متمردة، عنيدة، شرسة ومستفزة، أنانية ولا تهتم سوى بحالها. شعارها المرفوع دائمًا: فليذهب الجميع إلى الجحيم ما دمت أنا بخير. ألقاب حصلت عليها، ويعلم الله أني بريئة من جميعها. ولو أنهم تأنوا وغاصوا بأعماقي لوجدوا فتاة صغيرة تحتضن حالها وتحتويها بساعديها الضعيفين. نظراتها المرتعبة تجول هنا وهناك بهلع، مترقبة للأخطار المحيطة بها دومًا. بجوارها سيف حاد صنعته من صبرها، وسنته بسعيها لحماية قلبها الموضوع بين الضلوع. من تسول له
نفسه بمجرد الاقتراب منه، تبادر بهجومها الضاري بمنتهى الشراسة لتظهر روح المحاربة الكامنة بداخلها. هي لا تحمي حالها ولا تهتم من الأساس، جل ما يعنيها هو قلبها البريء وفقط. ذاك المتمثل بصغيرها "يوسف"، هذا هو قلبها الساكن بالضلوع والمحاط بسياج حديدي صنعته بكامل قوتها لحمايته.
أتى الصباح وأشرقت الشمس لتعلن عن ميلاد يوم جديد بأمل جديد للجميع، إلا من تلك الحزينة ذات الحظ السيئ. حيث فاقت باكرًا بعينين ذابلتين وجفون منتفخة بفضل بكائها الحاد ليلة أمس، فهي من الأساس لم تغفُ سوى ساعتين فقط. أمسكت هاتفها وتحدثت إلى عزة وطلبت منها الصعود، وبغضون دقائق معدودة كانت تقف أمامها لتسألها بفضول وإصرار بعدما رأت ملامح وجهها المنطفئة. زمجرت الأخرى وأبت لكنها اضطرت لإخبارها تحت إصرار الأخرى القوي. لتهتف عاتبة بحدة
بعدما استمعت لكامل ما حدث: -غلطانة يا إيثار، وأنا قولت لك قبل ما تتحركي إنك لازم تستأذنيه قبل ما رجلك تخطي برة القصر. ده جوزك يا بنتي وده حقه عليك، وإنت بنت أصول. رمقتها بنظرات شديدة اللوم قبل أن تسترسل بكلمات لازعة لكنها الحقيقة المؤلمة: -ومتزعليش مني، اللي عملتيه معاه مفهوش ريحة الأصول. تنهيدة حارة خرجت من صدرها لتنطق بنبرة بائسة:
-عدى وقت الكلام ده يا عزة، وأنا حقيقي تعبانة ومش هقدر أتحمل أي كلمة فيها لوم أو عتاب من أي حد. واسترسلت بنبرة خافتة وجسد هزيل وهي تتجه صوب الخزانة لتشير لها نحو الحقيبة: -طلعي الشنطة يلا ولمي معايا الهدوم بسرعة خلينا نمشي، وأنا هقوم يوسف وألبسه علشان نوصله للمدرسة في طريقنا. -مش هتقولي له؟! نطقتها عزة باستفهام لتنطق الأخرى نافية بحدة وشراسة ترجع لشعورها المرير بالإهانة الملازم لها منذ الأمس: -طبعًا لأ.
ابتلعت غصة مريرة لتسترسل وهي تدفن نظراتها بطيات الثياب التي تجمعها كي لا تلمح الأخرى عينيها التي اغرورقت بدموع الألم والشعور بالتدني: -استعجلي خلينا نخرج من هنا، وكفاية إهانة لكرامتنا لحد كده.
كان يقف أمام مرآة الزينة يعقد ربطة عنقه بملامح وجه مكفهرة نتيجة ما حدث بينه وبين تلك الجميلة. انتهى من الربطة ليمسك بقنينة عطره ويقوم بنثر بعضًا من الرذاذ فوق عنقه وذقنه، وبعد أن انتهى أعاد القنينة لمكانها برتابة ليُلقي بنظرة أخيرة على هيئته المنمقة واضعًا أصابع يده تتخلل شعره الأسود الفحمي. تنهد بضيق وهو ينظر لملامحه العابسة ووجهه الذابل جراء ما حدث بينه وبين مالكة الفؤاد بالأمس. برغم غليان جسده مما فعلته تلك
العنيدة من حماقة كبيرة إلا أنه تألم لأجلها ولام حاله كثيرًا على غضبه المبالغ به وحديثه الحاد المهين لها. حجته الشرعية هي هلعه الذي أصابه عندما قص عليه الحارس ما حدث، والذي لولا ستر الله عليهما لتعرضت لما لا يعلمه سوى الله وحده. زفر بعمق ليخرج من صدره ناره المشتعلة منذ الأمس ثم تحرك صوب الباب بعدما التقط حقيبة عمله. توقف أمام باب غرفتها بعدما عقد النية على ألا يذهب إلى عمله قبل أن يقوم بتقديم الاعتذار لها كي لا يدعها
للحزن يسيطر عليها ويدمي قلبها. دق بابها فأتاه صوت عزة بالاذن بالدخول. فتح الباب لتجحظ عينيه وهو يراها تقف أمام صغيرها الواقف فوق الفراش تساعده بإلباسه كامل ثيابه. ليحول بصره سريعًا نحو "عزة" حيث كانت تفرغ ما بداخل خزانة الثياب وتضعها بتلك الحقيبة الكبيرة الموضوعة فوق الفراش. ابتلع لعابه وارتجف جسده حين استشف ما يحدث ليتساءل بصوت خرج حادًا رغمًا
عنه: -إنت بتعملي إيه يا إيثار؟! -زي ما أنت شايف، بنلم هدومنا وماشيين. نطقت كلماتها باقتضاب وهي تتابع مساعدة صغيرها على استكمال ارتدائه لملابسه دون عناء النظر إلى وجهه ليسألها من جديد بصوت جاد: -يعني إيه ماشيين دي؟! انتهت من إلباس الصغير الذي نظر إلى فؤاد وغمره بابتسامة جعلت من قلبه يسعد رغم ما يشعر به من ارتياب، لتحول بصرها عليه وتجاوبه بعدما ثبتت عينيها بخاصته بقوة وكبرياء يرجع لاحتفاظها بكرامتها:
-راجعين شقتنا. أظن كفاية لحد كده، إحنا تقلنا عليكم زيادة عن اللزوم وكان لازم نمشي قبل كده بكتير. زفر بقوة ثم حول بصره لتلك التي تباشر وضع الملابس داخل الحقيبة بملامح وجه حزينة ليتحدث إليها بتودد: -خدي يوسف وانزلي بيه تحت يا عزة علشان عاوز أتكلم مع المدام لوحدنا. كادت أن تتحرك لولا صوت إيثار التي هتفت بحدة وهي ترمقها بشراسة: -خليكي مكانك وكملي اللي بتعمليه يا عزة. ثم حولت بصرها إليه لتستطرد بنبرة جافة:
-مفيش كلام ممكن يتقال تاني بعد اللي اتقال إمبارح يا سيادة المستشار. زفر بهدوء محاولًا كظم غيظه من تلك العنيدة التي ستصيبه بجلطة لا محالة. فقد فعلت معه ما لم يتجرأ بشر على الإطلاق فعله، ومع ذلك يتمنى نول الرضا منها. ولتتدلل كيفما تشاء فدلالها كالعسل المصفى بالنسبة له وهواها أشبه بالترياق للعليل. أشعلت نيرانه بحديثها الحاد ليهتف بحدة وهو ينظر لتلك التي تابعت ما تفعل وكأن حديثه والعدم سواء:
-هو أنا مش قولت لك تاخدي الولد وتنزلي؟! ليسترسل بعينين تطلق سهامًا نارية تنذر بنشوب حرب شرسة: -الكلام ما بيتسمعش ليه؟!
ارتعب داخل عزة من نظراته النارية لتسرع إلى إيثار تبسط ذراعيها لحمل الصغير عن تلك التي رفضت في البداية لتسلمها إياه لتتراجع مستسلمة بعدما رأت زمجرة ذاك الغاضب مع رمقه لها بنظرات تحذيرية أرعبت داخلها. هرولت عزة بالصغير للخارج لتغلق الباب خلفها. تحرك صوبها بعد خروج عزة ليقف مقابلًا لها واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله ليسألها بنظرات عاتبة وصوت حبيب لائم خرج بنبرة خافتة برغم اشتعال روحه: -ينفع اللي بتعمليه ده؟!
واسترسل بعينين تشع حنانًا وبنبرة هادئة أشبه باعتذار: -هو أنا علشان اتنرفزت عليك شوية تقومي تلمي هدومك وعاوزة تسيبي بيتك؟! أجابته بنبرة منكسرة ونظرات عينيها أظهرت كم تألمت: -بيتي! بس ده مش بيتي يا سيادة المستشار، أنا عارفة حدودي في البيت ده كويس قوي. أنا هنا ضيفة، مجرد ضيفة، وضيفة تقيلة كمان. تعمقت بمقلتيه لتسترسل تأكيدًا على حديثه المهين ليلة أمس: -وعلشان عرفت حدودي وقيمة نفسي قررت أرجع شقتي وأصون كرامتي أنا وابني.
-وهي كرامتك مش متصانة هنا يا إيثار؟! سؤالًا وجهه لها بعينين معتذرتين لتهتف بعدما اغرورقت عيناها بدموع الألم الممتزجة بالخجل والانكسار: -أنا عمري ما حسيت بالإهانة زي ما حسيتها في كلامك ليا إمبارح. تنهد بثقل لرؤيته لغيمة دموعها. اقترب منها ممسكًا بكف يدها ليهتز جسديهما معًا لذاك الشعور الذي أصاب كليهما وأربكهما ليتحدث هو متحاملًا على حاله: -متخليش موقف عابر يأثر عليك ويخليك تاخدي قرار غلط في وقت غضبك. واستطرد موضحًا
سبب ثورته عليها بالأمس: -أنا ما اتنرفزتش غير لما عرفت إنك خرجتي لوحدك ومن غير حراسة. اترعبت عليك لما الحارس بلغني. مجاش في بالك إن ممكن نصر يكون متابعك ويأذيك؟! اقترب عليها أكثر ليتابع بمراوغة أراد بها الاستحواذ على مشاعرها كي ينال استرضائها: -الأستاذة شكلها نسيت إنها بقت مراتي وبالتالي لازم تستأذنيني قبل أي خطوة تخطيها برة القصر؟!
ابتلعت لعابها من قربه ورائحة عطره المسكرة التي تسللت عبر أنفها لتحارب شعورًا عارمًا اجتاحها يطلبها بقوة بإغماض عينيها والارتماء داخل أحضانه لتتنعم بحنانه الذي تستشعره من خلال أشعة عينيه ليسترسل هو مداعبًا إياها للتخفيف من وطأة حزنها: -وبعدين هي كل واحدة جوزها يقولها كلمتين وهو متنرفز تلم هدومها وتسيب البيت؟!
ارتجف قلبها بقوة من حديثه المتودد وابتسامته الخلابة التي أسرت لبها، وما كان منها سوى ابتسامة ساحرة ارتسمت فوق ثغرها هاج قلبه على أثرها وطالبه بالتحرك الفوري لإنقاذ دقاته المتسارعة. امتثالًا لذاك المتيم بسط كف يده يتلمس به وجنتها التي توهجت بفعل كلماته، وما زاد من اشتعالها هي لمساته الحنونة تلك ونظرات عينيه الآسرة لقلبها الذي فتح له بابه على مصراعيه. شعورًا هائلًا تملك منه ولن يشعر بحاله سوى وهو يميل على شفتيها
ليلتقطهما بين خاصتيه ويذوب داخلهما بنعومة جعلت تلك الرقيقة تُغمض عينيها وتذوب مستسلمة لقُبلته التي بادلته إياها وأرخت بجسدها مستسلمة. شعر بارتخائها بين يديه كقطعة شيكولاتة ذائبة داخل كوب من القهوة الساخنة مما جعل قلبه يرفرف من شدة حبوره، فزاد من تعمقه بالقبلة وضم جسدها بقوة إليه تحت استحسانها ورغبتها. تسللت يدها خلف رأسه لتداعب أناملها خصلات شعره الناعمة بحركة عفوية جعلت من خلايا جسده تتصلب بالكامل ليبتعد قليلًا
لاهثًا ينظر لعينيها متلهفًا ليجد ما تمناه منها وانتظره طويلًا. كان صدره يعلو ويهبط تأثرًا باللحظة. داعب وجنتها بأصابعه بنعومة وتحدث
بنبرة حنون تحت خجلها: -أنا عندي شغل مهم قوي ولازم أتحرك فورًا. هتأخر فيه لحد الساعة ثمانية بالليل، بس هنكمل اللي بدأناه ده لما أرجع. ثم مال بجانب أذنيها هامسًا بنعومة أذابت جسدها: -عاوز أرجع من شغلي ألاقي مراتي مستنياني في أوضتنا، سمعاني يا إيثار، أوضتنا وعلى سريرنا. ليبتعد برأسه للخلف قليلًا ويرفع فكها ليحثها على النظر بعينيه هامسًا بنعومة أذابت قلب كليهما: -اتفقنا يا حبيبي؟!
شعرت بأنفاسها تكاد تنقطع لشدة خجلها وسعادتها معًا. "حبيبي" يا لها من كلمة ساحرة تأسرها وتسحبها لعالم خاص لم تطأ قدماها داخله سوى مع ذاك الوسيم وفقط. اكتفت بهزة رأسها بإيماءة أشعلت بها قلب ذاك الملتاع الذي طبع قُبلة رقيقة فصلها سريعًا خشية التعمق بها ليتحدث بصدر يعلو ويهبط من شدة الاشتياق والاحتياج:
-إبقى خلي عزة تيجي تبات هنا مع يوسف علشان ميقلقش لوحده، وأنا هخلي سعاد تجهز لنا الجناح. وشوفي لو محتاجة أي حاجة معينة قولي لها تجهزها وتطلعها لنا. أومأت بخجل جعل من وجنتيها محمرتين كجمرة نار. تنفس بصعوبة ليهرول متحركًا للخارج مجبرًا قبل أن يضرب بعمله عرض الحائط ويبقى ويجذبها داخل أحضانه ليكملًا ما بدأه معًا ويسبحا بجنتيهما المترقبة.
أغلق خلفه الباب وما زالت تلك الهائمة تنظر لأثره وحالة من الولع الشديد تسيطر على كامل كيانها. تنهدت باستمتاع وهي تتلمس موضع شفتيه فوق خاصتها لتبتسم مغمضة العينين بحالمية هائلة. تحركت صوب الفراش لتلقي بجسدها عليه باستسلام وهي تعيد بذاكرتها ما حدث للتو وقلب الأوضاع رأسًا على عقب. كانت مبتسمة شاردة قطع تفكيرها عدة طرقات فوق الباب لتدلف بعدها عزة التي تعجبت لتسطحها فوق الفراش بهذا الاسترخاء لتسألها بلهفة:
-هكمل تقفيل الشنطة ولا هنعمل إيه يا بنتي؟! -رجعي كل حاجة زي ما كانت يا عزة، إحنا قاعدين خلاص. نطقتها بصوت مسترخ ليسعد داخل السيدة لرؤية إيثار بتلك الحالة من الهدوء والرضا والاسترخاء لتكمل بابتسامة: -طب قومي غيري هدومك علشان أجيب لك الفطار. قاطعتها وهي تتمطى بدلال: -مش عاوزة أفطر، أنا نعسانة قوي وعاوزة أنام. -يوسف راح المدرسة؟ قالتها بنعاس لتجيبها الأخرى: -آه، الأتوبيس جه وأنا سلمته بنفسي للمشرفة.
أومأت برأسها لتقول وهي تنظر إلى الحقيبة الموضوعة بجانبها: -نزلي الشنطة واركنيها واقفلي لي الستاير والنور، ولما أقوم من النوم نبقى نرجع الهدوم مكانها.
ابتسمت عزة وفهمت ما حدث. فعلت ما أملته عليها وجذبت الغطاء وفردته على جسدها بعناية بعد أن أوصتها الأولى برعاية الصغير وألا تغفل عنه. طمأنتها ثم تحركت تاركة إياها لتنعم بنومها التي سقطت بداخله على الفور ويرجع ذلك لعدم استطاعتها النوم ليلة أمس بفضل حزنها الكبير لكن الأمر اختلف كليًا الآن. ******* داخل منزل نصر البنهاوي
كان يقف بمنتصف غرفته يرتدي جلبابه الفلاحي ليستعد للخروج لمباشرة أملاكه الهائلة. فتح الباب لتلج منه إجلال وهي تتطلع عليه بترقب كترقب الذئب لفريسته ثم نطقت بنبرة جادة: -الفطار جاهز يا نصر والكل قاعد على السفرة مستنيك. تطلع عليها ثم تحرك ليقف أمام مرآة الزينة قبل أن يقول متهكمًا وهو يصفف شعر شاربه بعناية: -البيه ابنك نزل ولا لسه نايم فوق زي النسوان؟!
زفرت بحدة لاستغلال نصر نقطة ضعفها ألا وهي عمرو ليتهكم عليها في محاولاته الدائمة للضغط على أعصابها وإظهارها فاشلة بتربيته لتهتف بنبرة حادة: -صاحي وقاعد برة، وياريت بلاش تقطم فيه قدام إخواته ونسوانهم، سيبه في حاله. زمجر بها بحدة: -ماله حاله، مش كل اللي هو فيه ده بسبب عمايله السودة وجريه ورا الحريم، خليه يشرب. ضيق عينيه ليسألها بتوجس: -البيه مقالكيش كان طافش فين اليومين اللي فاتوا؟! تنهدت بضيق لتجيبه بأسى:
-كان قاعد في المركز عند واحد صاحبه يفك عن نفسه شوية. واستطردت بتعاطف: -ده يا حبة عيني من ساعة ما رجع إمبارح الصبح وهو نايم. اللي يشوفه يقول ما داقش ريحة النوم ليه إسبوع. هز رأسه باستسلام ليقول باستياء وتوجس: -يا خوفي منه، حاسس إن نهايتي ونهاية كل اللي عملتها طول عمري هتبقى على إيده. هتفت بقوة وحدة: -فال الله ولا فالك يا نصر، اجدعن إنت بس ورجع له يوسف والحرباية بنت منيرة وهو حاله هيتصلح وهيبقى زي الفل. عدل من ياقة
جلبابه ليقول بثقة عالية: -أديني رفعت القضية عند أكبر محامي في مصر، والراجل مطمني وقال لي إن الحضانة من حقنا والقضية مضمونة طالما الهانم اتجوزت. خرجا معًا لينضموا إلى الجميع حول الطاولة وبدأوا بتناول الطعام. نطقت سمية بنبرة هادئة موجهة حديثها إلى نصر: -بعد إذنك يا عمي، أنا هروح المركز النهاردة مع أمي علشان أكشف عند الدكتورة، أصلي تعبانة شوية. رمقها بحدة لينطق بكلمات لازعة: -ما أنت زي القرد أهو وصحتك تهد جبال.
-والله تعبانة يا عمي. قالتها بوجه حزين كي تبتز تعاطفهم لتسترسل بإيضاح: -رايحة لدكتورة النسا والتوليد. رفع نصر بصره يتطلع عليها ليسألها بلهفة: -إنت حامل؟! ابتسمت بخيبة أمل لتحول بصرها إلى زوجها الجالس بجانب والدته بوجه عابس يقلب بصحنه ويتناول منه القليل بدون شهية لترد متهكمة: -وده هيحصل إزاي يا حسرة وابنك سايبني وطافش برة البيت طول الوقت، واليلة اللي ربنا بيهديه وينامها في البيت بينامها لوحده في شقة بنت غانم.
هتفت إجلال بشراسة وهي ترمقها باستنكار وازدراء: -اتحشمي يا بت وإنت بتتكلمي قدام الرجالة، ولا أمك معلمتكيش يعني إيه خشى؟! قاطعها نصر بحدة ليقول بنبرة غاضبة: -بدل ما تقولي لها اتحشمي فهمي ابنك إن اللي بيعمله ده حرام. -والله الحرام هو إن بنت الـ... دي...
تفضل قاعدة في بيتي وعلى ذمتي لحد الوقت، أنا مش فاهم أنتِ ليه مُصر إني مطلقهاش، واحدة مش طايق حتى أبص في وشها، بأي عقل تفضل على ذمتي، لا وكمان بتطلب مني أعاملها كزوجة وأديها حقوقها. هب واقفًا واستطرد وهو يوجه لومه لأبيه: ولعلمك بقى، لولا إصرارك ده كان زمان مراتي وابني في حضني من زمان. صاح بكامل صوته وهو يشير عليها باشمئزاز: إيثار رفضت ترجع لي علشان مطلقش الحرباية دي. صاح نصر باستنكار ونظراتٍ كالصقر:
علّي صوتك كمان على أبوك يا عمرو بيه وإرمي عليا خيبتك وفشلك. واستطرد بنبرة ساخطة رامقًا إياه بنظراتٍ تملؤها خيبة الأمل: بنت منيرة طفشت من دناوة نفسك ومشيك العوج، وبعدين مرات مين يا موكوس، كل شوية تصرخ لنا زي العيال مراتي مراتي، مراتك سابتك وراحت لوكيل النيابة يا بقف. ختمتك على قفاك أنت واخواتها ونشنت على الراجل اللي هيعرف يقف للكل بمنصبه ومنصب أبوه. واستطرد بابتسامة ساخرة:
والله برافوا عليها بنت غانم، طلعت بنت أبوها بجد ونشنت والنشان صاب. احتدت ملامحه وامتلأت بالغضب والقسوة وما كان منه سوى الهرولةِ إلى الخارج كبركانٍ ثائر كي لا ينفجر بوجه أبيه. احتدمت ملامح إجلال لترمق نصر بنظراتٍ توعدية جعلته يبتلع لعابه رعبًا، أما سمية فكانت تجلس بقلبٍ سعيد لرؤيتها لفوران عمرو بتلك الطريقة بعد توبيخ أبيه له، تحدثت ياسمين زوجة طلعت كي تهدأ من حدة تلك الأجواء المحتدمة:
تعالي معايا النهاردة يا سُمية أنتِ وخالتي ناصرة، طلعت هيوديني للدكتورة اللي بتابع معاها. هتف نصر بنبرة غاضبة تنم عن مدى سخطه على حال أبنائه: ربنا ينفخ في صورتك المرة دي وتجيبي لنا حتت واد بدل ماسورة البنات اللي فتحتيها علينا. أجابهُ طلعت بنبرة واثقة: بعون الله هيطلع واد المرة دي يا حاج. ليسترسل بنبرة أظهرت كم حقده على الصغير لما يحظى به من حب واهتمام من والديه: وهجيب لك يوسف بدل ابن عمرو اللي طار مع أمه.
تحولت ملامح نصر لحادة ليدق بكفه بقوة فوق الطاولة مما أرعب الجميع لينطق بصرامة لا تقبل المناقشة: البيت ده مفهوش غير يوسف واحد، وقريب قوي هجيبه وينور بيت جده ويعيش فيه عيشة الملوك. ارتعبت أوصال الجميع والتزم الجميع الصمت تحت حقد طلعت الدفين لذاك الصغير الذي لا ذنب له سوى براءته وطهارة قلبه. ******* داخل منزل غانم رحمة الله عليه.
نزلت منيرة من فوق الدرج بعدما أطعمت الطيور فوق السطوح لترى نسرين تعدل من وضعية كيسٍ كبيرٍ مليءٍ بحبوب القمح بينما تقف نوارة بالمطبخ تجلي الأواني، تطلعت عليها لتسألها مستفسرة لاعتقادها أنهُ هدية من أحدهم: مين اللي جايب لنا القمح ده يا نسرين؟ عزيز هو اللي جابه ورجع تاني على الأرض... نطقتها بلامبالاة لتسألها من جديد: رجع يجيب باقي القمح يعني؟ ردت عليها ببرود: لا يا مرات عمي، عزيز مجابش غير الشوال ده وباع الباقي كله.
اتسعت عينا منيرة لتصيح بها بحدة وعدم استيعاب: باع خزين البيت؟! لتسترسل باعتراضٍ حاد: ومنه لنفسه كده من غير ما يقولي؟! وهنقضي باقي السنة إزاي من غير خزين؟! ولا هتاكلوا طوب بدل العيش؟! مالت بخصرها بطريقة خالية من الاحترام لوالدة زوجها لتقول ببرود: وكنتي عوزاه يعمل إيه، باعه علشان يصرف على العيال بعد ما بنتك راحت اتجوزت من وراكم ووطت راسكم، وقفلت باب الرزق اللي كان هيفتحه لنا الحاج نصر.
هتفت منيرة بملامح وجه مشتعلة لتعدي تلك الحقيرة عليها بالحديث المقلل لكرامتها: إوعي تجيبي سيرة بنتي على لسانك لأقطعهولك. بنبرة متهكمة تحدثت: بدل ما تقطعي لي لساني روحي ربي بنتك، وعلى فكرة، عزيز مش هيدخل محصول الأرض في البيت تاني، عيالك الاتنين بيقبضوا وعلى قلبهم قد كده، خليهم يشتروا قمح وذرة لأكلهم هما وعيالهم. نطقت كلماتها الحادة وصعدت الدرج وهي تقول:
إبقى اعملي الغدا أنتِ ونوارة ونضفوا البيت علشان أنا مش قادرة النهاردة. اشتعلت عينا منيرة لتهتف بقوة: ماشي يا نسرين، إن ما خليت عزيز يربيكِ على كلامك ده ما أبقاش أنا منيرة. استدارت لتجيبها بابتسامة مستفزة أحرقت قلب الأخرى: كلامي ده أوامر عزيز ليا يا مرات عمي، هو اللي قالي كده وقالي كمان اللي مش عاجبه الباب يفوت جمل.
نطقت كلماتها التي أملاها عليها عزيز بعدما اتفقا سويًا بأن يأخذ أموال محصول الأرض لحاله مما شجع نسرين على فرض سيطرتها وهيمنتها هي الأخرى على المنزل وعلى منيرة بذاتها بما أنها أصبحت زوجة كبير المنزل الحاكم الأمر.
أما نوارة فكانت تتوارى خلف حائط المطبخ تشاهد ما حدث بقلبٍ مهموم وصمتٍ كعادتها المسالمة، فقد تجبر عزيز وزوجته بعد وفاة غانم، وباتت نسرين تأمرها وتحملها جميع متطلبات المنزل لكنها لم تتوقع أن تتجبر على والدة زوجها هي الأخرى، تنهدت بثقل وهي تهمس بين حالها بنبرة متوجسة: ده ذنب المسكينة إيثار اللي كلنا شاركنا في ظلمها، ولسة ياما هيحصل فينا بذنبها.
فاقت من غفوتها وقد تخطت الساعة الحادية عشر ظهرًا، تمطأت لتفرد ذراعيها بدلالٍ ووجهٍ ضاحك حين تذكرت وعد حبيبها لها، نفضت الغطاء وتحركت إلى الحمام بنشاط وقامت بأخذ حمامٍ، خرجت بعد قليل مرتدية "البورنس" لتتحرك صوب خزانة ملابسها لتختار بعض الملابس، انتقَت كنزة من اللون الأزرق وبنطالًا أبيض وحجابًا من نفس اللون بعد كلام عزة اللائم لها عن عدم جواز ارتدائها للأسود المتوشحة به منذ وفاة والدها وأيضًا اتباعًا لأوامر ديننا الحنيف بعدم جواز ارتداء المرأة للزي الأسود "الحداد" ما فوق الثلاثة أيام، استمعت لطرقات خفيفة على الباب لتدخل عزة التي توسعت
عينيها وهي تردد بسعادة: الشمس نورت يا ست البنات، عين العقل إنك قلعتي الأسود، الحزن في القلب وعمره ما كان باللبس أبدًا. ابتسمت بسعادة لتتطلع بتمعن على تلك الباقة الرائعة من الزهور وعلبة الشيكولاتة المرصوصة بعناية ودقة داخل طبق كريستالي فخم ومغلف بورق السيلوفان الشفاف، لتتذكر عزة وتقترب عليها قائلة بمزاحٍ لطيف: الباشا بيصبح. فؤاد هو اللي باعتهم؟ قالتها بسعادة وهي تتناول باقة الزهور وتميل عليها تشتم رائحتها العطرة
لتجيبها الأخرى بمشاكسة: العاشق الولهان بيصالحك بورد وشيكولاتة زي بتوع الأفلام، الحارس قالي إنهم مبعوتين لمدام فؤاد باشا.
شعرت بسعادة الدنيا تغمرها من حبيبها الذي لا يترك مناسبة إلا ويثبت بها أنها امرأته التي تخصه، وضعت الباقة فوق الفراش واقتربت على عزة لتزيل ورق السيلوفان وتخرج إحدى حبات الشيكولاتة وتزيل غلافها لتتناولها، أغمضت عينيها تتذوقها بتلذذ واستمتاع، فقد كانت من النوع السادة المحبب لديها، ذابت بنعومتها بفمها ومازالت مغمضة العينين مبتسمة تحت سعادة عزة لتفتح عينيها عندما استمعت لصوت رنين الهاتف، أمسكت هاتفها لتجده فارسها المغوار حيث نطق بنبرة حنون
بعد انسحاب عزة للخارج: الشيكولاتة عجبتك؟! طعمها حلو قوي، تسلم إيدك. نطقتها بسعادة ليسترسل بذات مغزى ووقاحة: ولسه هيبقى أحلى لما أكلها لك بنفسي. ابتسمت وتنهدت براحة ليسترسل بنبرة جادة: إيثار، ممكن اللي حصل إمبارح ده ما يتكررش تاني. واستطرد مرتابًا: أنتِ ليه مش مقدرة حجم الخطر اللي أنتِ فيه، أنا كنت هموت من رعبي عليكِ إمبارح، مقدرتش أنام طول الليل كل ما أتخيل إن لا قدر الله كان ممكن يحصل لك حاجة وأنا مش جنبك.
بنبرة أشبه بالهمس نطقت بكلماتٍ أذابت بها قلبه: أنا آسفة يا فؤاد، أوعدك اللي حصل إمبارح مش هيتكرر تاني. تنهد لينطق من جديد: وموضوع خروجك من البيت ورجوعك لشقتك القديمة ده تنسيه وتشيليه من دماغك نهائي، حتى لو زعلنا مع بعض، أنتِ خلاص بقيتي مراتي، يعني ده بيتك اللي مش هتخرجي منه غير بعد عمر طويل. حاضر. كلمة أثارته بها لتسترسل مستوضحة:
طب أنا كنت عاوزة أسألك على موضوع رجوعي للشركة، هرجع إمتى أنا كده اتأخرت قوي وتقلت على الباشمهندس أيمن. أخذ نفسًا عميقًا ليجيبها بغموض: خلي كل حاجة لوقتها، نتكلم في الموضوع ده بعدين. ما أنا عاوزة أعرف... قاطعها بنبرة متوسلة لينطق بقلبه قبل لسانه: حبيبتي، خلينا مبسوطين النهاردة ومنفكرش في أي حاجة غير في اللي هيحصل بينا وبس، أنا عاوزك تبقي ليا بكل ما فيكِ النهاردة حتى عقلك.
خجلت ليستمع هو لطرقاتٍ فوق باب مكتبه لينطق سريعًا: أنا مضطر أقفل علشان عندي تحقيق مهم، خلي بالك من نفسك وحاولي تستجمي على ما أجي لك. حاضر. نطقتها برضوخٍ أنثوي أثار حواسه لينطق بنبرة تهيمُ عشقًا: بحبك يا إيثار... قالها بكل ما فيه من هيام ليغلق الهاتف ويتركها سارحة في ملكوت عشقه. بعد قليل هبطت إلى الأسفل لتجد فريال تجلس ببهو القصر تطعم صغيرها اتجهت إليها لتتحدث بوجهٍ مبتسم مشرق في محاولة منها للتودد لها
رغم تحفظ الأخرى بمعاملتها: صباح الخير. تطلعت عليها بعينين متفحصة لتتعجب، فقد كانت مختلفة كليًا ابتداءً من تخليها عن الأسود مرورًا بنور وجهها المشرق وابتسامتها الرائعة الدالة على راحتها النفسية، أجابتها بهدوء: صباح النور. لتسترسل لخلق حديثٍ بينهما: صاحية متأخرة النهاردة؟ ابتسمت الأخرى لاهتمامها لتجيبها وهي تجلس بمقابل مقعدها كنوعٍ من مجاراة الحديث: منمتش كويس بالليل.
توقفت عن إطعام صغيرها لتنظر إليها بجبينٍ مُقطب وهي تسألها باهتمامٍ ملفت للنظر: ليه؟ ضيقت الأخرى عينيها متعجبة من ذاك السؤال لتسترسل الأخرى سريعًا لتعديل صيغة السؤال: أقصد يعني إيه اللي ما خلاكيش تنامي كويس، كنتي تعبانة ولا.. صمتت تحت استغراب إيثار من فضولها المثير للجدل ليقطع صمتهما دخول العاملة التي تحدثت قاصدة بحديثها إيثار:
صباح الخير يا مدام إيثار، سيادة المستشار وصاني أول ما حضرتك تصحي أجهز لك الفطار وأطلعهولك بره في الجنينة. تمام يا.. صمتت لتسألها بابتسامة مشرقة: -هو أنتِ اسمك إيه؟ اسمي انتصار يا هانم. نطقتها بوجهٍ بشوش لتجيبها الأخرى بعدما وقفت استعدادًا للتوجه للخارج: -أوك يا انتصار، طلعي الفطار وأنا خارجة حالًا. ثم حولت بصرها لتلك التي تستمع الحديث باشتعالٍ بقلبها لتتحدث بوقار: -بعد إذنك.
أومأت بابتسامة مصطنعة لتتحرك الأخرى صوب الباب الخارجي لتستقر بعد قليل فوق مقعدٍ أمام حمام السباحة لتأتي العاملة بعد قليل حاملة صينية بين يديها لترص ما بها فوق الطاولة وتنسحب للداخل تاركة تلك التي بدأت بتناول الطعام بشهية مفتوحة ووجهٍ ضاحك كلما تذكرت كلمات ذاك الذي غمرها بعشقه وأفرط في دلالها بطريقة راقية. انتهت من تناول الإفطار لتأتي العاملة وترفع الأواني، وبعد قليل أتت عزة حاملة قدحًا من القهوة لتنطق بحبورٍ ودلال:
-قهوة ست البنات. ابتسمت بسعادة وبسطت يدها لتتناول قدح القهوة قائلة باستمتاع: -ميرسي يا عزة، تسلم إيدك. نطقت بسعادة بالغة: -بالهنا والشفا يا حبيبة قلبي. أطالت النظر بعينيها لتسترسل بمشاكسة: -شكلنا هنستقر هنا وست البنات هيكون مكانها في جناح الباشا قريب. اتسعت عيني إيثار وتوردت وجنتيها لتتحدث بابتسامة خجلة: -إيه اللي بتقوليه ده يا عزة، عيب كده. ضحكت لتتحدث بمداعبة: -هو إيه ده اللي عيب؟
كفانا الشر، ده جوزك حلالك اللي بيموت فيكي. قطبت جبينها تتطلع عليها لتقول بنبرة ساخرة: -بيموت فيا مرة واحدة، ودي عرفتيها لوحدك ولا حد قالها لك يا أم العريف؟ ضحكت لتجيبها بتأكيد: -وهي دي محتاجة حد يقولها لي؟ طب ده الجدع اتفزع وقلبه كان هيخرج من صدره أول ما دخل الصبح ولقانا بنلم حاجتنا في الشنط، لولا الملامة كان جري عليكي وأخدك في حضنه واترجّاكي ما تسيبيه. ابتسمت إيثار بسعادة لتسترسل الأخرى بملاطفة:
-العيون بتفضح الحبيبة، مهما خبّوا عينيهم بتفضحهم، وسيادة المستشار عيونه فضحته، والنبي الراجل دايب في جمالك يا ست البنات. اكتسى وجهها بحمرة الخجل لتنزل بصرها للأسفل مبتعدة عن مرمى عيني تلك المراقبة لتغيراتها بسعادة، قطع تلك اللحظة إقبال فريال التي تحدثت بنبرة جادة إلى عزة: -اعملي لي فنجان قهوة لو سمحتي يا عزة. -من عنيا يا ست هانم، حالًا هيكون عندك أحلى فنجان قهوة. نطقت كلماتها لتنسحب للداخل في حين تحدثت
فريال بابتسامة مصطنعة: -تسمحي لي أشرب قهوتي معاكي؟ -أكيد طبعًا اتفضلي. نطقتها بإشارة من كف يدها للجلوس، جذبت المقعد وجلست لتقابلها ثم تحدثت بنبرة جادة: -هو أنتِ مش هترجعي لشغلك ثاني؟ أجابتها بهدوء: -هرجع أكيد. لتستطرد بحرج ظهر بعينيها: -المسألة مسألة وقت مش أكتر. هزت رأسها بتفهم لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تنطق بنبرة مترددة: -عاوزة أتكلم معاكي شوية بخصوص فؤاد يا إيثار. نظرت لها إيثار بتمعن لتتنفس الأخرى بعمقٍ قبل
أن تسألها بعينين مترقبة: -هو أنتِ نمتي في أوضة فؤاد امبارح؟ قطبت جبينها بعدم استيعاب لسؤالها لتسترسل الأخرى بتفسيرٍ أشمل: -حصل بينك وبينه حاجة يعني. اتسعت عيني إيثار لتستطرد الأخرى بجرأة تصل لحد الوقاحة: -من الآخر كده أنا شفتك امبارح بالليل وأنتِ داخلة أوضته. لتسألها مستفهمة: -أنتِ نمتي معاه؟ احتدَم داخل إيثار من وقاحة تلك مفتقرة الأدب لتهتف بنبرة حادة: -من فضلك، مينفعش تكلميني بالطريقة دي.
واستطردت بنبرة صارمة وعيني تشتعلُ من شدة غضبها: -ثم أنتِ مش شايفة إنك بتدخلي في أمور خاصة وميصحش تسألي فيها؟! إلى هنا واشتعل داخل فريال لتهتف بنبرة صارمة وعينين حادة كشّرت بهما عن أنيابها: -كل حاجة تخص فؤاد تخصني أكتر مما خيالك يصور لك. فؤاد أخويا الوحيد ويهمني أمره. نطقتها بعينين حادتين لتغمض عينيها وتطلق زفيرًا يهدئ من حدتها لتفتح أهدابها من جديد وتحدثها بعدما تحولت نظراتها لهادئة:
-اسمعيني كويس يا إيثار، أنا زي ما خايفة على أخويا فأنا كمان خايفة عليكي، أنتوا متنفعوش لبعض، ده غير إنك ست عندك ولد ومحتاجة حياة مستقرة، على الأقل علشان ابنك يستقر نفسيًا بدل ما أنتِ بتتنقلي بيه من بيت لبيت. نزلت كلماتها المهينة كنصلٍ حاد لسكينٍ مدبب الأطراف غُرس بقلبها بكل جبروت ليقطر دمًا، بقلبٍ يأنُ ألمًا وصوتٍ خافت سألتها: -أنا مش فاهمة أنتِ تقصدي إيه بكلامك ده؟! أخذت نفسًا عاليًا قبل أن تتحدث بما قضى
على آمال تلك معدومة الحظ: -إحنا عارفين حقيقة جوازك من فؤاد، وعارفين إن فؤاد عمل كده شهامة منه علشان يحميكي من إخواتك اللي كانوا عاوزين يرجعوكي لطليقك غصب عنك. اتسعت عينيها بهلع لتسترسل الأخرى كذبًا بما جعل قلب الأخرى يتلوى قهرًا: -فؤاد قال لنا على العقد المزوّر اللي وراه لإخواتك وحكى لنا كمان إنه أول ما وصل بيكي القاهرة أخدك وراح عند مأذون شرعي وكتب كتابه عليكي علشان لو إخواتك قدموا فيه بلاغ يكون جاهز وكل شيء قانوني.
بصعوبة أخرجت كلماتها بتخبطٍ أوضح تشتتها: -فؤاد هو اللي قالك الكلام ده؟ أجابتها مؤكدة بزيفٍ، فقد قصّ فؤاد على والده ما حدث أما فريال فقد علمت من والدها وليس من فؤاد كما تدعي: -أيوة، في اليوم اللي جابك فيه على البيت أنتِ وابنك، بعد ما طلع معاكم فوق نزل وحكى لنا أنا وبابا وماما. واسترسلت بقلبٍ حزين صدقًا لأجلها بعدما رأت شتاتها:
-أنا مش ضدك يا إيثار، بس مش عاوزاكي تبني أحلام وتتأملي إنها هتتحقق وفي الآخر تتصدمي لما تكتشفي إنها مجرد أوهام، وتبقى زي اللي بنى بيته على الرمل وفرح بيه لحد ما جت أول موجة ومحت أي أثر ليه. اغرورقت عينيها بدموع القهر والألم لتتابع الأخرى بصوتٍ متأثر: -مش عاوزاكي تزعلي مني، أنا حبيت أقصر عليكي الطريق وأفوقك قبل ما تصحي تلاقي نفسك غرقانة في حكاية هتطلعي منها خسرانة كتير. لتستطرد بتأكيد:
-من الآخر كده فؤاد أخويا لا بتاع حب ولا جواز، أنا وبابا وماما لينا سنين بنحاول معاه وهو رافض، مش حابب يعيد تجربة الجواز مرة تانية. تحاملت على حالها واستندت بساعديها على جانبي المقعد لتقف فاردة ظهرها وتحدثت بصوتٍ لامرأة مهزومة: -أنا مش زعلانة منك، بس حابة أوضح لك طبيعة العلاقة بيني وبين سيادة المستشار، كل اللي قلتيه أنا عارفاه وعارفة حدودي كويس سواء في علاقتي معاه أو حدودي هنا في البيت. تعمقت بعينيها لتسترسل:
-ومتقلقيش، أنا مش مطولة هنا، وأول ما ظروفي تتحسن هاخد ابني وأرجع لشقتي وشغلي وأمارس حياتي بشكل طبيعي، أنا قاعدة هنا بشكل مؤقت لحد ما طليقي وإخواتي يزهقوا ويخرجوني من حساباتهم. أومأت فريال برأسها بجمود لتتحرك الأخرى في طريقها لدخول المنزل لكنها سرعان ما استدارت لتتحدث بصوتٍ قوي لامرأة شامخة:
-على فكرة يا مدام فريال، أنا كنت رايحة أوضة سيادة المستشار علشان هو كان باعت لي بخصوص خروجي من غير حراسة امبارح، ومكملتش عشر دقايق ورجعت على أوضتي نمت مع ابني. أنزلت فريال بصرها للأسفل لتتحرك إيثار صوب الداخل ومنه إلى الأعلى لتغلق عليها باب الغرفة مطلقة العنان لدموعها التي انهمرت قهرًا على ما وصلت إليه، تنفست بقوة لتنوي الرحيل عقب استقرار الوضع وذلك بعد كل ما تعرضت إليه من إهانات داخل ذاك المنزل.
أمسكت الهاتف لتطلب من عزة انتظار صغيرها لحتى العودة من مدرسته والصعود به مباشرةً وذلك بعدما شعرت بحاجتها لضمة صغيرها لتستمد منه قوتها وصمودها. ********* بعد عدة ساعات
عاد فؤاد من عمله عندما حل المساء ليصعد سريعًا لجناحه على أمل أن يملأ عينه برؤية من ملكت القلب، أمسك مقبض الباب وفتحه بقلبٍ يرتجف ويكادُ ينخلع ليسبقه إليها من شدة سعادته، تطلع للمكان بعينين متشوقتين لكن سرعان ما اختفت البسمة حين وجد المكان مظلمًا وخاليًا من أميرته، ضغط على زِر الإضاءة ليستكشف ما إذا كانت نائمة تنتظره بفراشه فانهدمت آماله عندما رأى الفراش مرتبًا ليحول بصره سريعًا نحو باب الحمام ليجدُه مظلمًا أيضًا
ليتأكد من عدم زيارتها لجناحه من الأساس، فكر بأن يذهب لغرفتها ليستدعيها فلربما يكون الخجل هو من منعها من الحضور، هز رأسهُ باقتناع ودخل سريعًا إلى الحمام ليختفي خلف بابه بعدما قرر بأخذ حمامًا دافئًا يرخي به عضلات جسده المتشنجة نتيجة العمل، خرج بعد قليل يلف منشفته حول خصره وذهب لغرفة الملابس اختار تيشرت بيتي من اللون البيج وبنطال مريح من القطن بلونٍ أسود، صفف شعره بعناية ونثر رذاذ عطره الفواح وابتسم برضى وهو يلقي على
حاله نظرة أخيرة بانعكاس المرآة قبل أن يتحرك بقلبٍ متلهف نحو حُجرتها، دق بابها وبعدما استمع لصوتها دخل على الفور يبحث عنها بعيونٍ زائغة متشوقة، وجدها تتوسط الفراش مُمسكة بكتيبٍ لإحدى قصص الأطفال تقص منه لصغيرها القابع فوق ساقيها يستمع لما تقص بإنصات، هلّل الصغير عندما رآه فتحدث مبتسمًا
وهو يتجه نحوه: -ازيك يا جو.
الحمد لله يا أنكل. نطقها بابتسامة واسعة عبّر من خلالها عن ارتياحه لشخص فؤاد، ارتبكت حين جاورها الجلوس فوق فراشها ليسحب الصغير من فوق ساقيها ويضمه لأحضانه، تعجبت بعدما رأت صغيرها قد لف ساعديه حول عنقه ليشدد من عناقه، كيف لصغيرها الخجول والغير مندمج مع الآخرين أن ينجرف بمشاعره ويطلق لها العنان في التعبير عنها لذاك الفؤاد، تنهدت بألم لعلمها ما ينتظرها وصغيرها بعلاقتهما معه، نظر لها فوجد ملامحها مشتتة فتحدث مبتسمًا وهو يربت على ظهر الصغير الذي أراح
برأسه فوق كتفه باسترخاء: -استغربت لما رجعت ملقتكيش في جناحي زي ما اتفقنا. تلبكت لتتحدث بنظراتٍ زائغة بعيدًا عن مرمى عينيه: -أنا قاعدة مع يوسف زي ما أنتَ شايف، مكنش ينفع أسيبه لوحده. على حديثها بابتسامة لطيفة: -مش إحنا اتفقنا إن عزة هتنام معاه هنا؟ -عزة تعبانة. نطقتها متهربة من عينيه المتفحصة لملامحها ليسألها بجبينٍ مُقطّب: -تعبانة إزاي؟ أجابته بتلبك: -عندها صداع ومرهقة. وضع قُبلة فوق وجنتي الصغير الذي مازال محتضنًا
إياه ليتحدث إليها من جديد: -أنا هتصل برقيه تطلع تبات معاه، هي عندها خبرة في تربية الأطفال وهتعرف تتعا... قطعت حديثَهُ بحدة قائلة برفضٍ تام: -ملوش لزوم تتعبها معانا. ابتسم ليتحدث بعدما بسط ذراعُه يتلمس به وجنتها بنعومة جعلت القشعريرة تسري بكامل جسدها لتنتفض على أثرها: -مفيش تعب ولا حاجة، ثم إن ده شغلهم. شغلهم لأصحاب البيت يا سيادة المستشار، مش للضيوف. قطب جبينه مستغربًا حديثها ليسألها:
-طب ما أنتِ من أصحاب البيت يا إيثار. بلاش نضحك على نفسنا بكلام ومصطلحات مش صحيحة. نطقت جملتها بحدة وهي تسترجع بداخل عقلها كلمات شقيقته عن أنهُ قصّ لهم ظروف زواجهما وكشف سترها أمام عائلته لتسترسل بذات المعنى وهي تتمركز بمقلتيها بخاصتيه: -أنا وأنتَ عارفين كويس أوي ظروف جوازنا، فياريت نتعامل مع بعض على أساس إن الموضوع مؤقت ومسيره ينتهي وكل واحد فينا يرجع لحياته الطبيعية.
شعر بحدتها فأخذ يتطلع إليها عدة لحظات طويلة بصمت متفحصًا إياها بأعين متعجبة ليسألها بهدوء: -أنتِ كويسة، حصل حاجة أنا معرفهاش زعلتك؟ تحدثت بثقة ونبرة جادة أرادت بها الحفاظ على ما تبقى من ماء وجهها: -خالص. لتستطرد متسائلة باستخفاف: -إيه اللي بيخليك تقول كده؟ أصل كلامك معايا الوقت مختلف جدًا عن كلامنا مع بعض الصبح، يعني حسيت... قاطعته بحدة ناهرة:
-غلطة يا سيادة المستشار، كلامنا كان نابع من لحظة ضعف عشناها كراجل وست قربوا من بعض وحسوا بتوتر وشوية أحاسيس مكنتش لازم تتحس، وللأسف انجرفوا ورا رغبة. لتنظر بعينيه قائلة بقوة وتأكيد: -مجرد رغبة، والحمد لله إني فوقت لنفسي قبل فوات الأوان. كلماتها كانت أشبه بطعناتٍ ضربت بها نصف قلبه فتناثرت دمائه النقية على أثرها، ابتلع غصة مريرة ليتحدث بصوتٍ ظهر حاد امتثالًا لكرامة الرجل الذي بداخله: -أنا كمان شايف كده.
نظر للصغير ولرأسه المرتخية فوق كتفه ليتفاجأ بغفوته وكأنهُ وجد سلامه النفسي بأحضان ذاك الحنون فاستسلم ودخل بسباتٍ عميق، أنزله بين يديه بهدوء وأشار لها كي تعدل الفراش وبالفعل جذبته ليُنزِل الصغير برفقٍ ويعدل من وضعية رأسه فوق وسادته ثم يدثرُه بمساعدتها بالغطاء الوثير ليميل فوق وجنته واضعًا قُبلة حنون، لا يعلم ما يحدث له بكل مرة يقترب فيها من ذاك الملاك، فقد استطاع ببراءته أسر قلب ذاك القوي ليحولُه للين، بقلبٍ يأن ألمًا
وعينين مغرورقتين بالدموع كانت تطالعُه، كم تمنت أن تجد لصغيرها صدرًا حنون يحتويه ليُشعره بالأمن والأمان ويكون لهُ السند الذي افتقده بغياب ذاك الأناني الذي لم يضعه بحسبانه وانجرف خلف شهواته، بصعوبة أبعد شفتاه عن وجنة الصبي لينتفض واقفًا وتحرك سريعًا صوب باب الغرفة ليقف فجأة متحدثًا بصوتٍ
صارم دون الاستدارة: -عاوزك تنسي طلبي اللي بلغتك بيه الصبح، تمحيه من ذاكرتك نهائي لأنه زي ما قلتي، ناتج عن رغبة من راجل لست. واستطرد مؤكدًا على حديثها بطريقة ساخرة: -مجرد رغبة. نطقها وانطلق بسرعة البرق ليختفي خلف الباب حيث أغلقَهُ برفقٍ لتجنب إزعاج الصغير، أطلقت العنان لدموعها الغزيرة فور خروجه، شعرت بمرارة حلقها لتنظر لصغيرها الغافي، كم تمنت لو كان صادق الوعد وأثبت حسن نيته بمساندتها، تنهدت بألم لتسأل حالها باستغراب:
-ولما الاستغراب يا إيثار؟ ما الذي فعله كي يثبت أنهُ ينظر لكي كزوجة محترمة يريد مشاركتها لمشوار حياته؟ ماذا كنتِ تنتظرين من رجل من الوهلة الأولى التي رآكِ بها طلب الزواج منكِ بعقدٍ عرفي؟ أواعيةً أنتِ؟ كان يريدكِ امرأةً في الظل، هكذا هي نظرته لكي منذُ البداية، إذًا فلا داعي لما تفعلين.
أما عن ذاك العاشق فقد ولج لحجرته كمحارب مهزوم يجر أذيال خيبته، ألمًا ساكنًا بثنايا قلبه، ذهب وكلُه أمل أن يعود بها لتدفئ فراشَهُ البارد وتشاركه ليلهُ الطويل، عاهد حالهُ أن يتخذ منها سكنًا وسكينة ويحيا معها إلى نهاية العُمر، لكنها وللأسف ضربت بأحلامه عرض الحائط.
كان يدور حول نفسه كالأسد الحبيس، يجذب خصلات شعره الناعمة بعصبية مفرطة متنفسًا بتلك الطريقة عن غضبه الحبيس الذي لو خرج لأحرق بطريقُه الأخضر واليابس، بات يراجع حديثهما صباحًا، هل تحكم به عشقها الملعون لدرجة جعلته يتخيلها توافق على تلميحاته بتسليمه حالها؟
نفض رأسهُ معترضًا ليراجع حاله، لا لم يكن تلميحًا بل كان تأكيدًا بالموافقة على طلبه الصريح بأن يعاملها معاملة الأزواج، نعم لقد رأى استجاباتها بل انسجامها مع كلماته ونظراته الجريئة التي كانت تتحرك بجرأة فوق شفتيها وعينيها تحت سعادتها التي رآها بأم عينيه، هو ليس بأَعرَن كي لا يستطيع قراءة عيني امرأة راغبة ورغبتها نابعةً من عشقها، نعم لقد رأى شغف عشقها بمقلتيها.
دار حول حاله بجنون، يا الله سيُجن، مالذي حدث وأبدل الحال هكذا؟ ظلا هكذا لوقتٍ غير معلوم بالنسبة لهما، لقد عاشا وقتًا صعبًا، جلس كلٌ منهما يترقب الوقت ويتمنى داخله بأن تنتهي تلك الليلة الطويلة الحالكة والتي اختفى قمرها ليزيدها سوادًا. ********
انتهت عتمة الليل وشق نور الصباح ليسدل الستار على يومٍ عصيب لا زالت توابعُه قابعة بقلبي كِلا العاشقين، ارتدى ثيابه البيتية الهادئة، بنطال من القطن وكنزة نصف كم باللون الأبيض صفف شعره وهندم شعر ذقنه ونثر عطره ليتحرك إلى الأسفل للحاق بتجمع العائلة حول مائدة إفطار يوم الجمعة وهو اليوم الوحيد التي تجتمع به الأسرة بتلك الوجبة، خرج من حجرته وكاد أن يتجه صوب الدرج لكنه توقف وهو يرى عزة تخرج من حجرة محطمة آماله حاملة الصغير فوق صدرها، تحرك إليها ليبتسم للصغير مداعبًا وجنتَهُ الرقيقة بأصابع يده ليبتسم ذاك البريء، نظر لها متسائلًا
باستفسار: -المدام نزلت تحت يا عزة؟ لتجيبه بنفيٍ: -الست لسه في أوضتها يا باشا، طلبتني وقالت لي أنزل يوسف وأفطره وأخليه يلعب في الجنينة علشان ميزهقش. سألها من جديد: -وهي منزلتش ليه؟ أجابته بهدوء: -مش عارفة يا فؤاد باشا، بس هي شكلها كده مزمزئة شوية. قطب جبينه لعدم فهمه للمصطلح لتستطرد مفسرة: -شكلها داخلة على دور برد. تحدث وهو يتحرك لغرفتها: -خدي الولد نزليه تحت وأنا هدخل لها.
ابتسمت بسعادة ودق هو الباب، تعجب من عدم ردها ليفتح الباب ويدخل ليتفاجأ بخروجها من الحمام، أخذ يتطلع إليها متفحصًا إياها بنظراتٍ مبهمة فقد كانت ترتدي قميصًا بيتيًا قصيرًا يكشف عن سيقانها المتناسقة والناصعة البياض ليمرر بصره للأعلى حيث ذراعيها العاريين مرورًا بفتحة صدره التي كشفت عن بداية نهديها بينما كانت ترفع شعرها لفوق بكعكة عشوائية لتتناثر منه بعض الخصلات الشاردة فوق عنقها المرمري، قبض على فكيه ليتماسك أمام كل هذا السحر وتلك الأنوثة المكتملة لامرأة بعمر السابعة والعشرون، تحمحمت بخجل وباتت تغلق من فتحة صدرها بعدما رأت عينيه وهي مثبتة فوقها دون حياء، عاد لرشده سريعًا
ليتحدث بنبرة صوت رخيمة: -صباح الخير. بصوتٍ متحشرج متأثرًا باللحظة أجابته وهي تتهرب من عينيه: -صباح النور. منزلتيش ليه علشان تفطري مع العيلة؟ نطقها بجدية لتهمس بصوتٍ خجول: -أنا هخلي عزة تطلع لي الفطار هنا، يعني علشان أسيبكم على راحتكم. ابتلعت لعابها بمرارة لشعورها الدائم أنها عبء على أهل المنزل وأنهم أجبروا على وجودها الذي فرضه فؤاد على الجميع:
-أنتوا عيلة وأكيد عندكم أسراركم وخصوصياتكم اللي حابين تتكلموا فيها يوم الإجازة، وجودي مش هيبقى لايق. تحدث بنبرة جادة وملامح وجه صارمة: -يظهر إن مدام إيثار ناسية إنها بقت فرد من العيلة وإن مبقاش فيه أسرار عليها، واسترسل بغصة متذكرًا حديثها ليلة أمس: -على الأقل طول الفترة اللي هنقضيها كزوجين، يلا غيري هدومك علشان تنزلي معايا. نطقها بجدية وملامح مبهمة لتتحدث بنفس اللكنة الخجلة:
-أرجوك سيبني على راحتي، أنا مبحبش أكون تقيلة على حد أو أكون موجودة في مكان غير مرغوب بوجودي فيه. قطب جبينه ليسألها بلهجة حادة بعدما تحولت نظراته لقاتمة: -فيه حد من أهل البيت قال لك أو حتى لمح لك إن وجودك مش مرغوب فيه؟ هزت رأسها سريعًا لتجيبه نافية: -لا خالص، بالعكس، الكل بيبتسم في وشي وعمرهم ما حسسوني إني عالة عليهم أو إنهم مجبرين على وجودي وسطهم. ضيق عينيه ليهتف باستياء: -عالة عليهم ومجبرين!
إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟ ليستطرد بقوة زرعت بداخلها الثقة: لازم تعرفي إنك موجودة هنا بصفتك مرات فؤاد علام زين الدين، والبيت ده بيتك زيك زي ماما وفريال وليكِ فيه زي اللي ليهم بالظبط، وياريت تسيبك من الحساسية الزايدة عن اللزوم دي. لم تدرِ لما تملك منها ذاك الشعور الهائل بالسعادة الذي شملها، ليكمل هو بعدما رأى بنظراتها شعورًا بالرضى والحبور: أنا مستنيكِ قدام الباب على ما تغيري هدومك علشان ننزل مع بعض.
أومأت بابتسامة شاكرة ليخرج وينتظرها بالخارج لتهل عليه بعد قليل بمظهرها الخلاب الذي خطف لُبه، أشار بكف يده نحو الدرج ليهبطا منه سويًا متجهين صوب غرفة الطعام، وقبل دلوفهما من الباب مد كف يده ليحاوط خاصتها تحت انتفاضة جسدها جراء المفاجأة، لتنظر له لتجده ينظر لها بطمأنة ليتحرك للداخل وبصوتٍ هادئ وملامح وجه بشوشة تحدث: صباح الخير.
التفت الجميع صوبه لتتفاجأ فريال بضمته لكف تلك التي تتحرك بجانبه والخجل يعتريها، رد الجميع التحية ليتحدث علام مستفسرًا: إيه التأخير ده كله يا سيادة المستشار، موتنا من الجوع وكنا لسه هناكل ونسيبكم. ابتسم لوالده ليتحدث وهو يسحب المقعد للخلف لتجلس عليه كأميرة: أنا آسف يا باشا، نمت إمبارح متأخر علشان كده أخدت وقت على ما فوقت نفسي. ولا يهمك يا حبيبي، محصلش حاجة دول كلهم عشر دقايق.
كلمات هادئة نطقت بها والدته لتسترسل وهي توجه بصرها لتلك المتلبكة بابتسامة: إزيك يا إيثار. أخرجت صوتها لتتحدث بخجل: الله يسلمك يا دكتورة. عاملة إيه يا إيثار، يا رب تكوني مرتاحة في البيت واتأقلمتي عليه بسرعة. كلمات نطقها والده لتبتسم له بسعادة ليتحدث ذاك الذي جاورها الجلوس بالمقعد المجاور: أكيد اتأقلمت يا باشا، فيه حد بيستغرب بيته وميرتاحش فيه.
جعلتها كلماته واهتمامه بها تشعر بوغزة اقتحمت قلبها، أبعد ما أخبرته به ليلة أمس وتلك المعاملة الجافة ما زال يغمرها باهتمامه المبالغ به، لقد أثبت بالفعل أنه رجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لقد توقعت ثورة عارمة من غضبه ستطولها بعدما هدمت أمنياته وصدته وهي التي جعلته يتأمل ويمني حاله بامتلاكها والدخول بها كزوجة شرعية حتى تأمل واستعد نفسيًا، وعلى حين غرةٍ صفعته بقوة برفضها الصريح له، وعَت على صوته وهو يسألها ممسكًا
بشوكتين بين يديه: تاخدي جِبن؟ أومأت بابتسامة سعيدة لم تستطع حجبها عن عينيه ليضع بصحنها بعضًا من أنواع الجِبن ثم أمسك بالخبز ليضعه أيضًا داخل صحنها تحت نظرات فريال المتفحصة لتلك النظرات المتبادلة بين شقيقها وتلك الدخيلة، تنهدت بريبة وعدم راحة بقلبها. ******** بعد انتهاء اليوم
صعدت لتغفو بغرفتها وكعادتها منذ أن أحضرها فؤاد إلى هنا أخذت صغيرها داخل أحضانها ليغفوا، فهي تخشى عليه لذا لا تأمن وجوده إلا بأحضانها، وأثناء ما كانت تغط بنومٍ عميق دق بابها بخفة لكنها لم تشعر لشدة أرقها، فتح الباب بهدوء كي لا يزعج الصغير ونظر عليها ليرى وجهها عبر الضوء الخافت المُنير من ذاك المصباح الكهربائي المعلق بالحائط، كانت الإضاءة باللون الأحمر الخافت مما انعكس على ملامح وجهها وأعطاها مظهرًا مثيرًا للغاية،
ابتلع لعابه عندما اقترب ليقف بجانبها ورأى شعر رأسها الحريري شديد السواد مفرودًا فوق وسادتها البيضاء، أما شفتاها المكتنزة فحدث ولا حرج، ابتلع لُعابه وأغمض عينيه ليأخذ نفسًا عميقًا حاول به تهدئة ثورة مشاعره الكامنة، وضع كفه فوق كتفها العاري فقد كانت ترتدي منامة بحمالات رفيعة من اللون الأزرق الذي أظهر بياض جسدها، هزها بحنان وهو يهمس بنبرة خرجت رغمًا
عنه حنون: إيثار. استمعت لصوته الحنون لتبتسم تلقائيًا لتخيلها أنه يراودها بأحلامها، انتفض جسده وهو يستمع لهمهماتها الحالمة: إمممم. هامت روحه وما شعر بحاله إلا وهو يتلمس شعرها بنعومة ليتابع محاولة إيقاظها قائلًا بهمس: إيثار، إيثار.
قاومت نعاسها وبدأت بفتح أهدابها رويدًا رويدًا اتباعًا لندائه باسمها وما أن استعادت وعيها ورأته يقف بجوار الفراش حتى انتفضت لتهب جالسة وبحركة تلقائية وضعت كفيها فوق فتحة صدر المنامة في محاولة منها لمداراة جسدها عن عينيه، شعر بخجلها العارم فاتجه صوب المقعد والتقط مأزرها ليعود به يناولها إياه وهو يشيح ببصره بالجهة الأخرى، تناولته بلهفة لترتديه على السريع وما أن انتهت لتسأله بنبرة حادة بعدما تطلعت بالهاتف لتجد الساعة الثالثة فجرًا:
خير يا سيادة المستشار، إيه اللي جايبك في الوقت المتأخر ده؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!