الفصل 24 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم روز امين

المشاهدات
16
كلمة
5,622
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

لقد أذاب عشقك الراقي جليدي، بعد أن تسلل إلى قلبي وأبدل قسوته بفيضان متدفق من المشاعر الدافئة، فتحول ظلامي إلى ضوء مشع وبات السلام يسود داخل نفسي الثائرة. فؤاد علام زين الدين بقلمي روز أمين

ليلة طويلة لم تنتهِ بعد، بعض القلوب استكانت وهدأ ضجيجها، وبعضها اشتعلت بنيران الغضب. صعد عمرو مهرولًا فوق الدرج ليصل لشقته الخاصة بإيثار. فتح الباب وبات ينظر للمكان وتجهيزاته، فقد أحضر متخصصًا ليزين له المكان ليبدو وكأنه ساحة احتفال، زهورًا هنا وهناك وشموعًا ذات رائحة نفاذة. تطلع لتلك الطاولة الموضوعة بمنتصف البهو وما عليها من أشهى المأكولات وأنواع الحلوى المحببة لدى حبيبته التي توقفت حياته بغيابها، وظل يحلم باليوم

الذي سيجمعهما من جديد ويحملها بين ساعديه ويلج بها إلى مسكنهما من جديد. أقسم بداخله بأنه سيفعل ما بوسعه حتى يمحو من مخيلتها جل ما سبق، ويبدأ معًا صفحة جديدة خالية من مسببات الحزن والألم. هذا ما رسمه بخياله بعدما ابتاع وحدة سكنية بإحدى المدن الجديدة بالقاهرة، وانتوى أخذ امرأته وصغيرهما والبعد عن كل ما سيؤرق حياتهم، دون وضع نصر وإجلال بحساباته، فقد جنب هذا الأرعن التفكير برد فعل والديه بهذا الأمر.

هرول إلى طاولة الطعام وقام بجذب مفرش الطاولة بقوة، لتتناثر جميع الصحون والكؤوس وكل ما تحتويه الطاولة ويسقط أرضًا، ليتناثر الزجاج وينتشر فوق الأرضية الرخامية، مما أحدث صوتًا هائلًا استمع له ساكنو المنزل بأكمله. أصبح كالمجنون حيث هرول على طاولة جانبية ليمسك بالمزهرية الكريستالية الموضوعة عليها ويلقي بها بكل قوته بعرض الحائط، لتتحول لقطع صغيرة وتستقر أرضًا. صرخ بكل صوته وهو يقول بقلب مشتعل بنار الغيرة: -ليه يا إيثار؟

إزاي قدرتي تعملي كده فيا؟ ده أنا عمري ما حبيت حاجة في حياتي واتعلقت بيها قد ما حبيتك. أمسك شيئًا آخر وقذفه بقوة على الحائط ليستطرد صارخًا بهياج: -ده أنا سلمتك قلبي، وعملت علشانك كل حاجة، تيجي بعد كل ده وتديني ظهرك وتجري تترمي في حضن راجل غيري يا بنت غانم!

هاج وبدأ بتحطيم كل ما تطاله يداه حتى أنهى على كل شيء. توقف وبدأ يتلفت بعينيه باحثًا عن شيء يصلح للكسر، ليهرول باتجاه ستائر الردهة ليجذبها بكل قوته ولم يتركها حتى وقعت أرضًا، ليصرخ بكامل صوته الحانق: -هقتلك يا ابن الـ... تلفظ بسباب بذيء قاصدًا به فؤاد ليسترسل بجنون: -والله العظيم لأقتلك! استمع لطرقات عالية فوق الباب ولصوت إجلال الصارخ المترجي: -افتح يا عمرو، افتح يا ابني متوجعش قلبي عليك. صرخ وهو يقول بنبرة ساخطة:

-سيبوني في حالي، محدش ليه دعوة بيا! نطقها وبات يتلفت بعينين زائغتين عله يجد شيئًا جديدًا ليقوم بتحطيمه كي يهدأ من حالة الجنون التي أصابته. انضم طلعت وحسين إلى والدتهما كي يحثا ذاك الأرعن على فتح الباب والتوقف عن تلك الأفعال الجنونية. أما بالأسفل فوقف نصر أسفل الدرج ليصيح بصوت ناقم قاصدًا نجليه: -سكتوا الأهبل ده بدل ما أطلع أكسر اللي باقي من الشقة على نفوخه. أخرسه صوت إجلال التي صاحت بصوت ساخط:

-ده بدل ما تقول له كلمة تهون عليه الخيبة التقيلة اللي صابتنا قاعد تهزأ فيه! رد عليها بصياح معترض: -وهو مين اللي وصله للخيبة التقيلة وكان السبب فيها؟ مش سرمحته ومشيه العوج؟ زعلان قوي وقاهر نفسه على بنت غانم؟ ما كانت في حضنه وخدامة تحت رجليه، ضيعها وضيع ابنه بطفاصته وجريه ورا النسوان الشمال. زفرت بقوة ليهتف طلعت وهو يطرق الباب بكف يده: -افتح يا عمرو وبطل الجنان اللي بتعمله ده، افتح وخلينا نفكر بالعقل.

هتفت إجلال بقوة وجبروت: -هرجعها لك، وحياة أمها لأجيبها لك زاحفة وأركعها تحت رجليك. استمعت لتلك الواقفة خلفها حيث تحدثت متهكمة وقد خانها ذكاؤها تلك المرة وهي تقف عزلاء أمام الأسد بعرينه: -ودي هتعمليها إزاي يا ستهم بعد ما بنت منيرة اتجوزت؟ اتسعت عيني إجلال لتلف وجهها سريعًا تتطلع على هيئة سمية الواقفة أمام باب شقتها، مرتكزة بجسدها على الحائط بطريقة مفتقرة للاحترام لتسترسل بابتسامة شامتة:

-لا ومش أي جوازة، دي متجوزة مستشار ابن مستشار. واستطردت بنظرات فرحة وهي تشير بإصبعي السبابة والوسطى: -يعني معاه بدل الحصانة حصانتين. جحظت عينا طلعت ليهتف بحدة: -ادخلي على شقتك واكتمي نفسك بدل ما أكتمهالك أنا.

انتفض الجميع أثر صوت الباب الذي فتح بقوة ليخرج ذاك الثائر بهيئته الجنونية، حيث نكش شعر رأسه وانتفخت عيناه وتحول بياضها إلى أحمر كاتم جراء غضبه العارم، ليتخطى الجميع بسرعة ليهجم عليها كالأسد الجائع وهو يفتك بفريسته. اتسعت عيناها لتتخذ خطوات تراجعية للخلف لكن بعد فوات الأوان، فقد طالها وتحكم بقبضتيه على عنقها ليتحول وجهها إلى اللون الأحمر الداكن، ليخرج لسانها وعيناها في الحال وهي تشعر بالاختناق وبخروج روحها. صرخ بكامل

صوته وهو ينعتها بسخط: -كله منك يا بنت الـ... سبها بأقذر الشتائم وألعنها ليسترسل وهو يضغط بكامل قوته على عنقها ليحجب الهواء عنها: -أنت السبب، لولا قذا... مكنتش خسرت حبيبتي وابني، دخلتي عليا زي الحية لحد ما اتمكنتي مني بنعومتك، وبعد كده قرصتي قرصتك اللي طلعت بالدم. هرول شقيقاه محاولين تخليصها من بين يديه، ليهتف حسين وهو يفك قبضته من حول عنقها: -سيبها يا عمرو، البت هتموت في إيدك.

صرخ بجنون قائلًا، وهو يشدد من قبضته وينظر بعينين جاحظتين لتلك التي أوشكت على لفظ أنفاسها الأخيرة: -خليها تموت علشان أخلص من الصفحة السودة دي وأقفلها.

بصعوبة أفلتا شقيقيه عنقها من قبضتيه لترتمي أرضًا وهي تتحسس عنقها وتتلفت حولها بهلع وجسدٍ ينتفض بقوة، أفلت حاله من أيادي شقيقيه ليهجم عليها كالثور الهائج وبات يكيل لها بالصفعات القوية على وجنتيها تحت صرخاتها المستنجدة، ليجذباه طلعت وحسين ويوقفاه مع عدم توقفه فقد بدأ بركلها بقدمه ببطنها وظهرها وكل مكان تطاله قدمه، ليهتف طلعت بحدة: -بطل جنان بقى، هتموتها في إيدك ويحسبوها عليك واحدة.

جذباه للخلف لينظر عليها بعينين حادتين وصدرٍ يعلو ويهبط من شدة غضبه، أسرعت عليها ياسمين لتقول وهي تتفحص تلك التي تسعل بقوة وهي تحاول أن تستعيد انتظام أنفاسها: -إنتِ كويسة؟ صمت الجميع حين استمعوا لصوت إجلال الذي خرج مجلجلًا وهي ترمق تلك المرتمية على الأرض ببغضٍ: -تستاهلي، علشان تحرمي تقفي قدام أسيادك وتعلي صوتك تاني. واسترسلت قاصدة ياسمين: -إرميها جوة في شقتها واقفلي عليها الباب. صرخ عمرو معترضًا:

-مش هتقعد في البيت طالما إيثار مرجعتش. ثم رمقها باشمئزاز وكاد أن ينطق بما قرأته إجلال بعينيه لتقاطعه قائلة: -عمرو، مش هينفع علشان بنتك. واسترسلت بجبروت: -مش حفيدة نصر البنهاوي اللي الناس تجيب في سيرتها ويقولوا دي أمها مطلقة. جذبتها ياسمين من ذراعها وهي تهمس بارتعاب: -قومي ادخلي جوة بدل ما يتجنن عليكِ تاني. لم تكترث لكل ما حدث وكأن ما فعله بها أمام الجميع لم يعيقها لتقول وهي تنظر له بقسوة:

-نفسي أعرف عاملة لك إيه بنت منيرة علشان تبيع علشانها اللي شاريك وبيتمنى رضاك. تابعت وهي تصرخ بقوة: -حتى بعد ما باعتك وجريت ورا وكيل النيابة بتاع السلطة والفلوس لسه باقي عليها. أشار إلى ياسمين ليصيح بصوتٍ ساخط: -إبعديها واخفيها من قدامي بدل ما أرتكب لكم فيها جناية. رفعت إجلال سبابتها لتصيح بقوة وتجبر: -وعزة جلال الله لو ما اختفيتي جوه شقتك حالًا لاكون مخلية الغفر شايلينك وراميينك في قلب الجبل للديابة تنهشك.

واسترسلت بتهديدٍ مباشر: -أم حفيدتي لما تبقى ميتة أشرف لها من لما تكون مطلقة. ابتلعت لعابها بعدما لمحت الغدر بعيني إجلال لتزحف للخلف سريعًا لتختفي داخل مسكنها تحت تمسكها بغريزة البقاء. ******* داخل الجناح الخاص بفريال علام وزوجها، كانت تجوب المكان ذهابًا وإيابًا بوجهٍ ارتسمت عليه علامات الغضب، اقترب عليها زوجها وهو يقول في محاولة منه لتهدئتها: -إهدي يا فريال مش كده. صاحت بقوة وهي تنطق باعتراض:

-أهدى إزاي وأنا شايفة أخويا العاقل جايب لنا واحدة لا نعرف أصلها ولا فصلها ومطلوب مننا نرحب بيها، لا وكمان هتعيش معانا! أجابها بهدوء كي يهدأ روعها: -أخوكِ شخص واعي ومسئول عن تصرفاته، وأكيد علام باشا مش هيسمح لواحدة تدخل بينا إلا إذا كان واثق منها مليون في المية، ويا ستي لو طلعت داخلة على طمع أكيد الباشا هيعرف وساعتها يبقى جت لقضاها برجليها.

نظرت لزوجها وبدون سابق إنذار سالت دموعها لتنهمر على وجنتيها مما جعله يتأثر ويضمها ليحتوي حزنها، بات يربت على كتفيها ويقول لتهدئتها: -إهدي يا حبيبتي وادخلي اغسلي وشك علشان ننام. استمعت لزوجها لتدخل إلى الحمام تاركة إياه يهز رأسه بأسى. *******

أزيح ستار الليل لتشرق الشمس معلنة عن مولد يومٍ جديدٍ بحياة الجميع، فاقت على صوت زقزقة العصافير الساكنة بأشجار الحديقة، حركت أهدابها وما أن فتحت عينيها حتى باتت تتلفت حولها باستغراب للمكان وسرعان ما تذكرت لتهدأ وترتسم ابتسامتها سعيدة فوق ثغرها، تمطأت بدلال لتشعر بحركة الصغير الذي بدأ يفيق من غفوته، ابتسمت ورفعت رأسها لتتطلع عليه وما أن فتح عينيه حتى ابتسم لها لتنطق وهي تدغدغ بطنه بدلال: -صباح الخير يا قلبي.

-صباح النور يا مامي... قالها قبل أن يتطلع حوله باستغراب ليسترسل متعجبًا: -هو احنا فين؟! مالت تهمس بجانب أذنه بمداعبة كي تنسيه ما عاناه معها خلال الفترة الماضية: -في بيت شرشبيل الشرير. ضحك بصوتٍ طفولي ليسألها من جديد: -هو احنا هنرجع بيتنا إمتى؟ تنهدت بعمق ثم أجابته بهدوء: -قريب يا حبيبي إن شاء الله. عاد يسألها من جديد بما أرق روحها: -هو احنا مش هنعيش خلاص مع بابي؟

ده عمل لنا البيت حلو قوي، وجاب لنا حاجات كتيرة فيه، عمل لي أوضة حلوة قوي وحط لي فيها كل ألعابي اللي جدو نصر اشتراها علشاني. تنفست الصعداء قبل أن تجيبه: -إحنا حياتنا كلها هنا يا چو، أنا شغلي هنا وإنتَ مدرستك وأصحابك كلهم هنا، مينفعش نسيب كل ده ونروح نعيش عندهم في البلد. وقبل أن يباغتها بأسئلة أخرى قفزت لتحمله بين ساعديها وهي تقول: -بطل رغي بقى وتعالى ناخد شاور متين على ما عزة تجيب لنا الهدوم.

ولجت به إلى الداخل لتملأ له حوض الاستحمام وتضعه داخله لينتعش الصغير، بعد مدة أخرجته ولفته بإحدى المناشف الكبيرة وخرجا معًا لتضعه على الفراش وهي تجفف له شعر رأسه، ولجت للحمام وقامت بغسل وجهها جيدًا ومررت أصابعها بشعرها الأسود الحريري والذي يصل لمنتصف ظهرها، استمعت لصوت طرقاتٍ خفيفة فوق الباب فهرولت بالخروج كي لا يتحرك الصغير لفتح الباب ويتعرض لوعكة، بالفعل وجدته يستعد للنزول فأشارت له ليلتزم الجلوس وتحركت نحو الباب لتدير المفتاح استعدادًا لفتحه، أخذت نفسًا عميقًا استعدادًا لمواجهة الطارق وتوارت بجسدها خلف الباب وفتحته بهدوء وهي تطل برأسها عبر الباب الموارب لتتفاجأ بظهوره أمامها وابتسامته الرائعة التي تعلو ثغره وهو يقول بصوتٍ

أصاب قلبها برجفة: -صباح الخير. -صباح النور... نطقتها بعينين تلتمعان بوميض الانبهار ليبتسم من جديد ناطقًا بأدب: -ممكن أدخل؟ -آه طبعًا...

نطقتها بإحراج وهي تختفي خلف الباب لتفسح له المجال، ولج واستدار يغلق الباب ليتطلع لتلك الواقفة تلتصق بالحائط لتتسع على الفور عينيه ناهيك عن قلبه الذي بات يدق بوتيرة عالية حينما رآها مرتدية الجزء العلوي فقط من بيجامته حيث تصل لمنتصف فخديها ليظهر استدارتهما وجمالهما الساحر، رفع أعينه على أكمام البيجامة حيث شمرتهما ليصلا لنصف ساعديها كي لا يعيقا حركتها ليصعد سريعًا لفتحة الصدر، تعمق بفتحة الصدر العميقة على شكل حرف V

والتي تعمقت بإظهار قدرٍ ليس بالقليل نظرًا لمقاس البيجامة الكبير، أظهر لون البيجامة الزيتي لون جسدها الأبيض مما جعل الآخر بحالة يرثى لها، ابتلع لعابه لتتحرك تفاحة آدم خاصته صعودًا وهبوطًا أظهرت كم الربكة التي أصابته من مظهرها المهلك لقلبه العاشق، كانت تراقب عينيه وهي تجوب جسدها بقلبٍ يدق بأصواتٍ تشبه طبول الحرب من شدة خجلها، تسللت رائحة عطره القوية إلى أنفها لتنهي على قلبها المشتاق مما جعلها تبتلع لعابها ليقترب هو

عليها وهو يهمس بصوتٍ خرج متحشرجًا جراء تأثره بتلك الحالة التي

بعثرت كيانه وشتت عقله: -هو إنتِ عاوزة إيه بالظبط؟ حركت أهدابها بشكلٍ سريع غير مدركة لمقصده ليتابع وهو يصعد ويهبط بعينيه عليها: -امبارح جننتيني بشكلك في البورنس لدرجة إني طول الليل بحلم باللحظة اللي هاخده منك فيها. فتحت فاها ببلاهة ليسترسل وهو يتمركز بمقلتيه فوق شفتيها: -والنهاردة كملتي على حبة الصبر والعقل اللي فاضلين بالبيجامة. خجلت من كلماته ليقترب عليها لتهمس وهي تشير بجانب عينيها إلى الفراش كي تنبهه: -يوسف.

-ماله؟ ... نطقها بتيهة وما زال مثبتًا مقلتيه على ثغرها ببلاهة وكأنه مغيب لتجيبه بشكلٍ أوضح عله يستفيق من حالة الوله تلك التي استحوذت عليه: -قاعد على السرير. ليجيبها مسحورًا غير مدركٍ لما يحدث من حوله أو يقال: -هو مين؟ -يوسف...

نطقتها وهي تشير بسبابتها باتجاه الفراش ليتابع بعينيه أصبعها ليباغته ذاك المتطلع عليهما بعينين مسلطتين وفاهٍ مترجل، تحمحم وابتعد سريعًا بعدما اكتشف أمر الصغير، زفر بقوة عله يخرج نار قلبه المستعرة ليضع أنامله في حركة تلقائية يتخلل بها شعر رأسه الكثيف بلونه الفحمي، وعى على حاله ليتحرك صوب الصغير وهو يقول بحرج: -يوسف باشا، صباح الخير. -صباح النور...

قالها بهدوء ليجاوره فؤاد التمدد فوق الفراش ويميل بجذعه على ذاك الجالس ليطبع قبلة حنون بوجنته قبل أن يهتف بنبرة حماسية: -إيه الريحة الحلوة دي على الصبح. -لسه واخد شاور... قالها يوسف بتلقائية ليسترسل وهو يشير على المنشفة الملفوفة حول كامل جسده: -بس مش لبست هدوم. أخذ نفسًا عميقًا ليتمكن من ضبط حاله ولملمة كيانه المبعثر ثم أجابه:

-عزة جاية في الطريق ومعاها كل هدومك، أنا لسه مكلمها حالًا وقالت لي عشر دقايق بالظبط وهتكون هنا.

ابتسامة رائعة خرجت من ذاك البريء أسعدت قلب فؤاد جعلته يميل تلقائيًا على كفه الرقيق الموضوع فوق الفراش ليطبع به قبلة حنون جعلت من إيثار تتطلع عليه باستغراب، استمعت لصوت طرقاتٍ على الباب فارتبكت بوقفتها ليشير لها بأن تهدأ وتحرك صوب الباب ليواربه ليجد تلك البشوشة تجاورها إحدى العاملات الحاملة لحقيبة كبيرة جمعت بها بعض الثياب الهامة التي ستحتاج لها إيثار ويوسف طيلة مدة إقامتهما بالقصر، تجاورها حقيبة أخرى بها بعض الأحذية وحقائب اليد وبعض المستلزمات الأخرى، صاحت بصوتٍ حماسي وهي تتطلع إليه وكأنهما تربيا معًا

منذ الصغر: -إزيك يا سيادة المستشار. -حمد لله على السلامة يا عزة... نطقها بترحيب لتجيبه وهي تتطلع برأسها لاستكشاف الداخل تحت استشاطة فؤاد من أفعال تلك الفضولية التي أثارت حفيظته: -الله يسلمك، أمال فين إيثار ويوسف؟!

رمقها بنظرة لم تستطع تفسيرها ولولا ما فعلته لأجل إنقاذ أميرته لتصرف معها بطريقة أرعبتها فلتحمد الله أن تصرفها قد يشفع لها أية تصرفات غريبة قامت بها وربما ستقوم بها بالمستقبل، فتح الباب ليشير لها بصمت لتلج سريعًا بعدما رأت إيثار، هرولت إليها ثم وضعت كفيها تتفحص بهما وجهها لتسألها بنبرة حنون وكأنها أمها التي أنجبتها: -إنتِ كويسة يا قلبي؟ -أنا بخير يا حبيبتي... نطقتها إيثار بعينين مشتاقتين لتسترسل بنبرة صادقة: -وحشتيني.

جذبتها عزة داخل أحضانها لتقول وهي تشدد من ضمتها: -إنتِ اللي وحشتيني يا نور عيني، عملوا فيكِ إيه يا نظري. قطب جبينه وهو يتطلع على تلك العلاقة الفريدة التي تجمع حبيبته بتلك المربية والتي تحمل داخل قلبها حبًا هائلًا لها، خرجت من أحضانها فور استماعها لصوت ذاك البريء الذي هب واقفًا وبات يهلل فوق الفراش: -وحشتيني يا عزة. -يا نن عين عزة من جوة...

نطقتها وهي تهرول عليه تضمه لتقبل كل إنشٍ بوجهه وكفيه تحت حبور الصغير الذي يشعر بالأمان والحنان في حضرة تلك العطوف صاحبة القلب اللين. أشار فؤاد للعاملة وتحدث أمرًا: -دخلي الشنط وساعدي عزة في توضيبها. ثم قطب جبينه ليتساءل: -باقي الشنط فين يا عزة؟!

تلبكت وهي تنظر إلى إيثار التي فاقت عند صلاة الفجر وبعد تأدية الصلاة اتصلت بعزة وطلبت منها جلب حقيبة واحدة فقط وأخبرتها أن مكوثهم بهذا القصر لن يطول، انتفض جسدها حين تحدث إليها بصوتٍ جاد: -مش بكلمك؟! ابتلعت لعابها من نظراته التي تشبه نظرات الصقر لتجيبه بتخبط: -إيثار هي اللي اتصلت بيا وقالت لي متجيبيش حاجات كتير علشان قعدتنا هنا مش هتطول. -لا والله...

نطقها وهو يركز بنظراته بعيني حبيبته لترفع حاجبها الأيسر بتأكيد جعله يضغط على شفته السفلى بغيظ ليزيد الصغير من استشاطته حين صاح بصوتٍ حماسي: -مامي قالت لي إننا هنقعد عند شرشبيل كام يوم وهنرجع تاني لبيتنا. هز رأسه عدة مرات قبل أن يبتسم بخبث لينطق وهو يتفحص ملامحها بلؤمٍ وتوعد: -ده شرشبيل طلع مش مسيطر خالص يا چو، بس بسيطة، كل اللي محتاجه يغير الخطة اللي بيلعب بيها، والدنيا هتظبط بعدها.

ابتسمت لتنظر له بتحدي بادلها إياه بتوعد، فتحت العاملة الحقائب وبدأت بمساعدة عزة، كان يتطلع لقطع الثياب بتمعن وفضول تحت خجل إيثار الشديد، لاحظ عزة وهي تحمل رداء الحمام الخاص بأميرته وتتجه به إلى الحمام الملحق بالغرفة ليسرع الخطى وهو يمنعها من الدخول: -ثواني يا عزة، فيه حاجة جوة تخصني.

أفسحت له الطريق ليختفي بالداخل، تفحص الحمام باحثًا بعينيه حتى وجده معلقًا بالمكان المخصص له، أسرع الخطى ليجذبه ويضمه بكفيه مقربًا إياه من أنفه ليغمض عينيه وهو يشم رائحتها بين ثنايا خيوطه وبات يقبل الرداء وكأنها بداخله، أما إيثار فقد ضيقت عينيها متعجبة تصرفه مع عزة لتتسع حدقتاها حين رأته يخرج وهو يضع الرداء الخاص به على ذراعه باحتواء، ابتسمت بخجل وهي تتذكر كلماته الوقحة عن انتظاره لذاك الرداء، خرجت العاملة لتتجه للأسفل بعدما انتهت من وضع الأشياء بأماكنها، ولجت عزة بصحبة يوسف لداخل الحمام لكي تساعده بارتداء ثيابه،

تحرك إليها ليقول: -أنا في أوضتي لحد ما تغيري هدومك، لما تخلصي خبطي عليا علشان ننزل نفطر مع بعض... قالها بهدوء لترتبك بوقفتها ثم أجابته وهي تفرك كفيها ببعضهما: -هو أنا لازم أنزل؟ -آه طبعًا لازم، العيلة كلها مستنياكِ على الفطار... قالها بجدية واعتزاز ليسترسل بنظراتٍ مطمئنة وكلماتٍ أراد بها أن يزرع الثقة بداخلها: -دي الدكتورة عصمت أخدت أجازة مخصوص علشان ترحب بيكِ. -هو إنتَ هتروح شغلك وتسيبني هنا لوحدي؟ ...

نطقتها كطفلٍ صغير يخشى ابتعاد ملاذه عنه لينتفض قلبه فرحًا ويجيبها سريعًا كي يبث داخل قلبها كامل الاطمئنان: -لا يا بابا مش هسيبك. نطقها بطريقة أذابت قلبها ونهت عليه ليسترسل بصوتٍ يشع حنانًا ويحمل بين طياته عشقًا جارفًا: -حد بردوا يسيب حبيبه وحده. ذابت روحها وسرت ارتجافة لذيذة بجسدها لتداعب فراشات العشق معدتها بعدما أخبرها بأنه اتخذ اليوم أجازة لأجلها، اقترب على أذنها ليهمس قبل أن يخرج:

-هستناكِ في أوضتي لما تخلصي، متنسيش تجيبي لي البيجامة بتاعتي معاكِ. ابتعد واستدار ليخرج تاركًا إياها بحالة يرثى لها لتنظر عليه بقلبٍ هائم قبل أن يباغتها باستدارته ليتطلع عليها من جديد وهو يقول بنبرة جادة وعينيه بها تحذيرٌ نابعٌ من غيرة رجلٍ عاشق: -متنسيش تلبسي فستان محتشم وعليه حجاب يداري صدرك علشان ماجد هيفطر معانا. غمز بعينيه وتابع بمداعبة: -شرشبيل بيغير على مراته موت، ومراته لازم تتحمل جنون غيرته وعشقه.

ابتسم ليستدير من جديد ويخرج من الغرفة تاركها بحالة هيام كامل، ظلت تتطلع على الباب بنظراتٍ ولهة لتعي على صوت عزة التي خرجت من الحمام ممسكة بيد الصغير بعدما ارتدى جميع ثيابه: -كده لبسنا واتشيكنا، تعالى بقى نسرح شعرنا علشان الشياكة تكمل. تطلعت على تلك الواقفة تنظر لهما ببلاهة لتسألها باستغراب: -مالك يا إيثار، واقفة مبلمة كده ليه؟ نطقت بتيهة: -ها، مفيش يا عزة. ابتسمت لتقول بمداعبة: -على عزة بردوا، إلا قولي لي يا إيثار.

قالتها بلؤمٍ لتسألها: -شايفاكِ واقفة قدام وكيل النيابة كده وواخدة راحتك، مترسيني وتقولي لي اللي حصل؟! قطبت إيثار جبينها لتسألها مستفسرة: -واخدة راحتي إزاي يعني؟ ضحكت لتجيبها بغموض: -بصي لنفسك في المراية وشوفي اللي لابساه وواقفة بيه قدامه وإنتِ تعرفي قصدي. فهمت مقصدها الخبيث لتهتف بحدة تتوارى خلفها لعدم فضح مشاعرها: -وأنا كان عندي حاجة ألبسها وقولت لا، وبعدين ده بيته ومن حقه يدخل في أي مكان فيه.

ابتلعت لعابها وباتت تفرك يدها ببعضهما لتتابع بعينين زائغتين من شدة الخجل وهي تهمس: -وجوزي. ابتسمت عزة لتتحدث بفرحة عارمة ظهرت بعينيها: -ما أنا عارفة يا ست البنات، وعارفة إن الجدع من حقه يشوف اللي أكتر من كده كمان، بس كنت بنكشك. -إنتِ سخيفة يا عزة... قالتها بصياحٍ غاضب لتدخل الأخرى بنوبة من الضحك جعلت الأخرى تتذمر، أمسكت عزة بفرشاة الشعر الخاصة بالصغير وبدأت بتسريح شعره لتقول لتلك المتسمرة بوقفتها

كي تحثها على الإسراع: -ادخلي غيري هدومك علشان تلحقي تنزلي قبل الفطار، أخرج لك أنهي فستان؟ تنهدت بعمق حين تذكرت رحيل والدها الحبيب، فقد دخلت في دوامة كثرة الأحداث لتلهيها عن القوقعة والبعد عن الناس لكي تعطي حزنها على غاليها قدره، لكن انظر ماذا حدث، فقد انقلبت حياتها رأسًا على عقب، نطقت بنبرة حزينة لتذكرها للألوان: -خرجي لي أي حاجة لونها أسود. حزنت ملامح عزة لتنطق وغشاوة الدموع قد تكونت بعينيها:

-الله يرحمك يا عم غانم، كنت راجل طيب. عبست ملامحها وتحركت إلى الخزانة لتنتقي ثوبًا، باتت تتفحص الثياب لتهتف عزة وهي تمسك بثوبٍ رائع كلاسيكي ناعم ذو أكمامٍ طويلة تنتهي بأساور مغلقتين بزرارين من اللون الذهبي، أما قصة الصدر فتبدأ بياقة كلاسيكية من القماش الستان على شكل V، يلتف فوق خصره حزامٌ أيضًا باللون الأسود، ولجت للحمام وبعد قليل خرجت لتشهق عزة وهي تقول بانبهار من إطلالتها المبهرة: -قمر يا ست البنات.

ابتسمت لتتحرك صوب طاولة الزينة لتقف أمام المرآة التي عكست صورتها مما جعلها تتطلع برضا، بدأت بلف الحجاب وإحكامه برتابة لتجلب لها عزة حذاءً جلدي باللون الأسود ذو كعبٍ عالي مما أعطاها مظهرًا خلابًا وزاد طولها لعدة سنتيمترات، استمعت عزة لصوت هاتفها فنظرت بشاشته لتنطق قائلة: -ده أيهم أخوكِ، كلمني وأنا جاية في الطريق وكان عاوز يكلمك علشان يطمن عليكِ، وقالي إنك عاملة له حظر. صاحت بنبرة غاضبة:

-مش عاوزة أكلم حد، هما عاوزين مني إيه تاني، مش كفاية اللي حصل لي من وراهم. هرولت عليها لتقول في محاولة منها لتهدئة روعها: -إهدي يا إيثار، أيهم ملوش دعوة بيهم، ده هو اللي كلمني وقالي أكلم أيمن بيه علشان يلحقك، وكلمني امبارح بالليل وقال لي إن أمك وعزيز رفضوا يرفعوا القضية. وبدأت تقص عليها ما حدث تحت استغراب إيثار من موقف أيهم الرجولي بالنسبة لها. **********

نزلت عصمت من فوق الدرج لتتطلع بأرجاء بهو القصر بتمعن تبحث بعينيها عن ابنتها وحفيديها فلم تجدهما بمكانهما المعتاد، فبكل يوم تفيق فريال باكرًا هي وابنتها وصغيرها الرضيع ليجلسوا بالردهة يتابعون مسلسل الرسوم المتحركة التي تتابعها الصغيرة عبر شاشة التلفاز المعلقة لحين موعد التجمع العائلي على طاولة الفطور الصباحي وبعدها تذهب الفتاة إلى مدرستها مستقلة الحافلة الخاصة بالمدرسة، تعجبت عصمت لعدم وجود نجلتها لتصيح بصوتٍ رزين

وهي تستدعي كبيرة العاملات: -سعاد، سعاد. أتت السيدة الأنيقة وهي تمشي برقي لتجيبها بعدما وضعت كفيها فوق بعضهما وأحنت رأسها قليلًا كنوعٍ من التوقير: -أفندم يا دكتورة. سألته مستفسرة: -فريال والولاد فين؟ أجابتها بإبانة: -مدام "فريال" طلبت الفطار يطلع لها هي و"بيسان" فوق. تطلعت أمامها بتركيز ثم أخرجت تنهيدة عميقة قبل أن تنظر إلى العاملة لتقول بهدوء:

-متطلعيش حاجة لحد، جهزي الفطار زي كل يوم ومتنسيش تعملي حساب مدام إيثار معانا، حطي لها طبق جنب فؤاد باشا، واعملي حساب ابنها مع بيسان. -تحت أمرك يا دكتورة... قالتها المرأة بوقار لتتحرك عائدة إلى المطبخ، زفرت عصمت باستياء استنكارًا لأفعال نجلتها العنيدة ثم نظرت للدرج وتحركت صوبه لتصعده مرة أخرى، بعد قليل دقت فوق باب الجناح الخاص بصغيرتها لتستمع إلى صوت ماجد الذي نطق بوقار: -ادخل.

فتحت الباب لتجده واقفًا أمام المرآة يعقد ربطة عنقه بعدما ارتدى ثيابه استعدادًا للذهاب إلى الجامعة، أما فريال فكانت تجلس فوق الأريكة متكئة على ذراعها تجاورها بيسان المنشغلة بمشاهدة مسلسلها الكرتوني المفضل "السنافر"، التفت ماجد صوب الباب لينتبه باحترام لوقوفها لتلقي هي عليهم تحية الصباح قائلة ببشاشة وجه: -صباح الخير. على عجالة نطق ماجد باحترام: -صباح النور يا دكتورة، اتفضلي.

قالها وهو يشير لها بكفه باتجاه الداخل، اعتدلت فريال وردت تحية والدتها، تطلعت عصمت على ماجد ونطقت تسأله باهتمام: -رايح الجامعة؟ أومأ بإيجاب ليسألها مستفسرًا بعدما لاحظ عدم ارتدائها لملابسها الرسمية التي ترتديها بالجامعة: -هو حضرتك مش رايحة الجامعة النهاردة ولا إيه؟ أجابته باستفاضة: -اتصلت بالجامعة وأخدت أجازة عارضة علشان مرات فؤاد ما تحسش إننا مش مهتمين بوجودها.

لوت فريال فاها بطريقة تهكمية ثم قلبت عينيها بضجر، أما ماجد فوافقها التفكير ثم نطق وهو يرتدي حلة بدلته: -أنا نازل. اقترب على زوجته وضع قبلة فوق رأسها وأيضًا صغيرته ثم مال ليلتقط حقيبته الجلدية من فوق طاولة صغيرة وانسحب للخارج ليترك لهما المجال، تطلعت عليها لتسألها بتعجب عن الصغير: -هو فؤاد لسه نايم ولا إيه؟ بملامح وجه عابسة أجابتها بنعم لتتحرك والدتها وتجاورها الجلوس لتقول بنبرة هادئة:

-أول مرة تطلبي من سعاد تطلع لك فطارك هنا. تنهدت بعمق لتقول بملامح جامدة وهي تنظر لشاشة التلفاز متلاشية النظر لوالدتها: -ما حبيتش أزعج فؤاد باشا بوجودي. واستطردت متهكمة بعدما لاحظت اهتمام والدتها بتلك الدخيلة على قصرهم: -واهي فرصة علشان تعرفوا ترحبوا كويس بالكونتيسة. أخرجت تنهيدة حارة مع هزات بسيطة من رأسها استياءً لحديثها الناقم ليخرج صوتها مؤنبًا لنجلتها قائلة: -ليه كل ده يا فريال، عاملة كل ده ليه؟!

-إنتِ عاوزة تجننيني يا ماما صح؟ ... نطقتها فريال بحدة بعدما التفتت بجسدها لتصبح في مواجهة والدتها ثم استرسلت بنبرة لائمة: -أنا مش قادرة أستوعب اللي حصل ولا قادرة أفهم موقفك إنتِ وبابا، بسهولة كده تقبلتوا الموضوع وسمحتوا لواحدة جاية من الشارع إنها تدخل بيتنا وتعيش وسطنا من غير أي قيود. تعمقت بعينيها ثم هزت رأسها بجنون لتسترسل باعتراض شديد لموقف والديها المخزي بالنسبة لها:

-ده انتوا حتى ما سألتوش عليها علشان تأمنوا لوجودها وسطنا! اتسعت عيني عصمت ذهولًا وهي تستمع لكلمات صغيرتها الغاضبة لتنطق باستنكار: -أنا اللي بجد مش مصدقة رد فعلك المبالغ فيه على الموضوع، إنتِ شايفة نفسك بتتكلمي إزاي والطريقة اللي بتكلميني بيها؟! تذمرت كالأطفال وهي تقول بنبراتٍ صادقة: -يا ماما حاولي تفهميني، أنا خايفة على أخويا وده من حقي. واسترسلت بقلبٍ يعتصر ألمًا على ما مر به شقيقها بالماضي:

-فؤاد مر بتجربة بشعة حولته لبني آدم تاني ولسه لحد الوقت متأثر بتوابعها. واسترسلت بكلماتٍ مستنكرة يشوبها التوجس: -نعرفها منين البنت دي؟ مش يمكن تكون أسوأ من نجلا ولعبت عليه لحد ما اتجوزته علشان فلوسه ومنصبه، ويرجع يعيش نفس الوجع تاني؟! أمسكت بكفي ابنتها باحتواء لتجيبها بنظرات حنونة:

-يا حبيبة قلبي خليكي واثقة في أخوكِ أكتر من كده، فؤاد مش صغير ولا من النوع اللي بينساق ورا قلبه وبس، هو أكد لـ بابا إنه سأل عليها كويس جدًا، ده يعرفها من فترة كبيرة، وأكيد مش هياخد خطوة زي دي غير لما يكون مطمن لها وواثق منها أكتر من ثقته في نفسه. تنهدت بعمق لتسترسل بقلب أمٍ توجع لسنوات لأجل صغيرها: -يا بنتي إحنا ما صدقنا إن ربنا يفك عقدته ويتجوز، وبعدين أخوكِ شكله بيحبها بجد.

-أيوا، الأستاذة شكلها عرفت تملكه كويس قوي... نطقت كلماتها بحدة لتسترسل بغيرة ظهرت بينة بعينيها: -شفتي إزاي كان شايل الولد وكأنه ابنه، ولا هي، شفتي كان طول الوقت حاضن وسطها إزاي، البنت شكلها مش سهل يا ماما. ضحكت عصمت وتحدثت قائلة بمشاكسة لصغيرتها: -إنتِ غيرانة على أخوكِ ولا إيه يا بنت؟ أشاحت ببصرها عنها لتضحك الأخرى ثم وقفت وهي تقول:

-هاتي بيسان ويلا علشان نلحق الفطار، وياريت تبقي لطيفة مع البنت علشان ما تزعليش فؤاد منك أكتر من كده. انسحبت لتلحق بها تلك المتمردة مصطحبة ابنتها معها. ********* داخل فيلا أيمن الأباصيري. يلتف الجميع حول طاولة الإفطار يتناولون الطعام بهدوء، نظرت لارا إلى شاشة هاتفها تتفحصه وهي تقول بسعادة: -فون إيثار اتفتح، هقوم أكلمها علشان أطمن عليها. قالت كلمتها الأخيرة وهي تهب واقفة ليوقفها صوت أبيها قائلًا:

-اصبري يا لارا، إبقي كلميها متأخر. أجابته بحماس: -إيثار بتصحى بدري يا بابي. تحدث بنبرة جادة: -النهاردة أول يوم جواز لإيثار ولازم تراعي ظروفها الجديدة. جحظت أعين الجميع ليسأله أحمد باستغراب: -مين دي اللي اتجوزت يا بابا، إيثار! ابتسم ليقص لهم ما حدث لتجحظ عيني سالي وهي تسأل بذهول: -إيثار وفؤاد علام؟ طب إزاي؟! واستطردت تسأل بحيرة: -وأهله، وافقوا كده عادي؟ أجابها ببساطة وهو يتناول طعامه:

-آه طبعًا وافقوا، سيادة المستشار بنفسه أكد لي وأنا بكلمه بالليل أطمن على إيثار إنه بلغ أبوه وأبوه مرحب بالموضوع. هزت رأسها بذهول، أيعقل أن تتزوج تلك البسيطة بذاك الوسيم الثري وتصبح سيدة مجتمع تنتمي للوسط الراقي بعد أن كانت تنتمي للطبقة الكادحة، ابتسمت نيللي لتنطق وهي تقول بتأكيد لصحة نظرتها للأمور: -علشان تبقي تصدقيني لما أقول لك أي حاجة بعد كده. تنفست بضيق لتجيبها بملامح وجه مستاءة:

-والله يا طنط الواحد ما بقى مصدق اللي بيحصل حوالينا من كتر غرابته. -إيثار تستاهل كل حاجة حلوة... نطقتها لارا بنبرة سعيدة لترمقها سالي باستخفاف وعقلها الباطن يستنكر ما حدث بشدة. ***********

كان يقف بوسط غرفته، ما زال محتضنًا ذاك الرداء يشم به رائحتها التي سلبته لبه بعينين مغمضتين وقلبٍ ينتفض بقوة وكأنه عاد مراهقًا من جديد، تلك المشاعر التي يحياها معها لم تمر عليه من ذي قبل، لذة من نوعٍ خاص يتذوقها لأول مرة معها، فكل شيءٍ معها مميزٌ وغريب، نظراتهما، الابتسامات المتبادلة وحتى اللمسات، يكاد يجزم الآن أنه لم يتذوق للعشق طعمًا قبلها، انتفض بعدما استمع لخبطات فوق الباب ليسرع مهرولًا ليقوم بتعليق الرداء ويتجه سريعًا

صوب الباب وهو يقول: -ثواني يا حبيبي. ابتلع باقي كلمته وهو يتطلع لتلك الواقفة أمامه وابتسامتها البلهاء تملأ وجهها وهي تبسط ذراعيها بالرداء لتقول: -البيجامة بتاعتك يا باشا. لتسترسل وهي تشير للغرفة المجاورة: -إيثار بتقول لك إنها جاهزة. كظم غيظه بداخله وأشار لها بالانصراف لتزيدها عليه تلك الثرثارة حيث سألته بابتسامة مستفزة: -تؤمرنيش بحاجة يا باشا؟ رمقها بحدة ليهتف من بين أسنانه بغيظٍ لو خرج لفتك بها: -روحي من وشي يا عزة.

وقبل أن تجيبه قام بصفع الباب بوجهها لتلوي فاها وهي تقول باستياء: -ماله ده كمان. بالداخل، أمسك البيجامة وقام بتعليقها لتجاور الرداء وتحدث بصوتٍ عالي وقلبه يغلي كالبركان: -ماشي يا إيثار.

فبعد أن انتظرها داخل غرفته ومنى حاله ليختلس منها بعض اللمسات التي من الممكن أن تؤدي لقبلة، هدمت أحلامه وبكل لؤمٍ بعثت له بتلك الثرثارة، تحرك للخارج ودق بابها لتخرج عليه بهيأتها المهلكة، وبعد أن كان غاضبًا تحول لمذهولٍ عاشق بقلبٍ يدق من لوعة العشق والاشتياق، تحمحم ليقول بصوتٍ متأثرٍ بضربات قلبه القوية: -إنتِ أكيد ناوية على جناني. رفعت حاجبها باستفسار ليسترسل بما جعلها تغرق بخجلها:

-اعملي حسابك إني مش هقدر أتحمل كتير لو استمرينا بالشكل ده. ابتسمت ليقترب من أذنها هامسًا ليبعثر بكيانهما معًا وهما مغمضان أعينهما مستسلمين لحالة الوله: -هو حبيبي حلو كده على طول، ولا قربه من فؤاده هو اللي زاده حلا. -فيه حاجة يا سيادة المستشار؟ ... نطقت بها عزة التي ظهرت من خلف إيثار لينتفض جسده متطلعًا عليها بعينين متسعتين: -فيه إيه يا ست إنتِ؟

وضعت إيثار كف يدها تكظم به ضحكاتها على ذاك الذي كاد أن يصاب بذبحة صدرية على يد تلك الغريبة، رمقها بنظراتٍ متوعدة وهو يقول: -بتضحكي، طيب يا إيثار. ثم حول بصره لتلك الحاملة للصغير وهتف بحدة وهو يشير لها بأن تتقدمه: -قدامي يا عزة، خضتين زي دول وهقطع الخلف نهائي يا ماما.

تعالت ضحكات حبيبته رغمًا عنها ليرمقها بغيظٍ مصطنع لتتحرك عزة تسبقهم على الدرج، وضع ذراعه لتتأبطه في أول خطوة يعلن بها ملكيته أمام الجميع، تحركت بجانبه بقلبٍ سعيد وعقلٍ لم يستوعب بعد ما أصبحت عليه، فقد سارت بين ليلةٍ وضحاها زوجة فؤاد علام زين الدين الرسمية، ما كان حاله يختلف كثيرًا عنها، مال عليها ليقول بصوتٍ هامس معاتبًا إياها: -بقي باعتة لي عزة الأوضة يا إيثار. ضحكت بخفوت ليسترسل بوعيد:

-ماشي، إبقي قابلي اللي هيجرى لك يا مدام فؤاد علام، من سوء حظك إن جوزك ما بيسبش تاره يبات. -حد قال لك عني إني هبلة؟ ... قالتها بتهكم لتسترسل بدهاء وهو يتمعن بملامحها منتظرًا تفسير جملتها: -بقى عاوزني أدخل للأسد عرينه بإرادتي. أجابها بثقة عالية: -وغلاوتك عندي لتدخليه قريب وبكامل إرادتك.

هزت رأسها مستنكرة غروره ليكملا طريقهما إلى أن وصلا لغرفة الطعام وولجت عزة بالصغير لغرفة خاصة بإطعام أطفال المنزل عن طريق المشرفات على إطعامهم بعيدًا عن الطاولة الرئيسية كي لا يحدثوا فوضى، ولجا للداخل ليلتفت الجميع إليهما لتتفاجأ فريال الجالسة بمقعدها وهي تتطلع على تلك الأنيقة وكأنها تبدلت لأخرى، فهناك فرق شاسع بين فتاة الأمس الذابلة وثيابها غير المهندمة بالمرة وبين تلك الأنيقة بثوبها الكلاسيكي وحجابها الرقيق وحذائها لتظهر بجاذبية وأناقة، على غير عادته تحدث بنبرة حماسية وملامح

وجه ضاحكة يملأها الحبور: -صباح الخير. تعجب الجميع وردوا تحيته لتلقي هي الأخرى تحية الصباح ليردوها بوجوهٍ بشوشة عدا تلك الجالسة بمقعدها بملامح وجه صارمة، فقد ردت بجمود، اقترب من المقعد الذي خصص لها وبرأسٍ شامخ سحبه للخلف لتجلس هي ليتحرك ويجاورها الجلوس بمنتهى السعادة، تحدثت عصمت برقي: -نورتي سفرتنا يا إيثار، أهلًا وسهلًا بيكِ. شعرت بارتياح تجاه تلك الخلوقة لتبتسم بخفوت وهي تشكرها بلباقة:

-السفرة والبيت كله منور بأهله يا دكتورة. أشار لها علام بابتسامة لتبدأ: -كلي يا بنتي. هزت رأسها شاكرة ليتحدث لها فارسها المغوار: -أحط لك مربى؟ -أوك... قالتها بهدوء ليبدأ الجميع بتناول طعامهم، نظر للصحن المملوء بأصنافٍ عديدة من الفاكهة ليقترب عليها قائلًا بصوتٍ حنون: -كريز.

كاد الطعام أن يقف بحلقها ويخنقها من شدة الخجل بعدما اعتقدته يغازل شفتيها لتنظر له بذهولٍ سرعان ما تحول لخجلٍ عندما وجدته يمسك بين أصابعه حبتين من ثمار الكريز ويضعهما بداخل صحنها، شكرته بعينيها ليميل بجانب أذنها ويهمس بدهاءٍ: -إيه رأيك، شفتي رديت لك حركة عزة بسرعة إزاي، علشان تبقي تبعتيها لي الجناح مكانك تاني.

جحظت عينيها وباتت تتطلع عليه بعدم استيعاب، يا له من داهية شرس لا يترك تاره يبات، نظر لها وبكل براءة تحدث بصوتٍ وصل للجميع: -ما بتاكليش ليه يا حبيبي، مش بتحبي الكريز؟ واستطرد مدعيًا البراءة تحت ابتلاعها للعابها من شدة الحرج من المحيطين بها وهو يناديها بـ "حبيبي" أمامهم بتلك السهولة: -طب تاخدي فراولة؟ نطقت بخفوت وخجل: -ميرسي يا فؤاد، لما أحتاج حاجة هاخدها.

كانت عصمت تتابعهما بعينيها وقلبها ينتفض فرحًا وهي ترى تغير نجلها الواضح ومشاكسته لتلك الجميلة، نطقت بعدما رأت خجلها: -سيبها تاكل براحتها يا فؤاد. كانت فريال أيضًا تتابعهما بترقب شديد وعدم رضا، وخصوصًا بعدما علمت من والدتها وظيفة تلك الإيثار وتأكدت من أنها طامعة بثروة شقيقها ليس إلا، تحدث ماجد كي يغطي على صمت زوجته وعبوس وجهها: -مبروك يا مدام إيثار وإن شاء الله ترتاحي معانا هنا في البيت.

-متشكرة يا أفندم، ميرسي لذوقك... كلماتٌ شاكرة قالتها إيثار بهدوء وهي تنظر إليه لتتعجب لعبوس تلك المجاورة له، التقت أعينهما لتبتسم لها بسماجة قبل أن يصدح رنين هاتف فؤاد لينظر بشاشته ليجده رئيسه فأخذ الهاتف وتحدث باعتذار: -تليفون ضروري ولازم أرد. أمسك كفها وقام بوضع قبلة احترام فوقه ليتحدث بعجالة: -مش هتأخر عليكِ.

أومأت له لينسحب للخارج لتشعر على الفور بالضياع في ابتعاده، فقد أصبح يمثل لها الأمان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، انتبهت على سؤال فريال التي وجهته لها بطريقة حادة خالية من اللباقة: -إلا قولي لي يا مدام، هو أنتِ هترجعي لشغل السكرتارية تاني؟ لتسترسل بذات مغزى: -ولا اكتفيتي بهذا القدر بعد جوازك من سيادة المستشار فؤاد علام؟ واسترسلت وهي تركز وتضغط على لقب عائلتها المرتبط بسوق المال والأعمال: -زين الدين.

لم يرق لها سؤال تلك اللئيمة لترد بنبرة واثقة ورأسٍ شامخ: -أنا عمري ما فكرت أسيب شغلي ولا هفكر، الشغل بالنسبة لي مش مجرد وسيلة للحصول على مستوى معيشي أفضل وبس، شغلي بالنسبة لي هو كياني وقيمتي بين الناس. واستطردت للتوضيح: -على فكرة أنا مش سكرتيرة، أنا مديرة مكتب أيمن الأباصيري شخصيًا، وده مش تقليل مني لوظيفة السكرتيرة لأنها لا تقل أهمية عن وظيفتي. لتستطرد بابتسامة هادئة: -بس حبيت أوضح لك.

ابتسمت وهي ترفع حاجبها لأعلى بسخرية واستنكار لترمقها والدتها بحدة، أما علام فتحدث باستحسان: -برافو عليكِ يا إيثار، أنا بحب جدًا الناس المخلصة لشغلها وبتقدره بعيدًا عن الماديات. مالت على أذن زوجها لتقول باستنكار: -الأستاذة شكلها حافظة لها شوية إنشاء وشكلهم عجبوا الباشا الكبير ودخلوا عليه. همس يحذرها: -بطلي تستفزيها بكلامك ده، وخلي بالك إنتِ كده ممكن تخسري أخوكِ.

انتبه الجميع على صوت فؤاد الحماسي وهو يقول لوالده فاتحًا كفيه بحبورٍ: -قول لي مبروك يا باشا. تطلع إليه علام بتمعن ليتابع الآخر بذات معنى: -الخبر اللي مستنيه بقالي سنين. -الترقية؟ ... كلمة نطقتها عصمت بترقب ليهز رأسه بتأكيد لتقفز فريال من فوق مقعدها وتجري مهرولة لترتمي بأحضان شقيقها وهي تهلل متناسية ما حدث بينهما بالأمس: -مبروك يا حبيبي، مبروك يا فؤاد. -الله يبارك فيكِ يا حبيبتي...

نطقها بسعادة وهو ينظر لتلك التي تتطلع عليه بحبورٍ ملأ وجهها لتقف عصمت وتحتضن صغيرها والدموع ترقرقت بعينيها، فمنذ تلك الحادثة اللعينة وهم ينتظرون تلك الترقية التي تأجلت لمدة ثلاثة سنوات بسبب ما حدث ولوث اسمه كوكيل للنائب العام، واليوم فقط تم ترقيته لرتبة رئيس نيابة، وضع أنامله يجفف لوالدته الحبيبة دموعها وهو يقول: -دموعك غالية قوي يا حبيبتي. بصوتٍ متقطع متأثرًا ببكائها نطقت عصمت بحنو:

-ما فيش أغلى منك ومن مستقبلك علشان تنزل لهم دموعي يا فؤاد، الحمد لله، الحمد لله يا حبيبي. قبل رأسها ليجذبه علام أيضًا لاحتضانه وتقديم التهنئة له ليسأله: -مبروك يا سعادة رئيس النيابة، عقبال ما تمسك مكاني. هنأه ماجد أيضًا ليتحرك إلى أن وقف مواجهًا لها، حاوط وجنتيها بكفيه تحت ارتعاشة جسدها لينطق بعينين تفيضان من العشق والحنين: -أكيد مش صدفة إن الترقية اللي مستنيها بقالي تلات سنين تتمضي بعد ما أمضي قسيمة جوازي منك.

أكدت عصمت على حديثه قائلة بسعادة هائلة: -عندك حق والله يا فؤاد، مراتك جاية وجايبة معاها الخير للكل. غاصت ببحر سوداوية متناسية الجميع من حولهما لتنطق بنبرة تشع حنانًا: -مبروك يا فؤاد. لم يشعر بحاله إلا وهو يجذبها ليدخلها بأعماق أحضانه لتذوب داخله وتغمض عينيها ليضمها بقوة مستمتعًا بأول عناقٍ لهما تحت نظرات الجميع المتعجبة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...