيدة رأسها بأسى وتحركت دون أن تنبس ببنت شفة، لتزفر الأخيرة بوجه مكفهر وهي تتطلع من حولها على الجميع باشمئزاز.
وهي تتطلع على الطعام بتقزز واشمئزاز، تنهدت حين لاحت بمخيلتها طاولة الطعام الخاصة بقصر علام زين الدين. تذكرت ما كان يرص فوقها من أصناف طعام متعددة وفاخرة. حزنت لما خسرته ولجسدها الذي أصبح نحيفًا وفقد كثيرًا من الوزن لعزوفها عن طعام السجن المقزز. ليقطع شرودها دخول الحارسة التي نطقت بصياح حاد: "نجلا جلال السيد منير! التفت للخلف تتطلع عليها لتسترسل الأخرى بإعلام: "زيارة."
انتفضت من جلوسها لتتحرك سريعًا مع السيدة إلى أن وصلت للمكان المقصود. أسرعت لترتمي داخل أحضان والدتها التي تحدثت بدموعها المنهمرة ككل مرة ترى بها فلذة كبدها بهذا الرداء الأبيض. ارتمت فوق كتف والدتها لتنهمر دموعها الحبيسة وكأنها لا تجد السبيل لإخراجها سوى بداخلها. رفعت وجهها وجففت دموعها سريعًا لتتحدث على عجالة وهي تجاور والدتها الجلوس فوق تلك الأريكة الخشبية: "طمنيني، قابلتي فؤاد؟
تطلعت للحقائب الموضوعة جانبًا وهي تقول بنظرات زائغة لتغيير الموضوع: "جبت لك لبس وأكل وشوية فواكه من اللي بتحبيها." تعلم أن والدتها تتهرب من الإجابة لذا سألتها من جديد بنبرة جادة: "اتكلمتي مع فؤاد؟ تنفست لتنظر أرضًا بخيبة أمل وهي تقول: "ما لحقتش، أول ما عرف إني طالبة أقابله خرج لي بره القصر وكلمني بطريقة زي الزفت قدام السيكيورتي وسابني ودخل بعد ما وصاهم يطردوني."
"لازم تحاولي تاني يا ماما، أنا مش هقدر أكمل وأضيع خمس سنين من عمري تاني في السجن." أجابتها بيأس: "مش هقدر أروح القصر تاني يا نجلا، فؤاد وصى السيكيورتي لو شافوني هناك تاني يطلبوا لي الشرطة ويقدموا بلاغ إني بتهجم عليهم، وأول ما روحت اللي اسمها فريال جت لي لحد البيت وهددتني لو ما بعدتش عن فؤاد هتلبسني أنا كمان تهمة وتجيبني أقعد جنبك." احتدت ملامحها وبلحظة اشتعلت مقلتيها وامتلأت بشرارات الغضب وهي تصيح بسخط: "يعني إيه!
هتخافي من كلام اللي اسمها فريال ومش هتحاولي علشاني! أنت كمان هتتخلي عني زيهم. طبعًا ما أنت عايشة حياتك بتاكلي وتشربي وتنامي على سريرك المفروش بالحرير ومش حاسة بالچحيم اللي أنا عايشة فيه هنا! نطقت الأخيرة بصراخ هيستيري وهي تلقي اللوم على والدتها، لتهتف الأخرى بغضب شديد: أنت كمان هتتعصبي عليا! مش كفاية قلة القيمة اللي شفتها على إيديكِ؟
بعد ما كان بيضرب لي تعظيم سلام لما بدخل قصر علام زين الدين، بقيت بتطرد منه زي المتسولين، وكله بسببك! رمقت والدتها بحدة، لتقابل فايزة نظراتها بمثيلتها وهي تصيح بعدما فاض بها الكيل: أنت إزاي بجحة قوي كده ومش حاسة باللي وصلتينا ليه؟ مش كفاية إن أبوك مات بسببك؟ الراجل متحملش الفضيحة ومات بعد دخولك السچن بشهر واحد من حسرته عليكِ! واستطردت بحسرة: تمسكت بكفيها كطفلة لتقول بتوسل وكأنها لم تستمع لكل ما قيل:
أرجوك يا ماما ماتسبنيش! روحي لفؤاد تاني وأترجيه. فؤاد بيحبني، قولي له إني مستعدة أعمل له أي حاجة يطلبها مني بس يخرجني من هنا. هزت الأم رأسها بألم. كم كان قاسيًا رؤيتها لابنتها الوحيدة وهي بتلك الحالة المزرية. شعورًا حقًا مميت وبالغ الألم. تنفست لتتحدث بنبرة انهزامية لامرأة خسرت كل شيء بدنياها. لتسترسل بتذكير: لولا الصدفة كنتي قضيتي على سمعة عيلته اللي قعدوا يبنوها في سنين. انفجرت ببكاء هيستيري لتقول بندم:
غلطة يا ماما، قولي له غلطة ومش هتتكرر. اتسعت عينيها بحقد لتستطرد بنبرة ساخطة: كله بسبب الشيطان اللي اسمه محسن، هو اللي خلاني أعمل كده يا ماما. مبقاش ينفع الندم خلاص يا بنتي، واهو محسن خد جزاءه هو كمان... كلمات نطقتها بإحباط لتسترسل بقلب ينزف على فقدانه لجميع أحبائه دفعة واحدة: بسببه خسرت أختي الوحيدة بعد ما قاطعتها بسبب اللي حصل لك من ورا ابنها. قاطع حديثهم دخول الحارسة التي هتفت بحدة: الزيارة انتهت.
وقفت لتتحرك بجانب السجانة وهي تهتف بتوصية: روحي لفؤاد تاني يا ماما واتكلمي معاه. أنا لو فضلت هنا أكتر من كده ممكن أموت، مش هقدر أكمل بالشكل ده يا ماما.
باتت تصيح بهيستريا إلى أن اختفى صوتها خلف الأبواب تحت دموع فايزة وحسرة قلبها على نجلتها الوحيدة التي ضيعت حالها وأبيها بتهورها وانجرافها خلف الشيطان. ولجت نجلا لداخل الزنزانة لتتحرك بجسد هزيل نحو التخت المخصص لها لتلقي بجسدها فوقه وتتمدد واضعة رأسها فوق الوسادة الصلبة. تنفست وعادت بذاكرتها للوراء. انتباااااه! عودة لما مضى.
اصطحب محسن تلك التي سلمت حالها للشيطان وذهبت بصحبته للشقة التي أملى عليه الرجل عنوانها، وكانت شقة خاصة بتخليص الصفقات المشبوهة. ولجت بجانبه ليستقبلها الرجل بحفاوة. جلست واتفقت مع الرجل على جلبها للورقة المطلوبة ليسلمها حقيبة سوداء بداخلها ثلاثة ملايين من الجنيهات المصرية. تطلعت على المال بنظرات زائغة وكأنها لم ترَ مالًا من قبل، بالرغم من مستوى والدها الفوق متوسط ومستوى زوجها الملياردير الذي لم يبخل عليها، حيث كانت تقتني ثيابها من أفخم الماركات العالمية وتحصل على كل ما تريد من المجوهرات وتقوم بإرسال الفواتير لزوجها ليقوم بتسديدها عن طيب خاطر. ابتلعت لعابها وكأنها لم ترَ مالًا من
قبل لتتحدث مستفسرة بنهم: إمتى هاخد الاتنين مليون الباقيين؟ تبسم الرجل واتكأ للخلف بغرور وهو يدخن سيجاره بتسلٍ بعدما رأى جشعها للمال ليجيبها: بمجرد ما رجالاتي تستلم الورقة اللي في الملف ونتأكد إنك بدلتيها بورقتنا اللي هتطلع أخويا براءة، هتاخدي فلوسك وفوقيهم بوسة. أرفق بكلمته الأخيرة بغمزة وقحة. من عينيه لترمقه بحدة بعد تعديه حدود الأدب معها، لتمسك الحقيبة وتهب واقفة وهي تتحدث بامتعاض:
أنا هسلم الورقة لمحسن وفلوسي توصلي لحد عندي، مش هاجي هنا تاني. أوامرك يا مدام. أهم حاجة الورقة بتاعتنا توصل للملف بتاع القضية قبل سيادة المستشار ما يمسكه علشان يدرسه. واستطرد متكئًا على الكلمة: قبل يا مدام، مش بعد. ودي تفرق معاك؟ سؤال وجهته إليه لينطق وهو يميل بعنقه للجهة اليسرى بطريقة متهكمة: إلا تفرق! إحنا عاوزينه يشوف المستند اللي على بنائه هيبني قرار الإفراج عن أخويا ويقدمه للمحكمة. واستطرد بتذكير:
محسن هيبعت لك صورة الورقة المطلوبة على الواتساب علشان ما تعكيش الدنيا وتجيبي أي ورقة غيرها. أومأت عدة مرات للتأكيد لتتحرك صوب الباب بهرولة. تأكد محسن من ابتعادها ليهمس بتملق للرجل: أظن أنا كده عداني العيب ونفذت اللي عليا في الاتفاق، ناقص أنت كمان تعمل اللي عليك وتديني نصيبي يا باشا. سحب نفسًا عميقًا من دخان سيجاره لينفثه صوب عينيه وهو يقول: تجيب لي الورقة تاخد باقي فلوس السنيورة وتاخد التلاتة مليون بتوعك.
ليستطرد بنبرة تهديدية: بس خليك فاكر باقي اتفاقنا علشان متزعلش. لو أخويا مخرجش براءة، هجيبك حتى لو كنت في بلاد الواء واء. ابتلع لعابه ليستكمل الآخر محذرًا: لأن ساعتها هتأكد إن الورقة موصلتش للملف في الوقت اللي أنا عاوزه. متقلقش يا باشا أنا هفهمها على كل حاجة... انتفض على صوت نجلا التي هتفت باستعجال: يلا يا محسن. بعد إذن سعادتك يا باشا...
نطقها وهو يعظم لذاك المنفوخ الخارج عن القانون والذي اتخذ من أذية الشباب كمصدر دخل له، حيث اتبع الشيطان وخنق ضميره ليسمح لحاله بالاتجار في المواد المخدرة التي تتلف عقول الشباب وتقضي على مستقبلهم وأعمارهم أيضًا. خرجت بصحبة محسن لتتحدث بشراهة: مينفعش تحطيها في حسابك اللي فؤاد عارفه يا نجلا. أنتِ ناسية إنه حساب مشترك وأكيد هيوصل له إخطار بالمبلغ. فتحت فاها ليسترسل هو بدهاء: الأضمن تعملي حساب جديد في بنك أجنبي.
وافقته الرأي وذهبت بصحبته ووضعت المال وعادت لمنزلها وكأن شيئًا لم يكن. عاد فؤاد من عمله بنفس الموعد اليومي ليصعد لجناحه ويقوم بأخذ حمام دافئ ويعود من جديد للأسفل بصحبة تلك التي قابلته بحفاوة. جلسا سويًا بصحبة العائلة وأثناء تبادلهم للأحاديث وقفت ليسألها فؤاد بهدوء: رايحة فين يا حبيبتي؟ أمسكت بجبهتها لتمثل الألم وهي تقول: جالي صداع مفاجئ يا فؤاد، هطلع آخد له مسكن وأنزل علشان أكمل السهرة معاكم. أمسك كفها ليمنعها
من التحرك وهو يقول بهدوء: خليك مرتاحة وأنا هبعت أي حد من الشغالين يجيب لك. تطلعت إليها عصمت لتقول بتطابق مع رأي نجلها: إقعدي ارتاحي والبنات هيجيبوا لك المسكن ويعملوا لك أي عصير فريش. ارتبكت داخلها لكنها سرعان ما تماسكت لتنهي تلك المسألة: أنا هطلع بنفسي يا طنط علشان عاوزة أدخل التواليت.
ترك فؤاد كفها لتنسحب سريعًا إلى الأعلى. باتت تتلفت حولها بارتعاب إلى أن وصلت للحقيبة وفتحتها سريعًا لتخرج الملف وتعبث بمحتوياته بيدين مرتعشتين. اتسعت عينيها حين وجدت الورقة المطلوبة لتبتسم بسعادة وكأنها عثرت على كنز ثمين. بعجالة هرولت لخزانتها لتخرج الورقة البديلة من تحت طيات ملابسها وتضعها بالحقيبة وتغلقها على الفور وتحتفظ بالمستند الآخر بجيب معطف معلق. وضعت يدها فوق صدرها لتهدئ ضربات قلبها وأنفاسها اللاهثة وكأنها كانت تجري بأقصى سرعة داخل سباق. نزلت من جديد وانضمت لجلسة العائلة.
بعد قليل صعد فؤاد وبدأ بفتح حقيبته وإخراج الملف وجلس طيلة الليل على دراسته. وباليوم التالي سلمت الورقة إلى محسن واستلمت ما تبقى لها. وبعد مرور أسبوع كان موعد محاكمة المتهم وقد حصل على البراءة من المحكمة بناءً على ما تقدم لديها من تحريات وإثباتات تثبت براءة المتهم. كانت تجلس داخل النادي تستجم مع صديقاتها اللواتي لاحظن تبذيرها بالمال حتى أنها بدأت بدفع جميع الفواتير الخاصة بخروجتهن بدلًا عنهن. تفاجأت
بمحسن يقف أمامها وهو يقول: إزيك يا نجلا؟ تطلعت عليه من تحت نظارتها الشمسية لتقول باسترخاء تام: إزيك يا محسن، تعالى اقعد معانا. قالت الأخيرة وهي تشير له على إحدى المقاعد ليجيبها باعتراض لطيف: تعالي نقعد على ترابيزة تانية، عاوزك في موضوع مهم. وقفت وجلست حول طاولة أخرى ليتحدث هو بانتشاء: جايب لك عملية جديدة بس المرة دي المبلغ أكبر. جحظت عينيها لتهتف بحدة غاضبة: إيه الأسلوب الرخيص اللي بتكلمني بيه ده يا محسن؟
أنت ليه محسسني إنك بتكلم تاجرة مخدرات؟ واستطردت بصرامة: وبعدين أنت بتكلمني على إن خلاص الموضوع بقى شغل بالنسبة لي! دي مرة وما صدقت إنها عدت على خير وأكيد مش هكرر المخاطرة دي تاني. أسند ظهره للخلف وأظهر هدوءًا لا يعكس غضبه الداخلي من تلك الغبية التي ستفسد عليه وتغلق بوجهه كنز على بابا الذي فتح أمام عينيه ليمد يده ويغرف منه بلا حساب بسبب غبائها ورعبها الشديد: أنتِ حرة، أنا بس كنت مستخسر المبلغ الكبير ده يروح لحد غيرك.
واستطرد كالشيطان ليسيل لعابها على المال: وزي ما قولت لك قبل كده، الناس دي مبتغلبش، وكده كده هيوصلوا للي عاوزينه سواء عن طريقك أو طريق غيرك. لعب الشيطان بها وأخذت تقلب الفكرة بعقلها لتسأله بتردد: هو المبلغ كام؟ الضعف... نطقها وهو يشير بكفاه بوجهها لتهتف بعيون جاحظة: عشرة مليون! مال برأسه بإيجاب لتضغط هي على شفتها السفلى بأسنانها وعلى عجالة هتفت بشره: أوك، موافقة. واستطردت سريعًا: بس دي هتكون آخر مرة يا محسن.
زي ما تحبي أنا تحت أمرك...
نطقها بخبث بعدما بات متيقنًا أنها أصبحت عبدة للمال ولن تستطيع التخلص من شراهة سطوته مهما حاولت. مرت الأيام وجاء اليوم المتفق عليه وفعلت كالمرة السابقة، حيث استغلت غياب زوجها بالأسفل وانشغاله مع عائلته وقامت بتبديل الأوراق المدينة. وتلك المرة كانت القضية أصعب، حيث كانت قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد. باليوم التالي ذهبت مع محسن إلى منزل هائل بإحدى المناطق الحديثة المصممة على الطراز الإيطالي. دخلت واستقبلها مالك المنزل وجلسوا ليتحدثوا. وما أن شرعت بتسليمها المستند واستلام المبلغ المتفق عليه حتى انتفض الجميع رعبًا حين اقتحمت رجال الشرطة المكان ليصيح مالك المنزل قائلًا
بحدة: أنتوا مين وإزاي تقتحموا بيتي بالطريقة دي! انتفض جسد نجلا وبات يرتعش رعبًا وهي تمسك بساعد محسن متشبثة به ليتحدث الشرطي وهو يقوم بإشهار ورقة بوجهه: معانا أمر من النيابة بالقبض عليكم وتحريز المستند وشنطة الفلوس. مستند إيه اللي بتتكلم عنه؟ نطقها لينفي التهمة عنه لتستمع لآخر صوت تريد الاستماع إليه الآن: المستند اللي مراتي المحترمة سرقته من شنطة جوزها وكيل النائب العام وجت لك بكل رخص علشان تقبض الثمن.
عند نطقه لكلماته الأخيرة كان قد وصل ليقابلها الوقوف ينظر لعينيها بجمود واحتقار العالم أجمع تكونت بنظراته لها. خرج صوتها مرتعشًا وهي تقول بتوسل مدعية الإنكار: أنا ماليش علاقة بأي حاجة يا فؤاد. أنا اتعمل عليا خطة ودخلوني في اللعبة علشان يشوهوا سمعتك عن طريقي. قالت كلماتها بارتجاف لتستدير تطالع ابن خالتها وهي تلقي بالتهمة عليه: محسن، محسن هو اللي عمل كل ده. ظهر التوتر على ملامح الآخر ليهتف وهو ينظر إلى فؤاد بارتباك:
متصدقهاش يا سيادة المستشار دي كذابة، الموضوع كله حصل بموافقتها وبمزاجها. واستطرد متنصلًا: أنا أصلًا معرفش أي حاجة، دي هي اللي اتصلت عليا وقالت لي إنها عاوزاني أروح معاها مشوار مهم. كذاب... نطقتها بصراخ. ليهتف صاحب البيت محتقرًا غباء ذاك الثنائي المنقطع النظير: أنت بتقول إيه أنتِ وهي؟ هتودونا في داهية الله يخرب بيوتكم. خرج صوت فؤاد قوي حيث قال:
مفيش داعي للإنكار لأنه مش هيفيدكم. العملية كاملة متسجلة صوت وصورة من أول ما المدام سرقت المستند من قلب شنطتي في أوضتي لحد اللحظة الحلوة اللي إحنا متجمعين فيها دي.
انتهى من حديثه ليشير بسبابته إلى الأعلى وعيون الجميع معلقة معه باتجاه النجفة المعلقة مرورًا بالحوائط وحتى مزهريات الزهور الموضوعة فوق الطاولات، حيث قامت النيابة العامة بإخراج تصريح يسمح بزرع كاميرات صوت وصورة بداخل جناح فؤاد حيث زرعها هو بنفسه لتصوير زوجته لإثبات التهمة وجعلها قضية مكتملة الأركان. وتواصلت الشرطة مع أحد العاملين بالمنزل ليقوم بزرع الكاميرات بالمنزل الذي سيتم به التسليم والذي تم معرفته حسبما استمعوه من المكالمة التي تمت بين نجلا ومحسن وهما يتفقان، حيث وضعا هاتفهما تحت المراقبة لكشف ملابسات القضية بالكامل.
نظرت إليه بذهول ليبتسم إليها بخيبة أمل ويعود بذاكرته لما قبل الثلاثة أسابيع، حيث كان يجلس بأحد الكافيهات يحتسي كأسًا من العصير الطازج بعدما شعر لحاجته بتغيير روتينه وقرر الذهاب لذاك الكافيه. ليقتحم أحد الرجال خلوته حين تحدث قائلًا بلباقة: مساء الخير يا سيادة المستشار. رفع بصره يتطلع عليه باستغراب ليسترسل الآخر: ممكن آخد من وقت سعادتك عشر دقايق؟ سيادة المستشار فؤاد زين الدين نار على علم يا باشا... نطقها ثم استطرد:
تسمح لي أقعد؟ أشار له ليجلس الرجل ويتحدث: مش هعطل حضرتك وهدخل في الموضوع على طول. تحمحم ليسترسل: أنا عندي قضية خاصة بابني وهتتقدم لسعادتك الأسبوع الجاي. وكنت طمعان في كرم معاليك وأي مبلغ هتقول عليه اعتبره وصل لحسابك البنكي. اشتعلت عيونه لتمتلئ بشرارات الغضب وهو يقول بسخط أرعب الرجل: أنت بتقول إيه يا بني آدم أنت؟ أنت بتعرض عليا رشوة! ليسترسل متعجبًا:
منين جت لك الجرأة اللي تخليك تقف قدام فؤاد ابن المستشار علام زين الدين وبكل وقاحة تعرض عليه رشوة؟ نطقها بعيون تطلق أسهمًا نارية ليهتف الرجل مرتبكًا: حقك عليا يا باشا، أنا والله جيت لك بعد الكلام اللي سمعته مراتي من واحدة صاحبتها. ضيق فؤاد بين حاجبيه لينتبه جهاز الرادار لديه ملتقطًا تلك الكلمات التي بالطبع لن يمررها مرور الكرام ويدع الغضب يتملك منه. تحدث بنبرة ثابتة وعينين كصقر جريح:
وياترى إيه بقى اللي سمعته مراتك من صاحبتها وخلاك تتجرأ وتيجي لحد عندي؟ ابتلع الرجل ريقه ليسترسل فؤاد ما جعل الرجل ينتفض:
ارتجفت أوصال الرجل وبدأ يخبره بأن صديقة زوجته أتت إليها كي تواسيها حيث تم القبض على نجلها بقضية حيازة قطعة كبيرة من مخدر الحشيش، وأثناء تبادلهما للحديث أخبرتها صديقتها أن زوجها قد عثر على أحد وكلاء النيابة بنفس الدائرة يقوم بأخذ مبلغًا من المال مقابل إتلاف الدلائل وأعطتها اسمه. كان يستمع للرجل وكل ذرة بجسده تحترق.
قام بتهديد الرجل إذا علم أحدًا بما دار بينهما فسوف يقوم بتقديم بلاغ رسمي يتهمه بتضليل العدالة وعرض رشوة على موظف عام. وطلب منه السرية التامة للإيقاع بهؤلاء الخارجين عن القانون الذين يحاولون بزج اسمه لتشويه صورته كرجل قانون لديه من النزاهة ما يكفي للحصول على وسام الشرف. وقد عاهده الرجل على غموض تلك القصة.
بالفعل اتفق مع فريق البحث الخاص به وبدأوا بمراقبة الرجل الذي حصل على اسمه من ذاك الشخص. قاموا بمراقبة هواتفه وتتبع الشخص ذاته وجميع أفراد أسرته. وأثناء مراقبتهم وجدوه يتردد على شقة علموا من التحريات أنها خاصة بتخليصه لأعماله المخالفة للقانون. فأمرهم فؤاد بالعثور على الكاميرات الخاصة بالبناية المتواجد بها الشقة وأيضًا الكاميرات الخاصة بالمحال المحاطة بالبناية ومراجعة آخر أربعة أسابيع حيث موعد قضية شقيقه حينها. بالفعل عثر الفريق على تلك التسجيلات وأثناء مراجعته للتسجيلات ذهل حينما وجد زوجته تدخل البناية بصحبة محسن ابن خالتها وبعد حوالي النصف ساعة كانت تخرج وهي تحمل بكلتا يداها حقيبة سوداء لأول مرة يراها.
تشتت ذهنه ولم يعد يستوعب ما رأته عينيه ليتجاوز الصدمة سريعًا، فليس هذا الوقت المناسب للانهيار. فالأولى إنقاذ سمعته وسمعة عائلته وبعد ذلك سيجلس مع حاله ويحاسبها على تقصيرها ومنحها الثقة لغير المستحق. تتبع اسمها بالبنوك حتى وصل لحساب خفي بأحد البنوك الأجنبية وبه مبلغًا من المال وقد علم أن أصل المبلغ الذي قامت بإيداعه خمسة ملايين. على الفور اتجه لوالده وسرد عليه ما حدث ليصطحبه وذهبا للنائب العام وأطلعاه على القصة من
جميع الجوانب وقد أمر النائب العام بتشديد المراقبة على نجلا والمدعو محسن للإيقاع بهما وتم زرع كاميرات بالجناح الخاص بفؤاد بعدما قام بتفتيش خزانتها وعثر على صورة لسونار كانت قد قامت به للتأكد من الحمل وكيفية التخلص منه، ومن سوء حظها غفلت عن التخلص من تلك الورقة ليعثر عليها.
فقط الذهول هو من سيطر عليه. لم يستطع عقله استيعاب أن من اختارها من بين كل نساء الدنيا ليسلمها قلبه واسمه واسم عائلته هي من طعنته وبدون رحمة. الاسم الذي بذل أباه الغالي والنفيس وعاش بشرف ونزاهة لبنائه طيلة سنواته التي قضاها في خدمة الوطن وهيئة القضاء متأملًا أن يتوارثه نجله ومن بعده أحفاده. تلك الحية الرقطاء ليكتشف بالنهاية أنه رجلًا تم تغفيله على يد امرأة، وأي امرأة يا سادة!
امرأته التي كان يغفو بجانبها معطيًا لها كل الأمان. عودة للوقت الحالي: رمقها بنظرة يملؤها الاشمئزاز لينزل على وجنتها بصفعة جعلت من شعرها يتبعثر ليهتف بنبرة حادة: دي علشان خيانتك لأمانة شغلي. رفعت وجهها تتطلع عليه بذهول ليباغتها بأخرى أقوى وهو يردد بنبرة يملؤها القهر: دي علشان قتل ابني. جحظت عينيها بحيرة. كيف علم بأمر الجنين؟ ليصفعها من جديد قائلًا: ودي علشان تلويثك لاسم عيلتي اللي عمرك ما كنتِ جديرة بيه.
أمسك شعرها وجذبها مقربًا وجهها له ليسترسل بفحيح يشبه الأفعى الغاضبة: وإدعي لاسم أبويا لأن لولا إني خفت عليه ليتلوث كنت لبستك قضية زنا مع الرجالة اللي بتدخلي شققهم يا... على ذكر قتل ابني، صحيح الدكتور الزبالة اللي ساعدك إنك تتخلصي من عار حملك في طفل من عيلة الزين. هدي نفسك يا باشا، سيبها للقانون وهو هيربيها. حاجة أخيرة بعد إذنك... نطقها فؤاد ليبتعد الشرطي ليسترسل الآخر وهو يرمقها بعينين تنطق بجميع
عبارات السب والاحتقار: قبل ما تتحركي خطوة واحدة لطريقك للسجن، لازم أنضف اسمي واسم عيلتي. ليسترسل بقوة: أنتِ طالق. تساقطت الدموع من عينيها بغزارة لتدوي صرخاتها بالمكان بعدما أصيبت بنوبة هلع هيستيرية وهي ترى رجال الأمن يصطحبوها للزج بها داخل السجن: ما تخليهمش ياخدوني يا فؤاد أرجوك سامحني وأنا هعيش خدامة تحت رجليك، هخلف لك الولد اللي نفسك فيه والله هبطل الحبوب وهجيب لك البيبي اللي بتحلم بيه فؤاااااااد.
صرخت بها بجنون وهي تتشبث بذاك الباب الحديدي في مقاومة منها لعدم الخروج: ما تتلمي يا بت في ليلة أمك السودة دي، هو أحنا مش هنخلص من جنان أهلك ده؟ يخربيتك على بيت فؤاد في...
وقفت أمام خزانة ملابسها لتنتقي ثوبًا يليق بوقارها الذي اتخذته دربًا ونجحت بفرضه على الجميع. عاشت بمدينة لم تكن يومًا بمدينتها وأناسًا لم يشبهونها بشيء، ومع هذا لم يستطع أحدًا تخطي حدود الأدب أو اللباقة معها. تبسمت حين وقعت عينيها على تلك البدلة النسائية الكلاسيكية المكونة من بنطال وبليزر. ابتسمت وشرعت بارتدائها لتقف تتطلع على انعكاسها بالمرآة لتنبهر بجمالها الساحر فقد منحتها البذلة إطلالة عصرية جذابة لتبدو أنيقة
للغاية وبالأخص ذاك اللون القرمزي الذي أضفى على لون بشرتها الفاتحة لتضوي وتشع نورًا. وضعت بعض الرتوش من مساحيق التجميل الخفيفة لتبدو أكثر سحرًا وإشراقًا. حملت حقيبة يدها وخرجت من الحجرة لتجد والدها يجلس بجوار صغيرها وهما يشاهدان فيلمًا للرسوم المتحركة
لتفاجئ بعزة خارجة: خديني معاكِ هروح أزور شهيرة وابقى عدي عليا وأنتِ راجعة. ابتسمت حين تأكدت أن تلك الخلوق لم ترد الجلوس بمفردها مع رجل غريب بنفس المكان لذا قررت الذهاب لصديقتها الماكثة بنفس الشارع والتي تعرفت عليها من خلال زياراتهما للمتجر لشراء احتياجات المنزل. هزت رأسها لتلتفت لوالدها وهي تقول: أنا خارجة يا بابا، هروح المشوار اللي قولت لك عليه وإن شاء الله مش هتأخر. أومأ لها بابتسامة وأجاب:
ربنا معاكِ ويجعله في ميزان حسناتك يا بنتي. مش عاوز حاجة أجيبها لك معايا يا حبيبي؟ نطقتها بعينين تشعان حنانًا ليجيبها بقلب يرتجف من فيض حنان عيناها: هو أنتِ مخلياني عاوز حاجة من ساعة ما جيتِ يا بنتي؟ تبسمت له وتحركت لتستقل سيارتها بطريقها للعنوان.
وصل فؤاد إلى الفندق قبل الموعد بعشرة دقائق ليكون باستقبالهم. دخل بهيبة تدعو كل من يراه للانبها. كانت طلته ملفتة للنظر للغاية، حيث كان يرتدي بدلة مودرن بليزر من اللون الأسود وقميصًا لونه بينك هادئ وبنطال من الجينز الأزرق مما أعطاه مظهرًا عصريًا وقلل من سنوات عمره فمن يراه لا يعطيه ثلاثين عامًا على الأكثر. تحرك للمكان الذي احتجزه مسبقًا وجلس بكل وقار واضعًا ساقًا فوق الأخرى وبدون وعي منه إلى أن رآها وهي تدخل من الباب.
توسع بؤبؤ عينيه حين رآها بكل تلك الأنوثة، كم كانت رائعة جذابة. لم تدم انتشائة روحه التي شملته لكثير حين انقلب الحال من سعادة وانتشاء لتعجب وهو ينظر عليها بجبين مقطب وعلى ذاك المجاور لها والذي كان يتحدث إليها بتودد تقابله هي بابتسامة هادئة. وقف عند العاملة التي كانت تستقبل الوافدين لتخلع عنه معطفه ويبادر هو بالتحرك ليشعر فؤاد باشتعال اقتحم أوردته بل وجسده بالكامل حين لمح أحمد وهو يقف خلفها مباشرة ليخلع عنها معطفها
ويسلمه للعاملة التي اصطحبته هو ومعطفه وتحركت لمقر تعليقهما حسب بروتوكول المكان.
ما زاد من حدة اشتعاله هو ابتسامتها الساحرة التي أهدته بها ليبادلها الآخر بأخرى مثيلتها ويشير لها لتتحرك للأمام وبالفعل تحركت ليجاورها الدخول إلى أن وصلا للمكان الذي حجزه فؤاد وأصر تحمل جميع بجلسة للملوك. وقف لاستقبالهما حين اقتربا عليه لتقع عينيها على هيأته لينتفض داخلها فقد كانت طلته مبهرة وساحرة تسر الناظرين إليه. لم يكن حاله بأفضل منها فقد أسرت روحه بمظهرها الساحر وذاك اللون القرمزي الذي يراه عليها لأول مرة فمنذ أن رآها وهي تتشح بالسواد.
أقبل عليه أحمد وبسط ذراعه للمصافحة وتحدث بنبرة هادئة: مساء الخير يا جناب المستشار. بادله السلام لتتحدث هي دون المصافحة مما أثار حفيظته: إزيك حضرتك يا أفندم؟ تمام الحمد لله... نطقها باقتضاب ووجه مبهم مما دعا لتعجبها لكنها سرعان ما نفضت عنها ذاك الشعور عندما أشار لهما بالجلوس ليبادر بسؤال لأحمد: هو أيمن بيه مجاش معاكم ليه؟ تحمحم أحمد ليجيبه وهو يعتدل بجلسته: الباشا جاي في الطريق، دقايق وهيبقى هنا. تعجب ليسأله من جديد
وهو يتناقل ببصره بينهما: هو أنتوا جايين مع بعض؟ تعجبت سؤاله المتطفل ليجيبه أحمد بهدوء طمأن قلب الآخر: أنا جاي من المستشفى على هنا على طول لأن كان عندي عملية مهمة. ثم طالع الأخرى وأجابه مشيرًا بكفه صوبها: وإتقابلنا أنا وإيثار برة عند مدخل الفندق. أومأ برأسه ليسألهما بلباقة: تحبوا تشربوا حاجة؟ خرج صوتها متزنًا وهي تقول: خلينا لما الكل يوصل أفضل. اكتفى بهزة من رأسه ليسألهما من جديد:
بفكر أخليهم يجهزوا لنا عشا، إيه رأيكم؟ قال أحمد بتسرع: أنا عن نفسي ما بتعشاش غير مع مراتي، لأنها بتستناني واليوم اللي بآكل فيه بره لا يمكن تدوق الأكل. ربنا يخليكم لبعض، مدام سالي مفيش أطيب منها. لتستطرد هي الأخرى معتذرة: أنا كمان ما بتعشاش غير مع ابني.
أومأ لهما ثم وقف ثلاثتهم لاستقبال أيمن الذي ولج للتو وتلاه صلاح الذي حضر بصحبة نجله هيثم. تحدث فؤاد بوقار حيث بدأ حديثه مستشهدًا ببعض الآيات القرآنية عن فضل التسامح والعفو ونشرهما بالمجتمع وبات يتحدث بطريقة سلسة جعلت الجميع منصتين له بتمعن. وقد تصافى الطرفان وتواعدا ألا يعودا أحدهما لإخلال الوعد وأخبرهما فؤاد أن عليهما الذهاب لمبنى النيابة غدًا لإتمام المصالحة من خلال محضر رسمي مثبت به بنود المصالحة ووضع كلا منهما إمضته عليه للتأكيد. وبعدها اقترح أيمن على صلاح بأن يتشاركا بمشروع جديد يطلقاه معًا لتوطيد العلاقة أكثر. وافق صلاح مرحبًا ليتحدث أيمن موجهًا
حديثه للجميع: على بركة الله، وإن شاء الله هعمل حفلة كبيرة الأسبوع ده وهنعلن فيها عن إطلاق المشروع علشان السوق كله يعرف إن المشاكل اللي بينا انتهت. هتهدي الدنيا وتوقف استغلال المنافسين ليكم للموقف واللي كانوا بيحاولوا يولعوا الدنيا بينكم علشان مصالحهم الشخصية.
كانت تستمع إليه بعيون منبهرة بذكائه الحاد وشخصيته المسيطرة التي طغت لتجعل كل الحضور صامتين ينصتون إليه وكأنه ألقى بتعويذة سحرية على الجميع. تطلعت لعينيه بانجذاب وكأنها مسلوبة الإرادة أمام بحر عينيه لتقول بإثناء: بصراحة أنا مبهورة باللي حضرتك عملته يا سيادة المستشار. ابتسم لها بهدوء وشكرها.
انتهى الاجتماع وتحرك الجميع متجهين صوب الجراج الخاص بالفندق استعدادًا للتحرك بسياراتهم كل لوجهته. وقفت بجانب سيارتها وهمت بفتح الباب لكنها توقفت حين استمعت لصوته وهو يسألها: هتيجي الحفلة؟ التفتت إليه لتجيبه بصوت هادئ: أكيد. أي حفلة خاصة بالشركة أنا اللي برتبها، ومن الطبيعي أكون موجودة علشان أشرف على كل حاجة بنفسي. هشوفك هناك... نطقها بعينين ساحرتين لتجيبه بصوت متأثرًا بشعاع عينيه: إن شاء الله.
تحرك بطريقه لسيارته لتستقل هي مقعدها استعدادًا لانطلاقها ليباغتها بعدما أدخل رأسه من نافذة السيارة: أنتِ أجمل واحدة شفتها في حياتي، أنتِ ملكة. انتهى من كلماته الساحرة ليغمز لها بعينيه بطريقة أذابت قلبها وجعلت قشعريرة لذيذة تسري بجسدها بالكامل قبل أن يبتعد ليستقل سيارته منطلقًا بعدما لوح لها بكف يده. يا الله ماذا فعل بها!
لقد ألقى بتعويذة سحره الخاصة عليها وانطلق تاركًا إياها غارقة بسحره الذي لا يقاوم. رحل هو بينما رائحة عطره المميز ظلت لتحتويها وتنقلها لعالم آخر جديدًا عليها. استفاقت بعدما استمعت لصوت رجل الأمن وهو يسألها باهتمام: أنتِ كويسة يا هانم؟ هاا... نطقتها ببلاهة لتسترسل بعدما وعت على حالها وبدأت تدير محرك السيارة: معلش، أصلي سرحت شوية.
انطلقت بسيارتها لتقودها بقلب هائم وعينيه الساحرة لم تتركها لتراها تحوم حولها بجميع الزوايا وكأنها تحاصرها. تعالت ضربات قلبها المندفعة حتى أنها كانت تستمع إليها لتتنهد بانتشاء وحالة من الوله تسيطر على كل ذرة بكيانها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!