دعوني أعترف لكم، فالاعتراف بالحب فضيلة. منذ أن تغلغل غرامها بدمي واستوطن القلب،
قلت لحالي والزهو يتملكني: "أنا لها شمس". لكنني وجدت نفسي مخطئًا، فبمرور الوقت اكتشفت بأنني كنت أنا العليل وكانت هي لي الترياق. كنت زاهدًا في الحياة فرزقني الله حبها، وبين ليلة وضحاها أصبحت هي لي حياة تحييني. هبة من الله نزلت على حياتي كبلسم لتضيئها وتجعلها أكثر إشراقًا. هي جميلتي، صغيرتي، سر سعادتي، أملي، وسكني، وسكينتي، وملاذي الآمن. هي من وضعت بين يديها روحي عن طيب خاطر. أنثاي التي أغفو كل ليلة بجانبها بقلب مطمئن وروح سالمة متنعمًا بدفء أحضانها. فإن كنت أنا لها شمس، فهي لي الحياة بأكملها.
***
ما أعظم الشعور بتحقيق حلم ظننته سرابًا خادعًا كلما اقتربت عليه اختفى وظهر بنقطة أبعد حتى خارت قواك من شدة اللهاث خلفه. ويالها من سعادة عندما يهبط عليك غيث الله على هيئة خبر تشتاقه اشتياق العليل للترياق. هذا ما حدث مع تلك الأم المكلومة التي عاشت أعوامًا من الضياع وهي ترى سنوات نجلها تمر هباءً أمام عينيها دون أن ترى له ولدًا يحمل اسمه ويكون امتدادًا لجذور عائلته العريقة. كانت تجلس بالمقعد الخلفي للسيارة تجاور تلك التي
وضعها الله بطريق نجلها كي تشرق لهم شمس الحياة وتنثر نورها بكل مكان داخل قصرهم العريق. تشدد بمسكتها لقبضتيها ودموع السعادة تنهمر من مقلتيها ولم تنقطع منذ أن أكدت لهما الطبيبة خبر قدوم حفيدها الأول من ولدها الغالي. تنهدت إيثار وتحدثت
وهي تشملها بنظرات حنون: -كفاية عياط أرجوكِ، حضرتك مبطلتيش عياط من ساعة ما الدكتورة أكدت لنا خبر الحمل. اكتفت بهزة من رأسها دون حديث، فأي حديث يمكنه التعبير عما تشعر به من فرحة عارمة اجتاحت كل كيانها وتغلغلت. لم تجد أفضل من جذبها لتسكنها داخل أحضانها الحنون لتنطق بصوت متقطع بفضل دموع الحنين: -تعالي في حضني يا حبيبتي، تعالي في حضني يا وش الخير.
نطقتها بشهقات متعالية قطعت بها نياط قلب الأخرى التي وضعت رأسها فوق كتفها لتمسح تلك الحنون على ظهرها بلمسات كانت كبلسم لجرح عمرها العميق. فمنذ نشأتها لم تشعر بعاطفة الأم ولا بحنانها. كثيرًا كانت ترى الفتيات يغمرن من أمهاتهن دونها. طالما تمنت أن تتذوق طعم الحضن وتشعر لذته. وكان الله بها رحيمًا حيث بعث لها بملاكها الحنون "عزة" تلك التي احتوت خوفها ووحشة أيامها وشملتها بحنانها. وها هي والدة زوجها الآن تقوم باحتوائها وتغمرها بحنان فريد من نوعه، حنان بطعم الشكر والعرفان. وكأن عصمت هي من تحتاج لاحتواء أحدهم وليس الأخرى. شددت عصمت من ضمتها وما زالت دموعها الحنون تنهمر على مقلتيها دون توقف.
همست إيثار بنبرة حنون: -هو أنا ممكن أطلب من حضرتك طلب يا دكتورة؟ ابتعدت عصمت قليلًا لتحتوي وجنتيها بحنان لتنطق بعينين تحمل الكثير من الحب والاحترام: -أنتِ تؤمري، أي حاجة تعوزيها إن شاء الله يكون لبن العصفور هجيبهولك. بس قبل ما تقولي طلبك عاوزة أطلب منك أنا كمان طلب. هتفت دون تفكير: -أنا تحت أمر حضرتك. ابتسمت من بين دموعها لتنطق بكلمات يسيل من بين حروفها حنانًا هائلًا:
-عاوزاكِ تندهي لي بـ "ماما" زي ما لقبتي علام باشا بـ "بابا". وتابعت سريعًا بتبرير: -أنا عارفة إن ماما موجودة ربنا يبارك في عمرها، ومكنتش حابة أطلب منك ده علشان مجبركيش على حاجة أنتِ مش حاساها. رفعت كتفيها وبابتسامة حنون تابعت: -بس حقيقي محتاجة أسمعها منك بعد كل الحب والسعادة اللي قدمتيه لابني ولينا كلنا. انتفض داخلها حبورًا وهزت رأسها بموافقة وهي تنطق بنبرة مرتبكة تأثرًا بحديث تلك الصادقة: -حاضر، حاضر يا ماما.
شقت ابتسامة حنون لتخرج من بين دموعها ونطقت مستفهمة: -الوقت جه دورك، يلا قولي اللي أنتِ عاوزاه. نطقت وهي تتطلع عليها بنظرات خجلة: -أنا حابة أنا اللي أبلغ فؤاد بنفسي. واستطردت وعيناها هائمة بعشق رجلها الأول حيث بات حالها يتبدل كليًا حين يذكر اسمه: -نفسي أشوف فرحة عيونه وأنا ببلغه بالخبر. ابتسمت السيدة وتحدثت بموافقة:
-حقك طبعًا، أول ما نروح ونتغدا، خدي فؤاد واقعدوا شوية في الجنينة، وأنا هخلي عزة والبنات يطلعوا يجهزوا لكم الجناح لاحتفال صغير على قدكم. -متشكرة يا ماما، ربنا يخليكِ لينا... قالتها إيثار بمقلتين تكادا أن تدمعا من شدة تأثرهما لتنطق من جديد: -من حسن حظنا إن فيه بيوتي سنتر هنا في نفس العمارة وإلا الحرس كانوا هيبلغوا فؤاد بخطواتنا وكنا انكشفنا. أجابتها عصمت بهدوء:
-ما أنا علشان كده أصريت عليهم يفضلوا تحت العمارة وميطلعوش معانا. بعد مدة وصلتا لحديقة المنزل فترجلت كلتا منهما تحت أعين الحرس المرافقين لهما وتحركت إيثار بجانب والدة زوجها التي سألت الحارس المسؤول عن أخذ السيارة ليصفها بالجراج الخاص: -البشوات جم يا عامر؟ مال برأسه للأسفل ليجيبها باحترام: -أيوا يا دكتورة، سعادة الباشا الكبير وصل من نص ساعة والباشا الصغير لسه داخل قبل منكم حالًا.
ما أن استمعت من الحارس عن عودة معشوقها حتى ارتجف جسدها وانتفض القلب ارتيابًا. لا تدري كيف سيستقبل هذا الخبر. تعلم أنه سيسعد لكنها مرتابة ومتشوقة لفرحة عينيه. تحركتا إلى الداخل وكل ذرة بجسد عصمت تنتفض فرحًا وتريد الصراخ لتعلن مهللة للعالم أجمع أن نجلها سيصبح أبًا. ولجتا من الباب الداخلي لتجدا فؤاد ما زال بملابس عمله يقف بوسط البهو ممسكًا بهاتفه ويتحدث إلى والده وشقيقته التي تجاور والدها الجلوس لينطق حين
رأى كلتيهما مقبلتين عليه: -حمد لله على السلامة، لسه رئيس الحرس مكلمني وبلغني إنكم وصلتم. واسترسل وهو ينظر لحبيبته بعينين متشوقة لرؤياها التي تسر قلبه وتبعث البهجة داخل نفسه: -قلت أستناكِ نطلع مع بعض على ما الغدا يجهز.
تسارعت دقات قلبها وهي تتطلع عليه. بعينيه حنان الدنيا بأكملها. تأسرها كلماته الحنون واهتمامه الشامل لها يزيد من غلاوته أضعافًا داخل قلبها العاشق. انتفض جسدها وهي ترى عصمت تقترب منه وتحاوط وجنتيه بكفيها الحنونتين تمسد بهما وبدون مقدمات تدفقت دموع الفرح من جديد لتشهق مما جعل الجميع يرتجف هلعًا عليها. حملق بها ليسألها وهو يحتوى كتفيها بارتياب وصل لحد الهلع: -مالك يا ماما؟ فيكِ إيه يا حبيبتي؟
وكأنها كانت تنتظر كلماته لتزيد شهقاتها مما جعل علام يهب من مجلسه ويهرول عليها هو وفريال. سألها علام باستغراب وهو يراها تحاوط صغيرها وتشمله بنظراتها ودموعها تنهمر وكأنها شلالات: -مالك يا عصمت؟ بتعيطي ليه يا حبيبتي؟ إيه اللي حصل؟ التفتت إلى إيثار وجدتها تبكي تأثرًا باللحظة فتحدثت بأسف وهي تميل برأسها كاعتذار منها: -أنا آسفة يا إيثار، مش هقدر أوفي بوعدي ليكِ.
وضعت كفها على فمها تشهق لتهز رأسها بتفهم لموقفها وكأنها أعطتها التصريح للبوح بخبر الموسم. جن جنونه عندما طالع حبيبته ورأى دموعها هي الأخرى ليصرخ وكأن صبره نفذ إلى هذا الحد وألف سيناريو وسيناريو بات يلوح بمخيلته رغم متابعته للحرس خطوة بخطوة منذ أن خرجتا من المنزل حتى عادتا سالمتين: -هو فيه إيه؟ واحدة منكم تفهمني؟ بدموع وتأثر نطقت وهي تتحسس ذقنه النابتة بلمسات تحمل حنان الدنيا بأكملها: -مبروك يا حبيبي، إيثار حامل.
نطقتها بشهقات عالية ودموع غزيرة مع ابتسامات وفرحة غمرت عينيها. توليفة غريبة من المشاعر تجمعت لتخرج صادقة وتصل للجميع. تصنم جسده ليضيق بين عينيه يحاول استيعاب الخبر الذي استقبله بخليط من المشاعر المتضاربة. حبور ليس له مثيل مغلفًا بالقلق العميق مع رجفة سرت بجميع جسده احتار بتفسيرها ليستفيق على صرخة فريال التي قفزت كالأطفال مهللة: -آآآه! أنتِ بتتكلمي جد يا ماما؟ يعني فؤاد أخويا هيبقى بابي؟
جذبت عصمت صغيرها المتيبس لتغمره بقوة وقد زادت شهقاتها وهي تنطق بصوت متقطع: -الحمد لله، مبروك يا حبيبي، مبروك. كان ينظر على حبيبته المتطلعة عليه بأعين دامعة وحنان بالغ وصله ليشمل روحه ويجعلها هائمة. لحظة إدراك يحاول من خلالها استيعاب ما نطقت به والدته منذ القليل ليتفاجأ بوالده الذي تهللت أساريره وهو يهرول على غير عادته صوب من اتخذها كابنة له ليحتضن كفها ضاغطًا عليه وبشعور لا يقل عن ما أصاب زوجته همس بنبرة والد حنون:
-مبروك يا أم حفيدي الغالي. ابتسمت لأجل سعادة ذاك الحنون لتجيبه بنبرة مملوءة بالحنو والتقدير والاحترام لذاك الراقي: -الله يبارك فيك يا بابا، وربنا يبارك لنا في حضرتك وتحضر ولادة البيبي وتجوزه بنفسك. أجابها بحبور متأثرًا من كلماتها التي طالما حلم بها وتمناها من رب العالمين: -شدي بس أنتِ حيلك وهاتيه وسيبي كل حاجة على بابا. واستطرد بعينين ممتنتين: -شكرًا يا بنتي على إنك منحتيني أعيش اللحظة دي بعد ما كنت فقدت الأمل.
هرولت فريال لتحتضنها وهي تقول بصوت لم تسعه الفرحة: -مبروك يا إيثار، وأخيرًا فؤاد هيبقى أب. بادلتها العناق بقلب يتراقص لسعادة الجميع التي تفاجأت بها، فمهما تخيلت ردة فعل الجميع لا يمكن أن يصل خيالها لما تراه الآن من حالة رائعة من المشاعر المختلفة. احتوى فؤاد وجنتي والدته وبات يجفف لها دموعها وهو ينطق بصوت متحشرج تأثرًا بالحالة: -مبروك عليكِ يا حبيبتي وعقبال ما يتولد وتاخديه في حضنك، وتربيه زي ما ربيتي أبوه وعمته.
وتابع بدمعة فلتت من عينيه رغمًا عنه وهو يعتذر بعينيه قبل لسانه: -أنا آسف يا ماما، عارف إني تعبتك كتير معايا، بس والله كان غصب عني. وبعينين متألمتين لحال والدته نطق بصوت مرتجف: -سامحيني. لم تتحمل كلمات نجلها الحبيب لتدخل بنوبة بكاء يقطع نياط القلب وهي تتحدث متأثرة: -انسى كل اللي فات يا حبيبي وخلينا في فرحتنا.
جفف دموعه وترك والدته بعدما وجد والده يقترب عليه ليجذبه ويسكنه أحضانه وإلى هنا وسكت الكلام. ظلا كليهما يعانق الآخر ويربت فوق ظهره بقوة دون أن يتفوه أحدهما بحرف، فكانت المشاعر أبلغ من أي كلام وأي حديث يستطيع شرح ما يشعر به كلاهما من مشاعر. وأخيرًا ابتعد عنه ليهمس أمام عينيه بتفاخر: -وعدت ووفيت يا سيادة المستشار، قلت الحفيد هيشرف قبل التسع شهور ما يعدوا وقد كان. واسترسل بإيحاء فهم مغزاه الآخر:
-أحب فيك إخلاصك وتفانيك في العمل. ابتسم ليهمس لأبيه مندمجًا مع تلميحاته: -معاليك لسه مشوفتش حاجة من إنجازات ابنك، ده أنا هبهر سعادتك. -أرجوك...
قالها علام برجاء ليطلق كلاهما ضحكات مشاكسة. عانق شقيقته أيضًا ليتجه إلى تلك الواقفة تراقب عينيه بترقب وتمّعن شديد. وقف أمامها يتمعن بمقلتيها دون نطق حرف وبدون سابق إنذار جذبها ليشملها بأحضانه وضمها بقوة كأنه يريد شق صدره ليخبأها داخله ولا يراها سواه. مدت يداها تحاوط ظهره وتمسح عليه بلمسات رقيقة ناعمة ولينة. أراح رأسه فوق كتفها ودفن وجهه بجانب عنقها لتشعر بجسده يهتز بقوة تعجبت لها. انتفض داخلها وهي تستمع لصوت أنين خافت يصدر منه لتتيقن أنه يبكي. يا الله فحبيبها لأول مرة يبكي واختار أحضانها هي بالذات ليبكي داخلها ويخرج مكنون صدره. مسحت بكفها فوق ظهره بلين وباتت تحركه صعودًا وهبوطًا وهي تهمس له بصوت يقطر منه حنانًا
جعل جسده بالكامل يتخدر: -مبروك يا فؤاد، متأكدة إنك هتبقى أعظم وأحن بابا في الدنيا كلها يا حبيبي. زادت شهقاته مع اهتزاز جسده مما جعل والديه وشقيقته يهرولون عليه للوقوف معه وهو يستقبل أهم خبر وأكثر اللحظات تأثرًا بحياته. حاوطته عصمت هو وزوجته بذراعيها وتعالت شهقاتها هي الأخرى تأثرًا وشاركتهم فريال لتتعالى أصوات دموع الجميع في صورة يبكي لها الحجر. وضع علام كف يده يتلمس بها رأس نجله لينطق بصوت متأثر:
-اهدى يا فؤاد وحاول تتماسك علشان الشغالين. توقف عن البكاء وحاول جاهدًا التحكم بحالة الشتت التي أصابته فور تلقيه الخبر. أخذ نفسًا مطولًا قبل أن يبتعد قليلًا وبسرعة قام بتجفيف دموعه وهو يشيح بوجهه بعيدًا عنها ثم تطلع على عينيها وحاوط وجهها بكفيه لينطق بصوت متحشرج بفضل البكاء: -لو عشت عمري كله أشكرك على هديتك ليا مش هيكفي. واسترسل بشفاه مرتجفة: -شعور واحد بس من اللي حسيته النهاردة أنا وأهلي محتاج عمر بحاله لتسديد الدين.
ابتسمت وشعرت بروحها تتراقص فرحًا لا لشعورها بأنها صاحبة جميل عليه حاشا لله، بل لشعور السعادة التي منحته للجميع وبالأخص فارسها الهمام. نطقت بصوت متأثر: -الدين أنا اللي هعيش عمري كله أسدده لـ ربنا سبحانه وتعالى وأنا بسجد له في كل ركعة بصليها وأشكره على هديته ليا. تناست جميع من حولها وحاوطت وجنتيه بأناملها الرقيقة لتهمس بروائع الكلمات التي نزلت على قلبه كقطرات من ندى الصباح فأنعشته ليزدهر:
-أنت أقيم وأعظم هدايا حياتي يا فؤاد. تهللت أساريره وشعر بانتعاشة روحه ليفيق على كلمات شقيقته المشاكسة التي وجهتها لوالديها: -طب يا جماعة أنا شايفة إننا ننسحب لأن شكلنا بقى وحش قوي. تعالت ضحكاتهم لينتفض جسده وكأنه استفاق من وقوع الخبر عليه ليهتف وهو يتفحصها بعناية وتلهف: -تعالي يا حبيبي ارتاحي.
سحبها إلى الأريكة وأجلسها عليها ليهرول بجذب الوسادة الصغيرة ويضعها بمقدمة الأريكة لتريح ظهرها عليها ليرفع هو ساقيها ويمددها بطول الأريكة تحت خجلها من علام الذي شعر بهذا وحول بصره ليجلس بعيدًا يشكر ربه في سريرته. سألتها عصمت بنبرة حنون واهتمام: -مرتاحة كده؟
هزت رأسها بذهول وسعادة هائلة شملت روحها جراء الاهتمام المبالغ التي تتلقاه على أيادي أفراد عائلة زوجها الحنون، فشتان بين هذه العائلة الراقية وبين عائلة نصر البنهاوي. تحدثت عصمت وهي تتأهب للتحرك للداخل: -هخليهم يجهزوا لنا الغدا حالًا. واسترسلت تسألها بحب ظهر بين عينيها: -نفسك رايحة لحاجة يا حبيبتي أخليهم يجهزوها لك؟ أجابتها باقتضاب: -لا يا ماما، تسلمي، أنا هقوم آكل معاكم علشان يوسف وفؤاد يعرفوا ياكلوا.
تحدث بنبرة قلقة بشأنها ترجع لعدم خبرته بتلك الأمور: -حبيبتي خليكِ مرتاحة وأنا وجو هناكل معاكِ هنا علشان متتعبيش والبيبي يتأذى. -أنا كويسة يا فؤاد متقلقش... قالتها بابتسامة هادئة لتنطق عزة بمرح: -هيتأذى إيه بس يا باشا كفانا الشر، ده الله أكبر عليه طالع وحش لأبوه. واسترسلت وهي تعد على أصابع يدها: -لا الخطف ولا السفر بالطيارة والعوم زحزحوه من مكانه.
شهقت عصمت لتنطق سريعًا بانزعاج ظهر فوق ملامحها يرجع لاشتياقها الجارف واحتياجها القوي لقدوم ذاك الحفيد: -الله أكبر يا عزة، سمي وكبري يا حبيبتي. ابتسمت لتجيبها بتلقائية: -كبرت والله وسميت يا هانم، متخافيش على إيثار مني، لسه كنت بقول لفؤاد باشا، عين الحبيب مبتحسدش. واسترسلت صادقة: -أنا بس حبيت أطمن الباشا على الباشا الصغير. نطق فؤاد بهدوء كي يهدئ من انزعاج والدته: -حصل يا عزة.
تركتهم وولجت إلى المطبخ لتساعد العاملات. أقبلت فريال تصطحب صغيرتها التي هللت حين رأت يوسف وجرت عليه: -جو، أنت جيت من المدرسة إمتى؟ وقف يستقبلها وتحدث كشخص كبير عاقل: -وصلت من شوية، طلعت أخدت شاور ولسه نازل. أشار علام للصغيرين ليلحقاه إلى غرفة الطعام. وقفت إيثار وسندها ذاك الحبيب لتسرع فريال وتساندها من الجهة الأخرى لتنطق إيثار باستغراب: -إيه يا جماعة اللي بتعملوه معايا ده، أنا حامل على فكرة مش عاملة عملية جراحية!
نطقت فريال بملاطفة وهي تحثها على الحركة للأمام: -اسمعي الكلام ونفذيه بدل ما تاخدي مخالفة جماعية. ************ كان يجلس داخل الحديقة ينفث دخان سيجارته بشراهة علها تنفس عن غضبه الكامن بصدره المشتعل. لمح والدته تخرج من باب المنزل الداخلي تتحرك بزهو وكأن الكون ملكًا لها. أقبلت على ذاك الغاضب لتنطق وهي تجلس بالمقعد المقابل له: -مالك يا عمرو؟ ودادك على شوية وهتطلع دخان ليه يا حبيبي؟
استشاط داخله فقد ترك الحبس منذ عدة أيام وحضر لمنزله ليفرض عليه والده الإقامة الجبرية ويخبر الغفر بمنعه من الخروج تحت أي ظروف ليسيطر على جنون ذاك الأرعن وتصرفاته الهوجاء حيث أنه ما ترك كارثة إلا وفعلها. صاح بحدة وغضب أظهرا كم استيائه: -والمفروض إني أبقى مبسوط بحبستي دي؟ واسترسل بسخط ناقمًا على أفعال والده: -بابا حابسني زي العيال الصغيرة، مش قادر يفهم إني راجل معدي الثلاثين وعندي عيل طولي.
هتفت من بين أسنانها بمجرد ذكره للصغير فمنذ ذاك اليوم التي تلقت فيه ذلك الخبر المشؤوم وعقلها رافض تقبل الفكرة واستيعابها: -يا ريتك كنت عملت حساب العيل اللي بتقول عليه طولك مكناش وصلنا للي إحنا فيه يا عمرو بيه. واسترسلت لائمة بحدة: -هو أنت يا ابني مش حاسس بالمصيبة اللي أنت عملتها؟ أنت وصلت نفسك بغبائك ووصلتنا بإنك تتنازل عن ابنك للجربوعة بنت منيرة. -طب خليني أخرج وأنا أرجعه... قالها بنظرات مستعطفة لتهتف بحدة:
-قصدك علشان تروح تجيب لنا مصيبة جديدة. تحدث بحدة وألم ظهر بعينيه: -أبويا كل اللي يهمه الانتخابات وبس، إنما ابني ولا في دماغه أصلًا. واسترسل ملقيًا باللوم على والده بالكامل: -قهرني وقلل مني قدام ابن الـ... قام بسب فؤاد ليتابع بشزر ظهر بعينيه: -وخلاني اتنازلت عن ابني أول ما هدده بالكرسي بتاعه. نظرت أمامها وتحدثت بشراسة ظهرت بصوتها: -وحياتك قهرتك وذلُك لأدفعهولك الثمن في أغلى حاجة عنده. واسترسلت
بذات مغزى من بين أسنانها: -وأقهره على اللي باع الغالي والرخيص علشان يفضل محافظ عليه. قطب جبينه ليسألها مستفسرًا: -قصدك وكيل النيابة؟ نظرت أمامها بشرود لتنطق بكلمات مبهمة: -ما تحطش في بالك، أنا بس عوزاك تهدى وتكن لحد ما اليومين دول يعدوا على خير، وبعدها وحياتك عندي لأرجع لك يوسف جوه حضنك. بلهفة سألها كطفل متعلقًا بدميته المفضلة: -وإيثار؟ -قطيعة تقطع إيثار واللي جايبينها... قالتها بغضب عارم ليستشيط غضبه لتتابع هي بسخط:
-كفاية اللي حصل لك من وراها، دي بت شؤم بنت... قامت بسبها بلفظ نابٍ تحت غضب ذاك المدلل لتنتبه لولوج أكثر الأشخاص صارت تبغضهم بعدما كانت تعشق حتى أنفاسه وهي فتاة. أقبل عليهما وهو يهمس لحاله بعدما لمحها ترمقه بحدة ويسبها بسريرته وما أن اقترب منهما حتى انتفضت واقفة كالتي لدغها عقرب وتركت المكان بأكمله ليهتف بصوت عالٍ كي يسمعها: -هما إذا حضرت الشياطين ذهبت سِتّهم ولا إيه؟
لم تُعر لحديثه اهتمامًا وتحركت بطريقها للداخل خشية من أن تفقد أعصابها وتوازنها التي تجاهد في ثباته وتطبق على عنقه ولا تتركه إلا بعد لفظه لأنفاسه الأخيرة. تطلع إلى نجله ليسأله مشفقًا على حاله فقد ترك ذقنه النابتة وما عاد يهتم بأناقته كالسابق حزنًا واعتراضًا منه على إجباره للإقامة بالمنزل رُغمًا عنه. نطق وهو يجلس مجاورًا له: -وبعدين معاك يا عمرو؟ هتفضل قاعد تندب حظك كده كتير زي الولايا؟ فضل الصمت ليتابع هو بنبرة حادة:
-قوم يا ابني احلق دقنك دي واقعد مع مراتك وفرفش نفسك معاها، خلي الأيام تفوت لحد ما الانتخابات تعدي وبعدها ابقى اطلع واعمل ما بدالك. هب واقفًا ليسأله باستغراب: -على فين يا لّا؟ تطلع عليه قبل أن ينطق بسخرية: -رايح أنفذ كلامك بالحرف يا سيادة النايب. تحرك صوب الداخل ليهتف هو بغل: -ابقى قابلني لو نفعت في حاجة يا دلوع ستهم. ليسترسل هامسًا: -داهية تاخدكم بيت هم كلكم. ليلًا
ولج لداخل شقته ليجد صوت أغاني شعبية يصدح من داخل غرفة نومه. زفر بقوة وتحرك صوبها ليفتح الباب ويتفاجأ بتلك الوقحة التي ترتدي ملابس مثيرة وتتراقص بتمايل حين تأكدت من صعوده. تطلع عليها بتمعن لتتحرك إليه حين وجدت عينيه تمشط جسدها برغبة. نطقت وهي تجذبه ليشاركها رقصتها: -تعالى ارقص معايا زي زمان. واسترسلت تذكره بماضيها القذر معه: -نسيت أيام ما كنت بجي لك المزرعة ونرقص سوا؟
تنهد بضيق لذكرها أبشع ماضٍ يبغضه ويذكره بما خسره مقابل تلك النزوة الرخيصة التي أنهت على زواجه حيث كان يحيا من أجله. ومع ذلك لم يستطع الابتعاد عنها ويرجع هذا لاحتياجه لها كأنثى ولحجز أبيه له في المنزل حيث لا ساقطات من اللواتي يغضب الله معهن. حركته غريزته الحيوانية ليجذبها ويلقيها فوق الفراش وينضم إليها ليسعد داخل تلك الحية الرقطاء لاكتمال أركان خططها الشيطانية دون اللجوء لوضع حبوب منومة وخداعه. ************
داخل الجناح الخاص بفؤاد علام، صعدا لجناحيهما بعدما اجتمع علام بالجميع وقاموا بأداء صلاة العشاء جماعة، لينتهوا ويقومون بالدعاء والذكر شكرًا وعرفانًا إلى الله سبحانه وتعالى حيث شملهم بكرمه الواسع وبعث لهم تلك الهدية الرائعة ليبث بقلوبهم جميعًا السعادة. كان يستند على خلفية التخت مشددًا على حبيبته داخل أحضانه، يمسد على شعرها بحنان والسعادة تجعل من روحه هائمة بالسماء. همست تسأله بصوت ناعس: -مبسوط يا حبيبي؟ أجابها بنبرة
هائمة توحي لشدة حبوره: -حاسس إني هطير من السعادة. حرك كفه ليصل إلى بطنها وبات يتحسسها بشعور رهيب يحضره للمرة الأولى لينطق بصوت غاية في التأثر: -معقولة فيه جواكِ حتة مني، كل يوم هتكبر لحد ما يبقى بيبي ويخرج للدنيا علشان ينور لي حياتي؟ اعتدل بوجهه ليتمعن بعينيها متابعًا: -نورتي دنيتي بحبك يا إيثار، والنهاردة غيرتي حياة أهلي كلهم. ابتسمت لتنطق بكلمات حنون: -ربنا يقدرني وأقدر أسعدك يا حبيبي. مسد على
وجهها لينطق بابتسامة حنون: -وجودك في حياتي ده أكبر سعادة بالنسبة لي. أرادت مداعبة حبيبها لتسأله بمشاكسة: -زعلان مني؟ -منك أنتِ؟ ... نطقها باستغراب ليتابع بنبرة تفيض عشقًا: -عمري ما أقدر أزعل منك يا حبيبتي، وبعدين تفتكري ممكن أزعل منك في يوم زي ده؟ ابتسمت بدلال ليسألها بعدما لمح شقاوة أنثى تحوم بعينيها: -تقصدي إيه بسؤالك يا محتالة؟ مطت شفتيها لتنطق بمراوغة: -البدلة السودة اللي هتتركن تسع شهور.
نطقتها لتخبئ وجهها بيديها ليضحك مقهقهًا قبل أن ينطق بوقاحة: -وتفتكري إني هسمح لك بده؟ كشفت عن وجهها تتمّعن بملامحه باستغراب ليتابع بمداعبة: -ابني راجل قوي وهيتحمل رخامة أبوه ومزاجه العالي. واستطرد ضاحكًا: -وعلى رأي عزة، لا خطف ولا سفر قدروا يحركوه من مكانه، مش هتيجي على رقصة أبوه الغلبان ويعترض يعني. قهقهت بانتشاء ليتابع هو بغمزة وابتسامة جذابة:
-الأسبوع ده بس هسمح للباشا يرتاح وبعدها نستكمل فقرات مهرجان الرقص الشرقي اللي بدأناه سوا. سألته مستفهمة: -ليه بتتكلم عنه وكأنك متأكد إنه ولد؟ مط شفتيه لينطق بلامبالاة: -مش شرط، بالعكس أنا نفسي قوي في بنوتة. ليسترسل بعينين متشوقتين بقوة: -تبقى حبيبة بابا وبنت عمره كله، أدلعها وأحطها جوه قلبي وأقفل عليها. احتدت ملامحها وتحولت لشرسة لتنطق بحدة وغيرة ظهرت بعينيها: -أنا بس اللي حبيبتك وبنت عمرك.
انتبه لتلك الشرسة لينطق وهو يحتضن وجهها بنعومة ليحدثها بصيغة المذكر بدلال كطفلته: -أنت حبيبي الأول يا بابا، ومهما سكن القلب بعدك من أحبه محدش يقدر يقرب من مكانك أبدًا. تنهدت بسعادة لتلقي برأسها على صدره بارتياح وكعادتها مؤخرًا غفت وهو يتحدث معها ليبتسم ويعدل من وضعيتها ليمدد جسدها ويقوم بوضع رأسها فوق الوسادة بعناية ثم جاورها الفراش محتضنًا إياها بسعادة هائلة حتى غفى بين أحضانها وغاص في سبات عميق. ************
بعد مرور يومين، في تمام الساعة السادسة صباحًا، ظهر ضوء الصباح ليعلن عن ميلاد يوم جديد ملئ بالأمل والتفاؤل عند البعض ومرعب للبعض الآخر. داخل منزل نصر البنهاوي. ما زال الجميع غارقين بنومهم. انتفض نصر وجلس يتلفت من حوله عندما استمع لطرقات متتالية فوق الباب بشكل عنيف يوحي بحدوث كارثة. خرج نصر من غرفة نوم مجاورة لغرفته الأساسية التي احتلتها تلك المتجبرة منذ ذاك اليوم. خرجت هي الأخرى لتسأله في ريبة:
-مين الحمار اللي بيخبط علينا من النجمة بالشكل ده؟ -مش عارف، ده صوت حسنين الغفير... نطقها نصر لتعالى الطرقات والأصوات المنادية بصياح: «الحقنا يا سيادة النايب». نزل طلعت الدرج مهرولًا تلاه حسين الذي تساءل بفزع: -فيه إيه يا أبا؟ أسرع نصر إلى الباب وقام بفتحه ليجد الغفير المسؤول عن حراسة منزله يجاوره حارس المزرعة التابعة لنصر البنهاوي "حسنين" يصرخ والهلع يملأ ملامحه: -الحقنا يا سيادة النايب! سأله والسخط يقفز من بين عينيه
وقد أوشك على الفتك به: -في إيه يا طور منك ليه؟ صرخ الرجل قائلًا برعب: -لقينا قتيلة جنب سور المزرعة بتاعت جنابك والدنيا هناك مقلوبة. يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!