«لا أحد يُدرك حجم مُعاناتك وصراعك المستوحش الساكن داخل ثنايا روحك المُحطمة سواكِ، لذا لا تلتفتي لحماقات الآخرين، فيكفيكِ ما أنتِ فيه من معارك شرسة». خاطرة إيثار الجوهري بقلمي روز أمين ضغطت زر الاتصال برقم "أيمن الأباصيري" لتتحدث بحرج بعدما استمعت لصوته المتحشرج بفضل تعمقه بالنوم: -أنا أسفة بجد إني بزعج حضرتك في وقت متأخر زي ده، بس مقداميش حد تاني ألجأ له. سألها مستفسرًا:
-اتكلمي وقولي فيه إيه يا إيثار، أنا عارفة إنك مش هتتصلي في الوقت المتأخر ده إلا إذا كانت فيه مصيبة، وده اللي خلاني رديت. أجابته بصوتٍ مرتعب: -هي فعلًا مصيبة يا أفندم، عمرو البنهاوي واقف لي على الباب وعمال يخبط ومُصر إنه أفتح له، وشكله سكران على الآخر. أجابها بنبرة خفيضة من أثر نومه:
-ده يبقى وقع ولا حدش سمى عليه، متفتحيش وأنا هتصل بسعادة اللواء قدري الخواجة وأخليه يبعت لك قوة تقبض عليه حالًا، وهخليه يعمل له محضر عدم تعرض ويمضيه عليه. واستطرد متوعدًا: -ده بعمله الغبية دي خدمك خدمة العمر. أغلق معها لتتملل زوجته "نيلي" الممدة بجواره بالفراش لترفع رأسها للأعلى وهي تسأله بعينين متعجبتين: -فيه إيه يا أيمن، وإزاي إيثار تتصل بيك في وقت زي ده وخصوصًا إنها عارفة إنك لسه تعبان؟! ربت على كتفها وتحدث وهو
يضغط على رقم ذاك اللواء: -هحكي لك بعد ما أعمل مكالمة ضرورية يا حبيبتي. أغلقت إيثار الهاتف وأبدلت ثيابها سريعًا بأخرى محتشمة استعدادًا لمقابلة رجال الشرطة، ثم هرولت إلى الباب من جديد حيث زاد صوت الخبطات وتعالت أصوات عمرو الصارخة: -افتحي يا إيثار بدل ما أكسر الباب عليكِ، أنا مش همشي غير لما أشوفك أنتِ ويوسف، افتحي يا حبيبتي، ده أنا حبيبك عمرو، أنتِ نسيتي أنا كنت إيه بالنسبة لك.
-حرام عليك، أنتَ بتعمل فيا كده ليه، اعتقني يا أخي لوجه الله بقى... نطقتها بهتافٍ حاد بعدما استمعت لهمهمات السُكان التي تعالت ليتحدث بصوتٍ ضعيفٍ متوسل أشبه بباكي: -افتحي يا حبيبتي عاوز أنام في حضنك، وحشتيني قوي ونفسي تنيميني على رجلك وتلعبي لي في شعري زي زمان، فاكرة يا إيثار، فاكرة. اتسعت عينيها بذهول لتصرخ بعدما شعرت بالحرج من ساكني البناية ومن صورتها التي حتمًا ستهتز أمامهم وهي التي طالما حافظت
عليها بكل ما أوتيت من قوة: -بس بقى كفاية فضايح، أنتَ إيه يا أخي، شيطان، ليه مُصر تدمر سلامي النفسي واستقراري اللي مصدقت أبنيهم من يوم ما بعدت عنك ونضفت، اتقي الله وسيبني في حالي وارجع لمراتك وبنتك. ركل الباب بقدمه بقوة ليهتف غاضبًا: -افتحي الباب، مش هسيبك إلا لما ترجعي لي، أنتِ بتاعتي، ملكي أنا، محدش هيقدر يبعدك عني ومسيرك هترجعي لحضني تاني، افتحي يا إيثاااار. قال كلماته الأخيرة بصراخ هستيري جعلها
تهمس إلى عزة بارتياب: -روحي اقعدي جنب يوسف ليصحى مخضوض من الخبط بتاع المجنون ده. أجابتها: -حاضر بس هدي نفسك، زمان البوليس جاي وهياخده يرميه في الحبس، وبدل ما ينام على الفرشة الحرير اللي جايبها له أبوه، هينام على البورش وسط المجرمين وقتالين القتلة. لتشيح بكفيها بغيظ: -على الله واحد فيهم يغزه بسكينة يخلصنا من شره وغتاتته.
دخلت إلى الصبي وظل ذاك الأرعن يدق بابها ويصيح باسمها مطالبًا إياها بفتح الباب حتى استمعت لصوت جلبة بالخارج لتنظر من فتحة العين وتتنفس باطمئنان بعدما رأت بعضًا من الرجال مرتدين زي الشرطة وعلى الفور أمسكوه واجتمع بعضٌ من ساكني البناية حول الشرطة ليبدأوا في تقديم إفادتهم وإزعاج ذاك المتعدي لهم، استمعت لطرق أحدهم للباب وهو يقول بطمأنة:
-افتحي يا مدام إيثار ومتخافيش، إحنا جايين بناءً على تعليمات من سيادة اللواء قدري الخواجة، هو قال لنا إن عندك علم إننا جايين. بالفعل فتحت وما أن رآها ذاك المعتوه حتى أفلت حاله ليهرول عليها وكاد أن يصل لها ليحتضنها لولا أيادي الشرطيين اللذين لحقا به ليكبلا ساعديه خلف ظهره ويشيلا حركته بالكامل مما أصابه بالجنون ليصرخ قائلًا: -سيبوني، أنتوا اتجننتوا، أنتوا مش عارفين أنا ابن مين؟ هتف الضابط المسؤول عن الحملة موبخًا إياه:
-بس يالا، مش عاوز أسمع نفسك. هتف صارخًا باعتراض: -دي مراتي، والله لأخليكم تندموا كلكم، أنا ابن نصر البنهاوي يا بقر. رمقه الضابط بازدراء ثم توجه ببصره إلى رجاله متحدثًا: -خذوا المحروس ونزلوه تحت في البوكس. تحرك الرجال ساحبين ذاك الذي بات يحرك جسده محاولًا التملص من بين أياديهم وهو يصرخ ويقذفهم بوابلٍ من أقذر السُباب محاولًا التملص، نظر الضابط لها وتحدث باحترام: -ده طليقك يا أستاذة إيثار، مظبوط؟ أومأت
بإيجاب ليسترسل بإعلام: -إحنا هنعمل له محضر سُكر واقتحام المكان والتهجم على أنثى في عُقر بيتها، وهستناكي بكرة تيجي في القسم علشان تمضي على المحضر وتأكديه. أومأت برأسها ليتحدث إلى سُكان البناية: -وياريت كام حد منكم ييجوا بكرة يقدموا إفادتهم علشان نوثق المحضر ونأكد على الاتهامات الموجهة للمتهم. أومأ الجميع ليتحدث أحدهم:
-إحنا تحت أمرك يا باشا، الأستاذة إيثار ست محترمة وليها سنين معانا هنا في العمارة محدش شاف منها حاجة وحشة، أنا عن نفسي هاجي بكرة أشهد باللي حصل. ليستطرد بإبانة: -وهشهد كمان بإن طليقها اتهجم عليها ومسكها من ذراعها قدامي من حوالي أسبوعين، وأنا اتدخلت وقتها أنا والسكيورتي وخلصناها من إيده وهددناه لو ممشيش هنتصل بالشرطة.
شكرته بدموع عينيها التي انسكبت رُغمًا عنها ثم توالت أصوات باقي السُكان الذين تطوعوا بإدلاء شهاداتهم والوقوف بجوار تلك الخلوقة في الوقت الذي تخلى عنها أقرب الأقربون. انصرف الضابط وتحرك السكان كُلٌ لوجهته.
صدح صوت ابتهالات ما قبل أذان الفجر من صوامع مساجد البلدة ليملأ القلوب بالراحة والسكينة، عدا تلك الحائرة التي تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا ممسكة هاتفها تضعه على أذنها بانزعاج، لم تعد تدري كم عدد المرات التي هاتفته بها ولم يرد، توقفت لتهتف بضيق: -لا، كده الوضع ما يتسكتش عليه.
أسرعت إلى خزانة ملابسها وانتقت ثوبًا محتشمًا وارتدته سريعًا ثم أمسكت بحجابٍ وضعته على رأسها بعشوائية لتنطلق إلى الأسفل وبلحظة كانت تطرق باب والدي زوجها لتفتح لها إجلال التي صُدمت من ملامح وجه الأخرى المتوترة لتتحدث الأولى بارتياب: -الحقيني يا ماما، عمرو مجاش لحد الوقت وبرن عليه تليفونه بيدي جرس ومابيردش. عقدت بين حاجبيها لتسألها بصوتٍ متحشرج:
-مجاش منين، أنا مش سألتك عليه قبل ما نقفل الباب الحديد قولتي لي إنه نايم فوق من بدري؟ تلعثمت ولم تجد أمامها سوى النطق بالحقيقة لتتحدث بنبرة مرتعبة: -هو اللي أكد عليا أقول لكم كده علشان يسهر مع أصحابه براحته من غير الحاج ما يعرف ويبهدله زي كل مرة. همست بصوتٍ خفيض وهي تحثها على الابتعاد بعدما بدأت بغلق الباب: -تعالي نتكلم بعيد بدل ما الحاج يسمعنا ويطين عيشته لما ييجي.
بالفعل تحركت بجانبها إلى أن دخلتا داخل حجرة الطعام وما أن أغلقتها حتى أمسكت ذراعها لتهزها بعنفٍ ثم صاحت بتوبيخ: -عارفة يا وش البومة أنتِ لو ابني جرى له حاجة هعمل فيكي إيه. انكمشت على حالها لتتحدث برعبٍ: -وأنا ذنبي إيه يا ماما. -ذنبك إنك مش مالية عين جوزك ومخلياه طافش طول الليل من خلقتك العكرة... نطقتها بازدراء لتستطرد بكراهية: -ده غير إنك كذبتي عليا وقولتي إنه نايم فوق. هتفت متنصلة لتبرئ حالها:
-هو اللي قال لي أعمل كده والله العظيم، أنا مكنتش أقدر أخالفه ما أنتِ عارفاه وعارفة عِناده، لو قالي اعملي حاجة وخالفته بينكد عليا بالشهور. بحنقٍ أجابتها: -ما هو من خيبتك، دي اللي اسمها إيثار كانت مخلياه لازق لها ليل نهار في الشقة، أبوه كان بيخانق معاه علشان يسيبها ويروح يشوف شغله. ابتسامة ساخرة خرجت منها لتتحدث وهي ترفع عنقها بكبرياء: -وهو لو كان بيحبها بجد كان فضلني عليها؟
-وهو لما الشيطان وسوس لسيدنا آدم وخلاه أكل التفاحة الملعونة اللي خرجته من الجنة، كده يبقى حب الشيطان؟ ... نطقتها بنبرة متهكمة لتستشيط الأخرى لكنها توارت بخبث خلف حزنها التي رسمته بإتقان لتسألها باستياءٍ مصطنع: -أنتِ بتشبهيني بالشيطان يا ماما؟ حملقت بدهشة مصطنعة لتقول بامتنان: -شيطان مين ده اللي أشبهك بيه يا بت، ده الشيطان يتعلم منك ويقف يسقف لك كمان.
كم تبغض تلك الحقيرة وتكن بقلبها لها كرهًا لا يضاهيه شيء، وذلك لتيقنها بحقدها الشديد ورفضها لشخصها منذ الوهلة الأولى لدخولها للعائلة. جذبت منها الهاتف لتعيد الاتصال من جديد على هاتف نجلها ليصدح رنينه ويهتز على سطح مكتب الضابط الذي تحدث بتملل للشاويش: -وبعدين في أم التليفون اللي مش عاوز يبطل زن ده. -ما ترد على المتصل يا باشا وبلغه إن صاحب التليفون مقبوض عليه... نطقها الشاويش ليقول الضابط وهو ينهض استعدادًا للخروج:
-الواد متوصي عليه يا حسين، الباشا قال لي محدش من أهله ياخد خبر إلا لما المحضر يتحول للنيابة علشان أبوه ما يعرفش يطلعه منها. أومأ الرجل ليستكمل الضابط: -أنا طالع السكن علشان أنام لي كام ساعة قبل النهار ما يطلع، مش عاوز حد يصحيني حتى لو الدنيا خربت، مفهوم يا حسين... نطق الأخيرة للتأكيد ليهز الآخر رأسه قائلًا: -مفهوم يا باشا. بعد قليل داخل حُجرة الحجز التابعة لقسم الشرطة المحتجز به.
كان يقف خلف الباب ممسكًا بالسياج الحديدية الخاصة بباب الحجز، يصرخ بكل ما أوتي من قوة: -افتحوا لي الباب يا رِمم، أنتوا متعرفوش اللي رميتوه في الحجز ده يبقى ابن مين، والله لأخرب بيوتكم كلكم. -ما تخرس ياد في ليلتك السودة دي، صدعتنا من ساعة ما جيت من كتر صواتك اللي زي صريخ النسوان...
التف ليستكشف من ذاك الذي تجرأ ونعته بذاك الوصف ليجد رجل ذو جسدٍ ضخم يتوسط الأرض بجلوسه العشوائي يرتدي ثيابًا متسخة وشعر رأس وذقن مبعثران، يمتلك وجهًا حاد الملامح وبه الكثير من النُدوب الناتجة عن جروح بطعنات توحي بمدى إجرامه، لم يهتم بما رآه ليهتف بقوة يرجع سببها لعدم استيعابه لما يحدث بفضل كثرة المشروبات الكحولية التي تناولها وهي التي أودت به إلى هنا بعدما تصرف بعدم إدراك:
-أنتَ بتكلمني كده إزاي يا جدع أنتَ، أنتَ مش عارف أنا ابن مين؟ هتف أحد الرجال قائلًا باستهجان: -ما تفوق لنفسك يا بقف، أنتَ واقف قدام المعلم "برعي" كبير الحجز، يعني تدي له التمام وتقلب نفسك وتطلع كل اللي في جيوبك عشان تنول الرضا، ده لو مش عاوز كرامتك تتداس تحت جزمه أقل محجوز هنا. رمقهم بازدراء ليقول بكثيرٍ من الكبرياء: -ليك حق، ما أنتَ لو تعرف أبويا يبقى مين مكنش زمانك واقف قدامي أصلًا.
-هو كل عيل سيس ميسواش ربع جنيه مخروم ييجي لنا هنا يسمعنا البوقين الحمضانين دول... نطقها "برعي" باستهزاء ليسترسل ساخرًا بصوتٍ غليظ: -طب إشجيني يا روح أمك وقولي أنتَ ابن انهي حرامي في البلد؟ رمقه بازدراء ليهتف الآخر صارخًا: -ما تنطق ياد بدل ما أخلي الرجالة تعمل معاك الصح. صاح بكل صوته هاتفًا بغضب: -رجالة مين يا أبو رجالة، طب خلي نطع فيهم كده يقرب لي وأنا أمسح لك بيه بلاط الحجز.
تناقل الجميع نظراتهم لبعض لينطلقوا بقهقهاتهم الساخرة وذلك لمظهره المنمق وملامحه التي لا توحي بحديثه، زادت قهقهاتهم مما زاد من حنق عمرو ليهتف بحنق: -والله يا كلاب لأخلي لأبويا يربيكم كلكم.
توقف كبيرهم عن الضحك بعدما استمع لسبه على يد هذا الإمّعة ليُعطي إشارة من رأسه صوب ذاك المغرور ليقترب منه الرجال مشكلين حلقة حوله ليرتاب داخله بعدما رأى نظرات الغدر بأعينهم المصوبة عليه، انقض عليه الجميع دفعة واحدة ليركله أحدهم ويلكمه الآخر وهكذا توالت اللطمات مما جعله يصرخ بأعلى صوته لينثر على مسامعهم وابلًا من أقذر الشتائم مع تهديده الواهي لهم، كل هذا تحت أنظار ذاك الـ"برعي" الذي تعالت قهقهاته لتظهر أسنانه بلونها البُني المثير للاشمئزاز.
هتف أحد الرجال الواقف بجوار الباب يراقب الوضع: -الشاويش حسين جاي يا معلم. هرول الجميع بتخبط كُلٌ لوجهته تاركين ذاك المغرور مُلقيًا أرضًا وآثار الضرب ظاهرة على وجهه، استمع الجميع لصوت فتح الأقفال ليدخل بعدها الشاويش حسين هاتفًا بغضب: -صوتكم عالي ليه يا غجر؟ استقر بصره على ذاك المطرُوح أرضًا والدماء تسيل من أنفه وفمه ليهتف حانقًا قاصدًا بحديثه الجميع: -الله يخرب بيوتكم، أنتم لحقتوا، الواد لسه داخل لكم ما كملش نص ساعة.
حول بصره إلى كبيرهم ليقول بنبرة لاذعة: -وبعدين معاك يا "برعي"، مش ناوي تجيبها لبر أنتَ ورجالتك ليه. -لا أنا ولا رجالاتي لينا يد في اللي حصل له يا شاويش، الواد هو اللي اتشنكل وهو ماشي ووقع على بوزه اتشلفط... قالها ذاك المجرم ليرد عليه الآخر بتكذيب: -صدقتك أنا كده. تحرك صوب عمرو وتحدث وهو يسنده ليساعده على الجلوس: -قوم يا موكوس. ساعده على الجلوس ليسترسل بعدما نظر لوجهه بوضوح: -ده أنتَ وشك اتشلفط على الآخر.
ثم نظر لبرعي قائلًا: -ملكش دعوة بالجدع واتلم أنتَ ورجالتك بدل ما تقضيها انفرادي النهاردة. نهض وتحدث مهددًا الجميع: -أنا طالع، وإياك أسمع صوت حد فيكم. استند على الأرض ونهض متحاملًا ليُمسك بذراع الشاويش وهو يتوسل إليه قائلًا: -أرجوك يا حضرة الشاويش طلعني من هنا، حطني في أوضة لوحدي وأنا هدفع لك فلوسها. تعالت الضحكات الساخرة حتى الشاويش لم يستطع كبح ضحكاته ليقول ساخرًا: -تكونش فاكر نفسك نازل في لوكاندة السعادة.
ليسترسل ناصحًا: -ما تنشف ياد لـ يأكلوك. -طب رجع لي تليفوني خليني اتصل بأبويا ييجي يخرجني... نطقها بعينين مترجيتين ليتحدث الآخر متنصلًا: -الموضوع ده في إيد حضرة الظابط، وهو راح السكن خلاص ومحدش يقدر يهوب ناحيته ويصحيه، وإلا تبقى وقعته سودة. واسترسل مشيرًا على جميع أركان الحُجرة المليئة بأجساد هؤلاء المتهمين الملقون بعشوائية:
-شوف لك حتة فاضية اتلقح فيها أنتَ كمان واتخمد لك ساعتين لحد النهار ما يشق والظابط ييجي وأقول له. تركه وغادر مغلقًا خلفه الباب غير مباليًا بنداءات عمرو المتوسلة، حول بصره ونظر للرجل وجده يتوعده باستكمال ما بدأ فانكمش على حاله وخر جالسًا مستندًا بظهر الباب لينظر للجميع بترقب وقد سكن الرعب بمقلتيه ولأول مرة يشعر بالخوف.
كم كانت ليلةً عصيبة تضاف إلى لياليها الموحشة، لكنها لم تتأثر بالقدر المتوقع، لو حدث ما حدث بالماضي لانهارت وفقدت ثباتها، لكنها تغيرت بفضل ما مرت به خلال الأربع سنوات المنصرمة، لقد حولتها الصدمات إلى شخصٍ أقوى حتى فاقت قدرة تحملها كثيرًا من قدرة الرجال، اصطحبت صغيرها وأوصلته إلى مدرسته لتواصل طريقها باتجاه مركز الشرطة التابع لمنطقتها والذي أخبرها به الشُرطي، صدح صوت هاتفها معلنًا عن وصول مكالمة لتُجيب بصوتٍ هادئ:
-صباح الخير يا باشمهندس. على الجهة الأخرى كان يجلس حول طاولة الطعام يتناول إفطاره بصحبة أسرته ليسألها مستفسرًا: -وصلتي لإيه يا إيثار؟ -أنا في الطريق لقسم الشرطة، هخلص هناك وأطلع على مبنى النيابة علشان قضية كريم... لتستطرد بالتماس: -وبعد إذن حضرتك هتأخر شوية. -شوفي اللي وراكي وارجعي بيتك ارتاحي، ليلتك كانت صعبة امبارح وأكيد منامتيش... قالها برحمة لتتنهد براحة ويسترسل هو:
-أنا كلمت الأستاذ عبدالسلام و زمانه مستنيكي في القسم، هيتابع معاكي إجراءات المحضر ويعمل اللازم. اغرورقت عينيها بدموع العرفان، لقد غمرها ذاك الحنون برعايته لها وطالما كان لها العون والسند بعد الله، خرج صوتها متأثرًا لتتحدث بعرفان: -ربنا يخليك ليا، مش عارفة أشكرك إزاي، جمايلك كترت قوي يا باشمهندس. أجابها بما نزل على قلبها بردًا وسلامًا وتعويضًا: -بطلي هبل، جمايل إيه اللي بتتكلمي عنها، هو فيه جمايل بين الأب وبنته.
أغلق معها بعدما شكرته ليسأله أحمد مستفسرًا: -مالها إيثار يا بابا؟ قص ما حدث تحت اهتمام أحمد وزوجته "سالي" وشقيقته "لارا" بجانب "نيلي" التي كانت على دراية مسبقة، لتتحدث "نيلي" بتأثر ظهر بين صوتها: -البنت دي حظها قليل قوي في الدنيا، ربنا بلاها بزوج كلمة راجل خسارة فيه، ولا أخواتها، حاجة تقرف... نطقت كلمتها الأخيرة باشمئزاز لتؤكد على حديثها سالي قائلة:
-عندك حق يا طنط، لا ومن بجاحته ما اكتفاش باللي عمله فيها لما كانت مراته، راجع يكمل ندالته وخسته معاها بعد ما طلقها. -موقف أهلها المخزي مقوي قلبه، هما ظلموها أكتر منه... كلمات صادقة قالها أحمد بجدية، كان يستمع لهم وهو يتناول طعامه، أوقف ارتشافه لكأس الشاي الساخن لينزله كي يتحدث لابنته الشاردة باستفهام: -ساكتة ليه يا "لارا"، إيه اللي شاغل بالك يا حبيبتي؟ أغمضت عينيها في ألم ثم فتحتهما من جديد وهي تقول:
-هو حضرتك مش شايف كل المشاكل اللي بتحصل بسببي. واستطردت بنبرة متألمة: -أنا تقريبًا مش بنام يا بابي من يوم اللي حصل، مش قادرة انسى مشهد موت بسام، منظره وهو غرقان في دمه مش بيغيب عن عنيا. -علشان خاطري خلينا نسيب مصر ونروح نعيش في بلد تانية... قالت جملتها بعينين متوسلتين. مزقت نبراتها الحزينة نياط قلب والدها ليقول محاولًا التخفيف عنها:
-نسيب بلدنا ونروح فين بس يا بنتي، مش كفاية سيبت بيتي اللي عيشت فيه عمري كله ونقلنا هنا لما قولتي إنك مش قادرة تقعدي فيه بعد اللي حصل. أطرقت برأسها قائلة بحزن بعدما شعرت بأنها قد ضغطت على والدها وزادتها عليه: -أنا آسفة يا بابي، أنا عارفة إني تعبتك معايا الفترة الأخيرة، بس أنتَ أكيد حاسس باللي أنا بمر بيه، أنا حاسة بالذنب بسبب اللي حصل لـ بسام واللي حصل لكريم السواق واللي لسه بيحصل لحضرتك. واسترسلت بعينين متوسلتين:
-أرجوك سامحني. تأثر الجميع بحديثها وتشتُت روحها الذي بات يلازمها مؤخرًا بفضل ما حدث، تألم قلبه لأجلها وما شعر بحاله إلا وهو ينهض متجهًا صوبها ليسحبها من كفها لتقف بقبالته ويجذبها لتسكن أحضانه واضعًا كفه ليمرره فوق ظهرها بحنان حتى هدأت، ليتحدث بنبرة قوية كي يحثها على الخروج من تلك الحالة التي سيطرت عليها:
-إوعي تحملي نفسك ذنب أي حاجة، أنتِ بريئة من كل اللي حصل، وبسام اللي أنتِ زعلانة عليه ده هو السبب في كل حاجة، الله يسامحه مات وساب الدنيا والعة. بعد قليل. كانت تجلس داخل مكتب الضابط المختص بالتحقيق بصحبة المحامي الذي بعثه أيمن، تمم الضابط جميع الإجراءات ليتحدث المحامي مستفسرًا: -هي القضية هتتحول للنيابة إمتى يا باشا؟ -النهاردة إن شاء الله... هكذا أجابه لتتحدث هي بارتباك خشيةً من بطش نصر البنهاوي:
-أنا شايفة إننا نكتفي بالمحضر وعدم التعرض يا أستاذ عبدالسلام. أجابها الضابط بعملية: -مينفعش يا أستاذة، طالما عملنا المحضر وأثبتنا صحته بشهادة شهود الإثبات يبقى لازم يتحول للنيابة، وبعدين سيادة اللواء قدري الخواجة موصي عليه وقال لنا لازم يتربى. استرسل بإبانة بعدما رأى ترددها بعينيها: -تحقيقات النيابة هي اللي هتجيب لك حقك وتعلمه الأدب، لما يلبس في جُنحة هيفكر ألف مرة قبل ما يتصرف بغباء مرة تانية. أطرقت
رأسها بموائمة لتتحدث: -تمام، أنا مضطرة استأذن لو حضرتك مش محتاجني في حاجة تانية لأن عندي ميعاد نيابة ولازم ألحقه. -إحنا كده خلصنا وتقدري تتفضلي...
جملة قالها الضابط لتنهض مستأذنة لتتحرك سريعًا باتجاه مبنى النيابة التابعة له، قادت بأقصى سرعة لتستطيع الوصول قبل حلول الوقت المحدد كي لا تدع للمدعو فؤاد فرصة مضايقتها، أخيرًا وصلت قبل الميعاد بخمسة دقائق، سألت على مكتبه فأرشدها أحدهم، اقتربت من رجل الأمن الواقف أمام باب المكتب وطلبت منه إبلاغ وكيل النائب العام بحضورها وناولته بطاقة تعريفها، طلب منها الرجل الانتظار لحين اتخاذ الإذن لها، ولج للداخل مغلقًا الباب خلفه ليتحدث بتوقير وهو يقدم البطاقة لذاك
المنكب على أوراقه بتمعن: -الأستاذة بتقول إن عندها ميعاد مع حضرتك يا باشا. رفع رأسه وبسط كفه ليأخذ البطاقة مدققًا النظر بها، ابتسامة ساخرة خرجت من جانب ثغره ثم ضيق عينيه وهو يحك ذقنه بأصابع يده ليقول بعد تفكير: -خليها واقفة برة لحد ما أضرب لك الجرس.
خرج العامل ليبتسم بخبث بعدما عقد النية لمعاقبتها على المعاملة التي لم تلقَ استحسانه بالأمس، بالخارج، تمللت بوقفتها بعدما مر أكثر من نصف ساعة وهي في الانتظار دون حدوث جديد، شعرت ببعض الآلام بساقيها لتنظر لذاك الواقف قائلة بامتعاض: -هو أنا هفضل مستنية كتير؟! -الباشا قال لي ما أدخلكيش غير لما يضرب الجرس... قالها باقتضاب كتمثالٍ لتهتف هي بحنق:
-أنا مالي ومال جرس الباشا بتاعكم، أنا ميعادي الساعة 11، والساعة الوقت 12 إلا ربع. واسترسلت بعينين غاضبتين: -تدخل تقول للباشا بتاعك إني لو ما دخلتش حالًا همشي وأبقى أجي له وقت تاني يكون فاضي يشوف شُغله فيه. أرجع ظهره للخلف وابتسم مستمتعًا بعدما توغل داخله شعورٌ بالتشفي، تحمحم لينظف حنجرته قبل أن يهتف بقسوة مناديًا على الحارس الذي هرول إليه ليقول الآخر بصرامة مخيفة أجاد رسمها:
-إيه اللي بيحصل برة يا أمين، ومين دي اللي اتجرأت وعلت صوتها في حضرة النيابة؟ -دي الأستاذة... قطع حديثه اقتحام تلك الغاضبة للمكتب حيث قالت بنبرة صوت لاذعة تنم عن استيائها الشديد: -أنا اللي اتجرأت يا سيادة المستشار. تراجع في مقعده وضيق عينيه ليرمقها بازدراء قائلًا بلهجة متعجبة: -أنتِ إزاي تدخلي عليا من غير ما أذن لك؟ لم تهتم بحديثه اللاذع ولا بنظراته النارية بل تحدثت بثقة وحنق أظهرا كم استيائها:
-أنا واقفة برة ليا ساعة إلا ربع منتظرة حضرتك تطلبني علشان أقول شهادتي وأمشي، بس وقفتي طالت ومش عارفة هفضل مستنية لحد إمتى! -وإيه المشكلة لما تقفي ساعة واتنين، اللي يشوف حمقتك يقول إن مصالح البلاد والعباد متوقفة على جنابك... نطقها متهكمًا لترمقه بنظرات ثاقبة وهي تقول بحزم بعدما تيقنت أنه قاصد ليرد لها ما حدث معه بالأمس:
-المفروض إننا في نيابة يعني المواعيد ليها احترامها وقُدسيتها، مش واقفة في فرنة بلدي علشان أستنى ساعة واتنين لما صاحب الفرنة يحن عليا ويديني دور في طابور العيش؟ أشار للعامل ليخرج ثم تراجع بمقعده الهزاز وأخذ يدور يمينًا ويسارًا وهو يرمقها بعينين باردتين كالصقيع ليقول بنبرة ذات مغزى: -أعرف ناس حياة العباد متوقفة على شغلها حرفيًا ومع ذلك انتظرت ساعة بحالها. ابتسمت ساخرة بجانب فمها بعدما تأكدت من حدسها لتتحدث بذات مغزى:
-طب كويس، كده يبقى صفينا حساباتنا، ممكن بعد إذنك نبدأ التحقيق علشان ألحق ميعاد شغلي؟ رفع سماعة الهاتف الأرضي دون أن يلتفت إليها قائلًا بجمود: -تعالى لي في مكتبي حالًا يا سامي. أغلق الهاتف ثم أشار بكف يده بغرور كي تجلس دون أن يتفوه بحرفٍ، رمقته ثم جلست بحدة ليحضر كاتب النيابة بعد قليل ويبدأ بأخذ أقوالها بجدية وموضوعية وكأن شخصًا آخر تلبس شخصيته، شخصًا حكيمًا عاقلًا عادل، سألها بجدية:
-الاسم والسن والعنوان والحالة الاجتماعية؟ أجابته بثقة: -إيثار غانم محمد حسان الجوهري. -عندي ثمانية وعشرين سنة، ساكنة في مدينة نصر، عنواني بالكامل موجود في البطاقة اللي مع حضرتك. نظر للبطاقة التي أمامه فوق سطح المكتب ليناولها للكاتب لملء البيانات لتسترسل هي: -الحالة الاجتماعية "مطلقة". ضيق عينيه مستغربًا لينفض سريعًا تلك الأفكار التي اقتحمت مخيلته ليُلقي عليها سؤالًا تلو الآخر. انتهت من تقديم إفادتها ليتحدث بجدية:
-كده خلصنا. نهضت بحدة ثم تحدثت وهي تستدير للمغادرة: -بعد إذنك. أوقفها صوته البارد حيث قال قاصدًا استفزازها وكأنه أُعجب بحالة التنافر والتجاذب التي خُلقت بينهما منذ أن التقيا بالأمس: -هتمشي من غير ما تدوقي قهوتنا؟
التفت تنظر عليه بجبينٍ مقطب وعقلٍ غير مستوعب، نهض والتف حول مكتبه ليقف أمامها، لقد كان مظهره جذابًا للغاية، تطلعت لطوله الفارع وجسده الرياضي الذي ظهر من خلال ثيابه حيث كان مرتديًا بدلة سوداء وقميصًا مماثلًا محكمان على جسده مع وضعه لربطة عنق رمادية اللون ورائحة عطره المميزة التي ملأت أرجاء المكان ليتعمق بمقلتيها بعينيه الحادتين اللتان تتابعاها بدقة ليتحدث بنبرة هادئة وكأنه تحول لآخر:
-سبق لما زرتك في مكتبي طلبتي لي قهوة وضيفتيني بيها، أنا كمان عاوز أضيفك وأشربك قهوة، بس قهوة بجد. ازداد انعقاد حاجبيها ليستطرد هو بكلماتٍ متقطعة لتجعل منه مُثيرًا: -قهوة فؤاد، علام، زين الدين. كان ينتظر رضوخها لسطوة وسامته كغيرها من النساء اللواتي قابلهن بحياته، فجميعهن يذبن بمجرد رؤيته وكعادته لم يبالِ بهن وكأنهن والعدم سواء، فما بالك بتلك التي يقف أمامها ويحدثها بكل ذاك الاهتمام لكنها فاجأته بنظراتها الحادة
حيث تحدثت بذات مغزى: -ضيافتك وصلتني يا سيادة المستشار، متشكرة لأفضالك. ابتسم باستفزاز وتحدث قائلًا: -أنتِ مش لسه قايلة من شوية إننا صفينا حساباتنا؟ ليسترسل بمداعبة في محاولة منه بتلطيف الأجواء: -خلينا نشرب قهوة على الأقل ما يبقاش ليكِ جمايل عليا. -أنا متأخرة على شُغلي يا أفندم، فياريت لو مفيش حاجة خاصة بالتحقيق تسمح لي أمشي...
قالتها بملامح وجه حانقة ليُشير بكف يده باتجاه الباب بملامح تحولت لمقتطبة بفضل أسلوبها المنفّر لتقول هي باستياء: -بعد إذنك. خرجت كالإعصار ليتأكد حينها بأنها وصلت للمنتهى مما فعله به، تنفس بهدوء ليعود لمكتبه من جديد متابعًا عمله ولكن بذهنٍ شارد بتلك الفرسة الجامحة وهذا النوع من النساء الذي يصادفه للمرة الأولى بحياته. في تمام الساعة الثانية عشر ظهرًا.
دخل منزله كالإعصار المدمر حتى استقر بمنتصف البهو ليهتف بنبرة صاخبة زلزلت أركان المنزل بأكملها: -سُمية، أنتِ ياللي اسمك سُمية. خرجت من المطبخ لتهرول إليه لتتبعها ياسمين ومروة اللتان كانتا تتابعان تجهيز الغداء تحت ارتيابها من عدم إجابة زوجها إلى الآن على اتصالاتها المتكررة لكنها كبتت انزعاجها بناءً على تعليمات إجلال الصارمة، وقفت أمامه بجسدٍ مرتجف بعدما رأت نارًا مشتعلة بعينيه الغاضبة ليُمسكها من ذراعها يهزها بعنفٍ
شديد وهو يقول بسخط: -جوزك فين؟ ابتلعت لُعابها وظهر الرعب بعينيها لمحت إجلال قد خرجت من غرفتها لتنظر إليها بنظراتٍ مستنجدة، استشاط داخله من صمتها ليصرخ بوجهها: -ما تردي يا بت، جوزك فين؟ -فيه إيه يا حاج، بتزعق ليه؟ ... جملة قالتها إجلال بداخِلٍ مرتعب ليهتف الآخر صارخًا: -فيه إن بنت ناصرة ضحكت علينا وقالت لك امبارح إن جوزها نايم فوق وهو بايت برة البلد كلها.
اتسعت عيناه عندما رأى عدم تفاجؤ زوجته بالموضوع بل أنها أمسكت كفه لتفلته من فوق ذراع تلك التي تكاد تفقد أنفاسها من شدة رعبها: -سيبها وتعالى نتكلم في أوضتنا يا حاج. قطب جبينه وسألها بتشكيك: -أسيبها إزاي، بقول لك البت قرطستني. -هي جت الفجر خبطت علينا وقالت لي وأنا ما حبتش أزعجك، وقولت أكيد سرح في الوقت مع أصحابه ونام عند حد منهم... قالت كلماتها بهدوء كي تحثه على الاسترخاء لكنها فوجئت باحتدام ملامحه ليهمس مذهولًا:
-يعني مرات ابنك كانت جاية تقول لنا علشان نشوف البيه بيتسرمح في انهي داهية تاخده لو وش الفجر وأنتِ اللي منعتيها تتكلم؟ زفرت بضيق مع تقليب عينيها بضجر لتهتف ناهرة إياه بنبرة حادة: -هو كان حصل إيه للغاغة اللي أنتَ عاملها دي كلها يا نصر؟ رمقها بغضب ليصيح ملقيًا اللوم عليها: -حصل إن ابنك بايت في القسم يا ست إجلال، ابن نصر البنهاوي عضو مجلس الشعب اللي بتتهز له شنبات بات في القسم امبارح.
لطمت خديها ليزيدها من البيت شعره قائلًا بغضبٍ عارم: -وياريتها جت على قد كده ووقفت، ده المحضر اتحول من نص ساعة على النيابة وكمان شوية الصحافة هتاخد خبر وأعدائي ماهيصدقوا. -إيه الكلام اللي أنتَ بتقوله ده يا نصر؟ ... نطقتها وهي تخبط على صدرها بكفيها ليصيح بحدة:
-اللي سمعتيه يا أختي، ما أنتِ لو كنتي قولتي لي من ساعتها كنت عملت اتصالاتي وعرفت مكانه ولحقت المصيبة قبل ما تكبر، كنت هسكت ظابط القسم بقرشين ونخلص الموضوع، ولو ملوش في السكة دي كنت هجيبها له من اللي فوق منه وأخليه يقطع المحضر ولا من شاف ولا من دري. قالها بغضب ليسترسل بحدة: -إنما بعد ما المحضر اتحول للنيابة مستحيل يخرج منها إلا لما بنت الجوهري تروح بنفسها للنيابة وتتنازل عن المحضر. برقت سُمية عينيها وهتفت مستفسرة
والغيرة تنهش قلبها: -وإيه دخل بنت الجوهري في الموضوع يا عمي؟ -إبقي إسألي البيه لما ييجي لك يا أختي... نطقها وهو يهز رأسه باستهزاء ليتكرر السؤال مرة أخرى ولكن تلك المرة من المتجبرة زوجته حيث سألته بعينين متسعتين: -بنت الجوهري مالها بحبس عمرو يا نصر؟ -العرة ابنك راح لها البيت الساعة اتنين الفجر وهو سكران واتهجم على شقتها وفضل يخبط قدام الجيران، والبوليس جه أخده. واستطرد باستهجان:
-والست إيثار راحت القسم وعملت له محضر تعدي، والجيران عملوا له محضر إزعاج، والشرطة لبسوه في محضر سُكر... كان يتحدث مشوحًا بكفاه من يراه يتيقن أنه أوشك على ذبحة صدرية ليستطرد بعينين حاقدتين: -وطبعًا لازم أروح بنفسي لبنت الجوهري وأترجاها علشان تتنازل عن المحضر. -يا لهوي يا لهوي يا لهوي... قالتها وهي تلطم وجنتيها تحت ذهول ياسمين ومروة وسمية التي شعرت بنار الغيرة تسري بأوردتها لتسترسل إجلال صارخة بنظراتٍ لائمة:
-وأنتَ سايب الواد مرمي في النيابة وجاي تحقق معايا أنا ومراته يا نايب الدايرة؟ -تنزل حالًا على مصر وما ترجعش غير وابني في إيدك، اتحرك يا نصر... نطقتها صارخة بأمر ليهتف وهو يجز على نواجذه من شدة غيظه: -أنتِ كمان ليكي عين تعلي صوتك وتتأمري. كادت أن تنهره لولا تدخل سمية التي أمسكت كف يده وتحدثت وهي تنظر له بنظراتٍ ذليلة:
-وحياة حبيبك النبي يا عمي لتروح تطلعه وبعدين ابقى تعالى ولومنا، إن شاء الله حتى تولع فينا، بس تطلعه الأول من المصيبة دي.
وزع رمقاته الغاضبة بين كلتاهما ليزفر بضيق ثم هاتف نجله البكري طلعت المتواجد بالأراضي الشاسعة التابعة لوالده ليتابع ما يقوم به الفلاحون من أشغال خاصة بالزراعة والري وطلب منه أن يحضر في الحال ويترك أمر المتابعة لشقيقه حسين، ودخل غرفته ليأخذ بعضًا من رزم المال الورقية ويحملها بجيب جلبابه الكبير وينصرف تاركًا خلفه هؤلاء الأربع لينتحبن ويلطمن وجناتهن ليعلو صوت تلك الغاضبة حيث توجهت باتهام لوالدة زوجها:
-أنتَ السبب في اللي حصل لـ عمرو، لو قولتي لعمي كان اتصرف ومكناش وصلنا للي إحنا فيه ده. حُبست أنفاس كلٍ من مروة وياسمين ووضعتا كفي يديهما فوق فاههما لتجحظ عيني الأخرى وهي ترمقها بنظراتٍ حارقة ولو كانت النظرات تصيب لانتهى أمر سُمية وتحولت لرمادٍ في الحال، همست بفحيح كالحية التي تستعد لبخ سمها بعيني ضحيتها: -يا نهار أبوكِ أسود، أنتِ اتجننتي ولا إيه يا بت؟ واستطردت بذهول وهي تقترب منها كالأسد الذي ينقض على فريسته:
-جبتي منين الجرأة اللي جمدت قلبك وخلتك تكلمي ستهم كده؟! ارتجف جسدها عندما رأتها تُقبل عليها والشرر يتطاير من مقلتيها لتأخذ خطوات استباقية وتتوارى خلف ياسمين التي هتفت برجاء وهي تضع كفيها بصدر إجلال برفقٍ: -هدي نفسك يا مرات عمي، دي بت هبلة وبتهلفط بكلمتين من حرقة قلبها على اللي حصل لجوزها. -الهبلة تتأدب علشان تاخد بالها من كلامها مع "ستهم" بعد كده...
قالتها وهي تجذب تلك المختبأة وتنزل بكل قوة فوق وجنتها بصفعة قوية أحدثت صوتًا من شدتها لتسترسل وهي ترفع قامتها بكبرياء: -وبعدين هو كان إيه اللي حصل لجوزها يا ست ياسمين أنتِ كمان، ده ابن "نصر البنهاوي" بجلالة قدره والكل عارف كده، وأكيد الظابط النبطشي نيمه في مكتبه واتعامل أحسن معاملة، ما يقدرش يعمل غير كده لأن الكل عارف مين هو سيادة النايب نصر البنهاوي وعارفين إن اللي بيقف في سكته بيتأذي. واستطردت بوعيد:
-والقادرة بنت منيرة هتدفع ثمن عملتها السودة دي غالي. ارتعبت أوصال زوجات أبنائها الثلاث لتتراجع هي للخلف ثم أمسكت خصلة من شعرها ولفتها على أصابع يدها لتتحدث بفحيح بعدما تحولت ملامح وجهها لحاقدة: -وحياة شعري ده ولا يكون على حُرمة، لأخلي بنت منيرة تتحسر على شبابها وأجيبها له لحد عنده تركع تحت رجليه وتترجاه عشان قلبه يحن ويعتبرها مرة زي زمان.
اشتل قلب سمية وزاد كرهها لتلك المرأة المتجبرة وعلمت حينها أن لا مفر من رجوع تلك الإيثار لزوجها ويرجع هذا لتيقنها بقدرة هذه المرأة على تنفيذ أية فكرة تصمم عليها لتتحسر على حالها وتنتظر القادم بقلبٍ مشتعل، فقد تيقنت أن القادم ليس بهين على الجميع.
وصل نصر ونجله البكري أمام منزل غانم ليصف سيارته الفاخرة ويترجلا متجهين لذاك المنزل البسيط، وجد الجميع بانتظارهما بناءً على مكالمة تمت بين طلعت وعزيز أبلغ من خلالها الأول بحضور الثاني بصحبة والده مما أسعد قلب عزيز الذي ربط سبب مجيء نصر بطلبه رسمي لرجوع شقيقته لنجله المدلل وهذا ما بات يتمنى تحقيقه بشدة، ولج الجميع للداخل ليتحدث غانم بترحاب: -يا مرحب، يا ألف أهلًا وسهلًا يا سيادة النايب.
كان يتحدث بترحاب وهدوء تحولا لتعجب بعدما هتف الآخر بوجهٍ صارم ينم عن مدى غضبه: -هي بنتك خلت فيها أهلًا ولا سهلًا بعد اللي عملته يا غانم؟ سأله بنبرة متوترة: -إيثار! -هو أنتَ عندك بلوة غيرها... نطقها بحدة ليهتف عزيز بحدة وخنوع: -عملت إيه مقصوفة الرقبة؟ رمقه غانم بنظرة نارية غاضبة ليتلعثم بوقفته ليقطع نظراتهم حديث نصر الغاضب: -بنتك المحترمة بنت الأصول المتربية كتبت بلاغ في عمرو امبارح وخلته قضى ليلته في الحجز.
اتسعت عينا منيرة وذُهل الجميع ليستطرد بتغطرس: -طب لو مش باقية على العِشرة والهنا والعز اللي اتمرمغت فيهم لما كانت متجوزاه، على الأقل كانت عملت حساب لابنه اللي أنا سايبهولها بمزاجي علشان يفضل الود موصول لحد ما ربنا يهديها وترجع لجوزها هي وابنها. ليستطرد بافتخار: -ابنها اللي معيشاه في حتة شقة قد الجُحر وحرماه من سراية جده اللي يرمح فيها الخيل. -إيه اللي حصل وخلى بنتي توصل بإنها تشتكي على عمرو يا سيادة النايب؟ ...
سؤال طرحه غانم على نصر الذي صاح بتهرب: -إحنا في إيه اللي حصل ولا في ابني اللي مرمي في الحجز بسبب بنتك يا غانم. نكس رأسه ليهتف الآخر أمرًا بوجهٍ صارم: -يلا معايا ننزل مصر علشان ناخد الهانم على النيابة تتنازل عن المحضر. -أنا اللي هاجي معاك يا حاج نصر... قالها عزيز بجسده المشدود المنتصب نتيجة غضبه العارم الذي أصابه من أفعال شقيقته التي تقف دائمًا عقبة أمام تحقيق رغباته وأطماعه بالحياة، ليسترسل وهو ينظر لوالده المتعجب:
-أبويا تعبان وصحته ما تتحملش بهدلة الطريق والمرمطة في الأقسام. على الفور وافق نصر لعلمه بقوة شخصية عزيز واستطاعته التأثير والضغط على تلك المتمردة، وقف "أيهم" الابن الأصغر لـ غانم ليتحدث بعدما شعر بتوتر عضلات عزيز وتيقن بأنه من الممكن أن يؤذي شقيقته إذا مانعت التنازل: -أنا كمان جاي معاكم. وقف نصر مقابلًا غانم ليقول بوصاية مشيرًا بسبابته:
-أنا ماشي يا غانم، تتصل ببنتك وتعقلها علشان لما نوصل لعندها نروح على النيابة على طول، وإلا قَسمًا بالله لأخليها تعض على صوابع إيديها من اللي هعمله فيها، أنا مش قليل عشان ابني يترمي في الحبس بسبب واحدة قليلة عقل زي بنتك. نكس رأسه بخنوع لعلمه سطوة ذاك المتجبر وما يمكنه فعله بابنته المسكينة التي تجرعت المرار على يد نجله المدلل لتُكمل عليها والدتها وشقيقاها عزيز ووجدي، تحرك الجميع للخارج لتهتف منيرة
وهي تدق على فخديها بنحيب: -أنا عارفة إن عيالي مش هيشوفوا راحة طول ما هي قاعدة لنا في مصر لوحدها. حولت بصرها إلى ذاك البائس لتسترسل بنبرة لاذعة: -شوفت آخرة دلعك فيها يا غانم، علشان تبقى تتصدر لها تاني وتقف في وش إخواتها عشانها، دي واحدة مستبيعة ومش هتسكت إلا لما نصر البنهاوي يحط إخواتها في دماغه ويطوحنا من البلد كلها. تنهد بضيق وهو يرمقها بحدة لتُمسك هي بهاتفها مسترسلة وهي تضغط زر الاتصال برقم ابنتها:
-أما أشوف آخرتها معاكِ يا بنت منيرة. -بدل ما تندبي وتولولي علشان عيالك الرجالة اطمئني الأول على بنتك واسأليها ابن نصر عمل لها إيه خلاها تتجنن وتروح تشتكيه... كلمات نطقها بتبكيت علها تشعر بصغيرتها وتسترد مشاعر الأمومة نحوها لكنها لم تبالِ بحديثه حيث هتفت بحنقٍ وكأنها لم تستمع لما قال: -برضه ما بتردش. بسطت ذراعها باتجاهه لتسترسل: -هات تليفونك اتصل عليها منه، هي مش هترد عليا لو قعدت أرن عليها للصبح أنا عارفة.
ناولها هاتفه لتتصل ولكن دون جدوى مما أشعل داخلها. داخل مسكن إيثار.
كانت تجلس فوق مقعدها الهزاز الموجود بالشرفة المنفتحة على البهو عاقدة حاجبيها بضيق وهي تتطلع إلى الأفق البعيد بشرودٍ تام، تنهدت ومدت يدها صوب الطاولة لالتقاط كأسٍ من مشروب البرتقال الطازج قد صنعته لها عزة فور عودتها من النيابة مباشرةً بعدما أخبرتها بأن أيمن قد منحها إجازة من عملها اليوم لتُريح أعصابها مما حدث بالأمس، يقابلها صغيرها يتناول الحلوى المحببة لديه والتي جلبتها له معها من الخارج كي تجلب السرور على قلب ذاك
المسكين الذي لم يحظَ بحياة أسرية مستقلة كجميع الأطفال، استمعت إلى رنين الهاتف للمرة التي لا تعلم عددها والمتصل واحد، وهي والدتها التي لم تستسلم لعدم ردها لتحاول من هاتف والدها كي تخبرها بأمر عودتها لذاك الـ عمرو، هكذا فسرت ما يحدث، تجاهلت الرنين وأكملت ارتشاف مشروبها،
ليتحدث الصغير بلطافة: -أنتِ ليه مش بتردي على تليفونك يا مامي؟ -ده رقم غريب يا حبيبي، وإحنا مش بنرد على أرقام غريبة... ابتسم لها الصغير وتابع تناول الحلوى من جديد لترفع هي الأخرى الكأس وهي تقربه من شفتيها ليقطع اندماجها صوت طرقات قوية فوق الباب بجانب رنين الجرس المتواصل مما أزعجها لتهرول صوب الباب بعدما أوصت الصغير على عدم الخروج من الشرفة ومتابعة الاستمتاع بالحلوى، قابلتها عزة التي خرجت من المطبخ قائلة:
-خير يا رب، مين اللي بيرن الجرس بالشكل ده، هو أحنا مش هنخلص. واسترسلت بذعر بعدما رأت إيثار تقترب من الباب استعدادًا لفتحه: -ما تفتحيش إلا لما تبصي من العين السحرية.
رأت الصواب بحديثها لتقترب من فتحة الباب الصغيرة تستكشف الطارق، قطبت جبينها عندما رأت صورة شقيقها الصغير "أيهم" والذي صدره "عزيز" لعلمه مدى تعلق تلك المتمردة به، تعجبت لتلك الزيارة المفاجأة لكنها سُرعان ما ابتسمت وأمسكت مقبض الباب لتفتحه بلهفة ترجع لحبها الزائد لذاك الوسيم، تراجعت للخلف بقوة أثر دفعة قوية تلقتها بكتفها من عزيز كادت أن تبطحها أرضًا لولا عزة التي أسرعت عليها لتُسندها، رفعت عينيها وتعمقت بنظراتها المرتعبة لتلتقي بنظراته الجحيمية ليقول بفحيحٍ:....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!