الفصل 25 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم روز امين

المشاهدات
19
كلمة
6,114
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

مر اليوم الأول عليها بسلام داخل قصر علام زين الدين، فقد كانت مقابلة البعض لها أكثر من رائعة، كمقابلة علام بذاته وزوجته الراقية. فقد توقعت اعتراضهما عما حدث أو حتى عدم تقبلهما لوجودها بينهم، ليحدث العكس ويعاملاها بكثير من اللين والاحترام، ناهيك عن رجلها المغوار، فقد عاملها بكثير من الدلال والرقي أمام عائلته، مما عزز الثقة داخل نفسها، إلا من تلك المتعالية حيث تعاملت معها بطريقة لم ترق لها لكنها تغاضت لأجل فؤاد ووالديها.

عند غروب شمس اليوم التالي وبعدما تناولت وجبة الغداء بصحبة العائلة وبجوار فؤاد بعد عودته من العمل، صعد الجميع لينالوا قسطًا من الراحة، فأخذت هي صغيرها لينضم إليها بالتخت، أما عزة فظلت بصحبة العاملات بالأسفل.

فاقت عند الغروب لترتدي بنطالًا فضفاضًا من اللون الأسود تعتليه كنزة بنفس اللون حتى الحجاب، فهي ما زالت بفترة حداد على والدها الحبيب، اصطحبت صغيرها وخرجت لتتفقد الحديقة، فقد كانت جميلة للحد الذي يخطف الأنفاس، أشجار صغيرة متناسقة بشكلها وأوراقها الخضراء، وزهور مشكلة بألوان زاهية متنوعة، ونجيلة خضراء تفترش أرضية الحديقة بأكملها بتناسق. مرت بجانب حوض السباحة الكبير والذي يتوسط الحديقة ليهتف الصغير الممسك بكفها

وهو يهزها بنبرة حماسية: -مامي، أنا عاوز أعوم في البيسين. حثته على المضي قدمًا وهي تقول له في محاولة منها بإقناعه: -مش هينفع يا حبيبي، ده مش بيتنا يا چو، إن شاء الله يومين بالضبط وهوديك النادي تعوم هناك براحتك.

تذمر الصغير ودق الأرض بساقيه مع مطه لشفتيه للأمام كطريقة منه للاعتراض. وصلا لحوض للزهور يمتاز بألوان خلابة جذبها عن غيره، باتت تتطلع عليها بنظرات منبهرة لتضع يدها تتفقد بعضهم وتميل بجسدها لتستنشق عبيرها ذو الرائحة العطرة والفريدة التي لم تشتم مثلها من قبل، تحدثت للصغير كي تخرجه من تذمره وينسجم معها بالحديث: -شوفت الورد ريحته جميلة قد إيه يا چو. تطلع للزهور وبدأ يتحسسها ويشم عبيرها ليندمج معها.

بالأعلى، فاق من قيلولته ليلج لداخل حمامه الملحق بعدما قرر أخذه لحمام دافئ يعيد لجسده النشاط والحيوية، خرج يلف جسده بالمنشفة وتحرك صوب خزانة الملابس لينتقي بنطالًا من الجينز تعتليه كنزة بأكمام طويلة، صفف شعره بعناية ونثر عطره المميز وتحرك صوب غرفة أميرته التي أنارت حياته بعد عتمة طالت.

دق الباب عدة مرات وحينما لم يأته الجواب اضطر للدخول بعدما شمله الارتياب عليها، قطب جبينه حين وجد الغرفة خالية ومرتبة مما يعني عدم مكوثها بها وأيضًا تطلع إلى الحمام ليجد إضاءته مغلقة، تحرك للأسفل عبر الدرج بخطوات واسعة وما أن لمح مرور إحدى العاملات ليسألها بنبرة جاهد لتخرج رزينة: -مدام إيثار فين يا وداد؟ نظرت عليه لتجيبه باحترام: -خرجت في الجنينة يا باشا.

هز رأسه لتسوقه قدميه وقلبه يرفرف يسبقه إليها، خرج يتطلع على المكان بترقب شديد وعيناه تجول الحديقة بلهفة تحولت لراحة واستقرار صاحبتها رجفة بقلبه حين رآها تتجول بين الزهور بينما هي أجملهم وأزهاهم، كانت تميل عليهم تشم رائحتهم بطريقة أظهرت كم انجذابها إليهم، استمعت لصوته الرخيم من خلفها وهو يقول بمداعبة: -يا بخت الزهور.

انتفضت بوقفتها لتواجهه منتصبة الظهر وقد اكتسى وجهها باللون الأحمر الداكن الناتج عن شدة خجلها، شملها بابتسامة رائعة قبل أن ينحني ليحمل الصغير ويثبته بين أحضانه ليميل على وجنته واضعًا قبلة حنون قبل أن يقول بنبرة حنون: -أخبارك إيه يا بطل؟ -كويس... نطقها بملامح وجه عابسة ليسأله الآخر باهتمام وجدية: -مالك يا حبيبي، مين اللي مزعلك؟ أشار بإصبع السبابة باتجاه والدته لينطق بنبرة حزينة: -مامي.

شهق بافتعال ليحول بصره سريعًا على تلك التي نظرت لصغيرها تلومه بعينيها ليسألها بنبرة جادة: -مزعلة يوسف ليه يا مامي؟ -خلاص يا چو... قالتها بتنبيه للصغير فأعاد هو السؤال للصغير: -قولي أنتِ مامي مزعلاك في إيه؟ أجابه بعبوس شديد: -قلت لها إني عاوز أعوم في البيسين بس رفضت وقالت لي مش هينفع علشان ده مش بيتنا.

على الفور حول بصره إليها يرمقها بنظرات حادة ممتزجة بالحزن واللوم، فتلك هي المرة الثانية على التوالي التي تخبر بها الصغير بأن هذا ليس بمنزلهما وأن إقامتهما به مؤقتة، لينطق بصوت حاد لا يقبل المناقشة بعدما رمقها بقوة وكأنه يحذرها من تكرارها: -مامي بتهزر معاك يا يوسف، البيت ده بقى بيتكم خلاص وهنعيش فيه كلنا مع بعض، وبالنسبة للبيسين تنزله وقت ما تحب، وأنا هخلي كابتن علي اللي بيعلم بيسان العوم يعلمك أنتَ كمان.

واستطرد بنبرة حنون بعدما حول بصره على الصغير: -تعالى نغير هدومنا علشان نعوم حالًا. -بجد يا عمو؟ ... نطقها بسعادة ليتابع متسائلًا ببراءة: -يعني أقدر أنزل البيسين زي ما أنا عاوز؟ -أكيد يا حبيبي... قالها بتأكيد لينطق الصغير وهو يمرر كفه الرقيق على وجنته: -ميرسي يا عمو، وميرسي كمان على الثلاجة اللي طلعتها فوق ومليتها بالشوكولاتة اللي أنا بحبها، أنا سألت مامي وقالت لي إن أنتَ اللي طلعتها في الأوضة مخصوص علشاني.

بنبرة تشع حنانًا أجاب على الصغير: -يا حبيبي أي حاجة نفسك فيها تعالى وقول لي عليها وأنا هجيبها لك فورًا، وملكش دعوة بمامي، مامي عندها شوية عقد وكلاكيع كده وأنا هعرف أخرجهم لها بطريقتي... نطق كلمته الأخيرة بغمزة وقحة من عينيه لتبتسم وهي تتطلع عليه بسعادة، كم كان عطوفًا حنونًا في معاملته للصغير.

خرجت عزة من الداخل حاملة فوق يديها حاملًا موضوعًا عليه بعض الفواكه وكأسين من المشروب البارد قد جهزتهما لإيثار والصغير حين لمحتهما يتوجها للحديقة، أقبلت عليهم وهي تقول بابتسامة بشوش: -عملت لكم عصير ينعشكم. واستطردت وهي تنظر إلى ذاك المحب: -يقطعني يا فؤاد باشا، ما كنتش أعرف إنك هنا عشان كده ما عملتش حسابك. -ولا يهمك يا عزة... قالها ببساطة ليتسرسل بنبرة جادة:

-حطي الصينية اللي في إيدك قدام حمام السباحة وتعالي خذي يوسف لبسيه مايوه علشان هينزل الماية معايا. نفذت ما أملاه عليها وصعدت بالصغير ليتطلع ذاك الحانق عليها لينطق بنبرة حادة: -ممكن بقى تقولي لي هتبطلي الكلام الخائب اللي عمالة تقوليه للولد ده إمتى؟ بنبرة هادئة أجابت على تساؤله: -أنا بقول له الحقيقة علشان ما يتأملش إن قعادنا هنا هيطول ونفسيته تتأقلم على كده. -هو حد قال لك إني متجوزك تخليص حق وهرجعك لما تسددي ديونك؟!

قالها متعجبًا ليقول بمشاكسة كي يخفف عنها وطأة خجلها: -فوقي لنفسك يا مدام، أنتِ دخلتي عرين فؤاد علام ومش هتخرجي منه للأبد. ابتسمت بحبور شديد لينطق بعينين تسكنهما السعادة لأجلها: -ضحكتك بتنور الدنيا كلها يا إيثار. اقترب عليها حتى كاد أن يلتصق بها لينطق بجرأة تحت ضربات قلبها السريعة وهو يشير لغرفة زجاجية جانبية ملحقة بالحديقة خاصة بتغيير الثياب: -ما تيجي معايا وأنا بغير المايوه جوه.

وكأن عقرب لدغها لينتفض جسدها بالكامل وعلى الفور تراجعت للخلف تحت ضحكاته العالية التي انطلقت بصوت رنان أعلن عن سعادته لينطق بمشاكسة: -بقى بذمتك، فيه واحدة تسيب جوزها لوحده كده طول الوقت وهي عارفة إنه هيتجنن عليها، طب على فكرة بقى، ده بيبقى سبب رئيسي بإن الراجل يبص برة وبعدين ترجعوا تصيحوا وتشتكوا. -إبقى بص لو قدرت... نطقتها وهي تنظر له بتحدي كنوع من المداعبة ليرفع حاجبه باستعجاب وهو يقول: -دي الهانم واثقة بقى.

اقترب عليها بطريقة مثيرة ليتابع بعينين متشوقة منجذبة لكل إنش بوجهها: -واثقة في حبيبها ومتأكدة بإن عيونه ما بتشوفش من ستات الدنيا كلها غيرها. تعمقت بعينيه لتفاجئه بحديثها الساخر: -ويا ترى بقى قلت الكلام ده لكام مغفلة قبلي؟ -وحياتك عندي أنتِ المغفلة الأولى والأخيرة في حياتي... نطقها ببرود ليستشيط داخلها لتهتف من بين أسنانها وهي تصك عليهم بغضب: -مغفلة! شكرًا، شكرًا قوي يا سيادة المستشار.

رفع رأسه وأرجعه للخلف وهو يقهقه عاليًا مطلقًا ضحكات رجولية أثارت حواسها، ثم فصّل ضحكاته لينطق بنبرة حنون صادقة: -مش لوحدك اللي مغفلة في الحب يا روحي، أنا كمان مغفل وغرقان في عشقك، مغفل وغافل عن كل حاجة قدام غرامك. تعمّق بمقلتيها لينطق بحال قلبه قبل لسانه:

-قصاد عيونك بغفل عن أي شيء وكل شيء ممكن يفصلني عن الحالة اللي بعيشها معاكِ، وبحلم باليوم اللي هقدر أحضنك فيه بكامل رضاكِ علشان أقدر أعيشك وأدوقك غرامي ليكِ اللي عدى كل حدود اللامعقول. أمسك كفها الرقيق بخاصته وقام بوضعه فوق صدره، وبالتحديد فوق موضع قلبه، ليقول بنظرات تهيم عشقًا: -هنا فيه حب كبير قوي ليكِ، شوق وعشق وحنان وخوف ورُعب عليكِ من أي حاجة وأي حد ممكن يفكر إنه يأذيكِ. رفع كتفيه باستسلام لينطق متعجبًا:

-إزاي وإمتى إتكونوا وكبروا كده جوايا أنا معرفش، كل اللي أعرفه إني عاوز أقضي باقي حياتي كلها جنبك، سواء بقى رضيتي عني ودخلتيني جنتك، أو سبتيني واقف على بابك مستني أنول الرضى اللي باقي لي من عمري. أدخلها سيل كلماته الرومانسية وعينيه الناطقة بالهيام بحالة عالية من الغرام والتيهة، أما هو فضيق بين عينيه ليبتسم بخفة وهو ينطق متعجبًا:

-تعرفي إني مستغرب نفسي قوي، لو حد قال لي من كام شهر إني هقف قدام واحدة ست أيًا كانت هي مين أو درجة جمالها إيه وأقول لها الكلام ده كله، لا وكمان أقول لها إني مستني إشارة منها علشان تسمح لي أدخل جنتها كنت قولت عليه مجنون أو بيخرف تخاريف الموت. تنهد براحة وهو يتأمل ملامحها ويُطيل النظر بعينيها مسترسلًا بصوتٍ هائمٍ بغرامها:

-بس معاكِ الوضع كله بقى مختلف، وكأن فؤاد علام اتولد من جديد وبقى حد تاني وشخصية غير اللي عاش بيها عمره كله، بقى أقصى حلم ليا هو وجودك في حياتي بالشكل الصحيح، الشكل اللي هيدوبنا في بعض ويحولنا مع الوقت لشخص واحد. تحمحمت لتنطق أخيرًا بعد صمتٍ تام وهي تستمع إليه باستنفارٍ لجميع حواسها التي التهبت بنيران غرامه المشتعل: -هو أنا ممكن أتكلم معاك بصراحة ومن غير ما تزعل مني؟

بنبرة صادقة وعينان تشع من الحنان ما يثبت صحة كلماته، نطق ليطمئنها وكأنها صغيرته المدللة: -أنا عمري ما أزعل منك يا بابا، ولو زعلت يبقى علشانك مش منك. شعورًا هائلًا وهائمًا شمل كيانها، وعلى الفور شعرت بفراشات العشق تداعب أسفل معدتها لتسري الرعشة بكامل جسدها، تحمحمت لتكمل ما بدأت بنبرة تحمل الكثير من التوجس: -أنا كتير بصدق إحساسي ناحيتك وبحس إن الكلام بيخرج من قلبك ويترجمه لسانك. واستطردت بتيهة ظهرت بينة بعينيها:

-بس على طول عقلي بينبهني ويفكرني بعرضك المهين ليا وكأنه بيفوقني. فهم مقصدها بذكائه ليتنهد بأسى، عله يستطيع محو ذاك اليوم وما حدث به من ذاكرتها كي يمحو عنها حزنها الساكن بداخلها والذي لمحه بعينيها عندما تحدثت عن تلك الذكرى المؤلمة، لتتابع بقلبٍ يتألم: -بتكسف قوي من نفسي وبأنبها وألومها على أي لحظة لاستسلام مشاعري ليك وخنوع قلبي المخزي. رد على حديثها بنبرة تمتلئ صدقًا: -غلطة وندمت عليها واعتذرت لك.

ابتلع لعابه وشاح ببصره عنها لشدة خجله وعدم قدرته لمواجهتها ليتابع بذات مغزى: -كان عرض مهين لنفسي قبل منك، وليه أصل وأكيد هقعد معاكِ في يوم من الأيام وأحكي لك أنا ليه قولته. ضيقت بين عينيها لتتطلع بعينيه تستشف معنى كلماته التي كررها من قبل ليسترسل بعدما فهم مقصد نظراتها:

-مش أنتِ لوحدك اللي عندك ماضي مؤلم يا إيثار، أنا كمان قصتي مع طليقتي فيها تفاصيل كتير لازم أحكي لك عليها، من حقك تعرفي كل حاجة عن الراجل اللي هتكملي معاه باقي حياتك. قطبت جبينها ونطقت بمداعبة حاولت بها انتشاله من تلك الحالة التي تراه عليها للمرة الأولى منذ أن تعرفت عليه، انكسار بعينيه وهزيمة بنبرة صوته لتقول بمشاكسة وهي ترفع حاجبها الأيسر باستنكارٍ مفتعل: -هو الباشا قرر خلاص منه لنفسه كده إني هكمل باقي حياتي معاه!

بغمزة من عينيه داعبها قائلًا بثقة عالية قد تصل لحد الغرور: -وبمزاجك على فكرة، وبكرة هفكرك. ابتسمت لتنظر إليه بحنان ليتابع بنبرة تفيض من العشق ما يملأ مقدار بحرٍ: -أنتِ مش بس حبيبتي يا إيثار، أنتِ دنيتي الحلوة اللي رجعت أعيشها من تاني، بعد ما كنت فاكر إن حياتي انتهت وإن اللي بعيشه مجرد أيام وبتعدي. تنهيدة حارة خرجت من صدرها ليكمل بابتسامة حنون:

-مع إني دايب في حُبك ومش قادر أتحمل فكرة إنك بقيتي مراتي ولسه بعيدة عن حضني، بس هتحمل. وغمز بعينيه قائلًا بمداعبة: -علشان لحظة اللقا تبقى مكتملة الأركان. سحبت عنه بصرها بخجل لتأخذ نفسًا عميقًا أظهر قمة اندماجها وعشقها لكلماته، لكنه اكتفى بابتسامة واسعة مع إخراجه لتنهيدة حارة، نطق بمراوغة بعدما وجد عزة والصغير يخرجان من بوابة القصر الداخلية: -لسه مصرة إنك ما تجيش معايا وأنا بغير هدومي؟!

هزت رأسها باستسلام من ذاك المشاكس وكلماته الجريئة المليئة بالإيحاءات لينسحب هو بعدما همس بجانب أذنها بما زلزل كيانها وأثار جميع حواسها واستنفرها: -قريب قوي هندخلها مع بعض، وعلى فكرة فيها جاكوزي متأكد إنه هيعجبك جدًا. نطق بكلماته ليتركها دون النظر لوجهها الذي أصبح ملتهبًا من شدة خجلها لتنظر في أثره بذهول حتى استفاقت على صوت عزة المشاكس: -أنا شايفة إني هبل الشربات وهوزعه وهملي البيت زغاريد قريب قوي.

-عزة، أنا مش ناقصاكي... نطقتها باستياء مفتعل تختبئ خلفه لترد الأخرى بضيق: -حقك، ما هي عزة الحيطة المايلة بتاعتك، الهيئ والميئ لسيادة المستشار وقلبت الوش للمسكينة عزة. كانت هناك عينان تراقبان وقوفهما من شرفتها الملحقة بجناحها بالأعلى بملامح وجه عابسة ترجع لعدم تقبلها لعلاقة شقيقها بتلك الدخيلة والتي تراها لا تناسبه من كل الجهات، زفرت بضيق لينضم لها زوجها الذي جاورها الوقوف ليسألها مستفسرًا بعدما

وجد العبوس يحتل ملامحها: -مالك يا حبيبتي، بتنفخي ليه؟! أشارت له على فؤاد وهو يداعب الصغير ويحمله داخل المياه بشكلٍ مرح أظهر كم انسجامهما: -تعالى اتفرج على المسخرة اللي بتحصل.

وقف يتطلع ليجد فؤاد يعوم على ظهره داخل مياه حمام السباحة حاملًا الصغير فوق بطنه ويطلقان الضحكات بسعادة، من يراهما للوهلة الأولى يعتقدهما رجلًا وصغيره المدلل، حرك بصره خارج المغطس ليجد إيثار تجلس وهي تراقبهما بملامح وجه سعيدة مطمئنة وكأنها امرأة أخرى غير المرأة المرتبكة ونظراتها الزائغة التي رآها باليوم الأول، رفع سبابته يحك بها أنفه قبل أن تتابع الأخرى بنبرة ساخطة:

-دي ما طلعتش هي لوحدها اللي واكلة عقل أخويا، دي كمان زاقة عليه الولد الصغير. ضحكة ساخرة خرجت من ماجد لتسأله بحدة بعدما التفت تطالعه بغضب: -بتضحك على إيه يا دكتور؟! توقف عن ضحكاته الخفيفة لينطق بنبرة جادة: -على كلامك الغير منطقي بالمرة يا فريال. واستطرد معترضًا: -معقول تفكيرك يوصل بإن أم تخلي طفل صغير يمثل على أخوكِ الحب علشان يكسب وده؟! أجابته بتأكيدٍ جاد:

-وليه لا يا دكتور، أنتِ مش شايف إن منصب فؤاد وفلوسه يستاهلوا؟! واسترسلت وهي تذكره بما حدث في الماضي: -ولا نسيت اللي عملته نجلا؟ واسترسلت بمقارنة ظالمة: -وأهي دي كانت حالة عيلتها المادية كويسة جدًا، عاوزني أفكر إزاي في واحدة شغالة سكرتيرة ومطلقة وكمان معاها طفل. جحظت عينيه ليسألها مصدومًا: -مالها المطلقة يا فريال؟! زفرت بضيق ونظرت تتابع شقيقها ليستطرد ماجد بعدم استيعاب:

-شوفي إحنا متجوزين بقى لنا كام سنة، بس أول مرة أعرف إن تفكيرك طبقي وعنصري. ابتسامة ساخرة خرجت لتسأله باستنكار: -خلاص، خليتني طبقية وعنصرية علشان خايفة للي حصل مع أخويا زمان يرجع يتكرر تاني؟! لتسترسل بنبرة حادة: -حتى لو هبان عنصرية أنا راضية، المهم أخويا ما يتأذيش. نفسًا عميقًا أخذه كي يستعد للحديث مع تلك التي تتحول من امرأة رقيقة إلى غولٍ عندما يتعلق الأمر بشقيقها الوحيد، نطق بنبرة هادئة:

-بصي يا حبيبتي، أنا معاشر فؤاد بقى لي أكتر من تمن سنين، أول مرة أشوف عيونه بتضحك وهي بتبص لحد، أخوكِ بيحبها وواضح جدًا من اللي أنا شايفه إن هو اللي بيسعى علشان ينول رضاها، وده شيء واضح للأعمى. نطقت سريعًا بتفسير: -ماهو ده الدهاء والخبث اللي بتكلم عنه يا ماجد. لتستطرد وهي تهز رأسها بضيق ظهر عليها: -صدقني البنت دي مش سهلة. لتستطرد وهي تتمركز بعينيه باستنكار:

-يا ابني دي سكرتيرة، أنتِ ما بتشوفش اللي بيعملوه مع المديرين بتوعهم علشان يوقعوهم ويتجوزوهم. جحظت عينيه بافتعال ليسألها ساخرًا: -لا والله، وده شوفتيه في أنهي مسلسل، ويا ترى عربي ولا تركي؟ أجابته باستياء بعد سخريته منها: -إفضل أنتَ اتريق على كلامي لحد ما هييجي اليوم اللي تقف فيه قدامي وتنحني لذكائي لما البنت لعبتها تنكشف وتنفضح قدامكم كلكم. صاح فؤاد مناديًا على حبيبته بابتسامة واسعة وهو يعوم بجاذبية أهلكت قلبها:

-مش ناوية تغيري رأيك وتيجي تعومي معايا؟ احتدت ملامحها لتسأله باستغرابٍ حاد وهي تُشير إلى حمام السباحة بتعجب: -أنتَ عاوزني ألبس مايوه وأعوم قدام الحرس بتوع قصرك يا سيادة المستشار؟! -ومين جاب سيرة العوم في حمام السباحة... ضيقت عينيها ليباغتها بوقاحته التي بلغت الحد وهو يشير بعينيه لتلك الغرفة الجانبية بحوائطها الزجاجية التي لا تكشف عما بداخلها بينما يستطيع من بالداخل استكشاف من بالخارج بكل سهولة:

-أنا قصدي على الجاكوزي. -قليل الأدب...

نطقتها بهمسٍ كي لا يستمع إليها الصغير ليطلق هو ضحكاته المجلجلة التي ملأت أرجاء المكان لتعلن عن سعادته المطلقة بوجود حوريته التي اقتحمت حياته بكل قوة لتنتزع الحزن من قلبه وتزرع بدلًا منه السعادة والهناء وراحة البال، ابتلعت لعابها من هيئته المهلكة لتحول ببصرها للجهة الأخرى كي لا تزيدها على قلبها المُنهك، حاولت إلهاء حالها بتذوق كأس المشروب البارد لتُعي على صوت عصمت التي هتفت بنبرة مرحة وهي تنظر لسعادة نجلها:

-مساء النشاط يا سيادة المستشار، من إمتى ما نزلتش حمام السباحة. لتسترسل وهي تنظر إلى إيثار بذات مغزى: -والله برافوا عليك يا يوسف، عملت اللي محدش قدر عليه قبلك. -مش كده برضه يا دكتورة... نطقها بتأكيد ليتابع بمراوغة: -يوسف ده عظيم ويستحق الشكر والتقدير. خجلت من تلميحات حبيبها ووالدته التي لفت لتجلس بمقابلتها وهي تقول بملامح وجه بشوشة: -عجبتك الجنينة يا إيثار؟ تنفست بعمق أظهر كم إعجابها لتنطق وهي تتطلع إلى ما

حولها من الزهور والأشجار: -حلوة قوي يا دكتورة، فيها أنواع ورود أول مرة أشوفها. أومأت لها لتجيبها بجدية: -علام باشا بيحب الزرع ويقدره جدًا، علشان كده بيهتم بالجنينة وبيشرف عليها بنفسه، أول ما يسمع عن نوع جديد من الزهور أو النباتات يبعت يجيبه ويشارك الجنايني في زرعها.

اندَمجت معها بالحديث لأكثر حد، فقد كانت شخصية عصمت أكثر من رائعة، توقعت رفضها لتواجدها بينهم ونفورها من وجود يوسف لكنها فُوجئت بالنقيض، فقد كانت ودودة هادئة محبة، تمتلك قلبًا رقيقًا ولسانًا لينًا لا ينطق سوى بكل طيبٍ، ما أجملها امرأة.

انضمت صغيرة فريال إلى خالها ويوسف لتندمج معهما بالسباحة والانطلاق، بعد مدة خرج فؤاد ليترك الصغار تحت مراقبة إحدى العاملات المختصة بشأن الاهتمام بالصغيرة، لف خصره بمنشفة كبيرة وأخذ يجفف شعر رأسه بإحدى المناشف الصغيرة تحت خجل حبيبته وهو يقف أمامها بمظهره المفعم بالرجولة لتسحب بصرها بعيدًا عنه وتثبته بالأسفل تحت ابتسامة عصمت التي لاحظت خجلها الشديد من فؤاد برغم أنه أصبح زوجها رسميًا، انتبهت على صوته

وهو ينطق باسمها بجدية: -إيثار، اطلعي غيري هدومك علشان هنخرج مع بعض. رفعت وجهها تتطلع عليه من جديد لتسأله مستفسرة: -هنخرج فين؟! أجابها بصوتٍ رخيم وهو يهز شعره لتتناثر منه قطرات المياه: -مشوار مهم. -طب ويوسف... نطقتها وهي تنظر لصغيرها بتوجس ليخبرها بطمأنة: -يوسف معاه عزة، وبعدين ما تقلقيش، إحنا مش هنتأخر، كلها ساعتين وهنرجع على طول. نظرت له بتيهة لتنتبه على صوت عصمت حيث نطقت بهدوء:

-اخرجي يا حبيبتي مع فؤاد وما تشيليش هم يوسف، أنا هخلي بالي منه مع عزة لحد ما ترجعي. ابتسمت تشكرها بامتنان وصعدت للأعلى بصحبة عزة لتترك الصغير بصحبة عصمت وعلام الذي انضم إليهم، وقفت تتطلع عليها بتأمل بعدما ارتدت ثوبًا باللون الأسود وحجابًا يماثله، نطقت بحذر خشيةً من حزنها: -مش كنتِ لبستي أي حاجة غير الفستان ده، الراجل أول مرة يخرج معاكِ تقومي تلبسي له أسود. ضيقت بين عينيها تتأمل ملامحها لتقول بتعجب:

-شكلك اتجننتي خلاص يا عزة، أنتِ نسيتي إن بابا لسه ما فاتش على وفاته إسبوع! هتفت بمقاطعة: -هو أنا بقول لك تلبسي له أحمر، عندك لبس حلو أنا جايباه معايا، فيه طقم زيتي حلو قوي وواحد تاني لونه بني. -ريحي نفسك أنا مش هلبس غير الأسود... نطقت جملتها بصرامة لتنطق الأخرى باعتراضٍ كعادتها: -على فكرة بقى، أنتِ كده بتخالفي أوامر ربنا، لأن الدين سامح للبنت بتلات أيام بس حداد على أبوها. زفرت بضيق لتهتف باستنكار وحدة:

-اطلعي من دماغي يا عزة وانزلي شوفي يوسف، وإوعي يغيب عن عينك دقيقة واحدة. أومأت لها وقبل أن تنسحب استمعتا لطرقات خفيفة فوق الباب، فتحت ليظهر ذاك الأنيق وهو يرتدي بنطالًا من الجينز يعتليه قميصًا منمقًا من القماش القطني باللون البينك الخفيف واضعًا بلوفر من الصوف فوق ظهره لتتهدل ذراعي البلوفر فوق كتفيه مما زاد من سحر جاذبيته وأظهره بشكلٍ عصري، نطق وهو يتأملها بعينين مسحورة: -جاهزة؟ -إمم...

قالتها بخجلٍ وهي تتوارى من نظراته المتفحصة لها لينطق بنبرة حنون: -طب يلا.

عدل من وضعية ذراعه في دعوة منه لتتأبط الأخرى ذراعه وتحرك بها إلى الأسفل ليستقلا السيارة ويتحركا بها إلى الخارج تحت نظرات الجميع حيث انضمت فريال إلى والداها، نظرت فريال حولها لتتفقد ابنتها وجدتها تهرول بسعادة بصحبة ذاك الصغير وهما يمرحان ويلهوان، تنهدت وباتت تتعمق بالنظر للصغير وللغريب أنها شعرت براحة والتعاطف معه رغم عدم تقبلها لوالدته، أشفقت على حاله وحالته النفسية التي حتمًا تأثرت حال انفصال والداه. تنهدت

لتقول مقترحة بنبرة حماسية: -إيه رأيك يا بابا لو نعمل حفلة كبيرة ونعزم فيها كل قرايبنا ومعارفنا بمناسبة ترقية فؤاد؟ أجابها بهدوءٍ ورزانة: -أنا فكرت في كده فعلًا يا فريال بس تراجعت عن الفكرة لما افتكرت إن أبو إيثار لسه متوفي من أيام. تعمقت بالنظر لوالدها لتنطق متعجبة: -وإحنا مالنا، ثم قرايبنا ومعارفنا ما يعرفوش إن فؤاد اتجوز أصلًا. تحدثت عصمت لتجيب على تساؤلات ابنتها المتعجبة:

-مالنا إزاي يا بنتي، هي إيثار دي مش مرات فؤاد ولازم يحترم مشاعرها وحزنها على أبوها؟! تنهدت بضيق قبل أن تقول بإيضاح: -يا ماما يا حبيبتي كلنا عارفين طبيعة الظروف اللي أجبرت فؤاد على جوازه منها، بلاش تتعاملوا مع الوضع وكأنه بقى فرض وإن الجواز بقى أمر طبيعي. تنهدت عصمت وتحدثت لتضع النقاط فوق الحروف:

-أخوكِ متجوزها عن اقتناع مش مجرد جواز صوري علشان يحل لها مشكلتها، وده واضح جدًا من معاملته ليها ومن التغيير اللي كلنا ملاحظينه عليه. ابتسمت ساخرة لتنطق: -هو فيه راجل متجوز ست عن اقتناع وكل واحد منهم قاعد في أوضة؟ تطلع علام إلى ابنته التي لا تتقبل انضمام إيثار للعائلة وترفض وجودها بقوة ليقول بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش كي يضع لتلك المناقشة العقيمة حدًا:

-الموضوع ده خاص بأخوكِ ومحدش ليه الحق يقرر إذا كان جوازه منها شكلي ولا هيكمل معاها غيره هو، ومحدش فينا ليه الحق في الكلام فيه. تذمرت بجلستها وبدا على وجهها العبوس لكنها أجبرت على الالتزام بالصمت منعًا لإثارة حنق والدها. ********

عودة إلى تلك الجميلة التي استقلت المقعد المجاور لذاك الجذاب، لوهلة لم تستوعب ما حدث وجعلها بين ليلةٍ وضحاها زوجة لذاك الوسيم حلم كثيرًا من الفتيات الفاتنات، وربما هناك من هي الأجدر منها باستحقاقه لكنها أخيرًا من حظيت بلقب زوجة فؤاد علام، ضغط على الزر المسؤول عن تشغيل الموسيقى لينطلق صوت السيدة أم كلثوم وهي تنشد بكلماتٍ يبدو أنها اختيرت بعناية وعن قصد: رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا، علموني أندم على الماضي وجراحه.

اللي شفته قبل ما تشوفك عنيا، عمر ضايع يحسبوه إزاي عليّ. أنت عمري اللي ابتدي بنورك صباحه. قد إيه من عمري قبلك راح وعدى يا حبيبي قد إيه من عمري راح. ولا شاف القلب قبلك فرحة واحدة ولا ذاق في الدنيا غير طعم الجراح.

التفت بجسدها تنظر إليه ببلاهة وذهول فقد استمعت لتلك الغنوة باليوم الأول الذي شاكسها به وهو يخبرها بأن اللون النبيذي يليق بها ويجب عليها الإكثار من ارتدائه، تعجبت لتلك الصدفة الغريبة، ابتلعت لعابها حين وجدته يتطلع إليها بعينين هائمتين ويحرك شفتاه مع كلمات الغنوة وهي تقول: ابتديت دلوقت بس أحب عمري ابتديت دلوقت أخاف، أخاف لا العمر يجري. كل فرحة أشتاقها من قبلك خيالي، التقاها في نور عنيك قلبي وفكري.

يا حياة قلبي يا أغلى من حياتي، ليه ما قابلتش هواك يا حبيبي بدري. اللي شفته قبل ما تشوفك عنيه، عمر ضايع يحسبوه إزاي عليّ. أشاحت بعينيها بعيدًا ليباغتها بكف يده الذي تلمس ذقنها برقة ليحثها على النظر لعينيه وهو يقول: -هتفضلي تهربي كده كتير؟ ليستطرد متعَمقًا بعينيها بطريقة أشعلت حواسهما وألهبتها: -عيونك فاضحة أسرار قلبك وكشفاها، يعني ملوش داعي كل اللي بتعمليه ده. تنفست بعمقٍ قبل أن تنطق بنبرة صادقة:

-ده مش هروب يا فؤاد، ده خوف وعدم شعور بالأمان ملازمني من يوم وفاة بابا. ترقرقت الدموع بعينيها لتتابع بألمٍ يمزق قلبها: -عاوزني أكمل حياتي إزاي بطريقة طبيعية بعد اللي إخواتي وأمي عملوه فيا؟! انتفض قلبه حزنًا عليها ليأن حين لمح شبح لدموعها ليصف سيارته سريعًا على جانب الرصيف وعلى الفور فك وثاق حزام الأمان ليقترب عليها فأكملت هي بما شطر قلبه لنصفين:

-إخواتي كانوا هيرجعوني عبدة تحت رجلين نصر ومراته لولا ظهورك في الوقت المناسب يا فؤاد. واستطردت بدموعها التي انهمرت بغزارة وهي تنطق بأنين: -أنتَ فاهم يعني إيه أرجع أعيش مع راجل ما خلاش حاجة تحسسني بالذل والألم إلا وعملها فيا؟! -ششش...

قالها وهو يجذبها ليسكنها داخل أحضانه ويضمها بقوة ليشعرها بوجوده، وللعجيب أنها تمسكت بتلابيب قميصه وتركت العنان لدموعها لتنساب، وضع كفه فوق ظهرها وبات يحركه صعودًا وهبوطًا بطريقة ناعمة استشعرتها تلك الباكية وبالفعل هدأت من روعها قليلًا، مال على رأسها وضمها بشمول وهو يهمس بحنو: -عيطي يا حبيبي، عيطي وخرجي كل اللي واجعك.

ظلت تبكي بحرقة لوقتٍ تعدى العشرة دقائق وهو يهدهدها كصغيرته ويهمس لها بكلماتٍ مطمئنة كي يشمل روحها بالحنان، فاقت على كلماته الهامسة بجانب أذنها: -إهدي يا قلبي وإوعي تخافي، أنا معاكِ. تحمحمت وابتعدت عن أحضانه ليسألها باهتمام: -بقيتي أحسن؟ اكتفت بهزة من رأسها ليتنهد بأسى لحالتها ثم تحرك عائدًا إلى مقعده ليتابع القيادة من جديد، بعد قليل توقف بها أمام متجرٍ كبيرٍ للمصوغات الماسية والذهبية، تنهد براحة ونظر لها ليقول بهدوء:

-يلا يا حبيبي. تعجبت لتسأله باستفسار: -هنروح فين؟! -انزلي وهتعرفي. ترجل من السيارة واستدار سريعًا ليفتح لها الباب، مد يده لتضع كفها داخل خاصته ليحتضنها بشمول ويتحركا للداخل وهو يرفع قامته بكبرياءٍ يرجع لسعادته بامتلاكها، ولج لداخل المتجر ليهرول عليه مالك المكان متحدثًا بترحيبٍ عالي: -أهلًا وسهلًا، نورت المكان يا باشا. توترت من فخامة المكان والقطع النادرة الظاهرة من الفاترينات الزجاجية ليتابع الرجل بإنحناءٍ تعبيرًا

عن تقديره لها: -أهلًا يا هانم، شرفتينا. هزت رأسها بشرود ليجيبه فؤاد بصوتٍ قوي: -أهلًا بيك يا خليل، جهزت لي اللي قولت لك عليه؟ على الفور أجابه بطاعة: -كل طلباتك اتنفذت زي ما جنابك أمرت بالظبط يا باشا. أشار الرجل بكفه صوب الصالون المذهب المتواجد لاستقبال الزائرين من صفوة المجتمع وقدم لهما مشروبًا، اقتربت منه لتهمس متسائلة: -إحنا جايين هنا ليه يا فؤاد؟ مال عليها ليهمس بحبورٍ: -علشان نجيب شبكتك يا عروسة.

ابتلعت لعابها ليمسك كفها يساعدها على الجلوس وهو يعاملها كالأميرات المدللات، جلست وجاورها الجلوس واضعًا ساقًا فوق الأخرى ليأتي الرجل ممسكًا بعلبة فخمة ليضعها صوب أعينهم لتكشف عن قلادة ألماسية تبهر من يتطلع إليها وتخطف بصره، تلاه رجلان من العاملين بالمتجر ممسكين بعلبتين الأولى بها خاتمٌ أقل ما يقال عنه بأنه تحفة فنية صُنع بحرفية عالية، أمسك بالخاتم وبات يتطلع عليه ثم قربه من عينيها ليسألها بتوقير: -إيه رأيك يا حبيبي؟

-حلو قوي... نطقتها بنبرة متوترة ليباغتها بلمس كفها وإلباسها إياه ليدخل بأصبعها بسهولة وكأنه صُنع بمقاس إصبعها خصيصًا لتسأله باستغراب: -منين عرفت مقاس صباعي؟ -البركة في عزة... قالها هامسًا وهو يتذكر منذ يومين حيث طلب من عزة أن تجلب له خاتمًا دون إخبارها لأخذ المقاس وقد فعلت، ابتسمت إيثار ليرفع هو كفها واضعًا قُبلة احترام فوق أصبعها التي ترتدي بداخله الخاتم تحت شعورها بقشعريرة لذيذة سرت بجسدها، أمسك علبة

القلادة ليسألها من جديد: -عاجبك؟ -كفاية الخاتم... نطقتها باستحياء ليجيبها الجواهرجي بتفاخر: -كفاية إيه بس يا هانم، دي شبكة خطيبة فؤاد باشا علام. -حرم فؤاد علام... قالها مصححًا للآخر وهو يتطلع عليها بفخرٍ واعتزاز جعلها تنظر إليه بعينين مسحورة، نطق الرجل بحماس: -ألف مبروك يا باشا، مبروك يا هانم. -ميرسي... نطقتها بخجل ليسألها من جديد مؤكدًا عليها: -ماقولتيش رأيك يا حبيبي. -حلو قوي يا فؤاد... قالتها بخجل ليتحدث

إلى الجواهرجي بنبرة جادة: -جهزت لي الخلخال يا خليل؟ اتسعت عينيها بذهول لينفتح فاها تلقائيًا وهي تنظر ببلاهة لذاك الرجل الذي تحدث وهو يتلقى علبة أخرى من يد المساعد لديه: -موجود يا باشا ونفس الصورة اللي جنابك بعتها لي على الواتس. -خلخال يا فؤاد! ... همست بها ليؤكد بعدما همس بأذنها: -خلخال يا سارقة عقل فؤاد. تحمحم الرجل ليسألها باحترام: -إيه رأيك يا هانم؟ تطلعت إليه لتقول وهي تشير بكفها باتجاه حبيبها الذي أصيب

بهوس غرامها وانتهى الأمر: -اسأل الباشا. كظم ابتسامة كادت أن تنفلت منه رغمًا عنه ليتحدث إلى ذاك المسمى بخليل: -هايل يا خليل، جهز لي الفاتورة. انحنى الرجل ليقول وهو ينسحب للخلف بتوقير: -أوامرك يا جناب المستشار. تطلعت عليه لتنطق وما زالت آثار الصدمة تعتلي ملامحها: -ما طلعتش سهل يا سيادة المستشار، خلخال؟! -متأكد إنه هيجنن عليكِ وخصوصًا مع لانجري نبيتي. -أنتَ قليل الأدب...

قالتها بحدة لتنطلق منه ضحكة رجولية أثارت حفيظتها، صمتت ثم سألته بفضول كاد أن يُنهي عليها: -فؤاد، هو الخلخال ده ألماس ولا مجرد إكسسوار؟ قطب جبينه قبل أن يجيب على سؤالها بمشاكسة: -عيب عليكِ، مرات فؤاد علام هتلبس إكسسوار برضه. -بس ده افترا، هلبس ألماس في رجلي؟! ... قالتها باعتراض لينطق وهو يتعمق بعينيها: -ألماس الدنيا كله فدا نظرة رضا واحدة من عينيكِ يا إيثار. انتفض قلبها لتبتسم له بحنان ليخبرها بنبرة حنون:

-فاكرة هدية عيد ميلادك؟ قطبت جبينها بعدم استيعاب ليسترسل مفسرًا: -الإسورة. تذكرت على الفور لتهز رأسها ليبتسم هو متابعًا: -موجودة في خزنتي في البيت، أول ما نروح هلبسها لك بنفسي.

ابتسمت تطالعه بامتنان قابله بنظراتٍ عاشقة لكل إنشٍ بوجهها، بعد قليل خرجا من المتجر يرافقهما أحد العمال وهو يحمل حقائب المشتريات، وضعها داخل السيارة ليتحرك فؤاد باتجاه إيثار ليفتح لها باب السيارة لتستقل مقعدها برقي، استقل هو الآخر مقعده وبعد قليل توقف جانبًا لتنظر إليه متسائلة باستغراب: -وقفت ليه؟! كان يتطلع أمامه، أخذ نفسًا عميقًا ثم استدار بجسده ليقابلها، تعمق بعينيها فقرأت بهما حديثًا يخشى عليها من معرفته، ابتلعت

لعابها لتسأله بتوجس: -فيه إيه يا فؤاد، اتكلم. اقترب عليها وقام باحتواء كفيها بخاصتيه لينطق بعينين مترقبة: -نصر البنهاوي رفع قضية لضم يوسف واستشهد بقسيمة جوازنا. شهقة عالية خرجت من صدرها الذي نزل الخبر عليه وكأنه خنجرًا مسموم ليشقه لنصفين، صاحب الشهقة اتساع لعينيها ليقترب منها أكثر وهو يقول على عجالة: -ما تخافيش يا بابا أنا معاكِ، وبالنسبة للي عمله ده خطوة روتينية وإحنا كنا متوقعينها.

هزت رأسها باستسلام لتهبط دمعاتها مما جعله يرفع كفيها ليجففهم لها سريعًا وهو ينطق بكلماتٍ تخرج من قلبه لا لسانه: -محدش هيقدر ياخد يوسف من حضنك، أنا وعدتك. هزت رأسها رافضة حديثه لتهتف بهيستيريا: -نصر هياخده مني، أنتَ ما تعرفهوش، ده راجل مفتري وإيده طايلة. وضع إبهامه فوق شفتيها ليمنعها من الحديث لينطق هو في محاولة منه لتهدئتها: -إهدي يا بابا، نصر مين اللي بتتكلمي عنه، ييجي إيه هو في بحر علام زين الدين.

هدأت قليلًا ليتابع تهدئتها بكلماته الصادقة: -أنا وعدتك إن ما فيش مخلوق هيقدر ياخده من حضنك حتى لو هستعمل نفوذي ونفوذ أبويا. واستطرد بثباتٍ وذو مغزى: -بس إن شاء الله مش هحتاج لكده. تمسكت بكفيه بقوة لتنطق بنظراتٍ توسلية: -إوعدني إنك مش هتتخلى عني ومش هتخلي حد ياخد يوسف مني يا فؤاد. -أوعدك يا قلبي، أرجوكِ إهدي بقى...

قالها بنظراتٍ حنون لتهز رأسها بطاعة، اقترب منها وضمها لأحضانها بقوة وتعجب باستغراب لتجاوبها معه، فقد شددت من عناقه وكأنها تطمئن حالها بالقرب من قلبه التي تستمع لدقاته العالية، شدد من ضمتها وظلا يلتصقان أكثر وكأن كلًا منهما وجد ملاذه الآمن داخل أحضان الآخر، ابتعد قليلًا ليتطلع عليها فوجدها تتمعن بعينيه بحالة من الهيام، مرر إبهامه فوق شفتها وهو يتعمق بمقلتيها، حكت العيون وقامت بفضح كلاهما وما شعر بحاله إلا وهو يقترب من

شفتيها ناظرًا لهما بشوقٍ ورغبة بقطف أولى ثمار شفتاها الكرزية، وأخيرًا لامس شفتيها ليقبلها برقة ورومانسية جعلتها تُغمض عينيها وتذوب معه وهي تتذوق أشهى قُبلة ممكن أن تتذوقها امرأة على يد معشوقها، ذابا معًا وتعمقا بالقبلة التي تحولت من هادئة ناعمة إلى قوية متعمقة ثم شرسة تنم عن مدى جوع كلاهما واحتياجه للمزيد من الآخر، ابتعدا كلًا منهما مجبرين لحاجتهما القوية للهواء، باتا يأخذا أنفاسهم اللاهثة بقوة وصدريهما يعلوان

ويهبطا، هدأت أنفاسهما قليلًا لينظر من جديد لشفتيها فقد كان بحاجة للقرب أكثر والشرب من رحيق قبلاتها لكنه تحمل وجاهد حاله كي لا يجعلها تنفر منه أو تحزن عندما يراودها شعورًا باستغلاله لحالة ضعفها تلك بعد أن تُعي لحالها، تحمحم ليتحدث بنبرة عاقلة لقلبٍ يذوب غرامًا:

-أنا عارف إنك بتحبيني ومتأكد من إنك عوزاني زي ما أنا عاوزك بالظبط. واستطرد بنبرة تُشع حنانًا كي يزرع داخلها شعور الطمأنينة: -وعارف إنك مشوشة وإن اللي حصل لك بعد وفاة عمي غانم مأثر على تفكيرك وأنا عاذرك، خدي الوقت اللي يكفيكِ وأنا هفضل مستنيكِ، عمري ما همل من الانتظار. ابتسمت بحنان ليسترسل وهو يمرر إصبعه فوق شفتيها تحت رعشة جسدها متعَمقًا بعينين تنطق عشقًا وتفيض حنانًا:

-عاوزك تعرفي إني عمري ما حبيت قبلك، وإن أنتِ الست الوحيدة اللي قدرت تسيطر على قلبي وتملك زمامه يا إيثار. بلهفة نطقت بعينين متشوقة للإجابة: -بجد يا فؤاد؟ -بجد يا عيون فؤاد... نطقها وهو يقترب من شفتيها من جديد ليلتقط شفتها السفلى بين خاصتيه ويغيب معها لعالمٍ يخطواه لأول مرة، فبرغم تجربة الزواج السابقة لكلٍ منهما إلا أنه يتذوق كل شيءٍ مع الحبيب وكأنه يحياه للمرة الأولى، صدق من قال أن كل شيءٍ مع الحبيبِ مختلف.

قاد السيارة من جديد، عادت تلك الحالمة إلى المنزل لترتمي فوق الفراش وكأنها فراشة تهيم في سماء العشق وما كان حاله ببعيدٍ عنها، بعد قليل نزلا ليتناولا العشاء ثم انتقلا إلى الحديقة وقضيا ليلتهما يتبادلان أطراف الحديث فيما بينهما أمام حوض السباحة حتى تأخر الوقت كثيرًا فاضطرا للصعود كي يغفوا هو بضعة ساعات قبل ذهابه إلى العمل. ********

فاقت من نومها في حدود الساعة العاشرة تناولت إفطارها وصعدت من جديد لترتدي ثيابها كي تستعد للذهاب إلى شقتها الخاصة لجلب بعض الثياب التي تحتاج إليها، ولجت عزة لتسألها باستفسار: -استأذنتِ من سيادة المستشار؟ أجابتها بلامبالاة ترجع لعدم اعتمادها على أحد منذ البعيد: -هستأذن منه في إيه يا عزة، هو أنا مسافرة، أنا رايحة بيتي أجيب شوية حاجات ناقصاني وراجعة على طول. -يا بنتي ليزعل... قالتها بارتياب لتجيبها

الأخرى وهي تتحرك للأمام: -ما تقلقيش، فؤاد عقله كبير. ذهبت إلى شقتها جلبت بعض حاجتها الخاصة بها وبيوسف وأيضًا عزة وعادت سريعًا، لم يعد فؤاد ظهر هذا اليوم لانشغاله بقضية غاية في الأهمية، عاد ليلًا ليوقفه رجل الحراسة ليقول له: -فؤاد باشا، مدام إيثار خرجت النهاردة وأنا حاولت أخلي حد من الحراسة يروح معاها بس هي رفضت. تحولت عينيه لحادة ليسأله بنبرة هلعة: -يعني إيه، خرجت لوحدها؟! أومأ له بإيجاب ليقول بنبرة غاضبة:

-وأنتَ لازمتك إيه قدام البوابة يا بيه، أنا مش قايل لك لو حصل أي حاجة تتصل بيا فورًا وتبلغني؟! -يا سعادة الباشا أنا اتصلت بيك كتير جدًا وجنابك كنت بتكنسل عليا... قالها الرجل بجسدٍ مرتعش ليدخل سريعًا بعدما وبخ الرجل وتوعد له بالعقاب، صعد السلالم بطريقة أظهرت كم غضبه ليقطع طريقه هبوط إحدى العاملات وحظها السيئ الذي واجهها بذاك الثائر، استشاط غضبًا ليقول بملامح وجه لا تبشر بخيرٍ:

-بلغي إيثار هانم إني مستنيها في أوضتي، عشر دقايق وتبقى قدامي، مفهوم. ارتعب جسدها لتهز رأسها ببلاهة وتسرع خلفه، ولج هو لغرفته لتدخل هي بسرعة وهي تقول لتلك الجالسة فوق فراشها تتطلع على جهاز الحاسوب بتعمق: -فؤاد باشا مستني جنابك في جناحه وبيستعجلك يا هانم.

قطبت جبينها متعجبة طلبه، ارتدت معطفًا فوق المنامة البيتية وتحركت إليه، دقت الباب بهدوء لتستمع لصوته الحاد من الداخل، فتحت الباب لتجده مواليها ظهره المتصلب من شدة غضبه وخوفه عليها، تحمحمت لتنطق بصوتٍ هادئ: -مساء الخير يا فؤاد. باغتها بالتفافه السريع ليرمقها بنظراتٍ حادة كالصقر وهو يسألها متجنبًا تحيتها: -أنتِ خرجتِ من البيت النهاردة؟ تحمحمت لتجيبه بتلقائية: -آه، روحت شقتي علشا...

قاطع حديثها بقوة لينطق متجاهلًا أسبابها بطريقة فظة أشعرتها بالإهانة: -ما يهمنيش رايحة فين وليه، أنا اللي يهمني هو إزاي تخرجي من البيت من غير إذني، لا وبتعاندي مع الحرس اللي حب يعرفك إني منبه محدش يخرج من غير ما أكون عارف وأنا بنفسي اللي مدي أوامر للحرس بخروجه. واستطرد بجنونٍ عندما جال بخاطره فكرة أن نصر أو عمر كان يراقب تحركاتها وأصابها بمكروهٍ: -ده أنتِ من جبروتك رفضتِ إن الحرس يرافقك.

هتفت تسأله بحدة بعدما أثارت طريقته المقللة لشأنها لحنقها: -هو أنا تحت الإقامة الجبرية ولا إيه سيادة المستشار، ولا أكونش محبوسة وأنا مش واخدة بالي. هتف بنبرة مشتعلة من طريقتها الحادة: -الغلطان بيعتذر يا مدام، مش بيرد على مواجهته بأخطائه ببجاحة. صاحت بنبرة غاضبة ترجع لعدم تقبلها لطريقته المهينة لشخصها: -أنا ما أسمحلكش تكلمني بالطريقة دي. اتسعت عينيه ليرمقها باشتعالٍ وهو يقول بغضبٍ متعجب:

-أنتِ إزاي بجحة كده، لا بجد إزاي، يعني غلطانة وخرجتِ بدون إذني وعرضتِ نفسك للخطر، ده غير إنك خليتِ شكلي زي الزفت قدام الحرس وكمان مش عاجبك؟! صاحت بحنقٍ رافضة لفرض قيوده عليها: -أنا حرة، وأنتَ والحرس بتوعك تروحوا تفرضوا أوامركم على أي حد غيري. هتف مزمجرًا بعدما اتسعت عينيه بحدة من شراستها:

-أنتِ مش حرة يا هانم، البيت ده ليه قوانين وقواعد، وطالما قعدتِ فيه يبقى سيادتك مجبرة تلتزمي بقوانينه، مش سويقة هي علشان تتصرفي من مزاجك. تراجعت للخلف وهي تبتلع ريقها بتوتر وقد كسى الخجل والإحراج وجهها ليسترسل الآخر بطريقة أكثر عنفًا متغاضيًا عن صدمتها من حديثه: -ليكِ حدود في البيت ده، ويا ريت تلتزمي بيها علشان ما تشوفيش الوش التاني لفؤاد علام واللي أكيد مش هيعجبك.

كانت تستمع إليه ومقلتيها متسعتين للغاية، تهز رأسها لا إراديًا بعدم استيعاب لتلك الحالة التي ولأول مرة تراه عليها.

أولته ظهرها لتُسرع إلى الباب وتهرول للخارج بعدما أغلقته بقوة هزت أركان الحجرة، بخطواتٍ سريعة وصل إلى الباب وكاد أن يخرج خلفها ليلحق بها ويعتذر عما بدر منه بلحظة غضب ترجع لخوفه الشديد عليها، لكنه تراجع باللحظة الأخيرة بعدما أمسك بمقبض الباب استعدادًا لفتحه، عاد خطوتين للخلف لتكفهر ملامحه وهو يهز رأسه باستسلام مطلقًا زفرة حادة تنم عن مدى غضبه واشتعال روحه، وضع كفه فوق شعر رأسه ليجذب خصلاته للخلف بطريقة عنيفة أظهرت كم الغضب الذي اعتراه.

عودة لتلك التي ولجت لغرفتها المخصصة لها لتغلقها خلفها وترتمي على ذاك المقعد المجاور للتخت، شرعت ببكاءٍ مرير يقطع نياط القلب، شهقت بقوة ولعنت حالها وغباءها الذي صور لها أنه بالفعل أصبح قريبًا منها للحد الذي يسمح لها بالتحرك بحرية في المنزل، خرجت منها شهقة قوية عبرت عن مدى القهر الساكن بداخلها، لأول مرة بكامل حياتها تُوضع بمثل هكذا موقف، شعرت بالمرارة على ما وصلت إليه، لما فعلت هذا، هي التي وضعت قوانينها بعدم السماح

للآخرين بالقرب منها بعدما رسمت حدودها الخاصة بعدم الاقتراب، لما كسرت حاجزها التي شيدته طيلة تلك السنوات لتقترب منه لهذا الحد بل وتسمح له بالغوص بداخل أعماقها واستكشاف ما بها، باتت تسب وتلعن حالها على موافقته لعقد القران الذي من الواضح بأنه سيتخذه سلاحًا للتحكم بها وفرض قيوده عليها، ظلت على هذا الحال لفترة طويلة حتى شعرت بتملل صغيرها بنومه، فتحركت سريعًا إليه بعدما وجدته يرفع رأسه لأعلى باحثًا عن مصدر أمانه الوحيد

بتلك الغابة الموحشة، وما أن أسرعت نحوه وسحبته لداخل أحضانها حتى استكانت روحه وعلى الفور عاد إلى غفوته من جديد، تنهدت بضيق ثم أغمضت عينيها لتطبق جفنيها بقوة وتسمح لدموعها الحارة أن تنهمر من جديد، ازدردت لعابها ثم تنهدت بهدوء بعدما اهتدت لخطوتها التالية والتي لابد أن تقوم بها مُنذ الصباح لحفظ ما تبقى من كرامتها، أمسكت هاتفها الجوال وضغطت على رقم عزة وانتظرت حتى جاءها الرد من تلك التي كانت تنعم بغفوتها وانتفضت على أثر

ذاك الاتصال لتُجيب بصوتٍ

متحشرج من أثر النعاس: -خير يا بنتي، إيه اللي مصحيكِ لحد الوقت، دي الساعة عدت من أتنين! تحمحمت لتجلي صوتها ثم تحدثت بصوتٍ باكٍ لم تستطع السيطرة عليه: -جهزي شنطة هدومك علشان هنرجع لشقتنا أول ما النهار يطلع. ضيقت عينيها لتسألها مستفهمة: -إيه اللي حصل يا إيثار، هو أنتِ اتخانقتي أنتِ وفؤاد! -اسمعي الكلام يا عزة وبلاش أسئلة كتير، الله يخليكِ أنا مش ناقصة...

نطقت كلماتها بنبرة بائسة فاستشفت الأخرى أنها قد وصلت لذروتها من الغضب فقررت الاستجابة لحديثها كي لا تزيدها على ابنتها التي لم تحظ بإنجابها لتجيبها بطاعة: -حاضر يا حبيبتي، أول ما النهار يُشق هطلع أساعدك في توضيب شنطك أنتِ ويوسف. أغلقت معها بدون إضافة كلمة أخرى لتتنهد وتندثر بجسدها للأسفل واضعة رأسها فوق الوسادة لتقع صريعة للنوم بعد عدة ساعات بعدما أنهكها البكاء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...