وما لي لا أرى من حسناوات الدنيا سواكِ حبيبتي، نعم حبيبتي الأولى بل والأخيرة وآسرة لـ لُبي، فأنتِ الوحيدة من بين نساء الكون بأكمله التي وجدتُ حالي الضائعة بأعماق عينيها وبين ثنايا قلبها الراقي، بعناقكِ أشعر وكأني ملكًا متوجًا وأمتلك الكون بما عليه، يا لكِ من ساحرة ماكرة، كيف استطعتِ أن تسرقيني من نفسي بتلك الطريقة السلسة حتى أنني لم أشعر؟! متى وكيف؟!
فقد قضيتُ أعوامًا أبحثُ فيها عن ذاتي التائهة فلم أجدها إلا بين ثنايا روحك الطاهرة، فيا مستبدة كفى عنادًا، فالقلبُ فاض ولم يعد فيه تحمل الابتعاد. اتبعيني وتعالي لتسكنّي أحضاني وأقسم سأذيقكِ بداخلها شراب العسل المصفى وستنعمين بقربي، سترين معي ما لم يخطر لك يومًا حتى بأحلامكِ، فقط سلمّي لي قلبك وامهليني الفرصة كي أسلبكِ لُبكِ مثلما فعلتِ.
ووعدًا ستعضّين على قلبكِ ندمًا، فلن تكفيكِ حينها العشرة أصابع على كل ما أهدرته من وقتٍ في ابتعادنا! علام زين الدين انتفضت بارتياب حين وعَت على حالها ورأته يقف بجوار فراشها فجرًا لتهتف بسؤالٍ خرج تلقائيًا بنبرة حادة: -خير يا سيادة المستشار، إيه اللي جايبك في الوقت المتأخر ده؟! اعتدل يتطلع عليها ثم نطق بصوتٍ رزين جاد: -سعاد اتصلت عليا وبلغتني إن عزة تعبانة قوي.
شهقت بخضة وارتعبت أوصالها لتقفز بجلبة واحدة وبلمح البصر كانت تقف أمامه تسأله بلهفة وارتياب: -تعبانة إزاي؟! أجابها بإيضاح: -أنا نزلت شوفتها وتقريبًا عندها مغص كلوي، لازم تتنقل للمستشفى حالًا لأنها بترجع. هتفت وهي تتوجه نحو الباب بهلعٍ ظهر فوق ملامحها: -يا ريت تتصل لنا بعربية إسعاف وأنا هاخدها وأروح لأقرب مستشفى. باغتها بجذب ساعدها بقوة ألمتها ليهمس غاضبًا وهو يرمقها بنظراتٍ نارية: -إنتِ رايحة فين بهدومك وشعرك ده؟!
تطلعت لنظراته المستعيرة لتستشعر جرمها وهي تنظر لذاك الروب الحريري المجسم عليها ناهيك عن شعرها المفرود فوق كتفيها وظهرها لتبتلع لعابها حرجًا فيتابع هو بنبرة حازمة: -بطلي بقى تتصرفي كأني مش موجود في حياتك، سيادتك بقيتي مراتي ومسؤولة مني وكل حاجة تخصك بقت تخصني. ليستطرد بتذكير لحديثها المميت له:
-حتى لو جوازنا صوري ولوقت محدد زي ما جنابك مقررة فأنتِ مجبرة إنك تحترمي وجودي في حياتك وتتصرفي بشكل يليق بيا وبمكانتي طول ما أنتِ على ذمتي.
ابتلعت لعابها رعبًا من هيأته وعينيه الغاضبة وصرامته التي كان يتحدث بها، مالت برأسها للأسفل بعدما اعتراها الخجل ليزفر هو بقوة فقد سأم تجاهلها له ولعبها لدور القائد بحياتها طيلة الوقت وهذا ما يحرق فؤاده ولم يتقبله منها، فهي حبيبته بل ابنته الضائعة من حالها، يريد أن يضمها لصدره ويخبئها ليحميها من جميع الأخطار والذئاب الشرسة التي تلاحقها طيلة الوقت، يريدها أنثاه الطائعة، تسلمه زمام أمرها ليقودها معه ويبحرا حتى يرسا لبر
الأمان، لكن تلك العنيدة لا تعطيه الفرصة، دائمًا ما تشعره بأن لا حاجة لها به، تتصرفُ كما كانت قبل أن تصبح زوجته أمام الجميع وهذا ما يثير جنونه، فقط حالتها النفسية وتشتتها الذي اجتاح كيانها بفضل وفاة والدها وما تلاه من أحداث هو من يجعله صبورًا مراعيًا، لكنها وبمواقفها المستفزة معه تثير حفيظته وتجبره أحيانًا لانفجار ثورته العارمة بوجهها، أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا ليهدئ به روعه ليسترسل ناطقًا بنبرة هادئة كي يسحبها من
دوامة حزنها
قبل أن تبتلعها بعمقها: -غيري هدومك والبسي حجابك وألحقيني على تحت علشان ناخدها للمستشفى في عربيتي. هزت رأسها لعدة مرات للتأكيد لكنها توقفت وهي تنظر لصغيرها الغافي بتشتتٍ وارتياب: -طب يوسف هعمل فيه إيه؟ لو صحي ولقى نفسه لوحده من غيري أنا وعزة هيترعب. هز رأسه يحدثها بجدية كي يطمئن قلبها: -ما تقلقيش، هخلي سعاد تطلع له حد من البنات تقعد جنبه لحد ما نرجع.
أومأت بإيجاب لتسرع إلى خزانة الملابس وتنتقي بنطالًا وكنزة باللون الأسود. بعد قليل كانت تستقل الكنبة الخلفية بجانب عزة التي تتألم بشدة ليتحدث فؤاد إلى رئيسة العاملات من نافذة السيارة: -خلي بالك من يوسف كويس يا سعاد، الولد أمانة عندك وأنتِ المسؤولة عن أمانه قدامي، ولو الباشا والدكتورة صحيوا قبل ما نرجع بلغيهم باللي حصل وطمنيهم. أجابته برتابة وجدية: -اطمن يا سيادة المستشار، يوسف في عنيا.
انطلق بسيارته سريعًا لتصرخ عزة وهي تشدد بقبضتها على كف إيثار ويبدو على ملامحها شدة الألم: -هموت يا إيثار، جنبي هيتفرتك. بملامح وجه متألمة لألمها نطقت بارتعاب ظهر بعينيها لطمأنتها: -سلامتك يا عزة، أول ما نوصل على المستشفى هيدوكي أدوية هتريحك على طول إن شاء الله. كان يقود بسرعة متابعًا الطريق ويتابعهما أيضًا بانعكاس مرآة السيارة فتحدث كي يبث داخل عزة الطمأنينة:
-اتحملي شوية يا عزة، المستشفى قريبة من هنا وأنا بلغتهم إننا في الطريق، إن شاء الله هنلاقيهم في انتظارنا على البوابة. بالفعل ما هي إلا دقائق وكان يصف سيارته ليسرع إليه طاقم من التمريض والعمال ليصطحبوا عزة ويحملوها فوق التخت المتحرك وبسرعة البرق كانت داخل حجرة الكشف الأولي، كانت تقف بالخارج تستند برأسها على الحائط ويبدو عليها الهلع، اقترب عليها وتحدث قائلًا ليهدأها:
-ما تقلقيش، أكيد شوية مغص والدكتور هيديها أدوية تريحها. أومأت له والتزمت الصمت. بعد قليل خرج الطبيب ليتحدث إلى فؤاد: -المريضة عندها التهاب شديد بالزايدة الدودية ولازم استئصالها فورًا. وضعت كف يدها على فمها واغرورقت عينيها بدموع الألم أما فؤاد فتحدث بنبرة جادة: -اتفضل شوف شغلك يا دكتور. أومأ له وتحرك الطبيب فاقترب هو عليها ليقول: -عملية الزايدة سهلة جدًا، هتعملها وهتقوم بالسلامة إن شاء الله. -يا رب يا فؤاد، يا رب...
قالتها بضعف ألم قلبه لأجلها فاقتربت إحدى الموظفات لتبلغه: -يا ريت حضرتك تتفضل معايا للحسابات علشان تدفع تأمين العملية. أوك... نطقها لينظر لتلك الواقفة وهو يبلغها بنظراتٍ حنون وكأنه يحدث ابنته: -خليكِ هنا علشان عزة لما تطلع من الكشف تلاقيكِ، وأنا مش هتأخر، شوية وهرجع لك على طول. أمسكت كفه قبل أن يتحرك لتبلغه بما أشعل روحه: -خليك أنتَ جنب عزة وأنا هروح معاها، أنا معايا الفيزا وفيها فلوس كفاية الحمد لله.
تحول بلحظة وأصبحت ملامحه الحنون إلى شرسة وهو يرمقها بعينين تطلق شزرًا قبل أن يقول من بين أسنانه بلهجة حادة غير قابلة للنقاش: -اقعدي مكانك واستني عزة زي ما قولت لك.
ارتبكت من نظراته الغاضبة لتهز رأسها سريعًا عدة مرات دلالة التأكيد مما جعله يكظم ضحكاته من هيأتها التي تشبه الفأر داخل المصيدة ليتحرك ويتركها تتنفس براحة فور ابتعاده. بعد مدة عاد لينضم إليها. بعد قليل كانا يتحركا بجوار عزة وهي محمولة على الشزلونج المتحرك باتجاه غرفة العمليات. أمسكت كفها لتنطق بأعين تفيضُ حنانًا: -ما تخافيش يا حبيبتي، العملية سهلة وهتقومي منها بالسلامة. شددت على كف يدها لتوصيها بنبرة صوت مرتعبة ونظراتٍ
شقت بها صدر الأخرى: -ما تسيبنيش لوحدي في المستشفى وتمشي يا إيثار، ولو موت في العملية اتصلي بأختي علشان تاخدني وتدفني جنبي أمي. نزلت دموعها وقبل أن تجيبها قاطعها فؤاد بما فصل وصلتهما وهو يتطلع على كلاهما باستغرابٍ وتعجب مشمئز: -إيه الأوفر اللي أنتَ فيه ده يا عزة، هو أنتِ داخلة تعملي قلب مفتوح يا ماما؟! واستطرد بتهاون أراد من خلاله تهوين الأمر عليها: -دي عملية زايدة، حاجة كده شبه لما تدخلي المطبخ تعملي كباية شاي.
وتابع قاصدًا كليهما: -فبلاش تعيشوا الدور أنتِ وهي وتقلبوها لنا دراما كوين. ابتسمت لترد بمداعبة بعدما رأت دموع إيثار المنهمرة فوق خديها: -يا ساتر عليك يا سيادة المستشار، لازم تفصلني يعني. ابتسم الجميع لتتابع هي بمشاكسة: -اتصلي بقى بالست دولة في القصر خليها تعملي فرخة بلدي وشوربة لسان العصفور علشان أعوض لما أخرج من العملية. لتسترسل بتنبيه: -بس نبه عليها تعملها بالسمنة البلدي، حاكم أنا ما بحبش السمن الصناعي.
ضحك ليجيبها بموافقة: -بس كده، أنتِ تؤمري يا عزة هانم. وصلت إلى الباب لتختفي خلفه لتنساب دموع إيثار مع خروج شهقاتٍ متتالية، هرول عليها ليسحبها داخل أحضانه وبات يمسح فوق ظهرها ويهدهدها قائلًا بنبرة تقطر حنانًا واهتمام: -إهدي يا بابا، عزة هتبقى كويسة. أومأت وهي تقول بدموعها: -يا رب يا رب.
تحرك بها ليجلسها على إحدى مقاعد الاستراحة وجاورها الجلوس ليضع ساعديه فوق ركبتاه شابكًا كفيه ببعضهما وهو ينظر أسفل قدميه منتظرًا. مرت أكثر من نصف ساعة وفجأة وجدها تميل برأسها على كتفه ليتطلع عليها رآها غارقة بنومها. ابتسم واعتدل ليستند بظهره خلف المقعد ثم مد يده يعدل بها وضعية رأسها لترتاح فوق كتفه. قرب أنفه من حجابها الموضوع فوق شعرها وبات يستنشق رائحته باستمتاع. يا لها من رائحة تشبه رائحة تفتح زهور البرتقال،
بالتأكيد توجد روائح أفضل بكثير من رائحتها لكنها الأفضل على الإطلاق بالنسبة له، مال بجانب عينيه يتطلع على ملامحها الهادئة وبدون إدراكٍ وضع كفه يتلمس وجنتها الناعمة، أصبح مهووسًا بغرامها فقد فتنته بعنفوانها واختلافها عن الأخريات فوقع صريعًا لغرامها المتيمُ وانتهى الأمر.
تنهد بأسى لأجلها فقد بدا على ملامحها الإرهاق أما جسدها فكان مستسلمًا للنوم مما يدل على حاجتها الملحة للراحة ترجع لعدم أخذها القسط الكافي من النوم والراحة هذه الأيام، أسند رأسها بكفيه على خلفية المقعد قبل أن يعتدل ويهب واقفًا ليحملها بين ذراعيه القويتين مما أفزعها وجعلها تفتح عينيها سريعًا لتتفقد ما حدث لها بعد أن شعرت بحالها ترتفع في الهواء، طمأنها سريعًا وهو ينطق بصوتٍ حنون:
-إهدي، هاخدك ترتاحي في الأوضة اللي حجزناها لعزة.
شعرت بالاستكانة بين يديه لتباغته بلف ساعديها حول عنقه تتشبث به بعدما شعرت بأمانها داخل أحضانه، ابتسم وهو ينظر لملامحها الجذابة وتحرك بها بقلبٍ منتفض بقوة لشدة قُربها منه بتلك الطريقة المُهلكة له، تحرك بها حتى وصلا للغرفة وقام بفتحها ليلجا ثم قام بغلق الباب بمقدمة قدمه وسار إلى الأريكة الجانبية ليميل ويضعها بحرصٍ كمن يتعامل مع بلورٍ شفاف ويخشى من كسره، تجمد جسده حين شعر بتشبثها به بقوة وكأنها تخشى ابتعاده ليهمس لها
وهو يفك كفيها من حول عنقه: -نامي لك شوية علشان رقبتك ترتاح. حركت أهدابها لتسأله بصوتٍ متحشرج: -هي عزة خرجت؟ -لسه قدامها نص ساعة كمان في أوضة العمليات وساعة على الأقل في غرفة الإفاقة، نامي وأول ما تخرج هصحيكِ... نطقها بهدوء لتومي له برأسها وأغمضت عينيها على الفور، كاد أن يتحرك نحو النافذة ليتطلع منها على الخارج لكنه تصنم حين أمسكت كفه بقوة لتمنعه من الرحيل حيث همست بنعاسٍ وعيناها ما زالتا مغمضتين:
-خليك جنبي يا فؤاد، ما تسيبنيش. لا يدري ما أصابهُ جراء تلك الحركة، انتفض جسده وسارت دقات قلبه تقرع مثل طبول الحرب، مال مقتربًا على وجهها وبدون إدراكٍ منه وكأنهُ مغيب أجابها بهمسٍ ناعم تسلل لداخلها ليشعرها بالأمان الفوري: -عمري ما أقدر أسيبك.
تزحزحت بجسدها للخلف تفسح له المجال ليجلس بجانبها، اقتحمت سعادة الدنيا روحه لتنتعش وكأنه عاد مراهقًا، فتلك المشاعر التي تجتاحه بحضرتها لم يسبق ومرت عليه، نعم فكل شيءٍ معها مختلف وله مذاقٌ من نوعٍ خاص، جاورها الجلوس وما زال كفها متشبث بخاصته وكأنه أصبح ملاذها لتدخل بنومٍ عميق، نظر لملامحها المطمئنة وعلى الفور ارتسمت ابتسامة سعيدة فوق ثغره. تنهد بقلبٍ أرقته كثرة الاشتياق، همس من بين شفتيه الغليظة وهو يتعمق بها:
-لحد إمتى هفضل أكابر وأتحمل، ربنا يصبرني على هرمونات الجنان اللي بتهب عليكِ فجأة. ليتنهد بقلبٍ يتحرق شوقًا متابعًا بلهيبٍ: -والله حرام عليكِ اللي عاملاه فينا ده. مر الوقت سريعًا وهو جالسًا بجوارها يتأمل وجهها بجسدٍ متيبس جراء اقترابه بهذا الحد المهلك، وأثناء اندماجه استمع لخبطاتٍ فوق الباب، سحب كفه سريعًا لتنتفض تلك النائمة وتجلس تتلفت حولها بفزعٍ قبل أن يطمئنها بهدوء: -إهدي يا بابا وعدلي حجابك كويس.
تحرك سريعًا وقبل أن يصل للباب وجده قد فُتح ودلف من خلاله العمال وهم يحركون الشزلونج حيث تتمدد عليه عزة، قفزت لتهرول ناحيتها ليوقفها بيده وهو يقول بهدوء: -اصبري لما ينقلوها على سريرها. بعد قليل اطمئنوا على عزة حيث فاقت واستعادت وعيها بالكامل. اتصل فؤاد بأحد حراس القصر وطلب منه أن يأتي بالعاملة "وداد" كي تجالس عزة وبالفعل أتى كلاهما وانتظرا خارج الغرفة. بعد مرور بعض الوقت تحدث فؤاد بنبرة هادئة وهو يطالع
تلك الممسكة بكف عزة بتشبث: -يلا بينا يا إيثار. تطلعت إليه باستغراب ليتابع بعدما قرأ ما بعينيها من رفض: -إحنا لازم نروح لأني عندي شغل وأنتِ كمان محتاجة تاخدي شاور وتنامي، كمان علشان يوسف لما يصحى. واستطرد لإقناعها: -الولد لسه مش متعود على حد من أهل البيت، ولو صحي وملاقكيش جنبه أنتِ أو عزة هيتخض. كانت تستمع له بتمعن شديد لتنطق مقترحة: -أنتَ ممكن تبعتهولي مع حد من البودي جارد. تحولت عينيه لحادة كالصقر ليرتعب داخلها أثر
استماعها لطريقته الخشنة: -إيثار! واستطرد بنبرة صارمة ترجع لرعبه عليها من فكرة استفراد نصر ونجله بها: -الموضوع ده غير قابل للمناقشة. أطرقت برأسها في حزن ليزفر هو بقوة قبل أن تنطق عزة بما حسم الأمر: -روحي مع جوزك يا حبيبتي علشان الولد. لم تدرِ ما حدث لها حينما استمعت لكلمة "زوجك" من عزة، فقد غزت مشاعر رائعة داخلها لكونها منسوبةً له، لتستطرد عزة بحروفٍ متقطعة ترجع لتأثرها بدواء التخدير:
-هو عنده حق، يوسف هيتفزع لو قام من النوم ما لقناش إحنا الاثنين، وغلط عليه إنك تجيبيه هنا في المستشفى. طالعتها بحزنٍ لأجلها لتتابع الأخرى للتهوين من الأمر عليها: -روحي وما تقلقيش عليا، أنا معايا وداد والحارس هيستنانا قدام المستشفى، أنا هعوز إيه تاني أكثر من كده. نظرت لها بوجهٍ حزين لتحثها الأخرى على التحرك: -يلا يا بنتي روحي مع جوزك علشان الراجل يلحق يروح شغله. ابتسم ليقول باستحسان لحديثها:
-ربنا يبارك في عقلك يا عزة والله. -عد الجمايل يا باشا... قالتها بابتسامة ليردها إليها بامتنان. استقلت السيارة معه وانطلق بطريقهما للعودة إلى القصر، وضعت كف يدها على فمها لتتثاءب بنعاسٍ لمحه بطرف عينيه المراقبتين لها طيلة الوقت ليسألها بمشاكسة أراد بها انتشالها من دوامة حزنها على تركها لعزة وحيدة بالمشفى: -لسه ما شبعتيش نوم، ده أنتِ نايمة من ساعة ما طلعنا من البيت. -ما نمتش كويس ليا يومين...
نطقتها بصوتٍ متألمٍ خجول يرجع سببه لما حدث بينهما منذ أن خرجت صباح أول أمس لينتهي اليوم بمشاجرة وتراشق بالكلمات وما أنهى على تماسكها وحرم على عينيها النوم هو ما حدث بمساء أمس، تنهد بأسى حين رأى نظراتها الزائغة وفهم مغزاها ليتطلع أمامه وهو يتابع القيادة بصمتٍ تام دام من كلاهما حتى وصلا لداخل القصر. توقف بالسيارة وتطلع عليها ليجدها غارقة بالنوم. ابتسم وتأذى بنفس الوقت لحالتها المزرية. فك وثاق حزام الأمان الخاص به واقترب
عليها يهمس كي لا يفزعها: -إيثار، قومي إحنا وصلنا.
حركت أهدابها لتفتحها بصعوبة ليميل عليها وبدأ بفك وثاق حزام الأمان من حول خصرها. انتفض داخلها بقوة لاقترابِهِ منها لهذا الحد وأسرتها رائحة عطره التي باتت تعشق استنشاقها وكأنها أصبحت الأكسجين بالنسبة لها، انتهى وعاد لمكانه ليخرج من السيارة بأكملها ويتجه للجهة الأخرى وقبل أن يصل لها كانت قد فتحت الباب ليسرع هو ويبسط كفه لها. تطلعت بعينين ولهة للأعلى تتعمق بعينيه لكنها صُدمت حين رأت بهما جمودًا على غير العادة. ابتلعت ريقها برعبٍ وخجلٍ لتسلمه كفها كي يساعدها على الترجل من السيارة. أغلق الباب وتحدث إليها باهتمام لكنه الجمود ذاته ما زال ساكنًا
عيناه: -قادرة تمشي؟ إمممم... قالتها بأعين خجلة ناظرة أسفل قدميها لتتحرك بجانبه للداخل ليصعدا الدرج سويًا إلى أن وصلا لجناحيهما المتجاورين لتتفاجأ به ينسحب صوب بابه الخاص دون أن يكلف حالهُ عناء النظر إليها لتنطق سريعًا وهي تراه ممسكًا بمقبض الباب يستعد للفه: -متشكرة يا سيادة المستشار، مش عارفة من غير وجودك معانا النهاردة كنت هعمل إيه أنا وعزة...
نطقتها بعينين تنطقان ولهًا. استدار يتطلع عليها ليبتلع لعابه تأثرًا بمظهرها الفاتن، للحظة شعر بغصة مرة بقلبه عندما أُعيدت لذاكرته رفضها له بكل مهانة لتصرخ كرامة الرجل بداخلهُ وهي تأمره بالهروب الاضطراري وباتباعه لسياسته الجديدة الذي قرر بين حاله اتباعها كي يكسر عناد تلك المستبدة لتتحول على الفور نظراته لباردة وهو ينطق بصوتٍ صارمٍ متجاهلًا شكرها وامتنانها: -أنا هاخد شاور سريع وأروح على شغلي.
رفع ساعده ينظر بساعة يده فوجدها قد تخطت السابعة والنصف ليتابع بترتيبٍ لها كي يطمئنها لتغفو بسلامٍ واطمئنان: -وهبلغ سعاد تطلع بعد ساعة تلبس يوسف وتسلمه للباص بنفسها. واستطرد بجدية وكأنه آلة: -لو احتجتي أي حاجة خاصة بعزة إبقي رني عليا.
أومأت بحزن لمعاملته التي تغيرت على حين غرة لينسحب لداخل حجرته مغلقًا الباب دون النظر لتلك الواقفة تطالعه بقلبٍ متمزق. نظرت لباب غرفته المغلق وكأن أحدًا قد قام بطعنها بنصل سكينٍ حاد. أخرجت تنهيدة حادة لتنسحب داخل غرفتها باستسلام. انتقَت منامة هادئة واختفت داخل الحمام لتغتسل سريعًا وتبدل ثيابها وتخرج من جديد لتنضم لصغيرها كي تغفو ولكن من أين يأتيها النوم بعد تلك المعاملة الخشنة التي تلقتها للتو من حبيبها ومالك روحها. تنهدت ودخلت بدوامة تفكيرها ليمر على مخيلتها كل ما بات يؤرقها مؤخرًا.
******** بعد مرور عدة أيام داخل منزل غانم الجوهري، ولجت منيرة من باب المنزل حيث كانت بالخارج تقوم بتأدية واجب عزاء في وفاة إحدى سيدات القرية. سألت ابنة عزيز الكبرى مستفسرة بشكلٍ روتيني: -أمك ومرات عمك فين؟ -في المطبخ بينضفوا بط. اتسعت أعينها وأسرعت بخطى واسعة وهي تهتف غاضبة: -بط إيه ده اللي بينضفوه! خطت بساقيها لتتوقف وهي ترمقهما بعينين جاحظتين لتصيح بنبرة مشتعلة: -بتعملي إيه أنتِ وهي؟!
هي تكية أهاليكم علشان تعملوا اللي ييجي في دماغكم من غير ما تستأذنوا صاحبة البيت اللي آويكم؟! هبت نوارة لتقف منتفضة وهي تقول بارتياب وبجسدٍ منتفض لحدة غضب والدة زوجها: -أنا ماليش دعوة يا مرات عمي، نسرين هي اللي دبحتهم وندهت عليا أنضف معاها. واسترسلت برعبٍ ظهر بمقلتيها: -وأنا والله كنت فكراكِ أنتِ اللي قايلة لها.
توسع بؤبؤ عيني منيرة وهي تنظر لبرود تلك الـ "نسرين" التي لم تتزحزح بجلستها وتابعت ما تفعل لتنطق بملامح وجه هادئة وهي تنظر لما بيدها دون عناء النظر لتلك التي تشتعلُ غضبًا: -ما فرقتش كتير يا نوارة، كبير البيت هو اللي قال لي. هتفت منيرة وهي تضرب كفًا بالآخر: -ويطلع مين يا أختي كبير البيت ده كمان؟! رفعت عينيها تتطلع إليها لتقول ببرودٍ كالثلج: -عزيز يا حماتي، كبير البيت واللي بقى ليه الكلمة الأولى والأخيرة في البيت ده.
-على نفسه وعليكِ يا موكوسة الأملة... نطقتها بغضبٍ لتتابع بسخرية وتهكم: -وبعدين اللي يحكم يحكم من ماله ومن جيبه يا أختي، مش يحكم في ملك غيره؟! -والله الكلام ده تروحي تقوليه لابنك مش ليا... كلماتٌ قالتها بتجبر وتقليل من شأن والدة زوجها أشعلتها وقبل أن تجيبها صدح صوت عزيز من خلفها حيث ولج للتو من الخارج ليهتف بنبرة حادة: -صوتكم عالي وجايب آخر الشارع ليه؟!
وما أن استمعت نسرين لصوت زوجها حتى هبت واقفة لتنفض يداها من ريش الطير وهرولت إليه لتقول بملامح وجه رسمت عليها الحزن والتأثر: -تعالى يا عزيز شوف أمك عملت فيا إيه، بهدلتني علشان دكرين البط. وتابعت بتفخيم لذاته كي تستدعي غضبه على والدته أكثر: -وليه وليه اللي بأقول لها إن كبير البيت هو اللي أمرني بكده. استدارت منيرة لنجلها تسأله بحدة: -أنتَ اللي قولت لها تعمل كده يا عزيز؟! رفع قامته ليجيبها بتجبر:
-أيوه يا أما أنا اللي قولت لها، وحتى لو ما قولتلهاش، ده بيتها وخير جوزها ومن حقها تعمل اللي على كيفها. صاحت بكل صوتها لتنطق بطريقة لأول مرة تتعامل بها معه: -ده لما يكون المال مالك يا عين أمك، إنما كل الخير اللي عمال تبهدل فيه أنتَ والمعدولة مراتك ده يبقى مال أبوك وشقايا أنا وهو طول السنين. صاح بحدة وعيناه تشتعل نارًا من حقدها:
-كل حاجة بتاعتي وشقايا مع أبويا، كفاية إني أخدت دبلوم وسبت عيالك يدخلوا الكليات، ده حتى البت لما خدت كلية، يبقى العدل بيقول إن آخد نص البيت ونص الأرض قصاد تعليمي اللي ما كملتوش. -لا، ده أنتَ عيارك فلت أنتَ ومراتك ولازم أخواتك يقعدوا معاك علشان تعرف حدودك... نطقتها لتنطلق لغرفتها وتصفع بابها بحدة لتعلن من خلاله عن غضبها العارم. نظر عزيز لزوجته ونوارة ليشير لكليهما بلامبالاة وكأن شيئًا لم يحدث:
-يلا انجزوا علشان تلحقوا تطبخوا الغدا في ميعاده، أنا ميت من الجوع. ليلًا اجتمع الشقيقان ومنيرة بصحبة عزيز في جلسة عائلية طلبتها منيرة لوضع النقاط فوق الحروف، وتناقشا ليهب عزيز من جلسته وينطق بتجبر: -آخر كلام عندي، البيت ده أنا اللي هتحكم فيه والكلمة الأولى والأخيرة ليا. ليستطرد بنبرة صارمة: -وأنتِ يا أم عزيز، ريحي نفسك واقعدي على الكنبة اتفرجي على التلفزيون مع العيال، ومن بكرة نسرين هي اللي هتمسك البيت.
نزلت كلماته على قلب منيرة شطرتها لنصفين، أفبعد كل ما فعلته من أجله ووقفت بجبهته تحارب معه جميع الجبهات يتجبر عليها هكذا وينصر زوجته بل ويطلب منها التقاعد كموظفي الحكومات، نزلت دمعة ألم وحسرة من عينيها ليهب أيهم واقفًا ليقول بعنفوان الشباب: -أنتَ اتجننت يا عزيز، إيه اللي بتقوله لأمك ده؟
تسمر بمكانه عندما نزل كف عزيز على وجهه ليلطمه بقوة جعلت الجميع يذهلون لتصرخ منيرة ويهرول وجدي إلى عزيز يمسكه من تلابيب جلبابه ويقول وهو يهزه بعنف وعيناه تطلق شزرًا: -هي حصلت كمان تضرب أخوك، أنتَ فجرت ومبقاش حد قادر عليك، بس أنا بقى اللي هاقف لك يا عزيز. قبض عزيز على كفي شقيقه وقام بنفضهما بقوة ليهتف بتجبر وفجور ظهر بعينيه: -أعلى ما في خيلك اركبه يا بيه، وهي دي معاملتي من هنا ورايح للكل. وتابع بصياحٍ وهو
يرمق أيهم المصدوم بحدة: -واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل. صرخ أيهم ليهتف بنبرة غاضبة: -الباب اللي يفوت جمل ده أنتَ اللي هتطلع منه أنتَ والخسيسة مراتك اللي أصلها الواطي ظهر في معاملتها لأمك، وديني وما أعبد لأكلم إيثار وأخليها تجيب جوزها وييجوا يرموك أنتَ وهي وعيالكم في الشارع زي كلاب السكك. قهقه بقوة لينطق بثقة عالية: -وأنتَ فاكر إن إيثار هتعبرك ولا هترد عليك من الأساس. صاح أيهم يتحداه بنظراتٍ نارية:
-هترد وهتيجي لما تعرف اللي حصل لأمها على إيدك أنتَ وقليلة الأصل مراتك. ضحك ليجيبه ساخرًا: -بأمارة إيه يا حبيبي هتجي تقف جنبها، أمك بالنسبة لإيثار أكبر عدوة ليها، وكل اللي يهم إيثار هو حضانة ابنها. واستطرد بدهاء: -أختك ذكية وهي عارفة إن أنا الوحيد اللي أقدر أجبر أمها وأخليها ترفع قضية الضم، علشان كده عمرها ما هتعاديني، ولا هتيجي في صفكم لأن ببساطة كلنا بقينا في نفس الخانة عندها بعد اللي حصل في عزا أبوك.
تطلع لوجوه الجميع التي أصابها الوُجومُ جراء صحة حديث ذاك الحاقد الذي استغل الوضع لصالحه، رفع سبابته ليشير به متنقلًا بين الجميع: -من هنا ورايح كل واحد فيكم يلزم تمامه ويعرف حدوده في البيت، والكلمة اللي أقولها تتنفذ ومن غير وش كتير. وأنتِ يا أم عزيز، الكلام اللي قولته يتسمع، أنا عاوز لك الراحة...
قالها بتأكيد لينسحب للخارج بارتياح تحت عدم استيعاب الجميع لما حدث للتو ونظراتهم المتبادلة فيما بينهم بذهولٍ لما وصلوا إليه، ارتمت منيرة فوق الأريكة لتنهمر دموعها الغزيرة والمتألمة تحت نظرات نجليها المتألمين لرؤيتهما لوالدتهما على تلك الحالة المزرية. ******* في تمام الساعة الثالثة ظهرًا
كانت تجلس بجوار حوض الزهور الذي سلبها عقلها منذ أن أتت إلى القصر، تجاورها الجلوس عزة التي بدأت تتعافى وتخرج في الحديقة لاستنشاق الهواء النقي بعدما ملت من التمدد بتختها، والحق يقال فقد راعتها عائلة علام وحاوطتها بالاهتمام مما حسن نفسية عزة وجعلها تشعر بالراحة والانسجام. تحدثت بهدوء وحذر: -نوارة كلمتني الصبح. -خير؟! قالتها باقتضاب حيث أنها قد أغلقت قلبها من ناحية الجميع منذ ما حدث وما عادت تطيق الاستماع لأخبارهم،
أجابتها بهدوء: -بتقولي عزيز مبهدل أمك وإخواتك معاه من ساعة ما أبوكِ مات. ابتسمت ساخرة قبل أن تنطق بلا مبالاة: -وإحنا مالنا. أجابتها بتعاطف: -البت مكلماني ومتعشمة تتدخلي وتلمي عزيز ومراته وتهدديهم بعقد البيت والأرض. زفرت بحدة لتقول بصرامة:
-عزة، أنا مش عايزة أسمع أي كلام في الموضوع ده تاني، الناس دي أنا ما شفتش منهم أي خير، أول ما عزيز اتجبر بدأ بيا أنا، وبدل ما يقفوا جنبي ويدافعوا عن الحق وقفوا معاه هو ضدي، ولولا ربنا سخر لي فؤاد كان زماني مرمية تحت رجلين إجلال ويا عالم كان هيجرى لي إيه، ولولا بابا الله يرحمه كان عنده بُعد نظر كان زمانهم واخدين ابني مني ومسلمينه لنصر. وتابعت بعينين زائغتين غير مستوعبة: -بأي عين جايين الوقت يطلبوا مساعدتي؟!
كادت أن تنطق لتوقفها بإشارة من يدها واسترسلت قائلة: -خلاص يا عزة، أنتِ لسه تعبانة من العملية ومش حمل مناهدة. تنهدت بهدوء لتقول وهي تستند على حواف المقعد لتفرد ظهرها: -حاضر يا إيثار، هاقوم آخد الدوا اللي قبل الغدا. -استني لما أجي أساعدك... قالتها وهي تستعد للوقوف لتهتف الأخرى سريعًا مما طمأنها وجعلها تتسمر بمقعدها: -خليكِ مكانك، أنا زي الفل النهاردة. لتسترسل بعينين تحمل الكثير من عبارات الشكر والامتنان:
-كتر خيرك على اللي عملتيه معايا، من ساعة ما عملت العملية وأنتِ ما سبتنيش لحظة واحدة، لو عندي بنت ما كنتش هتحبني وتهتم بيا زي ما عملتي معايا يا إيثار. -طب ما أنا بنتك يا عزة، ولا هو لازم أقولك يا ماما علشان تحسيها... قالتها بعينين حنون لتسترسل بنبرة صوت متأثرة: -ربنا يخليكِ ليا أنا ويوسف يا عزة. ابتسمت لتنطق بدعابة ابتسمت على أثرها الأخرى: -ويخلي لك سيادة المستشار ويهديكِ عليه يا بنت الحاج غانم.
ضحكت لتنسحب الأخرى للداخل، تنهدت وباتت تتطلع حولها بتمعن لتشغل عقلها بعيدًا عن أخبار عائلتها التي برغم جمودها التي أظهرته أمام عزة إلا أنها تأثرت وحزن قلبها لأجل والدتها وشقيقيها، فبرغم ما فعلوه بها إلا أنهم يظلوا عائلتها. أثناء ترقبها للحديقة وجدت سيارته تدخل من البوابة الحديدية لينتفض قلبها بقوة كادت تخرجه من بين ضلوعها، راقبت ترجله من السيارة وقدومه ناحيتها لتبتسم بحالمية وهي تنظر إليه متلاشية كلمات فريال اللاذعة التي قذفتها بوجهه. انصدمت بمروره للداخل وهو ينطق بجمودٍ
دون الالتفاف إليها: -السلام عليكم. اتسع بؤبؤ عينيها وهي تتطلع على ظهره تتابع خطواته الواسعة المتجهة صوب المنزل ليخيمُ على قلبها الحزن أما هو فتبسم حين لم يجد منها ردًا مما يعني صدمتها من معاملته ونهجه الجديد الذي اتبعه معها.
بعد قليل أتت إليها العاملة لتستدعيها للداخل لتناول وجبة الغداء، ولجت للداخل لتجد الجميع بانتظارها مرحبين بتواجدها بينهم كما المعتاد، وما أثار دهشتها وقوف حبيبها السريع ليسحب لها المقعد المجاور له، وكعادته بدأ يحدثها بملاطفة وبدأ بوضع بعضٍ من أصناف الطعام داخل صحنها، فقد بات يحفظ ما تحب كما يحفظ اسمه، انتهى الغداء وجلست العائلة في جوٍ مبهج لكنه لم ينضم إليهم وصعد ليغفو. ليلًا نزلت لتتناول وجبة العشاء معهم لكنها لم تجده
فسألت والدته على استحياء: -هو سيادة المستشار مش هينزل يتعشى معانا؟ نظرت عصمت لزوجها باستغراب لتجيبها بنبرة هادئة: -فؤاد خرج يتعشى بره مع واحد صاحبه. أصابها حزنًا لتكمل عليها تلك الفريال التي أرادت إنهاء تلك المسرحية الهزلية بمنتهى السرعة لتنطق وهي تمسك بإحدى حبات العنب تقلبها بأصابعها بتمعن يدعو للاستفزاز: -هو ما قالكيش ولا إيه؟! دفنت نظراتها بداخل الصحن لتقول بصوتٍ خافت: -أنا كنت نايمة.
شعرت عصمت بعمق حزنها لتجيب على حديثها كي تسحبها من ذاك الحزن الذي ملأ عينيها وظهر بنبرة صوتها: -أكيد ما حبش يزعجك يا حبيبتي. شاركها علام أيضًا لينطق بملاطفة: -هو فؤاد طول عمره كده، بيخرج من غير ما يقول. واستطرد بتوددٍ وهو يشير لصحنها: -كملي أكلك علشان نخرج مع بعض في الجنينة. واسترسل كي يخفف من وطأة حزنها: -عاوز أوريكِ أنواع الزرع الجديد اللي جبناه. بالفعل استطاع جذبها لتبتسم له وتومي برأسها بحماس. ********
بعد مرور بضعة أيامٍ داخل إحدى العيادات الخاصة بإحدى طبيبات النساء والتوليد وبالتحديد داخل حجرة الكشف، تجلس سمية بصحبة والدتها تنتظر انتهاء الطبيبة من قراءة التحاليل والأشعة التصويرية التي طلبتها منها منذ زيارتها لها بالأسبوع الماضي مع ياسمين. أخرجت الطبيبة زفرة قوية لتهيئ حالها وهي تقول: -للأسف يا سمية، زي ما شكيت. تمعنت بالنظر لها لتتابع الأخرى:
-عندك ورم ليفي ضخم مش عارفة إزاي استنيتي عليه المدة دي كلها، وللأسف اتسبب لك في عُقم ولازم نستأصل الرحم. نزل عليها الخبر كالصاعقة لتجحظ عينيها وهي تصيحُ بجنون: -أنتِ بتقولي إيه يا دكتورة، عقم مين ورحم مين اللي يتشال! وقفت والدتها لتساندها في حين تحدثت الطبيبة بعملية: -إهدي يا سمية الانفعال مش كويس علشانك. تحدثت والدتها بترجي: -طب شوفي لها أي علاج غير شيل الرحم ده يا دكتورة. هزت رأسها لتجيبها بأسى:
-ما فيش أي حل تاني، حالة بنتك متأخرة وللأسف مش هينفع غير الاستئصال وإلا حياتها هتتعرض للخطر. هتفت بذهول واعتراض بعدما انتفضت بجلستها: -خطر! هو فيه أخطر على حياتي من اللي بتقوليه؟ أنا لسه مخلفتش الواد اللي هيقويني وياكل الجو من ابن إيثار. اللي إنتِ بتقوليه ده معناه إنها انتصرت عليا، وده اللي لا يمكن أسمح بيه أبدًا. صرخت كالمجنونة وهي تشير بكفيها لتتابع بحقد دفين جعل من الطبيبة ترتعب:
-ده أنا أقتلها هي وابنها بأيديا دول. ذهلت الطبيبة من هيئة تلك الحقودة لتجذبها والدتها من ذراعها تحثها على النهوض لتقول للطبيبة بإحراج: -معلش، أصل الخبر صدمها وخلاها تفقد عقلها. هزت المرأة رأسها بتفهم وهمي لتسحب ابنتها التي ما أن خرجتا من العيادة حتى هاجت وهي تهتف لوالدتها بسخط: -شوفتي النحس اللي ملازمني يا ماما؟ أعمل إيه وأروح فين؟
أنا لو شيلت الرحم العقربة إجلال هتتجوز عمرو تاني يوم علشان يخلف. دول كانوا صابرين عليا علشان متأكدين إنهم هيرجعوا له بنت منيرة علشان تخلف له كمان واد. إجلال كانت بتقول إنها طالعة لأمها، خلفتها كلها هتبقى صبيان. واسترسلت بعينين زائغتين تنظر بهما هنا وهناك كالتي فقدت عقلها: -أهي اتجوزت، يعني خلاص، إجلال هتفضى لي وبعد ما كانت مطنشاني هتفوق عليا، وأنا خلاص، لا هعرف أجيب الواد ولا حتى بنت تانية. جذبتها والدتها من رسغها
تتعجل خطواتها وهي تقول: -بطلي نواح ومدي شوية خلينا نلحق لنا تاكسي يوصلنا على البيت، وهناك نفكر هنعمل إيه ونتصرف في المصيبة دي إزاي. عصر يوم الجمعة. كانت تجلس بغرفتها تراجع لصغيرها بعض دروسه، استمعت لبعض الطرقات الخفيفة فوق الباب لتسمح للطارق بالدخول، لتلج "وداد" وهي تخبرها باحترام:
-مساء الخير يا هانم. علام باشا عاوز يوسف ينزل في الجنينة علشان عاملين حفلة شوي وعاوزه يلعب مع بيسان، وبيقول لحضرتك تنزلي علشان الغدا هيكون في الجنينة النهاردة. أومأت لتجيبها: -حاضر يا وداد، خذي يوسف وأنا هغير هدومي وأحصلك.
ارتدت بنطالًا من القماش الخفيف باللون البيج وكنزة باللون النبيتي المفضل لدى معذب قلبها كانت قد ابتاعتها عبر الإنترنت قبل يومين، جلبتها خصيصًا لإثارة ذاك الذي أصبح لا يعيرها أدنى اهتمام، فقررت بدهاء الأنثى سحبه لعندها رغماً عنه، تعلم من أعماقها أنه تغير معها للثأر منها لأجل كرامته التي أهينت على يد تلك العنيدة، لذا قررت اتباع الأساليب الملتوية لتجذبه إليها من جديد متغاضية عن حديث فريال، فأحكام القلب أقوى من أي حسابات
أخرى، لعنت حالها وغبائها حين انجرفت خلف كبريائها وانساقت لحديث تلك الفريال رغم كل ما تشعر به من عشق وحنان يشملها به وتتلمسه من اهتمامه بها وبالصغير، وقفت أمام مرآة الزينة لتضع بعض الرتوش الخفيفة على وجهها مما أعطاها مظهرًا جذابًا، فهي بالأصل جميلة ولا تحتاج لأي إضافات، تنفست بعمق لتتحرك للخارج، ارتبكت حين وجدته يخرج من باب جناحه، توقفت لانتظاره تترقب ردة فعله على لونه المفضل لكنه صدمها عندما تحرك حتى وصل إليها ليقول
بنبرة باردة كالثلج دون أن يلتفت إلى ما ترتديه من الأساس
مما أصابها بخيبة الأمل: -نازلة؟ أومأت له بنعم ليشير هو لها باحترام لتتحرك بجانبه، سألها باهتمام: -يوسف فين؟ أجابته بتوتر ظهر بصوتها: -سيادة المستشار بعت وداد أخدته من شوية.
اكتفى بهزة من رأسه ونزلا الدرج سويًا ومنه إلى الحديقة مع التزامهما بالصمت التام، تمعنت بالنظر لتلك الفتاة الواقفة تساعد علام وماجد بتسوية اللحوم فوق الشواية، ضيقت عينيها وهي تنظر لثيابها المتحررة حيث ترتدي شورتًا قصيرًا بالكاد يغطي منتصف فخذيها تعتليه كنزة بحمالات رفيعة وصدر مفتوح، ترفع شعرها الأشقر لأعلى على هيئة كعكة، انتبهت لصوت ذاك المجاور لها وهو يهتف بمرح ليصل صوته لتلك الفتاة الشقراء:
-ده إيه المفاجأة الحلوة دي. وكأنها كانت تنتظر صوته لتلتفت متلهفة على رؤياه، ضحك وجهها بسعادة وألقت ما بيدها فوق المائدة بإهمال ولم تنتظر حتى يذهب إليها بل أتت هي مهرولة لاستقباله، احتضنته بحفاوة ليشتعل داخل إيثار من المنظر وما زاد من نار غيرتها تقبيل زوجها لتلك الشقراء من وجنتيها، كانت تنظر إليهما كالبلهاء حتى استفاقت على صوت تلك الدخيلة وهي تتأمل ملامحه بعينين متشوقة لفتاة عاشقة، نعم فهي أدرى الناس بحال العاشقين:
-وحشتني يا فؤاد، وحشتني قوي. ابتسم وهو يقول بنبرة رصينة: -إزيك يا سميحة، جيتي إمتى من لندن؟! تحولت نظراتها لحادة وهي تقول بتنبيه: -اسمي سو يا فؤاد، مش سميحة. قهقه بصوت مرتفع وطريقة جذابة لتختطفه تلك الغريبة وهي تتحرك به للأمام تاركين إيثار بالخلف تتطلع عليهما بذهول وبلاهة، شعرت بالإحراج وفكرت بأن تنسحب للأعلى من جديد لكن صوت علام الذي هتف يستدعيها بأبوة كان رادعًا لتفكيرها: -تعالي يا إيثار، واقفة عندك ليه يا بنتي.
تحركت للأمام تحت نظرات فريال المتفحصة لملامحها وتأثير زيارة سميحة وتقبيلها بحفاوة لفؤاد، ابتسمت عصمت لتضع يدها على كتفها باحتواء وهي تقدمها إلى سميحة المندمجة بالحديث مع فؤاد ولم ترَ بأعينها سواه من بين الجميع: -تعالي لما أعرفك على سو بنت عم فؤاد وفريال، كانت مسافرة بريطانيا بتحضر ماجستير في الطب النفسي ولسه راجعة من يومين. أومأت إيثار برأسها وهي تقول بصوت خفيض وملامح وجه ساكنة: -أهلًا وسهلًا.
أومأت لها الأخرى لتستدير عصمت وهي تنظر بفخر إلى تلك التي دخلت إلى قلبها واتخذت مكانًا بجوار نجلها الغالي: -ودي إيثار، مرات فؤاد. نزل الخبر على سميحة كصاعقة زلزلت كيانها، قصدت عصمت التنويه لكي لا تجعل تلك السميحة تتأمل ككل مرة ترى بها فؤاد، فهي تعشقه منذ صغرها وقبل أن يتزوج نجلها لكنه لم يراها سوى شقيقة له مثلها كفريال. ابتلعت لعابها لتنطق وهي تتفحص تلك الواقفة أمامها: -مرات فؤاد! حولت بصرها إليه لتسأله بعينين لائمة:
-إنت اتجوزت؟! -آه يا حبيبتي، عقبالك... قالها ببرود ليستدير لوالده يتابع معه تكملة عملية نضج اللحوم، جذبت عصمت إيثار وجلستا حول المائدة تنتظران تسوية الطعام، أما سميحة فسألت فريال بترقب وما زالت الصدمة ظاهرة فوق ملامحها: -ليه ما قلتليش إن فؤاد اتجوز وإنتِ بتعزميني على الغدا؟! رفعت كتفيها لتنطق بلامبالاة: -لأنه متجوزش بالمعنى اللي فهمتيه. سألته باهتمام: -يعني إيه كلامك ده؟
رفعت كأس المشروب البارد لترتشف بعضًا من قطراته ثم أنزلته بهدوء لتقول وهي تتفحص إيثار الجالسة بارتياح بجوار والدتها: -دي جوازة مؤقتة وليها ظروف خاصة، فترة وكل واحد منهم هيروح لحاله. سألتها متلهفة: -بتتكلمي جد يا فيري؟ -طب احكي لي التفاصيل. هزت رأسها بنفي قبل أن تقول: -التفاصيل ما تخصناش، المهم في الموضوع إن الطلاق هيتم قريب جدًا، لو لاحظتي هتلاقي فؤاد متجنبها خالص.
تنهدت سميحة براحة وعاد لها الأمل من جديد بفضل كلمات فريال المطمئنة، وبعد قليل كان الجميع يجتمع حول طاولة الطعام، تعمدت سميحة مجاورة فؤاد والحديث معه بصوت خافت أثار حنق تلك المجاورة له بالمقعد الآخر، غرست الشوكة بقطعة من اللحم ومدتها باتجاه فم فؤاد لتقول بجرأة: -دوق حتة اللحمة دي يا فؤاد وقول لي رأيك فيها، أنا اللي شوياها بنفسي.
اقتضمها منها تحت غليان قلب إيثار حيث اشتعل جسدها بالكامل من تقرب تلك الحية من زوجها، نعم هو زوجها هي فكيف لها أن تكون بتلك البجاحة وتتقرب منه هكذا، ضحك علام وهو يداعب ابنة شقيقه الغالي: -اللي يسمعك يقول إن إنتِ اللي متبلة اللحمة ومجهزاها. نطقت بدلال وهي تنظر إلى فؤاد: -خلاص بقى يا عمو، مش لازم تكسفني قدام فؤاد وتعرفه إني مش بعرف أطبخ. ضيق فؤاد عينيه باستغراب لتضحك فريال وهي تقول بمشاكسة:
-فؤاد مش بيهتم بالحاجات دي يا سو، فما تقلقيش. -فريال... قالتها عصمت بحزم لتتابع بعدما وقفت: -تعالي معايا نجيب باقي اللحمة من على الشواية. تعجبت من حدة والدتها ونظرت للطعام الذي يملأ الطاولة إذًا فلا داعي لجلب المزيد وخصوصًا أن اللحوم بعيدة عن النار فلا خوف عليها من الاحتراق، لكنها انصاعت لأمر والدتها وتحركت بجانبها وما أن ابتعدا حتى هتفت بصوت خفيض كي لا يصل للآخرين: -ممكن أعرف آخرة اللي بتعمليه ده إيه؟
مطت شفتيها لتسألها بدهاء: -مش فاهمة يا ماما، تقصدي إيه؟ هتفت بنبرة صارمة: -أقصد بنت عمك اللي فاجأتينا كلنا بعزومتك ليها على الغدا من غير ما حتى تبلغيني، وكلامكم ونظراتكم الغريبة لبعض، وكلامكم عن فؤاد. واسترسلت بنبرة تحذيرية: -اسمعيني كويس يا فريال واعتبري ده آخر إنذار لكِ مني، ابعدي عن أخوكِ ومراته وسيبيهم في حالهم، أخوكِ بيحبها فبلاش تعملي بينهم مشكلة بسبب بنت عمك. ابتسمت بسخرية قبل أن تقول متهكمة:
-مرات مين يا ماما، هو حضرتك مصدقة إنها مراته بجد. وأشارت بكف يدها نحو فؤاد المنسجم بالحديث والضحكات مع سميحة لتتابع ساخرة: -هو فيه واحد بيحب واحدة يبقى قاعد يهزر ويضحك مع غيرها ولا عامل لوجودها حساب. تنهدت عصمت بأسى لتسترسل الأخرى بإيضاح: -إيثار قربت تكمل شهر في بيتنا، تقدري تقولي لي ليه لحد الوقت كل واحد منهم في أوضة لو فعلًا بيحبها زي ما حضرتك بتقولي؟! -فوقي يا ماما وبلاش تعلقي نفسك بوهم مش هيتحقق.
لتتركها فريال وتنسحب لتنضم إلى الطاولة من جديد وتابعتها عصمت، أشار علام إلى أحد الصحون ثم قال قاصدًا ابنة شقيقه: -ممكن تناوليني طبق السلطة يا سميحة. -سو يا عمو، سو سو سو... نطقتها بطريقة أظهرت كم حنقها لتتابع وهي تغمض عينيها باستسلام: -الله يسامحك يا بابي، من بين كل أسماء البنات مختارليش غير اسم تيتا. ضحك ليجيبها متهكمًا: -إنتِ كنتِ تطولي تتسمي على اسم سميحة هانم الحداد. قلبت عليها بسأم وغيظ مفتعلين لتنطق بملاطفة:
-طبعًا، مين يشهد للعروسة. لتجاريها بالحديث فريال التي قالت وهي تنظر لوالدها بمداعبة: -ابنها. أطلق الجميع ضحكاتهم، قرر ماجد المشاركة بالحديث الدائر برغم أنه لا يفضل كثرته: -أكيد باباكي بيحبك جدًا ولكِ مكانة مميزة في قلبه بدليل إنه اختار لك اسم أغلى حد في حياته. -أكيد، بس سميحة اسم قديم قوي... قالتها بعدم تقبل ليتابع الجميع الحديث عدا تلك الجالسة بصمت تام رغم محاولات علام وعصمت بإشراكها معهم لكنها ظلت متحفظة.
انتهى وقت الطعام وانتقلوا للجلوس حول حمام السباحة وظلوا يتبادلون الأحاديث فيما بينهم حتى أتى المساء، أما فؤاد فقد استغل وجود سميحة أسوأ استغلال بعدما لاحظ غيرة واشتعال تلك الشرسة، فأراد أن يزيد من نارها حيث طلب من سميحة مجاورته ليريها الحديقة والزهور النادرة الموجودة بها، انسحبت إيثار معتذرة متعللة بإصابتها بصداع نصفي لتصعد لغرفتها بعدما فقدت القدرة على السيطرة على حالها، خطت بساقيها للداخل لتفك حجاب رأسها لتلقي به
بعنف فوق التخت، باتت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا بجسد ملتهب من شدة اشتعاله، اقتربت من النافذة لتنظر للأسفل فوجدت ما جعل قلبها يتحول لفوهة بركانية على وشك الانفجار حين رأت فؤاد يجلس أرضًا فوق النجيلة فاردًا ساقيه للأمام مستندًا بساعديه للخلف في مظهر جذاب أثارها هي شخصيًا، تقابله تلك الحقيرة المتكئة بكوعها على الأرض وتتمدد على جنبها بجسدها المفرود دون خجل أو حياء يمنعها، كانت ساقيها العاريتان مقابلة بوجه فؤاد مما أشعل
جسدها بالكامل وجعلها تهرول إلى داخل الحمام لتخلع عنها جميع ثيابها وتنزل تحت صنبور المياه وتفتحه على البارد علها تهدأ من اشتعال روحها ولو قليلًا.
أما فريال فكانت تتمشى بجانب زوجها الذي تحدث بنصح: -على فكرة، كل تصرفاتك مع فؤاد غلط، صدقيني هتخسريه لو فضلتي مكملة بالطريقة دي. -حتى أنت كمان مش قادر تفهمني يا ماجد... قالتها بتأثر لتنطق بصدق ظهر بعينيها: -أنا خايفة على فؤاد وعاوزة أنهي المسرحية دي بسرعة قبل ما يتأذي من علاقة ما لهاش ملامح.
تخطت الساعة التاسعة ليلًا وما زالت تراقبه من نافذتها تحت نظراته الخبيثة التي تراقب خيالها الظاهر برغم حرصها على ألا تظهر، وقف منسحبًا للأعلى وترك سميحة التي انتوت المبيت بالمنزل اليوم تحت ترحيب الجميع عدا عصمت الغاضبة مما يحدث، وصل لغرفته وما أن شرع بتغيير ثيابه وبالكاد ارتدى بنطالًا مريحًا ليجد خبطات سريعة وقوية تقتحم بابه، ابتسم لمعرفته لشخص الطارق وتنفس بعمق قبل أن يرسم الجدية على ملامحه وينطق قائلًا: -اتفضل.
فتحت الباب لتتحرك سريعًا وتقف بمقابلته متلاشية عدم ارتدائه لملابس بالجزء العلوي من جسده، هتفت بنبرة حادة وعينين تطلق شزرًا توحي بمدى احتراق روحها: -ممكن تفسر لي اللي عملته تحت قدام أهلك ده؟! قطب جبينه بعدم استيعاب ليسألها بعدما قرر اللعب على أعصابها: -مش فاهم؟ هتفت بحدة وجسد متشنج: -أقصد ضحكك وهزارك الغير مقبول مع بنت عمك وكأني مش موجودة. ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيه قبل أن يضيق بين عينيه ويسألها متعجبًا:
-هو مش المفروض إن جوازنا صوري وهنتطلق بعد ما أضمن لك حضانة يوسف؟! هز رأسه ليتابع مستفسرًا بتهكم: -يبقى إيه اللي يزعلك في إني أهزر مع بنت عمي أو حتى أصاحبها؟ اشتعلت روحها من ردوده الباردة لتصيح بلهجة غاضبة: -اللي يزعلني شكلي اللي خليته زي الزفت قدام أهلك وقدام اللي ما عرفش اسمها إيه دي كمان. -سميحة... نطقها ببرود ليتابع بنظرات جادة: -اسمها سميحة. رفعت سبابتها أمام عينيه لتصرخ بعينين ملتهبتين من شدة غضبها:
-ما يهمنيش اسمها ولا هي مين أصلًا، كل اللي يهمني إنك تحترم وجودي وهي كمان تحترم نفسها وما تقربش منك. بمنتهى الهدوء أمسك صباعها وأنزله للأسفل ثم تنهد ليقول بصوت خال من المشاعر: -لو خلصتي كلامك ممكن تتفضلي على أوضتك علشان نعسان وعاوز أنام. صاحت لتنطق بقوة متغاضية عن كلماته المهينة: -مش همشي غير لما تجاوبني على سؤالي. -اللي هو إيه سؤالك؟! قالها مستفسرًا لتتابع هي بنبرة متألمة:
-إنتَ حكيت لأهلك عن مشاكلي مع إخواتي وقولت لهم إنك اتجوزتني شهامة وإن جوازنا مؤقت لحد ما أحل مشكلة الحضانة؟! بملامح وجه قاسية أجابها باقتضاب: -مقولتش أي تفاصيل غير لأبويا وده لأماني أنا وإنتِ، وعمري ما جبت سيرة إن جوازنا مؤقت ليه ولا لأي مخلوق، إنتِ اللي طول الوقت بتقوليها. ابتلعت لعابها ليسألها بجبينٍ مقطب بعدما بدأ بربط الخيوط: -الكلام ده وصلك منين؟!
تنهدت وفكرت بالبوح له عما أخبرتها به فريال، لكنها تراجعت لعدم إرادتها بافتعال المشاكل وزرع الفتنة بينه وبين شقيقته، هزت رأسها لتجيبه بصوتٍ خرج هادئًا: -محدش قالي حاجة، أنا اللي حبيت استفسر إذا كنت اتجوزتني شهامة منك وحاطط في دماغك إنها فترة وهتطلقني ولا لا. -خلصتي كلامك واستفساراتك؟! قالها ببرود ليشير لها من جديد صوب الباب.
شعرت بكلماته القاسية تلك وكأنها نصل سكّينٍ حاد غرز في وسط قلبها لينهي عليه، ابتسمت ساخرة من حالها لتنطق بضعفٍ وقد لمعت عينيها من إثر الدموع: -أنا آسفة يا سيادة المستشار، يظهر إني نسيت نفسي وتخطيت حدودي في البيت من جديد. نطقت كلماتها وانطلقت مهرولة للخارج لتصل إلى غرفتها لترتمي بجسدها فوق التخت وتطلق العنان لدموعها الحبيسة. ********
ظل يتحرك داخل غرفته يجوبها بغضبٍ عارم وهو يشدد على خصلات شعره الغزير يسحبهُ للخلف بحدة يكاد أن يقتلعه من جذوره، توقف فجأةً لينظر باتجاه الباب ومن دون تفكير هرول للخارج ليقتحم باب غرفتها دون استئذان مما أفزع تلك الحزينة حيث تطلعت عليه بنظراتٍ هلعة تتمعن بهيأته الجنونية. أما هو فزاد جنونهُ حين رأى دموعها المنهمرة ليسألها بغضبٍ عارم: -إنتِ عاوزة إيه بالظبط، ها؟! جيتي لي الأوضة ليه برغم إني مش فارق معاكِ!
غيرانة عليا من بنت عمي ومرعوبة ليكون فيه بينا حاجة وقاعدة بتعيطي ليه؟! ليصيح وهو يشيح بذراعيه بطريقة مسرحية: -مش جوازنا صوري والهانم وخداني كوبري يعديها لبر الأمان هي وابنها؟! ليستطرد بما زلزل كيانها رُعبًا: -أحب ولا أصاحب ولا أتجوز ملكيش فيه بقى، أنا حر زي ما أنتِ حرة في قرارك اللي أخدتيه. زادت شهقاتها وانهمرت دموعها أكثر وأكثر وهي تتطلع لحالته التي تراه عليها ليصرخ قائلًا بجنون: -بطلي عياط وكلميني زي ما بكلمك.
تابعت شهقاتها وبصمتٍ وضعف هزت رأسها مما زاد من اشتعال جسده، لم يدري بحاله إلا وهو يهجم عليها كثور هائج فلت لجامه ليمسك بمعصمها بقسوة كادت أن تكسره ويجذبها بعنفٍ لتقف أرضًا أمامه تترنح بجسدٍ غير متزن ليهتف متجاهلًا حالتها بلهجة أشد: -انطقي، أنا مش هسيبك النهاردة غير لما ننهي المسرحية السخيفة دي. نطقت بحروفٍ متألمة: -فؤاد أنا بحبك، بس خايفة. هتف يسألها بصرامة وعيناه حادة: -من إيه؟ خايفة من إيه وأنا معاكِ؟
واسترسل بلهجة أقرب للجنون: -جاية تسأليني إذا كنت اتجوزتك شهامة وحاطط في دماغي إنها مرحلة مؤقتة وتنتهي ولا لاء؟! نطق مبررًا ليثبت لها أنها حبيبته بالفعل لا بالكلام: -ده أنا روحت كفر الشيخ علشان أجيبك إنتِ ويوسف وأنا مش عارف إذا كنت هطلع من هناك حي ولا جثة، ده ما يشفعليش عندك ويغفر لي غلطتي الأولى اللي مش قادرة تنسيها لي؟! -أنا محتاجة أطمن يا فؤاد.
نطقتها بضعفٍ ودموعٍ مزقت بها قلبه ليهتف بجنون فقد أثارت غضبه وأوصلته تصرفاتها للهياج وانتهى الأمر: -أطمنك إيه أكتر من إني اتجوزتك رسمي وجبتك على بيتي ووقفت بيكِ قدام أهلي وبكل فخر واعتزاز قولت لهم دي مراتي؟! واسترسل وهو يهز رأسه باستسلام وحيرة: -إيه المطلوب مني تاني علشان أثبت لك إني بحبك وبحترمك وعاوزك زوجة في النور، زوجة أكمل معاها باقي حياتي في استقرار وحياة طبيعية، قولي لي أعمل لك إيه تاني؟
صرخ بجملته الأخيرة لتنطق بضعف بعدما مالت برأسها تترجاه عينيها: -أنا آسفة. سألها بحدة مستفسرًا: -يعني إيه آسفة؟ -آسفة. كررتها هامسة بعينين متوسلة ليصرخ بجنون وهو يشدد من قبضته على رسغها: -على إيه؟ آسفة على إيه بالظبط؟! نطقت بكلماتٍ متقطعة بفضل بكائها الحاد: -آسفة إني تعبتك معايا ووصلتك للحالة دي، فؤاد أنا بحبك زي ما أنتَ بتحبني ويمكن أكتر. انتفض قلبه وهو يستمع لكلمة "أُحبك" للمرة الأولى من بين شفتيها
لتتابع هي بدموعها الكثيفة: -بس أنا خايفة ومحتجاك تطمن خوفي وتحتويني. رفع كتفيه للأعلى وأنزلهما ليسألها باستسلام: -طب قولي لي إزاي، وأنا هعمل اللي يريحك ويطمنك. أجابتهُ هامسة: -خليك معايا ومتسبنيش. -ما أنا معاكِ، أنا أمتى سيبتك ولا بعدت؟!
قالها بعينين حائرة لم تجد برًا ترسو عليه مع تلك المشتتة التي أرقت مشاعره وساقتهُ لدرب الجنون، تنهدت بعمقٍ قبل أن تتخذ قرارها وتباغتهُ بإلقاء حالها داخل أحضانهُ لتتجرأ أكثر وهي تلف ذراعيها حول عنقه لتتعلق به تعبيرًا منها عما لا تستطع الكلمات شرحه ولا يساعدها لسانها بقوله، زادت من جنونه حين اقتربت بشفتيها من عنقه لتطبع به قُبلة متعمقة جعلت من كل ذرة بجسده تنتفض، همس بجانب أذنها يسألها للتأكيد، هو يريدها بجنون ولكن، سيتحمل لأجل أن يحسم الأمر كي يغلق
عليها كل أبواب العودة: -معناه إيه اللي عملتيه ده؟ -بحبك. كلمة نطقت بها للمرة الأولى وهي تلامس جلد عنقه بحالمية زلزلت بها كيانه وكانت كفيلة للرد عليه لكنه لم يكتف ليسألها كي يضع الأمور في نصابها الصحيح: -يعني إيه بتحبيني؟ إيه اللي لازم أفهمه من الكلمة دي؟
أبعدها عن أحضانه مجبرًا ليتعمق بمقلتيها، أخفضت عينيها للأسفل بخجلٍ لتواريهما عنه مع اشتعال وجنتيها بحمرة الخجل مما جعله يمد أنامله أسفل ذقنها رافعًا وجهها إليه ليهمس متابعًا برقة وحنان: -عاوز رد واضح؟ ابتلعت ريقها وهي تقول على استحياء وعيناها تنطقان بالوله والاحتياج يصرخ بهما: -يعني عوزاك معايا يا حبيبي.
لمسات أناملها التي تتحرك فوق عنقه الخلفي لتصعد لخصلات شعره تداعبه برقة مع صرخات عينيها المتوسلة زلزلت كيانه ليشعر باهتزاز جسده وتصلب جميع شرايينه ليقول مستفسرًا بشفتيه الغليظة: -إنتِ قولتي إيه؟ حركت أهدابها عدة مرات لتضغط على شفتها السُفلى مما جعل دقات قلبهُ تُسرع، كاد أن يقترب عليها ليدخلها بين ضلوعه ويشدد من احتضانها علهُ يطفئ نيران قلبه الشاعلة بعشق تلك الحورية لكنه صمد ليرى رد فعلها لتنطق هي بخجلٍ ظهر جليًا
بصوتها: -عوزاك معايا. -يا إيه؟ نطقها متلهفًا منتظرًا إجابتها بشفاه مرتعشة لتجيبه بصوتٍ أنثويٍ ناعم وابتسامة سلبته لبه: -يا حبيبي. -إنتِ عارفة إنتِ عملتي فيا إيه بكلمتك دي؟ نطقها بصوتٍ هامس ليكمل مسترسلًا بعينين هائمتين: -طلعتيني لسابع سما، لدرجة إني حاسس إني طاير وعاوز أغرق في بحر هواكِ. -وإيه اللي مانعك؟ نطقتها بدلال أفقدهُ عقله ليجيبها متوجسًا: -خايف. -من إيه؟ ليجيبها بصوتٍ يشوبهُ الخوف من خيبة الأمل:
-لتوقعيني على جدور رقبتي زي ما عملتي المرة اللي فاتت. ابتسمت لتنظر بصرها خجلًا وهي تدعوه صراحةً: -طب ما تجرب، هتخسر إيه؟ تنهد لينطق بلهجة تحذيرية: -المرة دي مفيهاش رجوع يا إيثار، لو دخلت جنتك مفيش قوة هتجبرني على إني أخرج تاني، هحبسك جوايا حتى لو كان ده ضد رغبتك. همست وهي تعبث بزرائر قميص بيجامته بجرأة جديدة عليها لتقول وهي تميل برأسها بدلال أجهز على ما تبقى لهُ من صبرٍ لديه: -ومين قالك إنه هيكون ضد رغبتي. قالتها وهي
تقترب منه ليسألها بمشاكسة: -قد كلامك؟
ابتسمت لتهز رأسها بإيجاب بنظراتٍ خجلة أثارت جنونه، مال يطبع بشفته قبلة رقيقة بجانب شفتها السفلى حاسمًا أمره بعد كلماتها الرقيقة تلك لينحني عليها رافعًا إياها بين ساعديه القويين وصار متوجهًا بها ناحية الفراش ليضعها برفقٍ فوقه ثم اتجه لباب الغرفة يوصدهُ للأمان وشرع بخلع ثيابه وانضم إليها لينتهي إلى هنا حديث الكلمات ويبدأ معًا حديثًا من نوع آخر لا مكان فيه للكلمات، ليطلقا العنان لمشاعرهما المكبوتة لتعبر عن مكنون العشق الجارف الذي يحملهُ كلاهما للآخر.
باتا يتذوقان شهد الغرام لوقتٍ غير معلوم لكليهما، فقد توقف الزمان عند هذه اللحظات ليتناسيا نفسيهما وفقط كل ما يتذكراه الآن هو الشعور الهائل بالسعادة التي ولأول مرة يصلا له، فحقًا كل شيءٍ من الحبيب مختلف وله نعيمهُ الخاص، العناق، القبلات الهمسات وحتى النظرات لها رونقًا خاصًا ولغة لا يعلمها سوى العاشقين.
بعد مدة كان يستند بظهره على خلفية تختهما يشدد بذراعيه على تلك الجالسة فوق ساقيه وهو يسكنها بأحضانه ويشدد عليها كمن يخشى هروبها، عيناهُ مغمضتان والابتسامة العريضة تملأ ملامح وجههِ المنتعشة، "ما أشبه الليلة بالبارحة"، فقد كان أشبه بأرضٍ يبست وتشققت من شدة جفافها والآن بعد أن ارتوت ترعرعت أوراقها الخضراءُ لتتراقص مع نسمات الفجر الباردة، أما هي فلم يختلف حالها بالكثير عن حبيبها، فقد ذابت وانصهرت روحها لتتوحد بخاصته، ظلا يتطلعان بأعين بعضهما بصمتٍ كان أبلغ من الكلام، استمعا لطرقاتٍ فوق الباب لتنتفض تختبئ بأحضانه ليضحك مقهقهًا على هيأتها المثيرة للضحك، لامتهُ عينيها ليطمئنها وهو
يهمس بكلماته بجوار أذنها: -إهدي يا حبيبي، إنتِ في حضن جوزك وحمايته. ابتسمت بسعادة لتحاوط وجنتيه بأناملها الرقيقة واقتربت تطبع قبلة تثبت لنفسها قبله أحقيتها بملكيته: -أيوه يا فؤاد، إنتَ جوزي حبيبي، ملكي أنا وبس. كان يستمع لها بعينين مغمضة وجسدٍ متخدر من إثر كلماتها الأشبه بالسحر، مال على شفتيها ليقول بسحرٍ: -أيوة يا قلب فؤاد من جوة، أنا ملكك وإنتِ ملكي. انتفض جسديهما ليبتعدا حين تعالت الطرقات من جديد، تحمحم وهو يقول:
-هشوف مين السخيف ده وأرجع لك على طول. ترجل من فوق التخت وأمسك بثيابه ليرتديها على وجه السرعة ثم توجه للباب وفتحه بحذرٍ ليتفاجأ بعزة تحمل الصغير فوق كتفها غارقًا بغفوته بعدما قضى يومه باللعب مع الصغيرة وعلام، جحظت عينيها لتسأله ببلاهة: -فؤاد باشا، إنتَ بتعمل إيه هنا؟ -مستني المترو. قالها باستخفاف لتنطق ببلاهة: -ها؟ تحمحمت بعدما فهمت ما يحدث من مسكة يده المتشبثة بالباب لينطق هو بهدوء:
-خدي يوسف يبات معاكِ النهاردة ومن بكرة الأوضة دي هتبقى بتاعتك إنتِ وهو. واستطرد بجدية: -عاوزك بكرة تقفي مع وداد وتنقلي كل حاجة إيثار لجناحي. -آه. قالها بتذكر تحت ذهول تلك الواقفة ليتابع: -نبهي عليهم تحت محدش يصحينا بكرة، إحنا هنصحى براحتنا. -ألاَ، هو أنتَ هتبات هنا يا باشا؟! سؤالًا نطقته عزة ليضيق عينيه ثم بملاطفة رد عليها مقتبسًا كلمتها: -ألاَ، ليكون عندك مانع يا عزة هانم. اتسعت عينيها وامتلى وجهها بالسعادة
لتنطق بلهجة شديدة الحبور: -مانع إيه بس يا باشا، ده أنا هاين عليا أملى القصر كله زغاريد من كتر فرحتي. وضع كفه يتلمس وجنة الصغير لينطق بنبرة حنون: -طب يلا انزلي علشان الولد ما ياخدش برد منك. سألته من جديد: -هو أنتَ مش هتروح الشغل بكرة يا باشا؟ رفع حاجبه الأيسر ليقول من جديد باستسلام: -هو أنا يا عزة مش لسه قايل لك محدش يصحينا بكرة؟ -تمام يا باشا، تصبح على خير.
قالتها وتحركت للأسفل ليوصد الباب جيدًا ثم استدار لتلك المتشبثة بالغطاء خشيةً من أن تراها عزة بذاك الوضع، قهقه عليها وانضم لجوارها ليسحبها داخل أحضانه ليهمس أمام شفتيها: -هو حبيبي مكسوف لحد يعرف اللي حصل بينا ولا إيه؟ أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تضع كفيها تحيط بهما وجنتيه واقتربت تستندُ بجبهتها على خاصته وهي تهمس بولهٍ ظهر بعينيها المغرمتين:
-من النهاردة مش هتكسف وهدافع عن حقي فيك بكل قوتي يا حبيبي، إنتِ نصيبي الحلو اللي ربنا كان شايلهولي. وتابعت بقوة وإصرار: -ومن النهاردة مش هسمح لمخلوق يبعدنا عن بعض تاني. قطب جبينه ليسألها مستفسرًا: -وهو مين كان بعدنا أولاني يا قلب حبيبك؟! ابتسمت واقتربت تطبع قُبلة فوق شفته لتهمس بنبرة نادمة: -غبائي وضعفي هما السبب. دفعها بقوة لتنبطح فوق الفراش ليميل عليها قائلًا: -همحيهم لك، ومن النهاردة مش هسمح لك تخرجي من حضني تاني.
قالها وسحبها معه بعنفٍ لعالمٍ من الخيال لا يوجد به سواهما وفقط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!