الفصل 12 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الثاني عشر 12 - بقلم روز امين

المشاهدات
14
كلمة
5,347
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

لقد كان الأمر شاقًا جدًا عليها، كان يتطلب عشرة قلوب لتحمل جلَّ ما حدث من كوارث كادت أن تودي بقلبها إلى التهلكة، ولكنها بقلب واحد فعلت. إيثار الجوهري بقلمي روز أمين

لعينيه بريق اخترق جدار قلبها بسهامه النافذة ليجعل روحها هائمة كطير سابح بسمائه الواسعة، مما جعل ابتسامتها الواسعة مرتسمة على ثغرها طيلة الطريق، فقد رحل هذا الداهي ليترك طيف عينيه يحوم حولها وكأن بهما سحرًا جذبها لتسقط بأعماقهما وتغرق ببحرهما العميق. لم تشعر بمثل تلك الأحاسيس المرفهة منذ زمن بعيد، تنفست بانتشاء لتتوقف أمام أحد محلات الحلوى الشهيرة بالعاصمة، والتي تتردد عليه دائمًا لجودة منتجه. انتقَت إحدى كعكات الشوكولاتة المحببة لدى صغيرها وأيضًا والدها العزيز، واستقلت سيارتها من جديد لتدير مؤشر الراديو بعدما شعرت بحاجتها الملحة لاستماع الموسيقى، وبالصدفة كانت غنوة لسيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم، وكأن الغنوة تريد إيصال رسالة من

خلالها فكانت كلماتها تقول: "رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا علموني أندم على الماضي وجراحه اللي شفته قبل ما تشوفك عنيا عمر ضايع يحسبوه إزاي عليا عليا"

ظلت تستمع لكلمات الغنوة بتمعن وترددها وكأنها تستمع إليها للمرة الأولى، شعور هائل بالراحة تملك منها، لا تعلم مصدر تلك المشاعر الحالمة التي انتابتها منذ أن اقترب عليها ولفحتها رائحة عطره الرائعة ونظرة عينيه، آه وألف آه من سحرهما، لطلتهما سحر وكأنه يلقي بتعويذة تأثر ناظريه. تنفست براحة لتتوقف أمام البناية وتترجل صاعدة بصحبة عزة، حيث هاتفتها قبل وصولها للبناية بعدة دقائق. هتفت بسعادة ووجه مشرق على غير العادة وهي

تقترب من والدها ونجلها: جبت لكم معايا تورتة شيكولاتة علشان نحتفل بوجود الحاج غانم. ابتسم لها بطيبة ليرد بأمنية وشوق ظهر بعينيه: يسمع منك ربنا ويقدرني أزور بيته الحرام قبل ما أموت يا بنتي. إن شاء الله ربنا يكتبها لك وتتمتعي بزيارته السنة دي يا بابا... نطقتها بحنو لتسترسل وهي تنظر إلى عزة: يلا يا عزة هاتي الأطباق والشوك واعملي شاي لبابا على ما أدخل أغير هدومي بسرعة. هتفت سريعًا وهي تتجه صوب المطبخ: من عنيا.

بعد قليل كانت تجاور والدها الحنون وهي تتناول قطعة الحلوى بسعادة بالغة، لتهتف عزة بعدما لاحظت حبورها الشديد وزيادة نور وجهها: ياريتك كنت جيت من زمان يا عم غانم علشان أشوف ضحكة إيثار اللي منورة وشها دي.

خجلت من حديث عزة، بالطبع هي سعيدة بزيارة والدها الحنون وعودة صغيرها بعد يومين من البعاد المر، ليأتي ذاك الفارس ويزيد من فيض بهجتها وتهلل روحها وكأن اليوم هو يوم سعدها. ابتسم غانم أيضًا وسعد لهناء صغيرته، ليتنهد بضيق بعدما مرت بطيفه مكالمة منيرة منذ قليل، حيث هاتفته لتلح عليه بأن يعرض على ابنته عودتها لطليقها لأجل منفعة أبنائها الذكور من نصر وأنجاله، ليستغفر ربه بسريرته ويخرجه صوت ابنته من شروده حيث قالت على استحياء:

ياريت يا بابا تقعد معايا هنا على طول. هم بالحديث ليقاطعه الصغير بنبرة حادة: إحنا اللي هنروح نعيش في البلد يا مامي. قطبت جبينها تتعجب حدة الصغير الذي أكمل بشفاه ممدودة مما أوحى لشدة استيائه: بابي وجدو جابوا لي لبس ولعب كتير قوي، وتيتا إجلال قالت لي لما ترجع إنت ومامي جدو هيجيب لك أكتر منهم.

تنفست بهدوء لعلمها بمخطط هؤلاء المعدومين للضمير، والتي انتزعت من قلوبهم الرحمة، حيث وصل بهم الأمر إلى أن يقوموا باللعب على مشاعر الصغير دون مراعاتهم لإمكانية تأثره والآثار الجانبية التي ستؤثر بتكوين الطفل وما سيترتب عليه فيما بعد من اضطرابات لصحته النفسية. قالت بنبرة هادئة: إحنا مش هينفع نسيب هنا يا حبيبي، هنا مدرستك وأصحابك وتمريناتك.

جدو هيعمل لي كل ده هناك، وكمان هناك باكل شيكولاتة حلوة قوي أحسن بكتير من اللي إنت بتجيبيها لي، وبعدين أنا لازم أروح علشان أسوق عربيتي... كلمات نطقها بتمرد ليسترسل بعدما خفض بصره بحزن: أنا طلبت من بابا أجيبها هنا معايا لكن تيتا رفضت، وقالت لي هات ماما وتعالوا عيشوا هنا وكل حاجة هتبقى معاك طول الوقت. تبادلت النظرات مع والدها لتتنهد قائلة: أنا مش هرجع هناك تاني يا يوسف، لو حابب تروح هناك يبقى هترجع لوحدك وتعيش من غيري.

لا يا مامي أنا... عاوز أعيش معاك إنت وعزة، بس كمان عاوز العربية بتاعتي... كلمات قالها الصغير بحيرة لتجيبه بابتسامة هادئة: خلاص يا حبيبي، أنا هجيب لك عربية زيها. بجد يا مامي... نطقها بحبور بعدما انتفض بجلسته لتهز رأسها بإيجاب، صفق له الصغير وانسحب للداخل بصحبة عزة. نظرت لوالدها لتقول بنبرة بائسة: شايف يا بابا، نصر وإجلال بيحاربوني بابني.

صمت الأب بحزن، فأي كلمات من الممكن أن تقال لتخفف من وطأة ما تشعر به تلك المحاربة. بعد مدة ولج والدها داخل حجرة الصغير وغفى بجانبه وغفت عزة، أما هي فصنعت لحالها كوبًا من مشروب الشوكولاتة الساخنة وخرجت بالشرفة لتبتسم تلقائيًا حين تذكرت ذات العينين كثيفة الرموش وسحرهما الخاطف. سرحت بخيالها لبعيدًا لمدة، وبلحظة وبدون سابق إنذار هزت رأسها وكأنها تنفض تلك الأفكار الشاذة بعدما تذكرت ماضيها المؤلم وتجربتها المريرة

لتتحدث بتأنيب لحالها: ماذا دهاك أيتها البلهاء؟ أواعيت أنت لما تقترفين من جرم بحق حالك؟ ألم تكتفي ذلًا؟ أحدهم من جديد؟ يا لك من غبية عديمة التعلم، كيف سمحتِ لحالك بأن تنخدعي على يد أحدهم للمرة الثانية؟ أنسيتِ ما حدث بالماضي؟ كيف تسمحين لذاك المغرور اللعب على مشاعرك بغمزة حقيرة من اللعينة عيناه؟

توقفي في الحال واستفيقي على حالك، انفضي من رأسك كل تلك الأفكار اللعينة واستعيدي توازنك من جديد. أنت الآن امرأة حرة قوية فلا تسمحي إذًا لأحد الرجال بأن يمتلك حريتك ويقيدها ويقيد معها روحك، ومن جديد تفقدين على يده كرامتك التي انتزعتها واحتفظتِ بها عنوة عن الجميع. جل ما يجب التفكير به هو يوسف، يوسف وفقط هو من يستحق أن تكرسي له حياتك وحنانك وجميع ما تحملين بقلبك من مشاعر. نزلت دمعة مريرة من عينيها لتهمس لحالها:

يكفي ما حدث بالماضي يا إيثار. لتعود بذاكرتها لما مضى. انتباااااااااه عودة إلى الماضي

ارتدت ملابسها وأعدت الحقيبة الخاصة بالصغير حيث وضعت بها بعضًا من غياراته الداخلية والخارجية وبعض الاحتياجات الخاصة به، وجلست بأريكة بهو مسكنها الخاص والتوتر والقلق ينهشان من تفكيرها. ظلت منتظرة حتى وصلت الساعة إلى الحادية عشر ظهرًا وهذا هو موعد ولوج إجلال لغرفتها وخلودها للنوم، حيث أنها تفيق مبكرًا ولذا تحتاج للنوم كي يأخذ جسدها قسطًا من الراحة والدلال قبل أن يعود زوجها من الخارج. أسرعت أمام شقتها لتنظر من أعلى الدرج

وبالفعل شاهدت دخول إجلال لغرفتها، لتهرول للداخل وتحمل الصغير الغافي لتتحرك للخارج وهي تغلق الباب بعد أن علقت الحقيبة بساعدها، ونزلت تتسحب على أطراف أصابعها. اطمأنت حين استمعت لصوت مروة وياسمين يأتي من داخل المطبخ فتأكدت أنهما تعدان وجبة الغداء. هرولت إلى أن وصلت للباب الخارجي وفتحته بحرص شديد كي لا يحدث صوتًا ينتبه له أهل المنزل، وهرولت بطريقها إلى منزل أبيها. وصلت خلال عشرة دقائق ودقت الباب لتفتح لها نسرين التي

تعجبت لزيارتها المفاجئة والغريبة، فمنذ زواجها وهي تعامل كملكة متوجة من قبل عمرو الذي لا يأتي بها إلى منزل أبيها إلا بمواعيد مسبقة وعلى فترات طويلة، ويوم الزيارة تأتي وكأنها بموكب لا ينقصها سوى الحمل على الأعناق، حيث تستقل سيارة زوجها ذو الماركة العالية مرتدية أفخم الثياب وأثمن الجواهر لتترجل من السيارة وبجوارها عمرو حاملًا صغيره عنها كي لا يؤرقها. كانت تضع ساعدها مما حجب دخولها

لتقول بنبرة باردة متعجبة: إيثار! إيه اللي جابك بدري كده! رمقتها بنظرة حادة وهي تقول: ممكن توسعي علشان أدخل. رفعت حاجبها وأبعدت ذراعها وهي تلوي فاهها باستنكار، لتهرول إيثار للداخل لتقابلها منيرة التي كانت تنزل الدرج، فاقتربت منها تتطلع على وجهها باستغراب بعدما لمحت حدة ملامحها، ناهيك عن جفني عينيها المنتفخة مما يوحي لبكائها لفترات طويلة، سألتها متعجبة: إيه اللي جايبك من وش الصبح كده؟

رفعت رأسها تتلفت باتجاه الباب تبحث بعينيها عن عمرو لتسترسل باستغراب بعدما وجدت نسرين قد أغلقته، لتقترب تتطلع على كلتاهما: وفين جوزك؟ إنتِ جاية لوحدك يا إيثار؟ تطلعت بعينين متعجبتين وهي تتفحص ملامح هذه المرأة قاسية القلب، أي أم أنت؟ وأي قلب هذا الذي تحملينه بصدرك؟ ألم يحن ويقلق ويضطرب لرؤيتي بتلك الحالة المزرية؟ ألم يشعر بما أعانيه من شعور مرير بالذل والإهانة؟

بدلًا من أن تحملي الصغير عني لتخفيف عناء حمله، تقفين وبكل جبروت تسألين عن من تذوقت مرارة الألم النفسي على يده وبفضله استمعت لقذائف سباب من ذاك النصر عديم الرحمة والمروءة، وتلك الشمطاء زوجته. نفضت أفكارها لتأخذ نفسًا عميقًا وهي تقول باستسلام وخنوع: خليني أقعد وأخد نفسي الأول، وبعدين أبقي حققي معايا براحتك.

قالت كلماتها لتتجه صوب غرفتها لتجد معالمها قد تغيرت، فقد استولت عليها نسرين ووضعت بداخلها أشياء نجلها الكبير واتخذت منها غرفة له. جحظت عينيها لتسأل والدتها باستغراب: كتب مين اللي على مكتبي دي يا ماما؟ وإيه الهدوم اللي على السرير دي! كانت تهم بالرد لولا تلك التي هتفت بدلًا عن والدة زوجها لتقول بحاجب مرفوع: كتب غانم يا حبيبتي، عزيز عطى له الأوضة يذاكر وينام فيها. وعزيز يديها له بصفته إيه؟ دي أوضتي!

نطقتها بحدة لتضع صغيرها الغافي بمنتصف الفراش وتسرع مهرولة لتفتح الخزانة وهي تعبث بالأشياء: وفين حاجتي اللي كنت سايباها هنا؟ فين كتبي وهدومي القديمة يا ماما! بنبرة أشعلت روح إيثار أجابتها نسرين بكلمات استفزازية: لمتهم في كرتونة وحطتهم في أوضة الفرن. حطيتي كتب لا تقدر بثمن في أوضة الفرن! لتسترسل بجنون: ومين أصلًا سمح لك تلمسي حاجتي وتاخدي أوضتي! هتفت بوقاحة: ومن امتى اللي بتتجوز بيبقى لها أوضة يا حبيبتي؟

اليوم اللي البنت بتخرج فيه من بيت أبوها بيبقى آخر يوم ليها كصاحبة بيت، بعد كده بتدخله ضيفة وملهاش الحق تنطق ولا تقول رأيها في حاجة، دي عوايدنا اللي طلعنا لقيناها، مش هتيجي على آخر الزمن وتغيريها لنا. لتسترسل بعدما رمقتها بحقد دفين: ولا أنت فاكرة إكمنك اتعلمتي هتعملي لنفسك نظام غير الكل. حولت بصرها لوالدتها وهمست تسألها بذهول لصمتها المخجل: إنتِ ساكتة ليه يا ماما؟ ولا يكون كلام نسرين جاي على هواك!

زفرت بقوة لتهتف وهي تسحبها من رسغها وتتحرك باتجاه حجرة المعيشة: سيبك من الرغي الفاضي ده وتعالي احكي لي. وصلت للأريكة الخشبية لتدفعها على الجلوس فوقها بحدة وهي تسألها: إيه اللي جايبك الساعة دي من غير جوزك؟ اغرورقت الدموع بعينيها لتنطق بنبرة متألمة لعينين مكسورتين: عمرو مد إيده عليا إمبارح بالليل. وبدأت تقص عليها ما حدث لتسترسل بدموعها الغزيرة بعدما انتهت من سرد جميع التفاصيل: وأنا استغليت وجوده بره وجبت ابني وجيت.

نهارك أسود يا بنت غانم! يعني إنتِ طالعة من غير علم جوزك وأهله! نطقتها بعينين تطلق شزرًا لتجحظ عيني الأخرى بعدم استيعاب وهي تسألها بذهول: هو ده كل اللي فارق معاك؟ يعني مش فارق معاك ضربه ليا ولا شتيمة أبوه وأمه وغلطهم في بابا؟ باغتها صوت عزيز الذي حضر سريعًا بعدما هاتفته الحرباء زوجته ليقول بصوت بارد فاقدًا للنخوة: يعني هي الشتيمة بتلزق؟ ليسترسل بنظرات ازدرائية: وبعدين هو الراجل يعني هيضربك كده من الباب للطاق؟

تلاقيكي عملتي مصيبة من مصايبك اللي مبتخلصش. نطق الأخيرة ليرمقها بنظرات كارهة مسترسلًا بحقد: ما أنا عارفك عندية ودماغك عايزة الكسر. كانت تستمع لهما بعيون زائغة بين ذاك الحاقد وتلك الأم التي تفتقر أدنى مفاهيم الأمومة، وبين نسرين الساندة بجزعها على الباب وهي تطالعها بنظرات شامتة تقطر كرهًا وكأنها قتلت لها أعز الأشخاص وأقربهم لقلبها. أتى والدها وشقيقاها وبدأ للجميع بتبادل الحديث ولم ينصفها أحد حتى أباها

الذي تحدث بضعف وهوان: يا بنتي، المصارين في البطن بتتخانق، وده جوزك وأبو ابنك، ولازم تتحمليه وقت غضبه. وبالنسبة لشتيمتي أنا راضي بيها يا ستي، خرجي إنتِ نفسك من الموضوع. نزلت كلماته على كيانها زلزلته، ومنذ تلك اللحظة علمت أن حياتها أصبحت ملكًا لنصر وإجلال، وما عليها سوى الخضوع والتنازل من الآن وصاعدًا. انتبهت لصوت منيرة الذي صدح بالمكان وهي تلطم فخديها بكفيها بقوة: يا خيبتك القوية في بنتك الوحيدة يا منيرة!

الناس هتقول عليا إيه الوقت؟ معرفتش أربي حتة البيت اللي حيلتي، من أول خناقة ليها في بيت جوزها خدت ابنها وهربت من البيت. نكست رأسها تنظر لقدميها والذهول وعدم الاستيعاب لما يحدث حولها هما المسيطران عليها. انتبهت على صوت عزيز الذي صاح بفظاظة: قومي هاتي ابنك من جوه ويلا علشان أوصلك واستسمح الحاج نصر، زمانهم عرفوا بغيابك وهيخربوا الدنيا على دماغنا بسبب ابنهم اللي خدتيه من ورا علمهم. هزت رأسها بذهول لتنظر لوالدها بترجي:

لا يا بابا، علشان خاطر ربنا مش عاوزة أرجع هناك الوقت، سيبني هنا حتى لو أسبوع لحد ما أحاول أنسى اللي حصل وأعصابي ترتاح. نظر لها بقلب مفطور لأجلها، وقبل أن يضعف لنظراتها المتوسلة سبقته منيرة التي هتفت بحدة: قومي يا بت امشي مع أخوك، ولا عاوزة الناس تشمت فينا ويقولوا بنت غانم معمرتش في بيت الحاج نصر. لوت نسرين فاهها لتهتف بكلمات تقطر سمًا:

أول مرة أشوف واحدة عاوزة تخرب على نفسها، وسايبة بيت عايشة فيه زي الملكة علشان كلت لها حتة قلم. تعالي يا أختي شوفي عزيز أخوك واللي بيعمله فيا. لكزتها نوارة التي كانت تبكي تأثرًا بدموع وانهيار إيثار لتهمس لها: بلاش تشعللي الدنيا بكلامك، هي والعة لوحدها. لترد لها لكزتها بأعنف وهي تقول: اخرسي إنتِ يا أم قلب حنين، ولا عاوزاها تيجي تكتم على نفسنا زي الأول. تحدث أيهم إلى والده بعينين راجيتين بعدما رأى انهيار شقيقته:

بلاش تخلي عزيز يوديها النهاردة يا بابا، خليها قاعدة هنا يومين، هتروح إزاي وهي بالشكل ده. ليصدق وجدي على حديثه قائلًا: خليها تقعد لحد ما ييجي جوزها ياخدها بنفسه يا أبا. هتف عزيز حسبما أخبرته الحقيرة زوجته: وهو جوزها كان مشاها علشان ييجي ياخدها؟ الست أختك هربانة بابنه، ده نصر هيطربق الدنيا فوق دماغنا علشان خاطر حفيده اللي الهانم خطفته. نطق كلماته وهو يرمقها بسهام نارية من مقلتيه لتهتف بدموعها الغزيرة دفاعًا عن حالها:

أنا معملتش حاجة علشان أهرب يا عزيز، أنا أخدت ابني ومشيت من غير ما حد ياخد باله علشان ميحاولوش يمنعوني. طب قومي يلا معايا وبلاش تتبطري على النعمة لتزول من خلقتك. نطق كلماته بازدراء ليقطع حديثهم صوت دقات فوق الباب الخارجي ليصمت الجميع حينما استمعوا إلى صوت وجدي: تعالى يا عمرو. عجبك اللي عملته بنتك يا عم غانم؟ ينفع تاخد ابني وتمشي من غير ما حتى تستأذن من أمي! نطق غانم بصوت خافت حزين لأجل ما أصاب ابنته على يده وعائلته:

والله يا ابني اللي حصل كله لا يرضيني ولا يعجب حد أبدًا. هتف عمرو متجاهلًا حديث غانم اللائم ليقول باندهاش: أنا سايب أبويا في البيت هيتجنن علشان يوسف، إنت أصلك مش عارف أبويا متعلق بالواد قد إيه، ده أول ما بيرجع من بره أول حد بيسأل عليه ويشوفه هو يوسف. واسترسل وهو يتطلع على تلك التي لا تعيره عناء النظر إليه:

قال وأنا اللي طالع زي المغفل علشان أجيبه من الشقة، ألاقي مراتي خدته ومشيت من غير ما تعمل لي حساب ولا كأنها متجوزة راجل. غلطة ومش هتتكرر تاني يا عمرو، امسحها فيا أنا يا ابني. كلمات ذليلة نطقتها الأم بخنوع لينكسر على أثرها قلب تلك المتألمة ويزيد عليها عزيز الذي نطق بما جعلها تشعر بانحطاطها ومدى تدنيها: حقك علينا يا عمرو، أنا كنت جايبها وجاي لكم حالًا، يعني لو اتأخرت نص ساعة بس كنت هتلاقيني عندك بيها.

لم يعر لحديثه اهتمامًا لينظر لها وهو يقول بصوت خافت بعدما رأى دموعها التي تتدفق بغزارة فوق وجنتيها بصمت تام منها: قومي هاتي يوسف علشان نروح بيتنا. لم تنبس ببنت شفة لتستمع لصوت والدها الخانع وهو يحثها على النهوض: قومي يا بنتي روحي مع جوزك واخزي الشيطان. رفعت بصرها تتطلع عليه بخيبة أمل ليسحب عنها بصره سريعًا ليتلاشى سهام نظراتها القاتلة، لتستفيق على لكزة منيرة القوية وهي تهمس بصوت خفيض:

قومي امشي مع الراجل، قاعدة متصنمة كده ليه؟ ابتسامة شاحبة ظهرت على محياها ليتحول وجهها لشاحب كما الموتى، استمعت لصوت صياح صغيرها الذي فاق من غفوته لتأتي به نوارة ويتناوله منها عمرو الذي ضمه لأحضانه وبات يزيده بقبلاته الشغوفة ليقابلها الصغير بابتسامات سعيدة.

وقفت ببطء لتنسحب للخارج دون أن تنظر لأحد مما شطر قلبي غانم وأيهم عليها، ليتحرك خلفها حاملًا صغيره. خرج من المنزل وجدها قد استقلت مقعدها الأمامي بالسيارة وهي تنظر أمامها كما الأشباح، ليفتح الباب واضعًا صغيره بأحضانها ويستدير ليستقل مقعده أمام مقود السيارة، وقبل أن يتحرك اقترب عزيز ليسلمها حقيبة الصغير وهو يهتف بقوة كي ينال بها رضى ذاك العمر:

تسمعي كلام جوزك وحماتك وتبطلي الجنان ده، بدل ما أكسر لك دماغك وأربيك من أول وجديد. خلاص يا عزيز، ملوش لازمة الكلام ده. نطقها بعدما رأى انكسار زوجته وحالة اللاوعي التي ولجت بداخلها وكأنها منساقة للموت.

بعد قليل وصلت لمنزل نصر وولجت بساقين منساقتين، لتقابل بتجاهل تام من نصر الجالس بتفاخر بوسط البهو ليأخذ الصغير من عمرو الذي ناوله إياه وبدأ بمداعبته متجاهلًا وقوفها، لتتلقى هي سيلًا من السباب والهتاف الحاد من إجلال وصل إلى تهديد صريح إذا تكررت فعلتها فستحرم من نجلها إلى الأبد وستلقى بمنزل والدها لتبقى معلقة، لا هي زوجة ولا مطلقة. استمعت لكلامهما المهين لتتجه صوب الدرج دون أن تنطق بحرف مما جعل عمرو يتعجب لحالتها. بعد قليل صعد لمسكنه ليبحث عنها، وجدها بحجرة الصغير حيث كانت متقوقعة على حالها متخذة وضع الجنين.

خلاص بقى افردي وشك، أنا مبحبش أشوفك زعلانة. بعد مرور حوالي عام أصبحت العلاقة فاترة بين عمرو وإيثار بعدما حدث، رغم محاولاته العديدة لإصلاح ما فسد لكنها قبلت جميعها بالصد منها وكأنها كسرت وانتهى الأمر. أصبحت حياتها مملة وكأنها انطفأت،

باتت لا تحفظ سوى كلمتان: نعم وحاضر للتأكيد. أصبحت أيضًا خانعة خاضعة لجميع أوامر نصر وإجلال التي تجبرت عليها بعد تخلي عمرو ورفع يد الحماية عنها، لتجد حالها كورقة شجرة متساقطة في وسط رياح عاتية حيث تحركها كيفما تشاء بلا إرادة أو قدرة على اعتراض.

وقت الغروب حضرت سمية إلى منزل نصر لتلج إلى الداخل بعدما أدخلتها العاملة، وجدت إجلال تجلس فوق أريكتها حاملة الصغير الذي أتم عامه الثاني وأصبح ملكًا على عرش قلبها الطاغي، هرولت عليها لتمسك كفها تقبله وتقول بتملق وإذلال: إزيك يا ستهم؟ أهلًا. نطقتها بوجه جامد لعدم راحتها لتلك الفتاة، لتتحدث الأخرى متسائلة: هي إيثار مش هنا؟ أنا جاية أقعد معاها شوية. فوق في شقتها. قالتها بجمود لتشير لها بضيق: اطلعي لها.

هرولت الأخرى ناحية الدرج لتخرج ياسمين التي تقدمت من جلوس والدة زوجها وهي تقول: الشاي يا ستهم. هو أنا مش نبهت قبل كده على اللي اسمها إيثار متدخلش البت دي هنا تاني؟ قالت الأخرى بعجالة: حصل يا ستهم. ولما هو حصل، كلامي ما بيتسمعش ليه يا ياسمين؟ ولا تكونش بنت غانم فكراه بيت أبوها تدخل فيه اللي على كيفها؟ المصيبة أنها لامة علينا الوغش اللي شبهها، ياريتها مصاحبة حد نضيف. كلمات قالتها إجلال بسخط لتسترسل بتوعد:

أما يجيني عمرو، أنا ليا معاه كلام تاني. فتحت إيثار الباب لتفاجأ بها لتنطق باستغراب: سمية! ولجت سريعًا لتغلق الباب خلفها وهرولت للداخل لتجلس بالمقعد متجاهلة لجميع الأصول وقواعد اللباقة، لتهتف بنبرة ساخطة: الولية اللي اسمها إجلال دي ترعب، أنا مش عارفة إنتِ عايشة معاها في بيت واحد إزاي. تنهدت باستسلام لتجلس بمقعد مقابل لتسألها الأخرى: طمنيني عليك، اتصالحتِ إنتِ وعمرو؟ عرفت إنكم اتخانقتوا خناقة كبيرة من يومين.

قطبت جبينها متعجبة. بالفعل منذ يومين صفعها منذ عودته من الخارج ليلًا بفضل تحريضه من إجلال التي طلبت منها جلي الأواني قبل صعودها، لتتجاهل الأخرى وتصعد لشدة إرهاقها، وكانت تلك هي حجته بينما الأصل هو غيرته الشديدة عليها حيث حضر ابن عمه للمنزل وصافحها وابتسمت له بمجاملة لتنسحب بعدها للمطبخ تاركة الجلسة كي لا تثير حنق ذاك الغيور. وإنتِ إيه اللي عرفك إن أنا وعمرو متخانقين!

كنت برغي إمبارح في التليفون مع نسرين والكلام جاب بعضه. قالتها باقتضاب لترد الأخرى متعجبة: أنا ملاحظة إنك قربتي قوي من ياسمين الفترة الأخيرة. رفعت كتفيها لتقول بلامبالاة مصطنعة: أهو بنتسلى مع بعض في الكلام، بعوض بيها غيابك عني. لتسترسل بنبرة ملامة: ما هو من ساعة ما اتجوزتي وأنا مش عارفة أتلم عليك زي الأول، مرة تحت في البيت بتشتغلي ومرة مشغولة مع عمرو. تنهدت لتسألها الأخرى بتلهف: ما قولتيش اتصالحتوا ولا لسه متخانقين؟

مش عاوزة أتكلم في الموضوع ده يا سمية. قالتها بصوت محبط لتسألها لتغيير مجرى الحديث: حددتوا الفرح إنتِ وخطيبك ولا لسه؟ هتفت بضجر: ولا باين له هيتعمل أصلًا. سألتها متعجبة: ليه بتقولي كده؟ إنتِ مش قولتي إن خطيبك هيسافر سنة وهيرجع تتجوزوا على طول؟ وأهي السنة خلصت، وال بيه لا حس ولا خبر، بيقولي هنستنى سنة كمان علشان يعرف يجيب لي شبكة حلوة ويعمل فرح معقول. ثم نطقت بسخط:

حسرة عليا وعلى حظي، يوم ما اتخطب اتخطب لواحد فقري هيقضي عمره كله بالسفر علشان يدوب في الآخر يعرف يأكلني. بعد مرور أكثر من ساعتين قضتهما تلك الثقيلة في الثرثرة والنميمة، وقفت إيثار معتذرة علها تشعر وتذهب كي لا تثير حفيظة إجلال أكثر: معلش يا سمية مضطرة أدخل أخد شاور علشان أنزل أجهز العشا مع ياسمين ومروة. أشاحت بكف يدها لتتحدث بلامبالاة وهي تنتقي إحدى حبات ثمار التفاح لقضمها: ادخلي يا إيثار أنا مش غريبة.

سئمت من داخلها لكنها اضطرت للدخول للحمام لتستمع سمية لفتح الباب وتشعر بقدوم عمرو لتفك حجابها سريعًا وتتكيء بجلستها بطريقة مثيرة جعلت من عيني عمرو متسعة بعدما رأى ساقيها التي تعمدت إظهارهما له. ابتلع لعابه الذي سال ليتحمحم متسائلًا: إزيك يا سمية؟ إزيك إنت يا عمرو؟ سألها وهو ينظر بأرجاء الشقة بعينين زائغتين: هي إيثار فين؟ أجابته بذات مغزى: في الحمام بتاخد شاور، لسه داخلة حالًا يعني قدامها كتير على ما تطلع.

وبعدين معاك في اللي بتعمليه ده؟ همست أمام شف. تيه بعدما شبت على أطراف ساقيها كي تصل لطوله. "وبعدين معاك إنت يا عمرو، لحد إمتى هتفضل مطنشني ومش حاسس بنار قلبي اللي مولعة بحبك؟ بقالي شهور بلف وراك من المزرعة لجنينة المانجة لأي مكان بعرف إنك فيه على أمل تحن عليا، وإنت قلبك حجر." "يا بنت الناس قولت لك قبل كدة ألف مرة مينفعش." نطقها لتقاطعه بعينين لائمتين. "واشمعنا نفع مع شيماء بنت أم بطة؟ ولا هي أجمل مني؟

انتفض وابتلع لعابه ليهمس وهو يتلفت من حوله رعبًا من أن تستمع لحديثها إيثار، فبرغم كل ما يفعل من تجاوزات ومحرمات نهى الله عنها بجميع كتبه السماوية، إلا أنها الوحيدة التي سكنت قلبه ويشعر داخل أحضانها بالاستكانة والدفء والأمان. "وطي حسك لا إيثار تسمعك، الله يخرب بيتك، إنت مين اللي قال لك على زفتة شيماء دي كمان؟ أجابته بشفاه ممدودة لإثارته:

"عرفت بمصادري، وعلى فكرة أنا كان ممكن أقول لإيثار وأقلبها عليك بس مردتش علشان بحبك." أجابها وهو يبتعد عنها: "بصي يا بنت الناس، إنت بالذات مينفعش يحصل بينا حاجة، أولًا علشان إنت لسه بنت وأنا مليش في العلاقات التياري، وتاني حاجة إنت صاحبة مراتي." ابتسمت بخبث لتجيبه:

"الموضوع الأولاني ده ملكش فيه، أنا مخطوبة ومش عاوزة منك أي حاجة غير إنك تبادلني حبك وبس، وبالنسبة لصاحبة مراتك دي اعتبرني من النهاردة قطعت علاقتي بيها، ها كدة مرضي؟

اتسعت عينيها بذهول من شدة سعادتها، فأخيرًا ستنال ما حلمت به وتمنت طيلة ما يقارب من الأربع سنوات منذ أن وقعت عيني عمرو على صديقتها واختارها ليطلبها للزواج دون غيرها من الفتيات، فقد أخذت عهدًا على حالها بأن توقعه داخل شباكها لتوريطه بزيجة أخرى، وبرغم خطبتها لآخر إلا أنها لم تيأس وظلت تحاوطه بألاعيبها واليوم ستحقق أول انتصاراتها بعدما استطاعت إيقاعه بشباكها.

ارتدت حجابها سريعًا لتهرول للأسفل استعدادًا ليومها الذي طال انتظاره من تلك الرخيصة. جلس ليتنفس بعمق ليستمع لصوت باب الحمام يفتح وتخرج منه تلك الجميلة تلف رأسها بالمنشفة لتدخل لغرفتها سريعًا متجاهلة وجوده بعدما بحثت بعينيها عن تلك الثقيلة لتتيقن ذهابها. انسحب خلفها، وجدها تقف أمام مرآة الزينة تضع مادة مرطبة بوجهها وساعداها، وقف يتحدث بنبرة صادقة لرجل متناقض غريب الأطوار لا يعلم ماذا يريد من دنياه.

"حقك عليا، آخر مرة همد فيها إيدي عليك." رفعت المنشفة استعدادًا لتصفيف شعرها لتبتسم بمرارة وهي تقول بنبرة انهزامية وملامح منطفئة لامرأة خارت قواها لكثرة حروبها الخاسرة: "سمعت الكلام ده قبل كده كتير، أنا خلاص مبقتش بصدقك ولا بثق في كلامك." "صدقيني دي آخر مرة، أنا بحبك وبغير عليك، وإنت بتتعمدي تخرجي جناني من النقطة دي." ليسترسل بحنق:

"كام مرة نبهت عليك وقولت لك لما نكون قاعدين وحد من ولاد أعمامي يدخل تطلعي على شقتك على طول، وبرده ما بتسمعيش الكلام." أجابته ببرود: "والله أنا بنفذ كلام ستهم اللي منعانا نطلع شققنا غير بمواعيد وكأننا تلاميذ في مدرسة، ولو مش عاجبك الكلام روح قولها هي." لتستطرد بإبانة: "وبعدين أنا اللي عليا بعمله وأول ما بلاقي حد جه بدخل المطبخ، عاوزني أعمل لك إيه تاني؟ ولا تحب أحبس لك نفسي في قمقم علشان يعجب عمرو بيه؟ تنفس مهديء من

حاله ليجيبها بنبرة حنون: "خلاص يا حبيبتي ما تزعليش، حقك عليا بقى." تنهدت باستسلام ليحتضنها الآخر مقبلًا إياها بشغف يطفئ به لهيب اشتياقه من ابتعادها عنه لمدة يومين تحت إحباطها ونفورها الذي أصابها جراء أفعاله التي أصبحت لا تطاق. بعد مرور ثلاثة أشهر.

ارتدت ثوبها على عجالة واتجهت نحو المنزل لتدخل من الباب الخلفي للحديقة ومنه للأعلى لتدق الباب على عمرو بعدما بعثت رسالة إلى إيثار من رقم كانت قد ابتاعته إتمامًا لخطتها التي كانت تنتظر الموعد المناسب لتنفيذها، وها قد أتت لها الفرصة وقدمت على طبق من ذهب. بعثت بالرسالة وكانت فحواها "تعالي شقتك حالًا علشان تشوفي بعينيك اللي بيحصل من جوزك." فتح عمرو الباب ليرتعب حين رأى سمية التي ولجت للداخل ليغلق هو الباب سريعًا وهو يتلفت

من حوله ليسألها بحدة: "إنت اتجننتي؟ إيه اللي جايبك هنا؟ ليقوم بجذبها من رسغها متجهًا نحو الباب وهو يهتف بسخط: "اخرجي قبل ما حد ييجي ويشوفك هنا وتبقى مصيبة." تدللت عليه وبالنهاية استطاعت. أما إيثار فقد انتابتها الريبة من تلك الرسالة واتخذت قرارًا بالذهاب لكشف غموض تلك الرسالة لتهمس إلى مروة قائلة: "مروة عاوزاك تيجي معايا الشقة، نسيت حاجة مهمة هناك."

بالفعل توجهتا إلى المنزل وولجت للداخل والارتياب يملأ قلبها. فتحت الباب ببطء لتصدم بأصوات عالية تأتي من غرفة نومها لتهتف مروة قائلة: "هو فيه إيه يا إيثار؟ إنت مخبية عليا حاجة؟ لتضع يدها فوق فمها بعدما تأكدت من مصدر الأصوات لتقول بذهول: "ده صوت عمرو، مين اللي معاه؟ تصنمت بأرضها ولم تستطع الحركة لتهزها الأخرى بقوة وهي تقول: "إنت لسه هتتصدمي؟ مش وقته، ادخلي شوفي جوزك مع أنهي زبالة."

وكأن كلمات مروة أعادت لها الوعي لتقترب من الغرفة بساقين تنتفض من هول ما هي مقبلة عليه لتمسك بمقبض الباب وتفتحه سريعًا لتصدم بأبشع مشهد ممكن أن تراه عينيها: زوجها ذاك الذي اختاره قلبها ليدق له بعدما أخبرها أنها من ملكت الفؤاد واستوطن، يقوم بخيانتها ومع من؟ صديقة طفولتها من كانت تظنها كأخت لها. فزعت وهي تشهق من هول ما رأته عينيها لتضع كفها فوق فمها لينتفض عمرو وهو ينظر لها بذهول: "إيثار، استني هفهمك."

صرخت تنفض يده عنها وكأنه مرضًا خبيثًا سيصيبها. عاد سريعًا يتوارى خلف الباب عندما شاهد وقوف مروة التي شهقت بذهول من مظهره المخزي لتصرخ إيثار بعدما انتابتها حالة من الهياج، هاتفت مروة زوجها سريعًا ليأتي وأبيه وطلعت لينقذوا الموقف. وهاتفت أيضًا والدة زوجها التي تركت الحفل لتأتي على عجالة والرعب يتسلل لجسدها. بعد عدة دقائق كان جميع أهل المنزل بمسكن عمرو يرمقاه هو وتلك الحقيرة باشمئزاز وتقزز ليصيح نصر بحدة:

"ملقتش غير بيتي يا وسخ عشان تنجسه وتيجي تكب فيه زبالتك." لتهتف إجلال بدفاع عن نجلها: "أهي جلبة الهانم مراته." لتلتفت لها قائلة: "مش دي اللي معتبراها صاحبتك ودخلتيها بيتي؟ لتصرخ هي بجنون امرأة ذبحت ودهست كرامتها تحت أقدام الخيانة: "طلقني، طلقني حالًا، أنا لا يمكن أقعد دقيقة واحدة مع واحد زيك." "اهدي يا بنتي، الموضوع ما يستاهل، شوفي الآخر الشيطان شاطر وبيقدر على التخين فينا." ثم نظر لتلك الواقفة تدعي

الخجل وهو يهتف باحتقار: "إنت إيه اللي موقفك لسه يا بت؟ غوري يلا، وإياك تخطي برجلك هنا تاني، والله لو شفتك في أي مكان يخصني لأكون قاتلك." رفعت رأسها لتتحدث بصوت قوي: "مش هينفع أخرج من هنا يا حاج نصر، لو روحت وأبويا عرف هيقتلني." "القتل لأجيرة اللي زيك حلال." نطقها طلعت وهو يرمقها باحتقار لتهتف هي بصوت قوي: "الكلام ده لو هموت لوحدي." تطلعت لوجه نصر لتتحدث ببجاحة: "أظن يا حاج ما يرضيكش إن حفيدك يتقتل معايا."

لتسترسل بقوة: "أنا حامل في شهرين." صدمة نزلت على الجميع ألجمت ألسنتهم ليهتف عمرو وهو يجذبها من رسغها ليلقي بها خارج المسكن بعدما رأى انهيار إيثار واهتزاز جسدها من جراء واقع الصدمة. هتفت بتهديد خفي: "تمام يا عمرو، أنا هستنى لما أولد وأعمل للولد تحليل الـ DNA وساعتها هو اللي هيثبت إذا كان الولد من دمك وصلبك ولا أنا بضحك عليك زي ما بتقول، ووقتها هتبقى مجبر تكتبه باسمك بحكم من المحكمة."

نزلت كلماتها كالصدمة على نصر، كيف له أن يواجه المجتمع بفضيحة كهذه، وأكثر ما زلزل كيانه هو إقباله على الانتخابات فحسم أمره سريعًا ليقول: "سيبها يا عمرو." ليسترسل بعدما أحال بصره صوب نجله الأكبر: "وإنت يا طلعت تروح لأبوها بالليل وتتفق معاه إن عمرو هيكتب كتابه عليها والدهلة الأسبوع ده علشان نلحق نلم الفضيحة قبل ما تبان، وآهو العيل لما يتولد هنقول إنه اتولد ابن سبعة."

جحظت عيني إجلال لتهتف صائحة وشرارات الغضب تندلع من مقلتيها وهي ترمق سمية باشمئزاز: "إنت شكلك اتجننت يا نصر! لتستطرد بتعالٍ: "ما بقاش إلا الزبالة دي كمان اللي هتجيبها تعيش مع ستهم تحت سقف واحد." زفر بقوة وأجابها بانهزام: واستطرد بتوصية وهو ينظر لنجله بعدما رأى استسلام زوجته للأمر الواقع: "خلص في الموضوع بسرعة ومن غير ما حد يحس حتى أهلها يا طلعت، أنا مش ناقص شوشرة على وش الانتخابات."

باتت تنظر على الجميع وهم يتحدثون ويقومون بترتيب الأمور دون أن يكلف أحدًا منهم التفكير بحالها أو بمشاعرها وما أصابها من ذاك الزلزال المدمر الذي عصف بكيانها بالكامل وحول روحها إلى كومة من الركام. جففت دموعها التي انسابت لتتحجر دمعاتها الأخريات بمقلتيها لترفع رأسها للأعلى وهي تقول بقوة وحزم: "المأذون اللي هيكتب كتاب ابنك على الزبالة دي يكون مطلقني قبلها." واسترسلت بتهديد مباشر بقوة جديدة عليها:

"وإلا قسمًا بالله لأكون فضحاكم في البلد والمركز كله." اتسعت عيني نصر ذهولًا ليهتف باكفهرار تحت ابتسامة سمية الشامتة: "إنت بتهدديني يا بت؟ ده إنت شكلك اتجننتي يا بنت غانم." صاحت بعلو صوتها:

"أنا فعلًا اتجننت يوم ما وطيت راسي قدام ناس زيكم ما فيش في قلوبهم رحمة ولا عندهم ذرة إيمان وخوف من ربنا، كل اللي في حساباتكم الخوف من الناس والفضاياح لكن خوفكم من ربنا مش داخل حساباتكم أساسًا، وشكرًا على إنك كشفت لي ورقة ضعفك علشان هلاعبك بيها بعد كده وهيبقى اللعب على المكشوف." اقترب ذاك الواقف بقفص المذنب ليقول بعينين مترجيتين:

"إيثار أنا لا هتجوزها ولا هعمل أي حاجة من الهري اللي سمعتيه ده كله، أنا هاخدك إنت وابني ونمشي من البلد كلها." ليسترسل بنظرات متوسلة وصوت ذليل وكأنه طفل يخشى توهة روحه بعد رحيل والدته والابتعاد عنه: "أهم حاجة ما تبعديش عني."

رمقته باشمئزاز لتهرول للأسفل تاركة الجميع وهم يتناوشون بأصوات عالية. وجدت العاملة تحمل صغيرها الصارخ لتحمله عنها وتهرول لمنزل أبيها بعدما سمح لها نصر بالخروج خشية إحداثها لفضيحة كما هددت. وكالعادة قابلت والدتها الخبر باللوم عليها بإدخال تلك الحية الرقطاء وتقريبها من عمرو. وكالعادة أيضًا تعاملوا مع الوضع باستهانة والتقليل من ضخامته حتى أنهم ضغطوا عليها بعد توصيات نصر وإجلال التي تنازلت وحضرت لمنزل غانم لطلب عودة إيثار

بعدما أصيب مدللها باكتئاب حاد جراء ابتعاد إيثار عنه. جذبها عزيز وأعادها داخل سيارة طلعت عنوة عنها لتجد نفسها تسكن بمقابل تلك الخائنة وما كان منها سوى الانهيار الذي أدى إلى ذهاب عقلها بلحظة تخلت فيها عن كل مبادئها والإيمان القوي برب العالمين ولم تدري إلا وهي تسقط داخل بركة من الدماء بعدما ضعفت وقامت بقطع شريان معصمها لتسقط داخل إغماءة كانت ستقضي على حياتها لولا دخول عمرو بالوقت المناسب حيث صرخ وحملها للمشفى لينقذها

الأطباء. وبعد تلك الحادثة تحول غانم لوحش كاسر فلم يعد للخنوع مكانًا بعدما حدث لصغيرته وكاد أن يفقدها بسبب ضعفه. لم ينتهِ الوضع عند هذا الحد فاتفقت منيرة وعزيز وأيضًا وجدي بعدما ضلله عزيز أنه يفعل هذا لأجل مصلحة شقيقته التي خرجت من تلك الزيجة خاوية اليدين بعدما تنازلت عن جميع حقوقها مقابل خلاصها من عمرو وكان هذا شرطًا وضعه نصر لتعجيزها علها تراجع حالها ولكن هيهات فكانت تريد الخلاص بأي ثمن تدفعه سوى صغيرها التي تمسكت

به بكل قوتها بعدما ضاق بها الحال من تضييق الخناق عليها من الجميع. هاتفت صديقة لها كانت معها بالجامعة وطلبت منها البحث لها عن فرصة عمل للحصول على أموال من خلالها تستطيع تأمين حياة كريمة لها ولطفلها. بالفعل قد وجدت لها وظيفة سكرتيرة بشركة أيمن الأباصيري قد توسط لها أبيها حيث كان يعمل حينها مديرًا للحسابات بالشركة. اعترض نصر وحاول عدم أخذها للصغير والذهاب به لكنها أصرت وأعادت تهديدها له بأن تفضح أمر تلك العروس الحامل.

ساعدها غانم وأعطى لها مبلغًا كان يحتفظ به للزمن وسافرت إلى القاهرة بصحبة شقيقها أيهم وهذا سهل عليه أمر الذهاب إلى جامعته.

انتباااااااااه. انتهى الفلاش باك بالكامل. عودة للحاضر. فاقت من ذكرياتها المريرة لتجفف وجنتيها من دموعها السائلة لتتنفس بقوة وكأنها كانت تتخلص من آخر دموع تربطها بالماضي. تحركت للحمام لتغسل وجهها وتتحرك باتجاه غرفة صغيرها، وجدت والدها قد ضم التختين الصغيرين لتتسع المساحة. ابتسمت وانضمت لهما بالتخت لتجاور صغيرها المحاط بينها وبين والدها الذي فاق على حركتها ليسألها: "فيه حاجة يا بنتي؟ ابتسمت له لتضم كفه المجعد

بخاصتها وهي تقول بحنين: "ما فيش يا حبيبي بس حبيت أنام في حضنك إنت ويوسف." ابتسم وعاد للنوم من جديد حيث سيفيق باكرًا ليعود لقريته بعد أن اطمأن عليها. صباح اليوم التالي. ولج لمكتب رئيسه ليطلعه على ما تم باجتماعه بالأمس برجلي الأعمال أيمن الأباصيري وصلاح عبدالعزيز ليثني عليه الرجل ثناءً عطرًا: "أنا فخور بيك يا فؤاد، عمرك ما خيبت ظني ودايمًا بتثبت للكل إنك جدير باسم والدك العظيم وإنك ماشي على خطى سعادته."

أمال برأسه ممتنًا ليسأله الرجل مستفسرًا: "هيجوا إمتى النيابة علشان المصالحة تتم بشكل قانوني؟ "كمان ساعتين جنابكم، أنا كمان هاخد عليهم تعهد بعدم تعرض كل طرف للتاني." نطقها بجدية ليسترسل معلمًا: "ده غير إني كلمت رئيس المباحث طارق المليجي إن الاتنين لازم يتحطوا تحت المراقبة لمدة ست شهور على الأقل." قطب الرجل جبينه ليسأله متعجبًا: "إنت مش واثق فيهم ولا إيه يا فؤاد؟ أجابه بعملية ودهاء:

"شغلنا علمنا ما نديش الأمان ولا نثق في أي حد بسهولة ولا ناخد بكلام الناس على محمل الصدق التام." أومأ الرجل بتوافق ليستطرد الآخر بإبانة: "أيمن الأباصيري أنا واثق فيه لعدة أسباب، ده راجل كان عايش في أمان وفي لحظة بقى متهم في قضية قتل بالخطأ ومطلوب للتار من أبو القتيل، يعني المصالحة بالنسبة له كانت طوق النجاة ومع ذلك مش هستثنيه من المراقبة." واستطرد بدهاء رجل قانون:

"أما بقى بالنسبة لصلاح فده أنا مش واثق فيه إلى أن يثبت العكس." واسترسل مبررًا: "ده راجل خسر ابن من ولاده الاثنين اللي ما عندوش غيرهم، وطبيعي قلبه هيبقى محروق والشيطان هيحرضه ياخد بتاره، علشان كده هشدد المراقبة عليه." "هايل يا فؤاد." نطقها الرئيس باستحسان لينطق فؤاد بضيق ظهر بصوته وعينيه:

"أنا اللي مضايقني بجد يا باشا إن اللي اسمه صلاح قدر يفلت من عقاب اغتيال السواق بتاع أيمن، وحق الولد المسكين ضاع قصاد سطوة صلاح وفلوسه وجبروته." واستطرد محملًا حاله الذنب: "وده اللي مش قادر أسامح نفسي عليه." تحدث الرئيس بعملية ليخفف من وطأة ما يشعر به تلميذه النجيب: "كان ممكن تحمل نفسك ذنب دمه لو كنت قصرت في التحريات والتحقيقات، لكن إنت عملت المطلوب منك وزيادة." واسترسل:

"الاعتراف سيد الأدلة يا سيادة المستشار، والراجل اللي ضرب النار على كريم سلم نفسه واعترف إنه كان على خلاف مع كريم وعلشان كده قتله." قاطعه فؤاد بنبرة غاضبة: "أيوه يا فندم بس كلنا عارفين إن صلاح بعت الراجل بتاعه يسلم نفسه بعد ما أنا بدأت تحرياتي، هو خاف على نفسه وحب يريح دماغه علشان يبعد الشبهة عنه." "إنت عارف كويس قوي إنك ما كنتش هتلاقي أي دليل يدين صلاح عبدالعزيز مهما حاولت واجتهدت." نطقها بهدوء ليستطرد بإبانة:

"الناس دي ما بتسيبش حاجة للصدفة يا فؤاد، وأكيد أمن نفسه كويس قوي بحيث يبعد عنه الشبهة لأنه ببساطة مش هيسلم رقبته لحبل المشنقة بسهولة، ده عنده فريق من المحامين اللي ساعدوه وخططوا له بمهنية عالية إزاي ياخد حقه من أيمن من غير ما الموضوع يمسه ولا حتى يأثر على سمعته في السوق." أومأ له فؤاد ليكمل على حديث سيده بذكاء وخبرة اكتسبهما من خلال مزاولته لعمله:

"وعلشان كده لما جم يختاروا المجرم اللي هينفذ عملية الاغتيال جابوا واحد كان متربي مع كريم السواق في نفس الملجأ، لا وكمان كان بينهم عداوة لأن المجرم حاول أكثر من مرة يجر كريم في سكة الإجرام معاه، والولد الله يرحمه كان نضيف ورفض وده اللي خلى المجرم اللي اسمه حسان يتخانق كذا مرة معاه وللأسف فيه شهود على كده." واستطرد بتوقع لما حدث:

"صلاح ورجالته اختاروا الولد بذكاء شديد، علشان لو الطلقات أصابت أيمن ومات وأصابع الاتهام اتجهت ناحيته ساعتها يخلي الولد يسلم نفسه زي ما حصل بس ساعتها كان هيقول إن كريم هو اللي كان مقصود والطلقة جت في أيمن بالغلط." واسترسل وهو يكز على أسنانه: "تخطيط شيطاني." "عندك حق يا فؤاد." نطقها الرئيس باستسلام قبل أن ينطلق فؤاد عائدًا لمكتبه لمزاولة عمله.

مرت أربعة أيام منذ ذهاب أبيها وعودته للبلدة واليوم هو موعد الحفل التي قامت بالإشراف عليه لإخراجه بشكل لائق كي يتناسب مع ضخامة الحدث حيث سيعلن بداخله المصالحة وأيضًا الإفصاح عن تفاصيل تدشين مشروع ضخم مرتبط بالشركتين ليكون بداية جديدة. ارتدت ثوبًا باللون الأزرق جعلها تبدو كالأميرات، وقامت بوضع حجابًا من اللون الأبيض مما أعطاها إنارة لوجهها وقامت بوضع بعض الروتش من الزينة مما أعطاها مظهرًا ساحرًا وجعل جمالها خاطفًا للأنفاس. نظرت برضا على حالها وبكل قوة وكبرياء تحركت لتستقل سيارتها بطريقها إلى الحفل.

ترى ما الذي سيحدث داخل الحفل؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...