الفصل 35 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم روز امين

المشاهدات
18
كلمة
5,267
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

اتسعت عينيها في ذهول، وعقلها رافض بضراوة تصديق ما تراه أمامها بذاك الفيديو اللعين، إنه زوجها لا غيره يلج من باب شقة تحتوي على أثاث فاخر، وبجانبه رجل يحمل الكثير من الأغراض حيث أدخلها للمطبخ المفتوح على البهو حيث صُمم على الطراز الأمريكي. وما أن خرج الرجل حتى هرولت لاستقباله فتاة أنيقة على درجة عالية من الجمال، ترتدي ثوبًا يكشف جميع مفاتنها، وترفع شعرها الأشقر للأعلى بطريقة منمقة، لتصيح بسعادة وهي تتعلق بعنق ذاك الأبله لتخبره بصوت حماسي وعينين خبيثة توحي لعدم صدق ما ينطق به لسانها، استطاعت تلك الداهية قراءة

ما بهما بمنتهى السهولة: -وحشتني يا نصورتي، وحشتني قوي. ليرد عليها ذاك المتصابي الأرعن: -مبلاش الاسم البايخ ده... قالها باستنكار وهو يقربها إليه، لتمط تلك الحقيرة شفتيها بدلال قبل أن تنطق بدلال يجعل من الأصم ينطق: -بدلعك. لينطق ذاك الأبله بصوت غليظ أشعل نار تلك التي تشاهد الفيديو: -مبحبش دلع الأسامي، أنتِ عارفة الدلع اللي بيجيب معايا من الآخر واللي بسببه ليكِ غلاوة عندي.

ضحكت تلك المتسلقة برقاعة قبل أن تقول بدلال جعل من نيران قلب ذاك الأخرق تشتعل، وهذا ما ظهر بملامح وجهه: -الدلع بكل أنواعه موجود وحصري عند شذى حبيبتك، تعالى الأول نتغدى وبعدها أوريك الدلع على أصوله. جذب ذراعها بقوة لترتطم بصدره من جديد وهو يقول بلهفة واشتياق ظهرا بعينيه: -تعالي هنا رايحة فين، هو الغدا هيطير؟ أطلقت ضحكة رقيعة من جديد لتتحرك معه صوب إحدى الغرف استنتجت تلك المحترقة أنها حجرة نوم.

استمعت لذاك الحديث الذي أضمر النار داخل قلبها لتتوحش نظراتها لتوحي بغضب جحيمي لو أطلق له العنان لأطاح بالأخضر واليابس بجميع البلدة. هبت من فوق الفراش وأسرعت بخطوات هوجاء لتطيح بذاك الحقير ناكر الجميل وتسحقه سحقًا. تسمرت بوقفتها بغتة بعدما أمسكت بمقبض الباب استعدادًا لفتحه، لكنها أفلتت المقبض لتسحب كفها عنه وهي تفكر برسالة ذاك الباعث المجهول. عادت لتقف بمنتصف الغرفة تدور حول حالها وجسدها ككتلة نار متوهجة. همست بهسيس من بين أسنانها وشرارات نارية تتطاير من مقلتيها لو

خرجت لتفحمت الحجرة بلحظة: -آه يا واطي يا قليل الأصل، بقى على آخر الزمن تخون "ستهم"، ستك وتاج راسك وراس أهلك. جن جنونها ولم تستوعب بعد من أين أتى ذاك الحقير بتلك الجرأة للإقدام على خيانتها، لتهمس كفحيح الأفعى بملامح نارية: -ورحمة أبويا الحاج ناصف اللي نضفك وعمل منك بني آدم، لأخليك عبرة لأي حد يفكر يدوس على طرف ستهم، ولأرجعك شحات زي ما خدتك يا نصر يا ابن عزيزة.

استمعت لرنين صوت هاتفها معلنًا عن وصول مكالمة، هرولت تلتقط الهاتف بعنف لتجده نفس الرقم غير المدون لترد سريعًا بسخط وغضب عارم: -أنتَ مين يا ابن الـ... ، وجبت منين الزفت اللي بعته ده؟ سبته بلفظ نابي جعل من الدماء تفور وتصل لدماغه ليهتف من بين أسنانه بغضب عارم بعدما احتدمت ملامحه: -اخرسي يا ست أنتِ واسمعيني كويس.

احتدمت ملامحها بسخط، وقبل أن تقوم بتوبيخه لتجرئه على محادثتها بتلك الفظاظة قاطعها بصوت حازم أربكها لتعلم أنها تحادث شخصًا ذا هيبة ولن يقبل بالتطاول عليه: -بدل ما تطولي لسانك عليا المفروض تشكريني على إني فتحت عينيكِ وعرفتك حقيقة الراجل اللي عايشة معاه وفاكراه مخلص ليكِ. وتعمد التلفظ بكلمات لاذعة للتقليل منها ليزيد من اشتعال روحها باتجاه زوجها الذي جعل منها مادة لسخرية أحدهم:

-وهو مقرطسك ومتجوز عليكِ واحدة صغيرة ترجع له شبابه وتحسسه إنه لسه مرغوب من الجنس الناعم. جحظت عينيها وكأن كلماته تلك كانت وقودًا سُكب بقوة ليزيد نيران ثورتها اشتعالًا وتأججًا لتصيح بحدة وإنكارًا لحديثه: -أنتَ بتقول إيه يا جدع أنتَ، مين ده اللي اتجنن في عقله علشان يتجرأ ويتجوز على ستهم؟! -أمال أنتِ فاكرة شذى دي تبقى مين؟! سؤالًا متعجبًا طرحه عليها لتباغته بما جعل الاشمئزاز يصيبه من صاحبة ذاك التفكير المنحرف:

-تبقى واحدة من النسوان الشمال لفت على الأهبل علشان تقلبه في قرشين وهو زي المقطف وقع على بوزه، بس ما أبقاش اسمي إجلال بنت الحاج ناصف ولا شعري ده يبقى على مرَّة إن ما خليته يلف حوالين نفسه ويقول حقي برقبتي. ابتسم ساخرًا لينطق متهكمًا:

-طب اسمعيني كويس يا إجلال يا بنت الحاج ناصف، نصر متجوز شذى بعقد عرفي من خمس سنين بحالهم، وشاري لها الشقة دي ومقعدها فيها وكل ما بينزل مصر لحضور جلسة في البرلمان بيبات عندها، وأي ليلة بيباتها بره البيت بتبقى عندها. شرارات نارية باتت تتطاير من مقلتيها، لو أن ذاك المسكين أمامها الآن لقبضت على عنقه وما تركته حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة. أخرجت صوتًا كفحيح الأفعى وهي تسأله:

-بالك الكلام ده مايطلع كذب هعمل فيك إيه يا جدع، هجيبك إن شاء الله تكون في بطن الغول وهخليك تكره اليوم اللي أمك ولدتك فيه. رفع رأسه للأعلى يأخذ شهيقًا ويزفره بقوة ليمد روحه بقوة خارقة يتحمل بها تلك الحمقاء وحديثها الفظ معه لينطق بنبرة حادة: -من غير طولة لسان وكلام كتير لا أنا ولا أنتِ عندنا وقت ليه، أنا هبعت لك حالاً صورة العقد العرفي على الواتس وتقدري تتأكدي من إمضة جوزك، أكيد أنتِ عارفاها كويس.

قطبت جبينها مستغربة حديث ذاك الغامض لتسأله مستفسرة: -أنتَ مين؟! -ميخصكيش... نطقها بصوت بارد كالثلج ليتابع بهدوء مميت: -كل اللي يهمك إني فتحت عيونك على خيانة جوزك ليكِ وده اللي يهمك، غير كده ملكيش فيه. هزت رأسها بتوافق مع رأيه لتهمس من بين أسنانها بسخط ووعيد: -ماشي يا نصر، أنا هعرفك النهاردة مين هي إجلال. بنبرة حادة نطق بتوبيخ: -تبقي غبية لو بتفكري تواجهيه النهاردة. هتفت تسأله بحدة واستنكار: -نعم يا أخويا؟

أنتَ عاوزني أسكت بعد المصيبة اللي عرفتها دي؟! أجابها بدهاء وهو يوجهها لما عليها فعله: -لازم تسكتي، "الانتقام وجبة يفضل أن تقدم باردة". ضيقت بين عينيها لتسأله بعدم فهم لحديثه الذي يصعب على عقلها استيعابه: -يعني إيه كلامك ده يا أفندي؟ أجابها بدهاء خطط له جيدًا: -يعني اللي زي نصر البنهاوي محتاج تخطيط بعيد المدى علشان تقدري تاخدي حقك منه كويس، هو افترى عليكِ ونسي أفضالك وأفضال أهلك عليه بسبب منصبه اللي مقويه.

قطبت جبينها تحاول استيعاب كلماته ليباغتها مفسرًا: -كرسي المجلس. صاحت بحدة متوعدة: -وحياة ندالته وخسته معايا ما هو شايفه تاني، وزي ما دخله على إيدي، هيخرج منه بردوا على إيدي.

أغلقت الهاتف بعدما أثنى هو على حديثها الذي نال استحسانه وسرد عليها ما يجب فعله ليرفع قامته للأعلى يحتفظ بأكبر قدر من هواء البحر النقي ويزفره براحة وهو يتذكر اتفاقه مع تلك الـ "فُتنة"، حيث علم بوجود زوجة سرية في حياة نصر بعدما أبلغ رجاله بوضعه هو وأنجاله تحت المراقبة الشديدة. توصل إلى العاملة وطلب منها مراقبة المنزل وزرع بعض الكاميرات ببهو المسكن بشكل قانوني سيخدم قضية تهريب الآثار، وقد تم هذا بعدما أبلغ النائب العام

بجميع المعلومات التي حصل عليها بالأدلة وأخذ الإذن منه بالمراقبة. طلب أيضًا من الفتاة بأن تبحث عن عقد تلك الزيجة العرفية وتقوم بتصويره عبر كاميرا هاتفها وقد حدث بالفعل فقد كان موضوعًا بإهمال داخل درج الكومود، فهذا العقد لا يشكل أهمية لتلك الشذى وتفكيرها المتحرر بأفكار شاذة. ابتسم بجانب فمه ورفع ذراعيه يمطئ ظهره باسترخاء قبل أن يستمع لنقرات كعب حذائها العالي وهي تقترب منه ليلتفت للخلف وسرعان ما أطلق صفيرًا وهو يتطلع

عليها مشدوهًا بجمالها الزائد عن الحد. تبسمت لتدور حول حالها بمرح لتسأله وهي تستعرض ثوبها الأنيق الذي ابتاعه لها خصيصًا منذ أسبوع من دار أزياء عالمية مقرها "باريس" ليصل للتو كي تحضر به سهرتهما

الأولى خارج الفيلا: -إيه رأيك؟ فرد ذراعيه بطريقة استعراضية ومال برأسه جانبًا لتقييم ثوبها الذي ارتدته للتأكد من ضبط المقاس لينطق بانبهار ظهر بمقلتيه: -يجنن يا روحي، كأن الفستان اتفصل مخصوص علشان حبيبة حبيبها. غمرها شعور هائل بالسعادة واقتربت عليه تلف ذراعيها حول عنقه بدلال ليحيط هو الآخر خصرها بساعديه لينطق وهو يرفع حاجبه الأيسر بتمعن: -بس كده هضطر آسفًا أغير رأيي وبدل ما نخرج بالليل هنقضي السهرة هنا.

قطبت جبينها مستغربة ليجيبها بمشاكسة وهو يهز رأسه بأسف مزيف: -مش هستحمل أشوف نظرات الناس وهي بتبص على البرنسيس ويتملوا في جمال عيونها وسحر قوامها اللي جاب سيادة المستشار على بوزه.

أطلقت ضحكاتها المتدللة على زوجها الذي لا يترك مناسبة إلا وغمرها بكلماته الغرامية التي تحمل روحها وتصعد لعنان السماء. وقفت على مقدمة حذائها لترفع جسدها للأعلى كي تقترب من مستوى طوله وتضع قبلة فوق شفتيه ليندمج معها وتطول قبلتيهما ليبتعدا مضطرين لحاجة رئتيهما للهواء. ابتعدت بجسدها لتقول بنبرة حماسية: -هروح أغير الفستان وأعلقه علشان يبقى جاهز للسهرة. غمز بعينيه وهو ينطق بتوصية:

-البسي المايوه ويلا علشان ننزل البحر، الجو تحفة النهاردة. أومأت له لتنسحب للداخل تحت نظراته العاشقة التي شملتها برعاية حتى اختفت خلف الباب. بعد قليل كانت تتعلق بأحضانه داخل البحر المقابل للفيلا التابعة لهما حيث الخصوصية التامة. كانت تشعر باسترخاء تام لروحها وجسدها معًا. تعلقت بعنقه لتقول بوجه يحمل الكثير من الرضا والسعادة وهي تتطلع على روعة المكان: -عارف يا فؤاد، حاسة إن المكان ده فيه من الجنة.

تسطح على ظهره ثم قام بجذبها لتصعد فوق جسده وبدأ العوم لينطق مصححًا لها تفكيرها الخاطئ: -لا يمكن يبقى فيه أي تشابه أو ربط بين مكان موجود على الأرض ومكان ربنا سبحانه وتعالى أبدع فيه علشان يقدمه مكافأة لعباده المخلصين الطائعين. -ونعم بالله يا حبيبي... قالتها بخجل لتتابع بأسف: -يمكن خاني التعبير لأن المكان سحرني. ابتسم وتحدث براحة: -حتى المكان هنا إبداع من صنع الخالق، لأن كل ده منظر طبيعية، البحر والشجر والجو.

أراحت رأسها على صدره لينطق بصياح معترض: -أوعي تقولي إنك نعسانة. أطلقت ضحكة عالية لتقول وهي تتثاءب بنعاس وجسد خمول: -وهو يعني بإيدي يا حبيبي، والله غصب عني بلاقيني نعست. تنهد باستسلام لينطق بمداعبة: -أنا شايف إننا نقطع الهاني مون ونروح ننام في بيتنا أحسن. لكزته بكتفه كاعتراض على سخريته منها ليطلق هو ضحكاته التي صدحت من حولهما وبدأ يعوم بها أسرع مما أسعدها. *************

من داخل صالة الزيارات الخاصة بسجن النساء المتواجد بالقاهرة الكبرى، تجلس تلك السيدة الأنيقة التي ظهر الشيب والتجاعيد على وجهها بعد ما حدث لابنتها وزوجها. تنتظر خروج ابنتها لحضور موعد الزيارة الشهري. تنهدت بحزن ظهر على ملامحها وهي ترى خروج ابنتها بذاك الجلباب الأبيض والحجاب الموضوع على رأسها بإهمال. تذكرت أناقتها وسحرها وجمالها الصارخ الذي كان يوقع كل من ينظر إليها من الرجال صريعًا بعشقها. أما الآن فقد تحولت على النقيض

وانطفأت لمعة عينيها بفضل ما حدث لها. رغم مرور عدة أعوام على مكوثها بالسجن إلا أنها لازالت للآن تعيش حالة من الإنكار للواقع وتحيا على أمل أن يسامحها زوجها ويعفو عن أخطائها ويأتي ليخرجها وتعود معه من جديد لتحيا حياة الترف والبذخ وتعوض ما فاتها في هذا المكان اللعين. أقبلت على والدتها التي وقفت تستقبلها بالأحضان والدموع ككل مرة تقوم فيها بزيارتها. بعد السلام والاطمئنان على صحتها سألتها الأخرى

السؤال الروتيني لكل زيارة: -لسه ما اتكلمتيش مع فؤاد تاني يا ماما؟ زفرت الأم بيأس من تعلق نجلتها بأوهام ليس لها أساسًا سوى بمخيلتها المتعلقة بالماضي. نطقت الأخرى تتساءل عندما طال صمت والدتها: -مبترديش عليا ليه؟! هتفت بحدة: -هرد أقول لك إيه يا نجلا، أنا تقريبًا كل زيارة بنقضيها في الكلام في نفس الموضوع وكل مرة بجاوبك نفس الإجابة وياريتك بتقتنعي. -يعني ما قابلتهوش؟! قالتها بملامح وجه ساخطة لتتابع

بحدة وهي تلقي اللوم عليها: -طبعًا مش هتروحي له، ما أنتِ عايشة حياتك ولا همك رميتي في الزفت ده، أنا متأكدة إن فؤاد لسه بيحبني، بس محتاج يحس إني ندمانة على اللي عملته، لو روحتي وبلغتيه ندمي وإني ناوية أخلف له الولد اللي بيحلم بيه أنا متأكدة إنه... -فؤاد اتجوز يا نجلا... نطقتها بقوة لتبتلع الأخرى باقي كلماتها وتظهر عليها صدمة وقوع الخبر لتهمس بهسيس غير مفهوم لدى والدتها: -مس...

مستحيل فؤاد يلمس ست غيري، هو بيحبني أنا متأكدة، ده ميقدرش يستغنى عني، أصلًا مش هيلاقي واحدة في سحري وجمالي. نزلت دموع والدتها لتنطق بقلب ينزف لأجل وحيدتها التي تعيش خارج نطاق الواقع: -فوقي بقى يا بنتي من الوهم اللي بقالك سنين حابسة نفسك فيه، فؤاد لو بيحبك مكنش رماكِ هنا من أصله، أنتِ دمرتيه بالمعنى الحرفي وجرحتي رجولته في أكتر من موضوع، واسترسلت بتأكيد: -واللي زي فؤاد عمره ما يسامح في الخيانة أبدًا.

-اتجوز سميحة مش كده... قالتها بعينين حادتين لتتابع باستشاطة: -طول عمرها بتجري وراه وهو ولا معبرها، كانت هتتجنن يوم ما خطبني وفضلني عليها، عمرها ما حبتني، أكيد استغلت بعدي عنه وحاولت توقعه في شباكها، وواضح إنها نجحت. نظرت لوالدتها لتجيبها الأخرى بصوت استسلامي: -مش سميحة، أماني عبد المجيد كانت معزومة على حفلة عندهم وهي اللي قالت لي، الحفلة كانت بمناسبة جوازه وترقيته في نفس الوقت. واستطردت وهي تترقب نظرات ابنتها:

-أماني قالت لي إن شكله بيحبها قوي لأنه طول الوقت كان حاضن إيدها ومسيبهاش دقيقة واحدة طول الحفلة، قالت لي كمان إن طول الوقت كان بيضحك ووشه سعيد. تطلعت على والدتها بملامح وجه مبهمة لتتابع الأخيرة بنصح: -انسيه وحاولي تتأقلمي علشان تقدري تعدي الكام سنة اللي فاضلين لك هنا وتخرجي. أخذت نفسًا عميقًا ومازال الصمت يخيم عليها. *************

ليلًا بجزر المالديف، بداخل أحد الأماكن الليلية المخصصة للسهر، كانت ترقص اسلو بين يديه تستند برأسها على كتفه يلتصق أنفها بجلد عنقه، ذائبة برائحة عطره الممزوجة برائحة جسده التي باتت تعشقها. رفعت رأسها قليلًا تتطلع عليه فغمز لها بعينيه ثم مال يطبع قبلة خفيفة على وجنتها قائلًا بجاذبية: -حبيبي أحلى وأجمل وأرق ست شافتها عيوني.

يسلبها عقلها بكلماته الرائعة يشعرها أنها سيدة قلبه الوحيدة ومالكة فؤاده. لفت إحدى ذراعيها حول عنقه لتعلو بكفها تتلاعب بأناملها الرقيقة بين خصلات شعره الناعمة مما أوشكه على فقدان عقله ليهمس بجوار أذنها بكلمات دعابية: -بطلي شقاوة ومتنسيش إن إحنا بين الناس. قطبت جبينها لتنطق بمشاكسة: -فصلتني يا شرشبيل. أجابها بغمزة وقحة: -مبلاش تجيبيه لنفسك لينتهي الأمر في الجاكوزي. ضحكت بدلال وأسندت رأسها من جديد على صدره وهي تقول:

-أنا بحب أجيبه لنفسي. مال على أذنها وبدأ يهمس بكلمات جعلت روحها رخوة بين يديه. تابعا رقصتهما الناعمة حتى انتهت لينطق وهو يسحبها من كفها للاتجاه صوب الطاولة المحجوزة لهما: -العشا نزل يا حبيبي، يلا علشان جُعت.

تناولا عشائهما تحت عدم رغبة إيثار في تناول الطعام وكالعادة أسندت السبب لتغيير البلد والعادات. وبعد الانتهاء عادا إلى المنزل بعد أن تنزها داخل الجزيرة. وبعد مرور حوالي الساعة كانت تستند بظهرها على صدر ذاك المستند بظهره على جدار الجاكوزي ملقيًا رأسه للخلف. أما ذراعيه فكانتا تلتفان حول خصر حبيبته المسترخية بين أحضانه بعينين مغمضتين باستمتاع بعدما قضيا وقتًا حميميًا قبل قليل. سألها بصوت يوحي باسترخائه: -مبسوطة يا حبيبي؟

استدارت بجسدها لتقابل وجهه لتنطق بنبرة لامرأة هائمة بعشق رجلها الأوحد: -قوي يا حبيبي، مبسوطة قوي وبتمنى الأوقات الحلوة دي تدوم. -هتدوم يا عمري، إن شاء الله هتدوم... قالها ليجذب رأسها عليه ويلتهم شفتيها في قبلة حميمية أثارت كلاهما وجعلتهما يدخلان في جولة عشقية أخرى. *************

صباح اليوم التالي مباشرة، وقفت بوسط غرفتها لتضع وشاحًا أسودًا على كتفيها بعدما ارتدت عباءة سوداء وحجابًا من نفس اللون لتتوشح بالسواد كاملًا. صوبت نظراتها الحادة نحو الباب وتوجهت إليه بعدما عقدت النية على وضع أول حجر في خطة تدمير نصر وتجريده من منصبه الذي استقوى به وبات يتصرف كالطاووس المغرور. خرجت من غرفتها لتجد جميع الرجال يجلسون ببهو المنزل منتظرين تجهيز وجبة الإفطار ليتناولوها ومن ثم ينصرفون كل إلى عمله. أغلقت باب

الغرفة بقوة لتصوب عليها أعين جميعهم وكانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها ذاك الحقير زوجها بعدما علمت بخسته معها. فمنذ مشاجرتهما الأخيرة أمام أعين نجليهما وهي تسكن في غرفتها لحالها بينما انتقل هو لغرفة أخرى بعيدًا عنها كاعتراض منه على تعرضه لإهانة كبرى على يدها على مرأى ومسمع جميع ساكني المنزل. رمقته بنظرات توحي بغضب جحيمي لو خرج لحولته لجمرة شديدة الالتهاب لتصيح بكامل صوتها

وهي تنادي على العاملة: -صباح، أنتِ يا بت! أتت الفتاة على عجالة لتنطق بصوت مرتجف: -أؤمري يا ستهم. -اطلعي قولي للغفير يقول للسواق يجهز العربية حالًا. وقف طلعت يسألها مستغربًا هيأتها وحديثها: -على فين يا ستهم؟! أجابته بقامة مرتفعة: -رايحة عند خالك محمد.

قطب نصر جبينه وهو يشملها مستغربًا تصرفها، عادة هي لا تخرج من المنزل مبكرًا هكذا، أما بالنسبة لأشقائها فهم دائمًا من يبادرون بزيارتها لما لها من هيبة بالعائلة قد فرضها والدها على الجميع. سألها حسين بارتياب من هيأتها الحادة التي وبرغم تحكمها الرهيب بنوبة غضبها التي لو سمحت لها بالخروج لأحرقت وما تركت أخضرًا أو يابس لكنها لم تستطع التحكم بظهور الغضب العارم على ملامحها: -خير يا ستهم، رايحة بدري ليه كده عند خالي؟!

أجابته وهي تعدل من وشاحها: -عوزاه في موضوع. شعر بالريبة من هيأتها ليتنازل عن كبريائه ويبادر بالحديث معها ليسألها بنبرة جادة بعدما أثارت فضوله لمعرفته: -موضوع إيه اللي موديكِ من النجمة كده عند الناس، ده تلاقيه لسه مصحيش من النوم لحد الوقت. ابتسمت ساخرة لترمقه بنظرات مبهمة احتار بتفسيرهم لتنطق بزيف كي تزيل الشكوك من عقل ذاك الأحمق: -رايحة له بسبب حتة الأرض البحرية اللي مراته ورثتها عن أبوها، عاوزة أشتريها منها.

-وهي هتوافق؟! سألها بفضول لتنطق بجبروت ليس بالجديد عليها: -غصب عنها مش بمزاجها، طالما ستهم أمرت يبقى مقدمهاش حل غير التنفيذ. وتابعت بضغط كي تشعره بالعجز: -وآهو بالمرة يشوف لي حد من معارفه الكبار يخرج لي عمرو من الحجز. استشاط داخله من تلك المرأة التي لا تفوت فرصة إلا وعرضته للإهانة وتشعره بصغر حجمه أمام أفراد عائلتها ليقطع نظراتهم الحادة ولوج الغفير مهرولًا وهو يخبرها: -العربية جاهزة يا ستهم.

تحركت للخارج تحت نظرات نصر ونجلاه. خرجت لتجد السائق مهرولًا ليفتح لها الباب، استقلت المقعد الخلفي وانطلق السائق لتقول بنبرة جادة: -وديني على بيت الحاج هارون ابن عمي، ولو الحاج نصر ولا أي مخلوق سألك كنا فين هتقول له كنا عند الحاج محمد أخويا. واسترسلت بنبرة شديدة اللهجة: -مفهوم يا عيسى، ولا تحب أعيد كلامي؟ ابتلع الرجل ريقه لينطق متلعثمًا: -مفهوم يا ست الناس.

بعد قليل توقفت السيارة وترجلت لتدق باب المنزل وتفتح لها العاملة التي هتفت بعدم تصديق: -يا أهلًا بست الناس. سألتها وهي تقتحم المنزل بخطواتها التي تشبه الطاووس بزهوه وعجرفته وكبريائه: -سيدك هارون فين؟! -هنا أهه يا ستهم...

قالتها المرأة وهي تشير للداخل حيث يجلس هارون حول منضدة الطعام بصحبة زوجته أزهار وأنجاله ليقف هارون مذهولًا لما يراه بأم عينيه، فتلك هي المرة الأولى التي تأتي بها لزيارته ابنة عمه وقصة عشقه القديم بل والأزلي التي فضلت عليه ذاك الحقير وتزوجته رغم فقره وتدني مستوى عائلته المادي. ترك الطعام من بين يده ليهرول لاستقبالها مهللًا كمراهق أحمق:

-أنا في حلم ولا في عِلم يا ولاد، بقى معقول ستهم بنت الحاج ناصف على سِن ورُمح جاية تزورني في قلب بيتي. -إزيك يا هارون... نطقتها باستعلاء ليجيبها بتذلل ونبرة توحي بعشق تلك الجبروت المستوطنة بأعماق قلبه ولن تُمحى سوى بطلوع الروح: -بخير طول ما أنتِ بخير يا ست الناس.

رمقت أزهار زوجها بنظرات احتقارية وهي تراه يتذلل لتلك التي طالما بغضتها لعشق زوجها لها حتى قبل الزواج كان الجميع يفضلها على بنات العائلة لذا صرن جميع الفتيات يكنن بقلبهن حقدًا لها. فاقت من شرودها على صوت تلك المغرورة وهي تتهكم عليها: -جرى لك إيه يا بنت عمي، مش هترحبي بيا في بيتك ولا بلعتي لسانك من المفاجأة؟ ازدردت ريقها لتنطق بصوت خرج حاد رغمًا عنها: -لساني لسه مطرحه وبيرن يا ستهم، بس المفاجأة خلتني استغرب شوية.

لتسترسل بنبرة أظهرت عدم ترحيبها بتلك الزيارة: -خير يا إجلال؟! ارتجف جسدها رُعبًا عندما هدر صوت تلك الغاضبة لتنبيهها: -اسمي ستهم يا أزهار، إجلال ده محدش كان بيجرأ ينطقه إلا الحاج ناصف الله يرحمه. ابتلعت لعابها ليهدر بها زوجها موبخًا إياها: -جرى لك إيه يا أزهار، هتفضلي واقفة كده كتير، ادخلي أنتِ ونسوان عيالك وبناتك جهزوا فطار يليق بستهم حالًا. هتفت بنبرة صلبة جلجلت بالمكان:

-أنا مش جاية علشان أفطر يا هارون، عندي كلمتين ليك هنقولهم وهمشي على طول... لتتابع بتعالي: -شوف لنا حتة نعرف نتكلم فيها لوحدنا. -نعم، لوحدكم إزاي يعني؟! كلمات حادة نطقتها أزهار ليصدح صوت إجلال متجاهلة حديث ابنة عمها: -خلص يا هارون، أنا مش فاضية للوقفة دي. أشار لها سريعًا إلى حجرة استقبال الضيوف وتحركا حتى اختفيا كلاهما تحت استشاطة أزهار التي هتفت من بين أسنانها والغيرة تنهش قلبها:

-ولية عقربة قليلة حيا، ربنا يديني طولة العمر وأشوفك وأنتِ مذلولة يا إجلال يا بنت زهيرة قادر يا كريم. هتف نجلها الأكبر بتنبيه: -اسكتي يا أما وخلي اليوم يعدي على خير. صمتت مجبرة خشية بطش تلك المتجبرة. أما بالداخل جلس ذاك الأبله مقابلًا لها يتفحصها بنظرات عاشقة متشوقة لحبيبة الصبا لينطق بصوت خاضع: -أؤمريني يا ست الناس. رمقته بنظرات مبهمة لتهتف هي بجبروت امرأة قررت الانتقام من رجلها المفضل:

-من غير لف ودوران وكلام كتير، أنا عوزاك تقدم في انتخابات مجلس الشعب. ذُهل الرجل من طلبها ليسألها مستفسرًا: -قصدك الانتخابات اللي هتبدأ بعد أسبوعين؟! -عليك نور... قالتها بتأكيد ليعود متسائلًا باستغراب: -طب ونصر؟! -كفاية عليه لحد كده، هرشحك قصاده... قالتها بقامة مرفوعة ليبتلع لعابه ويسألها مستفسرًا: -طب ما أنا لو دخلت قصاده هو اللي هيكتسح زي كل سنة. -أنا معاك وفي ظهرك يا هارون، يعني ما تقلقش... قالتها

لتطمئنه ليجيبها بارتياب: -نصر مبقاش قليل يا ستهم، وعنده ناس ياما بره البلد هتختاره. اشتعلت عينيها وامتلأت بشرارات الغضب لتهتف بحدة من بين أسنانها: -شكلك ناسي أنتَ قاعد قدام مين يا هارون، أنا ستهم بنت الحاج ناصف، وأخواتي وأنتَ وولاد عمك اللي عملتوا لنصر قيمة عن طريقي، وأنا اللي بإيدي ههد القيمة دي وأزيلها من على الوجود. قطب جبينه وعلم أن نصر قد أخطأ وأغضب تلك الجبروت وسيزول ملكه بيدها ليسألها بتخابث:

-هو نصر هبب إيه خلاكِ قلبتي عليه بالشكل ده؟! بعينين حادتين كنظرات الصقر أجابته: -مش شغلك وياريت تنفذ اللي بقولك عليه من سُكات. واسترسلت بنبرة تهديدية: -بدل ما أقلب عليك أنتَ كمان. ازدرد لعابه لتتابع بإملاء: -جهز ورقك كله وقبل ما باب الترشيح يقفل بساعة واحدة هخلي المحامي ياخدك ويقدم لك الورق، وبعدها هعمل اجتماع للعيلة وهبلغ الكل، وكلنا هندعمك ونعمل لك دعاية في المركز كله. واسترسلت بابتسامة ساخرة:

-وأظن أهل المركز مش هيسيبوا ابن عيلة الهلالية ويدوا صوتهم لنصر. ابتسم لدهائها لتكمل هي: -بس خلي بالك، الكلام ده سر بينا يا هارون، لو خرج لأي مخلوق قبل الساعة اللي اتفقنا عليها هزعلك قوي. قالتها بتحذير شديد اللهجة ليسألها مستفسرًا: -اشمعنى أنا يا ستهم، ليه مش واحد من إخواتك؟!

أجابته لعلمها بشدة غيرة نصر من هارون لأنه بالماضي كان أغنى وأعرق منه مما جعل والدها وأشقائها يفضلونه على ذاك السعلوق التي تشبثت برأيها وتمسكت به لعشقها له وبالأخير انساق الجميع لرغبة تلك الجامحة: -علشان أنتَ الوحيد اللي هتوجع نصر قوي. أرجع ظهره للخلف وابتسم بزهو بعدما فهم المغزى من وراء حديثها. *************

بعد مرور عشرة أيام منذ سفر العاشقين، عادا من جولة عشقهما منذ يومين ليلقيا ترحابًا واحتواءً من جميع العائلة. فاقت من نومها في حدود الحادية عشر ظهرًا. تمللت بفراشها وزفرت بضيق لكثرة وخمها في الفترة الأخيرة. سحبت جسدها للأعلى لتستند بظهرها على خلفية التخت. تغيرت ملامحها بعدما مرت بمخيلتها ما يشغل بالها منذ اليومين، فقد خلفت عادتها الشهرية ميعادها وحينها فقط ربطت بين التأخير وبين حالة الوخم التي أصابتها منذ عشرة أيام.

بسطت ذراعها صوب الكومود لتجلب هاتفها وتطلب رقم الصيدلية القريبة من القصر. طلبت منهم إحضار جهاز لاختبار الحمل المنزلي. ثم تحركت إلى الحمام تحممت وقامت بتمشيط شعرها وارتدت ثيابها وأثناء وقوفها أمام مرآة الزينة لتضع القليل من كريمات الترطيب استمعت لبعض الطرقات لتدخل عزة وهي تحمل كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا قد أحضره عامل

التوصيل لتنطق بوجه بشوش: -صباحك فل يا ست البنات. استدارت لتجيبها بوجه شاحب قليلًا: -صباح الخير يا عزة. نطقت الأخرى وهي تشير لما بيدها: -دليفري الصيدلية جاب لك الطلبية بتاعتك والست سعاد أدت له الحساب. أقبلت عليها وأخذت الكيس من يدها بطريقة متلهفة تعجبت لها عزة لتسألها مستغربة: -هو أنتِ طالبة إيه يا إيثار؟! واستطردت بصدق وصل للوقاحة: -أصل فتحت الشنطة بس لقيت علبة مغلفة جوه ومعرفتش أخمن فيها إيه. اتسعت

عينيها لتنطق باستهجان: -يعني لو ما وصيتش الصيدلية يغلفوا الطلب للخصوصية كنتي هتشوفيه عادي؟! ابتسمت لتنطق بطلقائية: -أنتِ هتكبري الموضوع ليه، ده أوردر من صيدلية، يعني هيكون إيه غير دوا ولا مرهم؟

ابتسمت إيثار على تفكير تلك البسيطة التي تعشقها، فلن تنسى فضلها عليها مهما مر العمر بهما. فهي من شملتها وصغيرها بحنانها وحبها الصادق واهتمت بالصغير وكأنه حفيدها، وطالما حرصت على تعليمه الجانب الديني والأخلاقي مع إيثار، كشرح الصلاة والقرب من الله وحبه والخشوع منه. كل هذا شفيعًا لصاحبة أجمل وأنقى قلب. كانت تريد أن تخبرها بما يدور بخلدها لكنها خشيت ثرثرتها وهي إلى الآن لم تتأكد من إذا كانت حاملة طفلًا من زوجها الحبيب أم أنها أعراض طبيعية لما مرت به مؤخرًا بداية من تعرضها للخطف مرورًا بسفرها مع الحبيب وتغيير الجو والطعام.

تحدثت بنبرة هادئة: -ده كريم التهابات ومحبتش حد يشوفه. أومأت عزة بتفهم وتحدثت دون الاكتراث وإعطاء الأمر أكثر مما يستحق: -طب يلا يا حبيبتي علشان تفطري. -اسبقيني على تحت وأنا هحصلك... قالتها بهدوء لتربت عليها الأخرى قائلة بحنو: -ما تتأخريش عليا، عاوزة أشرب معاكِ فنجان قهوة زي زمان. ابتسمت إيثار لتنطق وهي تمسك بكفها الحنون: -بس كده، من عيوني يا ست عزة. واسترسلت بنبرة حماسية:

-وأنا بنفسي اللي هعمل لنا القهوة وهنشربها في الجنينة قدام حوض الورد بتاع علام باشا.

ابتسمت المرأة بحنو وتحركت للخارج أما تلك المرتابة فأسرعت بفتح الاختبار وتوجهت للحمام مباشرة وقامت بالالتزام بالتعليمات المدونة داخل النشرة الداخلية الملحقة بالجهاز وانتظرت تترقب بتمعن وساقيها لم تعد تحملاها من شدة القلق. شعرت بضربات قلبها تدق بوتيرة مرتفعة لدرجة أنها تستمع لها وتشعر بقوتها. لم يكن الحمل الأول لها لكن ظروفه تختلف كليًا، فحبيبها يستحق أن تزف له البشارة بذاك الخبر المنتظر له ولعائلته بالكامل. تلون الاختبار فقد ظهرا الخطان بوضوح لكنها أرادت التأكد أكثر قبل الإفصاح عن الخبر، فلن تغامر بمشاعر حبيبها أبدًا.

توجهت للحديقة تناولت طعامها دون شهية ودخلت المطبخ لتجد الجميع يعملون على قدم وساق لتجهيز وجبة الغداء فقد تخطت الساعة الثانية عشر ظهرًا. وقفت سعاد لاستقبالها تنحني للأمام وهي تتحدث بجدية نظرًا لطبيعة عملها: -أوامر سعادتك يا هانم. أجابتها ببشاشة وجه وهي تقبل عليهم: -أنا جاية أعمل فنجانين قهوة ليا ولعزة. نظرن جميعهن لبعضهن باستغراب أما عزة الجالسة بجوارهن حول الطاولة فابتسمت بحبور وحنين لتنطق سعاد بنبرة جادة:

-حضرتك تقدري ترتاحي في الرسيبشن والقهوة هتيجي لحد حضرتك. بابتسامة بشوش وتواضع أجابتها: -معلش يا مدام سعاد هكسر لك قوانينك المرة دي. ونظرت لعزة بحنين وحب لتسترسل: -أصلي وعدت عزة إننا نشرب قهوة مع بعض في الجنينة وأنا اللي هعملها لها بنفسي.

نظرن جميعهن إليها وابتسمن لتواضع تلك الجميلة، فبرغم أنها أصبحت سيدة القصر المستقبلية بكونها زوجة الوريث الوحيد لعلام زين الدين لكنها تتعامل مع الجميع برُقي وبساطة ولا تتعالى على إحداهن. عكس تلك النجلا التي كانت تعاملهن بمنتهى الغرور والتعالي. ابتسمت المرأة وتحدثت بلباقة واحترام زاد أضعاف ما قبل هذا الموقف النبيل: -المطبخ كله تحت أمر جنابك يا هانم. -متشكرة يا مدام سعاد...

قالتها لتتحرك نحو موقد الغاز لتهب عزة وتقترب منها لتساعدها. جلبت لها وعاء القهوة وأخرى أشارت لها على السكر ومسحوق القهوة وبدأت هي بصنعها بكل الحب وبعد قليل تحركت بجوار عزة التي حملت الصينية واتجهتا إلى الحديقة. جلستا بهدوء وبدأتا بارتشاف القهوة باستمتاع. وجدت سيارة والدة زوجها تدلف من باب القصر لتصطف جانبًا ويهرول السائق ليفتح بابها لتخرج عصمت بهيأتها الوقورة. وقفت إيثار احترامًا لها بعدما وجدتها تُقبل عليها

بابتسامة حنون وهي تقول: -يا سلام على الناس الرايقة اللي قاعدة تشرب قهوة. تحدثت باحترام وهي تُشير لها بأن تجاورهما الجلوس: -اتفضلي حضرتك وهخلي عزة تعمل لك فنجان حالًا. أشارت بكفها لتنطق برقي: -متشكرة يا حبيبتي، أنا راجعة مصدعة شوية هاخد شاور ومسكن للصداع قبل ما علام باشا يرجع من شغله. -بعد إذنكم... قالتها باحترام وانسحبت للداخل بطريقها، لتنطق عزة باستحسان: -والنبي الست دي زي العسل.

بعد حوالي نصف ساعة، كانت تجلس أمام مرآة زينتها تضع بعض المرطبات فوق بشرة وجهها وساعديها بعد خروجها من الحمام. استمعت لبعض الطرقات الخفيفة لتنطق بصوت رزين: -ادخل. فُتح الباب لتظهر منه إيثار بابتسامتها البشوش لتقف عصمت سريعًا تستقبلها فتلك هي المرة الأولى التي تخطو بها لغرفتها: -أهلًا يا إيثار. تحدثت بنبرة خجلة: -ممكن أتكلم مع حضرتك شوية؟ -طبعًا يا بنتي اتفضلي...

قالتها بترحيب هائل لتنطق الأخرى على استحياء وهي تفرك كفيها ببعضيهما بطريقة أظهرت كم توترها: -أنا عارفة إن حضرتك راجعة من الجامعة تعبانة، ومش من الذوق إني أجي وازعجك، بس فيه موضوع مهم طالبة مساعدتك فيه. تحركت إليها حين وجدت حيرتها وخجلها الزائد لتمسك كف يدها وتسحبها للداخل حتى وصلا للمقعدين المقابلين للفراش وتحدثت وهي تحثها على الجلوس لتقول:

-تعالي يا حبيبتي اقعدي واطلبي اللي أنتِ عاوزاه من غير كسوف، واعتبريني زي ماما بالظبط. تحمحمت وبدأت تتلعثم بالحديث: -أنا المفروض كانت البريود ميعادها من يومين، لما اتأخرت طلبت اختبار من الصيدلية وعملته من شوية، هو ظهر لي خطين أحمر بس أنا مش حابة أبلغ فؤاد غير لما أتأكد باختبار دم. واسترسلت بخجل:

-فلو عند حضرتك وقت تكلمي فؤاد وتستأذني منه إني أخرج معاكِ بأي حجة ونروح أي معمل نعمل الاختبار ونتأكد قبل ما أبلغه، مش حباه يتأمل ويفرح وبعدين لا قدر الله التيست يكون غلط وأبقى اتسببت له في إحباط. كانت تتحدث بتلقائية غير مستوعبة ما تخطر به تلك العطشة لهذا الخبر الذي طالما حلمت به وانتظرته حتى أنها يئست وظنته سرابًا ولن يحدث من كثرة انتظاره. بصعوبة أخرجت كلماتها المتلعثمة وهي تنطق:

-قولي الكلام اللي أنتِ قلتيه تاني كده. قطبت جبينها غير مستوعبة ما حدث لتلك السيدة لتتابع بعينين متسعتين: -إيثار، أنتِ بتقولي إنك عملتي اختبار وطلعتي حامل؟! بتلقائية أجابتها: -هو الاختبار ظهر خطين أحمر، بس أنا حابة أتأكد. هبت واقفة لتقف أمامها وتحثها على الوقوف وبفرحة أظهرتها كفتاة بالثامنة عشر من عمرها هللت: -يعني أنتِ حامل في طفل لفؤاد، يعني أخيرًا هشوف حفيد من ابني وألمسه بإيديا وأحضنه وأشم ريحة فؤاد فيه.

وعلى حين غرة نزلت دموعها لتهتف وهي تحتضنها بحفاوة وتأثر شديد: -الحمد لله، الحمد لله، اللهم لك الحمد والشكر. ابتعدت إيثار لتنظر لها بتأثر شديد، فمهما تخيلت فرحة تلك الراقية بذاك الخبر لم تتوقع شدة حبورها التي رأتها بعينيها لتنطق بنبرة هادئة: -أنا مقدرة فرحة حضرتك بالخبر، بس ياريت نتأكد الأول لأني مش حابة أحبطك ولا أحبط فؤاد. -أنتِ أصلك مش فاهمة أهمية وقيمة الموضوع ده بالنسبة ليا أنا وسيادة المستشار...

قالت جملتها بلهفة لتهرول على الهاتف وتضغط على رقم نجلها وتنتظر، أتاها الرد سريعًا لتنطق بصوت جاهدت ليخرج متزن: -إزيك أنتَ يا حبيبي، بقولك يا فؤاد، كنت حابة استأذنك آخد إيثار معايا عند الكوافير، أنا رجعت بدري النهاردة وقلت أروح للكوافيرة بتاعتي وبالمرة آخد معايا إيثار تعمل شعرها. نطق بحزم شديد يرجع لارتعابه عليها خاصة بعد خروج ذاك الأرعن من محبسه منذ أربعة أيام: -مش هينفع يا حبيبتي، إيثار مينفعش تخرج من البيت من غيري.

تطلعت لتلك الواقفة تنتظر لتنطق بإصرار: -يا حبيبي البنت محبوسة في البيت ما بتخرجش أبدًا، ولا حتى سمحت لها تستلم وظيفتها الجديدة في الشركة. بنبرة جادة أجابها: -أنا مرتب لكل حاجة يا ماما، أول ما أشوف الوقت مناسب لخروجها هتروح تستلم شغلها في الشركة إن شاء الله، قبل كده مقدرش أغامر بأمانها. تحدثت وكأنها لم تستمع لمخاوفه لتنطق بنبرة حماسية: -طب علشان خاطري خليها تيجي معايا النهاردة وصدقيني مش هطلب منك إنها تخرج معايا تاني.

-عجيب إصرارك على خروجها معاكِ ده يا ماما! ... قالها مضيقًا عينيه ليتابع باستغراب: -ده أنتِ عمرك ما خدتي فريال معاكِ في أي مكان؟! استشاطت من ذاك الفطن لتنطق بصوت متخاذل بعدما قررت اتباع سياسة الابتزاز العاطفي عليه وتطلعت إلى إيثار لتغمز لها بعينيها بذات مغزى: -خلاص يا فؤاد، ومتشكرة لأنك عرفتني مقدار غلاوتي عندك. أغمض عينيه ومسح على وجهه بتعب لينطق بموافقة رغمًا عنه متفاديًا إحزان قلب غاليته:

-وأنا مقدرش على زعل دكتورة عصمت الدويري، خديها معاكِ وأنا هكلم نبيل أخليه يجهز عربية باثنين بودي جارد. شكرته ونظرت إلى إيثار وتحدثت بلهفة وهي تهرول باتجاه خزانة ثيابها: -روحي البسي بسرعة وأنا هغير هدومي وفي ثواني هكون جاهزة. أجابتها بسعادة نابعة لسعادة تلك الراقية: -هكلم فؤاد استأذنه وأجهز حالًا. تطلعت عليها باحترام لتنطق بنبرة حنون:

-كنت عارفة إن ربنا هيعوض ابني عن اللي حصل له في حياته، بس مهما تخيلت مكنتش هوصل لكرم ربنا اللي فاض عليه بيه. اقتربت عليها لتحتضن وجنتيها بكفي يداها لتقول بنبرة تقطر شكرًا وامتنان: -أنا أول مرة أشوف ابني سعيد وعيونه بتلمع، خليك معاه حنينة كده على طول، فؤاد بيحبك ويستاهل إنك تحبيه وتحافظي عليه. أجابتها بعينين تفيض عشقًا: -فؤاد ده عوضي ومكافأتي من ربنا، هو مش بس جوزي، ده حبيبي وأخويا وأبويا، ده كل دنيتي هو ويوسف.

ابتسمت لها عصمت وبعد قليل كانت تحادث زوجها للاستئذان لينطق بمشاكسة وهو يتحرك باتجاه النافذة الزجاجية بداخل مكتبه يتطلع منه على الشارع: -ده إحنا اتطورنا خالص وبقينا شطار وبنستأذن قبل ما نخرج أهو. -هو أنتَ ما بتنساش حاجة خالص... قالتها بمداعبة لينطق بنبرة حنون: -عمري ما أنسى أي حاجة حصلت ما بينا، أنا عمري ابتدى من يوم ما ظهرتي في حياتي يا إيثار.

تأثرت من صدق مشاعره المتدفقة من بين كلماته المؤثرة لتنطق بنبرة تقطر حنانًا وولهًا: -وأنا عمري كله بقى ملك إيديك يا حبيبي. من شدة صدق نبراتها تأثر كثيرًا فبدل الموضوع لينطق مشاكسًا إياها: -روحي اجهزي علشان ما تتأخريش وارجعي بسرعة علشان تلحقي تنامي لك شوية، النهاردة مفيش نوم بدري ومش هقبل أي أعذار. واسترسل بوقاحة لم يعرفها سوى مع من ملكت فؤاده واستوطنت:

-البدلة السوداء هتتلبس النهاردة يعني هتتلبس، وخلي اختيار الغنوة عليا. ضحكت كثيرًا على حبيبها المشاكس الذي أصبح عاشقًا لرقصها. أغلقت لتجهيز حالها وبعد قليل كانت تجلس بمقابل والدة زوجها أمام مكتب طبيبة النساء والتوليد الخاصة بالعائلة لتنطق الطبيبة ببشاشة وجه: -كل الأعراض اللي حكيتيها لي دي بتأكد إن فيه حمل إن شاء الله. ثم رفعت ساعة يدها تنظر بها قبل أن تنطق: -إحنا عاملين الاختبار من... صمتت لتتابع بدقة:

-عشر دقايق كمان ونتيجة عينة الدم هتظهر وتأكد لنا. ابتسمت إيثار بارتياب لتسألها عصمت بجدية: -هو ممكن الاختبار المنزلي يكون غير دقيق ويدي نتيجة غلط يا دكتورة؟ -للأسف ساعات بتحصل... لتتابع بدقة: -آه مرات نادرة بس بتحصل، علشان كده أنا كدكتورة بفضل تحليل الدم. مر الوقت سريعًا واستمعن لطرقات فوق الباب لتنطق الطبيبة بعملية: -ادخل. ولجت العاملة لتتحدث وهي تتجه صوب الطبيبة باسطة يدها بالتقرير: -نتيجة الفحص ظهرت يا دكتورة.

ارتبكت إيثار بجلستها أما عصمت فتأهبت وتخشب جسدها بالكامل وتمعنت بملامح الطبيبة التي فتحت المظروف لتنطق بملامح وجه بشوشة: -النتيجة إيجابية، ألف مبروك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...