أحيانًا نحتاج لمن يحتوينا بضمته ليُشعرنا بالأمان بأحلك أوقاتنا، ندورُ بأعيننا لنبحث عن ذاك الشخص الذي سنرتمي بأحضانه ليسحب من داخلنا آهاتنا والآلام، ليزداد أنين روحنا وتمزقها عندما ندرك وحدتنا وأننا بلا حبيب، بلا صديق بلا شخصٍ يؤتمن، لنكتشف حينها أن تلك هي مأساتنا بالحياة. خواطر إيثار الجوهري بقلمي روز أمين
عادت إلى منزلها لا تعلم كيف قادت سيارتها وقطعت تلك المسافة وهي تذرف دموعها تلك التي لم تنقطع ولو للحظة، فتحت الباب ودخلت لتجد "عزة" باستقبالها، تلك السيدة الأربعينية التي تهتم بصغير إيثار "يوسف" ذو الأعوام الست، والتي لم تحظَ بفرصة للزواج ليضعها القدر بطريق إيثار عن طريق الصدفة لتطلب منها بأن تمكث معها بنفس المنزل لتهتم بصغيرها مقابل مبلغ مادي تتلقاه شهريًا، تحركت صوبها لتقول بنبرة لائمة:
-اتأخرتي كدة ليه يا إيثار، وبعدين مبترديش على تليفونك ليه، ده أنا متصلة بيكي أربع مرات. واستكملت بثرثرة استدعت استياء الأخرى: -وأمك صدعتني من الصبح، مبطلتش رن على التليفون الأرضي لحد ما زهقتني في عيشتي، بتقول إنها كلمتك كتير ومبترديش عليها، وأكدت عليا أول ما توصلي لازم تكلميها علشان عاوزاكي في موضوع ضروري. -خلاص يا عزة، ارحميني بقى من رغيك، أنا لا نقصاكي ولا نقصاها...
نطقت كلماتها بهتافٍ حاد لتسترسل بصراخٍ هيستيري جعل عيني الأخرى تتسع على مصراعيها: -ولو اتصلت تاني مترديش عليها، قولي لها تنساني وترحمني بقي، هي إيه، مكفاهاش كل اللي حصل لي بسببها هي وولادها، سبتلهم دنيتهم بحالها، عاوزة مني إيه تاني؟! بملامح وجه قلقة سألتها بخفوت: -مالك يا بنتي، فيكي إيه، إنتي معيطة يا إيثار؟
بسيقان مهتزة وصلت إلى أقرب مقعد ورمت حالها فوقه باستسلام ثم رفعت رأسها ناظرة بعيني عزة لتنطق بألم بعدما تركت العنان لدموعها أن تنهمر من جديد: -كريم اتقتل يا عزة، اتقتل قدام عنيا، راح في لحظة، مسافة غمضة عين روحه فارقت جسمه. -يا لهوي، كريم السواق، مين اللي قتله؟ بدموعها الغزيرة قصت عليها ما حدث لتهتف الأخرى بحِدة وقد ظهر الرعب بمقلتيها وكأنها قطعة من روحها:
-لاااا، الحكاية دي ما يتسكتش عليها، إنتي لازم تسيبي الشغل عند اللي اسمه أيمن ده، ما هو أنا مش مستغنية عنك، المرة دي الطلقة جت في المسكين كريم يا عالم المرة الجاية هتيجي في مين. واستطردت بهلع: -أبو الواد اللي قتله أيمن مش هيسكت، وهيحاول مرة واتنين وعشرة لحد ما ياخد تار ابنه اللي دمه ساح في بيت اللي اسمه أيمن. نظرت لها لتتحدث بيأسٍ:
-ولما أسيب الشغل هنعيش أنا وإنتي منين يا عزة، والمسكين اللي جوه ده هجيب مصاريف مدرسته منين؟! -من الموكوس أبوه، هو ملزوم غصب عنه يصرف على ابنه وعلى تعليمه، هو فقير، دي الفلوس بالكوم على قلبه وقلب أبوه... كلمات نطقتها بهتافٍ غاضب لتجيبها الأخرى بألم: -وهو ده اللي عاوزه، أتذل له وأطلب فلوس لابني وساعتها هيبيع ويشتري فيا ويحط شرط رجوعي قصاد الفلوس. ثم نظرت أمامها في نقطة اللاشيء لتهتف بعزيمة وإصرار:
-وده اللي عمري ما هعمله حتى لو هموت أنا وابني من الجوع. دارت عزة حول نفسها لتهتف بحماس وهي تدق على كفيها: -خلاص، دوري على شغل جديد، يعني هو اللي خلق شركة الأباصيري ما خلقش غيرها؟! -وتفتكري الشغل الجديد هيدوني نفس المرتب اللي أيمن بيديهولي، ولا هيدوني منصب زي اللي وصلت له عند أيمن، أنا مديرة مكتب أيمن الأباصيري واللي ما بيتحركش خطوة من غيري... لتستطرد بامتنان:
-ده غير إن أيمن بيه بيعتبرني زي بنته ومديني بريستيجي في الشركة، معقولة هسيب كل ده وأروح أبدأ من الصفر في مكان تاني؟! تنهيدة استسلام خرجت من صدر تلك الصادقة والتي اتخذت من إيثار ابنة لها ومن يوسف حفيدًا وحمدت الله على تعويضها بهما بديلًا عن الأسرة التي حُرمت من تكوينها، تحدثت بأسى: -سيبيها على الله وهو هيحلها، أنا هدخل أملى لك البانيو مياه سخنة وأحط لك فيه شوية زيوت عطرية تهدي لك جسمك. واقتربت لتمسك بيدها لتساعدها
على الوقوف لتستطرد: -قومي يلا معايا. وقفت تنظر بعينيها ثم أمسكت كفاي يداها لتتحدث شاكرة: -ربنا يخليكي ليا يا عزة، مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه، الدنيا كلها باعتني وإنتي الوحيدة اللي اشترتيني. بابتسامة خافتة تحدثت: -بتشكريني على إيه يا عبيطة، ده إنتي ربنا بعتك ليا هدية من السما إنتي ويوسف، اللي ربنا يعلم لو كان عندي حفيد ما كنتش هحبه زيه. ابتسمت لها وسألتها باهتمام وكأنها للتو تذكرت صغيرها: -هو يوسف نام؟ -من بدري...
لتسألها من جديد: -اتعشى؟ أجابتها لتطمئنها: -طمني بالك من ناحية يوسف خالص، إنتي عارفة إنه في عنيا...
أومأت بتطابق وبعد قليل كانت تغمر جسدها داخل حوض الاستحمام، شهقة عالية خرجت منها لتنهمر دموعها من جديد وتختلط بمياه المغطس، تألمت حين تذكرت جسد كريم وعينيه وهي تُغلق للمرة الأخيرة، ظلت تبكي علّ دموعها تغسل همومها وتمحي ما يؤرق روحها، خرجت من المغطس عندما شعرت ببعضٍ من الراحة بفضل بكائها، ارتدت ثيابها وتحركت لغرفة صغيرها لتمدد جسدها بجواره بالفراش، تأملت ملامحه البريئة لتمرر أصابعها حيث تخللت خصلات شعره بحب وتميل على وجنته تطبع بها قُبلة حنون، تنفست براحة وحاوطت جسده الصغير لتضمهُ إلى صدرها بحنو، كم كانت تحتاج لهذا العناق لينسيها ما عاشته بيومها الصعب، شددت من عناقه في غفوة منها ليحرك الصغير أهدابه ويفتحهما عدة
مرات لينطق بابتسامة صافية: -ماما. قابلت ابتسامتهُ بأخرى وبعينين تقطرُ حنانًا تحدثت وهي تشدد من عناقه: -حبيبي، وحشتني. -إنت كمان وحشتيني يا مامي. تنهدت وسحبت جسدها للأسفل لتضع رأسه فوق ذراعها وهي تقول: -يلا نام يا حبيبي. -إنت هتنامي معايا؟
هزت رأسها بإيجاب مما أدخل السرور لقلب الصبي الذي لف ذراعه الصغير حول خصر والدته وغط في سُباتٍ عميق بعدما شعر بالأمان في حضرة مصدر أمانه الوحيد بجانب عزة، تنفست وحاولت جاهدة الدخول في النوم لتنجح بعد كثيرٍ من الوقت لتسقط بدوامة النوم وتغرق بها علها تخفف عنها وطأة ذاك الكابوس الموجع التي عاشته. ***** صباح اليوم التالي
استيقظت وساعدت صغيرها على ارتداء ثيابه الخاصة بالمدرسة ثم اصطحبته وخرجا متجهين للمطبخ لتجد عزة تقف أمام موقد الغاز لمباشرة تجهيز طعام الفطار، تحدثت وهي تُجلس صغيرها: -صباح الخير يا عزة. -صباح الفل على عيونك... واستطردت بعدما تحركت إلى الصغير لتميل على وجنته طابعة قُبلة به: -صباح الخير يا حبيب قلبي. -صباح الخير يا زوزة... نطقها الصغير بطلاقة، جلبت عزة الطعام ورصته فوق الطاولة وجلست لتتحدث لتلك التي تُطعم صغيرها بذهنٍ
شارد: -ما بتاكليش ليه يا حبيبتي؟ ده أنا عمالالك الأومليت اللي بتحبيه. تنهدت لتجيبها بألم: -وهجيب النفس اللي آكل بيها منين يا عزة. -وحدي الله وهوني على نفسك وادعي له بالرحمة... تحدثت بيقين لتجيبها الأخرى: -لا إله إلا الله محمد رسول الله. مدت يدها وناولت صغيرها كأس الحليب لتتحدث: -اشرب اللبن بسرعة قبل الباص ما ييجي يا يوسف. تناوله منها وبدأ بارتشافه. بسطت عزة ذراعها بشطيرة لتتحدث برجاء:
-طب خدي ساندوتش الرومي ده كليه علشان يسندك. أجابتها بملامح متأثرة: -مش قادرة أحط أي حاجة في بؤي. كادت أن تضغط عليها من جديد لولا مقاطعة رنين الهاتف الأرضي لتهتف عزة قائلة: -دي أكيد أمك اللي بتتصل على الصبح كده. سيبك منها وماترديش. هي رنت على فُوني من شوية وأنا كنسلت. ثم نهضت وتحدثت وهي تضع صندوق الطعام داخل حقيبة الصغير:
-يلا يا حبيبي علشان نلحق الباص تحت. وماتنساش تاكل كل أكلك. عاوزة اللانش بوكس يرجع فاضي مش زي كل يوم. مفهوم يا شو؟ -حاضر يا مامي. تمسكت بكف صغيرها وجذبت حقيبتها لتتحدث بهدوء: -أنا ماشية يا عزة. سألتها باستغراب: -مش لسه بدري؟ أجابت بإبانة: -هروح أرتب الشغل وألغي مواعيد أيمن بيه. أكيد لسه تعبان ومش هييجي الشركة النهاردة. سألتها مستفسرة: -ولو أمك اتصلت أقولها إيه؟ هتفت بضجر:
-اتصرفي يا عزة. ولا أقولك، أنا هارد عليها لو اتصلت بيا علشان أرحمك من زنها. تحركت بجانب طفلها حيث أودعته داخل الباص وتحركت بسيارتها باتجاه الشركة. أمسكت هاتفها وطلبت رقم أيمن ليجيبها بعد قليل بصوت واهن وهو يقبع فوق أحد أسرة المشفى المملوك لنجله: -أهلاً يا إيثار. تحدثت بتأثر: -أهلاً بيك يا أفندم. طمني على صحتك. يا رب تكون بقيت أحسن. -أنا بخير الحمد لله. طمنيني، روحتي الشركة. نطقها مستفسرًا لتجيبه بإبانة:
-أنا في الطريق، وهالغي لحضرتك كل مواعيد النهاردة لحد ما ترجع بالسلامة. بصوت ضعيف أملى عليها: -اقعدي مع المهندس عدنان وتابعي معاه أخبار الصفقة الجديدة. كاد أن يكمل فهتفت تلك الجالسة بجواره: -كفاية كلام وما تتعبش نفسك يا أيمن. إيثار فاهمة شغلها كويس وأكيد هتعمل كل ده من نفسها. واستطردت بملامة: -ما هي ياما مشت أمور الشركة لما كنت بتأخذ إجازات ونسافر. نظر بعينيه لتلك الجميلة ذات الأعوام الخمسين ليتحدث بعينين راجيتين:
-معلش يا حبيبتي، هأبلغها كم نقطة بس وهأقفل على طول. قطع حديثه نجله الذي ولج للتو لينظر بحدة بالغة إلى الهاتف متحدثاً وهو يجذب الهاتف من يده: -هو ده اللي اتفقنا عليه يا بابا؟ مش قلت لك بلاش الموبايل وحاول تسترخي. واسترسل بعتاب وهو يتطلع لوالدته: -وحضرتك قاعدة تتفرجي عليه يا ماما؟ -أنا حاولت يا أحمد بس باباك هو اللي صمم يرد لما عرف إن إيثار هي اللي على التليفون.
هكذا أجابته فوضع أحمد الهاتف وتحدث لتلك التي تستمع لحديثهم عبر سماعة "البلوتوث" الموضوعة بداخل أذنها حيث تتابع القيادة: -تابعي الشغل بنفسك وبلاش ترجعي للباشا يا إيثار. هو محتاج راحة تامة أسبوع على الأقل. بهدوء أجابته: -أنا ما كلمتش الباشا علشان الشغل يا دكتور. أنا كنت بكلمه أطمن على صحته. لكن أنا عارفة هاتصرف إزاي في المواقف اللي زي دي. أصلها مش أول مرة الباشا يسيب لي الشركة تحت تصرفي. أجابها بتأكيد:
-علشان كده بأقول لك اتصرفي وما ترجعلوش. ولو فيه حاجة ضروري كلميني أنا. -تمام، هأقفل علشان ما أعطلش حضرتك. نطقتها باقتضاب ليتحدث باحترام: -تمام يا إيثار، مع السلامة. أغلق معها ليتحدث إلى أبيه: -مش ممكن يا بابا اللي بتعمله في نفسك ده؟ معقولة الشغل عندك أهم من صحتك! نظر لتلك الأسلاك المعلقة بيده ليتحدث بتملل وهو يعتدل جالسًا: -تعالى شيل البتاع اللي مركبهولي ده علشان أروح بيتي أرتاح فيه. نهضت "نيلي" لتقترب
من زوجها قائلة بقلق: -بيت إيه اللي عاوز ترجعه وإنت تعبان بالشكل ده يا أيمن! -زهقان يا نيلي، مش طايق منظر المحاليل ولا ريحة الأدوية والتعقيم. كلمات قالها باقتضاب ليكمل وهو يتزحزح لينزل قدميه من فوق السرير ليهتف نجله: -يا بابا ما ينفعش اللي إنت بتعمله ده. على الأقل خليك هنا يومين كمان لحد ما ترتاح. نطق بضجر: -مش هأرتاح طول ما أنا في المكان ده يا أحمد. روحني يا ابني، نفسي أنام على سريري.
لم يكن بمقدور نجله فعل شيء سوى الانصياع لرغبة أبيه. بالفعل تحركوا به إلى المنزل وما أن دخل من الباب حتى وجد من تهرول من فوق الدرج لتسرع إليه لترتمي داخل أحضانه ليهتف شقيقها محذرًا: -حاسبي يا لارا، بالراحة بابا لسه تعبان. ابتسم هو ووضع كف يده ليمرره فوق شعرها قائلاً بحنان: -سيبها يا أحمد، دي اللي حضنها فيه الشفا لقلبي. التصقت به أكثر وباتت تتمسح بصدره قائلة بدموعها التي انهمرت:
-أنا آسفة يا بابي، أنا السبب في كل اللي حصل ده. ابتسم لها وتحدث نافيًا كي يمحي عنها شعور الذنب الذي بات ملازمًا لها منذ تلك الليلة المشؤومة: -إنت مالكيش ذنب في أي حاجة حصلت. كل اللي حصل من أول حادثة بسام لحد حادثة الاغتيال بتاعة إمبارح مكتوب ومقدر. اقتربت نيلي من نجلتها وبدأت بسحبها لتحثها بالابتعاد عن والدها لتقول: -مش وقت الكلام ده يا لارا، بابي لسه تعبان ولازم يطلع يرتاح في أوضته.
-لا يطلع إيه، بابا مش لازم يطلع سلالم ويجهد قلبه. نطقها أحمد باعتراض واسترسل مفسرًا: -أنا كلمت الشغالين خليتهم جهزوا أوضة الضيوف علشان الباشا يرتاح فيها لحد ما صحته تتحسن. وافقه الجميع وتحرك أيمن صوبها بصحبة زوجته ونجلاه. ********** بالشركة
بعد قليل كانت داخل مكتبها تجفف أثر دموعها التي انهمرت عندما وصلت لمقر الشركة وشاهدت تجمع بعض رجال الشرطة المتواجدين لاستكمال التحقيق مع جميع الموظفين. تذكرت ما حدث بالأمس لذاك المسكين وكأنه شريط سينمائي يعاد أمام عينيها من جديد. حاولت جاهدة تجاوز ما حدث والتغلب على الألم الساكن قلبها لتتحرك إلى مكتبها وترتمي فوق مقعدها باستسلام. دلفت فتاة رشيقة تمتلك جسدًا ممشوقًا ترتدي تنورة قصيرة تكشف عن ساقيها البض تعتليها كنزة ضيقة بأكمام تاركة العنان لشعرها الأصفر مما جعلها صارخة الجمال. اقتربت
من إيثار وتحدثت باحترام: -صباح الخير يا أستاذة إيثار. لتجيبها الأخرى بعملية: -صباح النور يا "هانيا". واستطردت وهي تناولها ملفًا: -اتصلي بأسماء العملاء اللي موجودين في الملف ده واعتذري لهم والغي مواعيد النهاردة. وبلغيهم إن حالة أيمن بيه الصحية ما تسمحش وإننا هنبلغهم بالمواعيد الجديدة أول ما حالته تتحسن ويرجع لشركته. تحدثت "هانيا" مستفسرة: -هو أيمن بيه كويس؟ أجابت باقتضاب:
-الحمد لله، هو بخير بس طبعًا مش هيقدر ينزل الشركة قبل أسبوع على الأقل. واسترسلت: -من فضلك خلي البوفيه يعمل لي قهوتي. أومأت الفتاة وتحركت للخارج. داخل مبنى النيابة العامة بالقاهرة الكبرى كان يجلس فوق مقعده الخاص بمكتبه، منشغلاً بتخليص أحد الأوراق المتواجدة أمامه ليقطع تواصله رنين الهاتف الأرضي الموضوع جانبًا. أمسك بالسماعة ليجيب بوقار يليق به: -ألو. استمع للطرف الآخر وكان رئيسه المباشر حيث تحدث قائلاً: -أزيك يا فؤاد.
-بخير يا باشا، اتفضل معاليك. نطقها بعملية ليقول الآخر بتفسير: -فيه حادثة محاولة اغتيال حصلت إمبارح لرجل الأعمال "أيمن الأباصيري" قدام شركته. رجل الأعمال فلت من ضرب النار، والسواق بتاعه هو اللي دفع حياته ثمن حمايته لأيمن. أومأ فؤاد متحدثًا: -قريت عن الحادثة في صفحات التواصل الاجتماعي وعندي فكرة عنها.
-طب كويس، وفرت عليا شرح التفاصيل. القضية دي من النهاردة قضيتك يا سيادة المستشار، لأنها متشعبة وفيه قضية مرتبطة بيها، قضية قتل ابن رجل أعمال شهير اتقتل في فيلا أيمن الأباصيري. وعلى فكرة، أيمن قدم بلاغ رسمي النهاردة بيتهم فيه رجل الأعمال "صلاح عبد العزيز" بمحاولة قتله. القضية صعبة ومحتاجة مجهود ذهني جبار. واسترسل باستحسان: -أنا قلت لسيادة الريس إن محدش هيخلص القضية دي ويقفلها غير "فؤاد زين الدين".
-متشكر لثقة سعادتك يا باشا وربنا يقدرني وأكون قدها. نطقها برزانة ليتحدث الآخر: -هأبعت لك ملف القضية اللي اتحول لنا من قسم الشرطة اللي حقق في الواقعة. ومعلش يا سيادة النائب، هتضطر تروح لـ "أيمن الأباصيري" المستشفى بنفسك علشان تاخد أقواله. وإلى هنا فقد تحول داخله من السكون إلى الاشتعال. نهض والتف حول مكتبه ليقف أمام النافذة يتطلع إلى الخارج ليتحدث في جمود:
-بس جنابك عارف إني رافض مبدأ خروج وكيل النيابة من مقره مهما كان مين الشخص اللي هيتاخد أقواله. إحنا المفروض بننفذ القانون يا أفندم والقانون ده يمشي على الكل من أصغر مواطن لأكبر رأس في البلد. تنفس قبل أن يجيبه مفسرًا:
-أنا فاهم الكلام ده كويس ومقدر موقفك وباحترمه يا فؤاد، لكن هنعمل إيه، لازم نبدأ في التحقيق. والراجل من ساعة اللي حصل له وهو مرمي في المستشفى وتعبان. ما عندناش رفاهية الوقت اللي هنستناه لحد ما يخرج من المستشفى. الراجل اسمه كبير وليه وزنه في البلد، ممكن جدًا اللي حاولوا يقتلوه يكرروا المحاولة ولا قدر الله تنجح والراجل يتقتل بجد المرة دي. ساعتها الرأي العام هيتقلب علينا ويتهمونا إننا تقاعصنا عن شغلنا.
-تمام معاليك، بس إديني فرصة لحد بكرة. معايا قضية سالم الحسيني ولازم أقفلها النهاردة. هكذا أجابه ليوافقه الآخر الرأي تحت ضيق فؤاد من تلك التنازلات التي يوافق عليها مضطرًا في بعض الأحيان. ***********
مر اليوم على الجميع بسلام. كانت تقود سيارتها قاصدة العودة لمنزلها، ممسكة بتارة القيادة وهي شاردة الذهن تفكر بذاك الكريم الذي فقد حياته بلمح البصر. قطع شرودها رنين هاتفها، نظرت بشاشته لتزفر بضيق حين رأت نقش اسم والدتها. ردت باقتضاب وبصوت خالٍ من المشاعر: -نعم يا ماما، خير! تنهدت "منيرة" بضيق ثم تحدثت بصوت حزين متصنع: -هو ده ردك على أمك يا إيثار! زفرت بقوة لتهتف بضجر:
-هاتي من الآخر وقولي عاوزة إيه يا ماما، أنا سايقة العربية وممكن آخذ مخالفة، فانجزي. تنهيدة حارة خرجت من صدر منيرة لتقول باندفاع: -عمرو كلم عزيز تاني وعاوز يرجعك. لتستطرد بنبرة طامعة: -بس المرة دي غير كل مرة. ده هيحط لك نص مليون جنيه في البنك باسمك، وهيجيب لك شبكة جديدة والذهب اللي إنت هاتنقيه كله هيشتريهولك، وكل اللي تقولي عليه هينفذه من غير كلام. سألتها متهكمة:
-ويا ترى ولادك الرجالة هياخدوا كام من ورا الصفقة الجامدة دي يا أم عزيز؟ ارتبكت وتحدثت نافية بتلعثم: -اخص عليكي يا إيثار، هو ده ظنك في إخواتك؟ طب دول يا حبة عيني كل مناهم إنهم يشوفوكي متسترة ومتستتة في بيتك وفي ضل راجل. هتفت ساخرة: -راجل! -هو مين ده اللي راجل، عمرو ابن إجلال! -عيب تتكلمي كده على الراجل يا بنتي، طب على الأقل اعملي حساب ليوسف. وكأنها بمجرد نطقها لتلك الكلمات قد فتحت عليها بابًا من أبواب جهنم لتهتف
الأخرى بقوة بكلمات لاذعة: -عيب دي تقوليها لولادك اللي عاوزين يبيعوني ويرموني لراجل زبالة علشان خاطر مصالحهم، وتقوليها لنفسك قبلهم. شعرت بغصة مرة بحلقها لتقول مسترسلة: -أنتِ إيه يا شيخة، هو أنا مش بنتك أنا كمان، بتعملي فيا كده ليه! من المتوقع أن تتألم أية أم لنطق ابنتها لتلك الكلمات اللائمة، لكن الأمر يختلف مع تلك المنعدمة المشاعر لتتحدث بنبرة تهديدية صريحة:
-بلاش الكلمتين الماسخين بتوع كل مرة دول واسمعيني كويس، أنا حايشة عنك عزيز بالعافية، فمتسوقيش فيها عشان أخوكِ مستني يشوفني هعمل إيه معاكِ، وأنتِ عارفة عزيز كويس، لو اللي في دماغه ممشيش هيهد الدنيا على دماغك. واستطردت لتخيفها علها تتراجع: -ده مش بعيد ييجي ياخدك من قلب الشغل مجرورة من شعرك ويفرج عليكِ الناس، فخديها من قصيرها وتلمي هدومك أنتِ وابنك وترجعي وتتقي شر إخواتك.
-رجوع مش هرجع، وأعلى ما في خيلكم اركبوه، وخلي رجالتك يوروني هيعملوا إيه. نطقت كلماتها بحدة لتسترسل بتهديد: -وأقسم بالله العظيم، لو حد فيهم قرب لي أنا ولا ابني لأنهشه بسناني وألبسه قضية ما يطلع منها أبدًا.
قالت كلماتها التحذيرية وأغلقت الهاتف قبل أن تنطق الأخرى بحرف واحد، ظلت تنظر أمامها وبدون سابق إنذار خانتها دموعها لتنهمر على وجنتيها كشلال، تركت لها العنان لتتخلى عن وجه القوة التي رسمته باحترافية شديدة وباتت تصدره للجميع وتتوارى خلفه، بكت بحرقة حتى انتفض جسدها إثر بكائها الشديد، لقد قررت الابتعاد عن عائلتها وقررت الهروب والعيش وحيدة هي وصغيرها في تلك المدينة الواسعة لتنأى من بطش جميع ذكورها، فلقد ابتليت بكثرة الذكور بحياتها وإلى الآن لم تجد ذاك الرجل التي تستطيع الاستناد والاعتماد عليه، لذا قررت الانسحاب والبدء من جديد ولتكن هي السد المنيع لها ولصغيرها بهذه الحياة.
**************** ليلًا داخل قصر سيادة المستشار "علام زين الدين". ولج "فؤاد" بسيارته من بوابة القصر ليترجل بعدما صفها بمكانها المعتاد، تطلع بعينيه يتفقد المكان ليبتسم حين رأى شقيقته تجاور زوجها الجلوس فوق الأريكة الموجودة أمام "حمام السباحة" وسط أجواء هادئة تدعو للاستجمام، تحرك صوبهما ليقول بوجه بشوش: -مساء الخير. -مساء النور يا فؤاد، أخبارك إيه؟ قالها ماجد بهدوء ليجيبه الآخر برزانة: -أنا تمام، أنتَ كويس؟ -ماشي الحال.
قالها وهو يهز رأسه لتقول فريال بحنو: -تعالى اقعد معانا يا فؤاد. تنهد ليجيبها باعتذار: -معلش يا حبيبتي، يومي كان طويل وعندي شغل كتير بكرة، يا دوب أطلع آخد شاور وأنام. وقفت لتتحدث باهتمام كعادتها مع شقيقها التي تعتبره نجلها برغم أنه يكبرها بعدة أعوام: -هخلي سعاد تجهز لك العشا حالًا علشان تتعشى قبل ما تطلع أوضتك. أوقفها وهو يمسك رسغها برفق ليقول: -ما تتعبيش نفسك يا رولا، أنا اتعشيت مع واحد صاحبي.
قطب ماجد جبينه وأحاط ذقنه بأصابع يده ليقول بمداعبة: -مش عارف ليه عندي إحساس إن صاحبك اللي بتتعشى معاه من وقت للثاني ده هتطلع في الآخر مزة وهتطلع سيادتك مغفلنا كلنا وعايش لنا فيها دور عدو المرأة وأنتَ مقضيها جولات مع الفاتنات. انطلقت ضحكة مرتفعة منه وصلت حد القهقهة ليضحك الزوجان على ضحكاته ليتوقف بعد ثواني وهو يقول:
-ضحكتني يا دكتور والله، بس تعرف يا ماجد، مش أنتَ متجوز أختي من أكتر من خمس سنين، بس شكلك لسه متعرفش مين هو فؤاد زين الدين. قطب ماجد جبينه ليرفع الآخر قامته للأعلى وبقوة استطرد بإبانة: -أنا زي الشمس، مبستخباش ورا عمايلي، ولسه متخلقش اللي يجبرني أكدب أو أخبي حاجة. -مالك قلبتها جد كده يا سيادة المستشار، أنا بهزر معاك. نطقها ملتمسًا العذر ليقول الآخر:
-عارف إنك بتهزر يا دكتور، أنا حبيت بس أوضح لك نقطة اتذكرت في سياق الكلام. وهم سريعًا بالانسحاب قائلًا كي لا يعطي المجال للحديث أكثر: -تصبحوا على خير. نظر بشرود في أثره ليقول متوجسًا: -هو زعل ولا إيه، أنا كنت بهزر والله. جلست من جديد لتقول بأسى وهي تتابع انسحاب شقيقها للداخل: -هو عارف كويس إنك بتهزر يا حبيبي، بس الموضوع القديم شكله أخد محور جديد في حياته. زفر بضيق وتحدث بتأنيب ضمير:
-الظاهر إننا لازم ناخد بالنا أكتر من كده وإحنا بنتكلم معاه. تطلعت لعينيه وتحدثت بعينين شبه دامعتين: -أنا حاسة إني عاجزة قدام مشكلة أخويا يا ماجد، مش عارفة أعمله إيه علشان أخرجه من الدايرة دي. تنهد بأسى لأجل حبيبته ثم قال بإبانة علها تقتنع وتترك شقيقها وشأنه:
-ريحي نفسك يا رولا، أخوكِ مش صغير ومش محتاج وصي في حياته، ده راجل معدي ستة وثلاثين سنة يعني ناضج كفاية بإنه يعرف مصلحته، ولو هو ما اقتنعش بفكرة الجواز مرة تانية ما فيش مخلوق هيقدر يفرض عليه الفكرة. أطرقت برأسها قائلة بحزن: -للأسف كلامك صح. سحبها لداخل أحضانه كي يخفف عنها ثم تحدث بمداعبة: -إحنا كنا بنقول إيه قبل فؤاد ما ييجي؟ ضحكت لتذكّرها مداعبات زوجها لها قبل ولوج شقيقها واندَمجت معه مرة أخرى. ************
صباح اليوم التالي كانت متواجدة بمكتبها عندما ولجت إليها "هانيا" وأبلغتها بحضور رب عملهما إلى الشركة لتنهض سريعًا وتتحرك متجهة صوب مكتب "أيمن" والذي يفصل بينهما باب داخلي حيث أن مكتب أيمن يوجد له بابان، باب خارجي منفتح على حجرة مكتب السكرتارية والآخر على الحجرة الخاصة بمديرة مكتبه "إيثار"، خطت للداخل لتقول بذهول:
-ده حضرتك هنا بجد، أنا ما صدقتش "هانيا" وهي بتقولي إنك وصلت لمكتبك وعاوزني، معقولة تنزل الشركة وأنتَ لسه تعبان! -طب قولي لي حمد لله على السلامة الأول وبعدين حققي، وبعدين مش كفاية عليا تحقيق دكتور أحمد ونيلي، هيبقى هما في البيت وأنتِ هنا يا إيثار. نطق كلماته لائمًا لترد باستغراب: -أنا بصراحة مستغربة ومش عارفة دكتور أحمد ساب حضرتك تخرج إزاي؟! تنهد ليتراجع بمقعده للخلف وقد بدا عليه التعب وعدم التعافي
الكامل ليقول بإبانة: -أنا خرجت منهم بإعجوبة، بعد ما أقنعتهم إني لو فضلت قاعد في البيت ممكن يجرى لي حاجة. واستطرد بجدية: -خلينا في المهم، اتصلي بشركة "طارق الرفاعي" وخليه ييجي علشان نعقد الاجتماع اللي اتأجل إمبارح. تحدثت باعتراض لطيف: -يا باشمهندس حضرتك لسه تعبان، حرام عليك اللي بتعمله في نفسك ده. أجابها بإبانة:
-أنا كويس يا إيثار، وهقول لك اللي قولته لولادي ونيلي، اللي زيي ما بيتعبش من الشغل، اللي زيي بيموت لو بعد عن شغله وشركته يا بنتي. استطرد ليحثها على التحرك: -يلا بقى اسمعي الكلام وبلغي الراجل علشان يلحق يظبط مواعيده.
هزت رأسها باستسلام وتحركت لتنفيذ ما أُمرت به، في تمام الساعة الحادية عشر وداخل قاعة الاجتماعات الخاصة بالشركة كانت تجلس بجوار أيمن تتابع بتركيز ما يقال داخل الاجتماع وتدونه بدفترها حيث حضر طارق الرفاعي وبعضًا من موظفيه لحضور الاجتماع وإبرام الصفقة، استمعت لأصوات عالية تأتي من مكتب السكرتارية فنهضت سريعًا بعدما رأت نظرات أيمن الغاضبة، انسحبت للخارج لترى ما المشكلة وتنهيها وتحاسب المتسبب بإحداث تلك الفوضى بوجود الزائرين، وجدت "هانيا" تقف أمام رجلين أحدهما يرتدي حلة سوداء ويبدو من هيئته الوقار والثراء وهذا ما استشفته من ظهره، استمعت إليه يهتف غاضبًا:
-تدخلي حالًا تدي للمدير بتاعك خبر بوجودي وإلا مش هيحصل لك طيب. -فيه إيه يا حضرة، صوتك عالي ليه، لازم تراعي إنك موجود في شركة محترمة مش في سويقة. كانت تلك كلماتها التي نطقتها بحدة واستنكار ليستدير لها شاملًا إياها بنظرات ازدراء من رأسها لأخمص قدميها تحت إثارة غضبها، رفع حاجبه الأيسر ليتحدث بتقليل من شأنها: -وأنتِ تطلعي إيه أنتِ كمان؟! رمقته بنظرة استنكارية لتهتف "هانيا" متطوعة بالإجابة:
-دي الأستاذة "إيثار الجوهري" مديرة مكتب أيمن بيه. -سكرتيرة زيك يعني. نطقها بازدراء ليسترسل بصرامة موجهًا حديثه إلى "هانيا": -شوفي لي حد محترم في أم الشركة دي أكلمه. رمقته هي بنظرات نارية ولو كانت النظرات تصيب لتفحم وتحول إلى رماد أمامها، نطقت بصوت يبدو هادئًا لكنه يحمل بين طياته حربًا باردة: -حضرتك الموظفين المحترمين عندنا ما بيستقبلوش غير العملاء المميزين، لكن أنا وزميلتي موجودين علشان نقابل أمثالك.
قالت جملتها الأخيرة وهي ترمقه بنظرة ذات مغزى ليرفع حاجبه الأيسر قائلًا بتكرار لجملتها: -العملاء أمثالي؟! واستطرد بذات مغزى: -طب ادخلي يا شاطرة قولي للي مشغلك إن وكيل النائب العام المستشار "فؤاد علام زين الدين" عاوز يقابله وحالًا. -للأسف يا سيادة المستشار، اللي مشغلني عنده اجتماع مهم ومستحيل أقاطعه علشان أبلغه بوجود جنابَك. نطقت كلماتها ببرود استفزه لتنظر إليه باستنكار مسترسلة:
-وعلى ما أظن إن حضرتك مش واخد ميعاد سابق؟! اشتعلت عينيه بشرارات الغضب وهدر وهو يقول بحدة بالغة: -الزمي حدودك معايا واتكلمي كويس واعرفي أنتِ واقفة قدام مين؟! بقوة أجابته: -حدودي أنا عارفاها كويس جدًا ومش محتاجة حضرتك تعرفها لي، وبالنسبة لشخص جنابَك فده شيء ما يخصنيش لأني لحد الآن ما تخطيتش حدود اللباقة معاك.
ازداد انعقاد حاجبيه وهو ينظر إليها متعجبًا قوتها، لا ينكر أنه أعجب بشموخها رغم اشتعال روحه من مجادلتها له، أغمض عينيه محاولًا تنظيم أنفاسه كي يستعيد هدوئه حتى لا يحتد عليها أكثر ثم تحدث قائلًا بإبانة: -اسمعيني يا… قولتي لي اسمك إيه؟ -أستاذة إيثار. نطقتها بعزة وشموخ ليبتسم داخله برغم جمود ملامحه الخارجية ثم تحدث من جديد مفسرًا بعدما تملك من حالة الغضب التي شملته:
-أوك، أنتِ شكلك كده مش فاهمة الموقف فأنا هشرح لك، أنا وكيل النائب العام المكلف بالتحقيق في قضية الاغتيال اللي حصلت قدام الشركة من يومين، والمفروض إني كنت هاخد أقوال "أيمن الأباصيري" النهاردة في المستشفى، بس لما روحت أنا والكاتب لقيناه خرج من المستشفى وابنه بلغني إنه موجود هنا في الشركة. واستطرد بنفاذ صبر: -فياريت تدخلي تبلغيه لأن كده بتعطلوا وقت النيابة وده غلط عليكم. كان يتوقع ردًا لطيفًا لكن حدتها لم تتراجع
حيث تحدثت بما استفزه: -للأسف، مش هينفع. قست نبراته مع هذا الغضب الذي ظهر بعينيه وهو يرمقها قائلًا: -أنتِ كده تعديتي حدودك معايا، وعنادك ده هدفعك ثمنه غالي. تحدثت بصوت هادئ لتشرح له موقفها: -يا أفندم أنا لا بعاند معاك ولا حاجة، اسمح لي زي ما حضرتك شرحت لي سبب الزيارة أبين لك أنا كمان سبب كلامي. واسترسلت مشيرة بكفها نحو مكتبها باحترام: -يا ريت تتفضل معايا في مكتبي أشرح لك أسبابي وأنتَ بتشرب قهوتك. توقفت لتسأله:
-قهوة حضرتك إيه؟ توقف أمامها ليتأمل ملامحها الصارمة، نظارتها الطبية التي أعطت لها مظهرًا عمليًا ووقارًا غريبًا يجبر من يتحدث معها على احترامها، بجانب تلك البدلة العملية التي توحي لمدى جديتها بالحياة، قطب جبينه متعجبًا طريقتها ليتنهد قائلًا باستسلام: -سادة. التفت للكاتب وسألته بابتسامة لطيفة أثارت تحفظ فؤاد حيث أخذها من باب عدم الاحترام لشخصه: -وقهوة حضرتك؟
أجابها الرجل فنظرت إيثار للفتاة وأملت عليها جلب القهوة إلى مكتبها لتتقدم الرجلين متجهة صوب مكتبها الخاص لتجلس خلف مقعدها بعدما جلسا الزائرين، وضعت ذراعيها أمامها وبدأت تتحدث بوقار: -الباشمهندس أيمن لسه تعبان وحالته الصحية مش أحسن حاجة، هو حضر مضطر علشان يتمم صفقة مهمة جدًا للشركة المفروض كانت تتم إمبارح، وكل يوم تأخير بيكلف الشركة خسارة لمبالغ كبيرة. هزت رأسها برفض لتسترسل:
-ما ينفعش أقتحم الاجتماع وأطلب منهم ينتظروا لحد ما الباشمهندس يخلص كلامه مع حضرتك. كان ينظر إليها بتعمق واضعًا كف يده فوق ذقنه يتحسسها بتأمل لتستطرد كلامها: -خلينا نتكلم بموضوعية أكثر، سيادتك جاي تاخد أقوال الباشمهندس في اللي حصل، سؤال هيجيب سؤال وموضوع هيفتح موضوع تاني. ضيقت بين حاجبيها بتفكير لتستطرد: -يعني أقل حاجة الاستجواب هياخد ساعة ده إذا ما كانش أكتر، تفتكر حضرتك الناس اللي جوه دي هتقدر تنتظر ساعة؟!
-كنت دايمًا بستغرب من لقب مديرة مكتب، كنت بقول لنفسي دي مجرد منظرة من صاحب الشركة، أصل هتكون بتعمل إيه يعني أكتر من اللي السكرتيرة بتعمله. قال كلماته باستخفاف ليستطرد باستحسان: -لكن بصراحة بعد الموقف ده، آمنت بأهمية دور مديرة المكتب. أومأت شاكرة، تقدمت "هانيا" عامل البوفيه لتتحدث بهدوء إلى إيثار: -القهوة يا أستاذة. -قدمها للضيوف يا "عزت".
جملة عفوية نطقتها إيثار ليتحرك عامل البوفيه ليقدم القهوة إلى الموظف لينتفض الرجل بجلسته مشيرًا لسيده قائلًا بتوقير: -ما يصحش كده، قدم للباشا قهوته الأول. ابتسامة متهكمة اعتلت ثغرها لاحظها ذاك الجالس بغرور واضعًا قدمًا فوق الأخرى ليسألها مستفسرًا: -ممكن أعرف إيه سبب الضحكة الغريبة دي؟ أجابته بذات مغزى:
-أصلي بستغرب جدًا من رجال النيابة والقضاء المصري، برغم إنهم القائمين على إصدار القوانين وتطبيقها إلا إنهم أول ناس بيخترقوها. قطب جبينه غير مستوعب لتسترسل موضحة باستفسار: -المفروض إن لقب البهوية والبشوية اتلغت من مصر بقوانين، ومع ذلك لسه ناس كتير في السلطة بتستخدم اللقب وكأنهم قاصدين علشان يميزهم عن باقي الشعب، وأكثر الناس دي هما رجال القضاء، اللي زي ما قولت المفروض يكونوا أحرص الناس على تطبيق القوانين.
-ده أنتِ طلعتي معقدة طبعًا. نطقها مع ابتسامة ساخرة بادلته بمثلها لتتحدث متهكمة: -هو علشان كلامي ما جاش على هوا جنابَك هتطلعني مريضة نفسيًا! -أنا جبت سيرة مرض نفسي؟ نطقها بمراوغة لَتُجيبه باقتضاب: -مش لازم تقولها صريحة. أشارت بكفها: -اشرب قهوتك قبل ما تبرد. واستطردت بذات مغزى وهي تضغط في إخراج الحروف: -القهوة لما بتبرد بتفقد مذاقها وبتبقى زي عدمها. تبسم معجبًا بذكائها وشخصيتها القوية ليرتشف قهوته بهدوء، بادر بسؤالها:
-أنتِ كنتي موجودة وقت الحادثة ما حصلت؟ تغيرت ملامح وجهها لتكتسي بالحزن وتنهدت لتجيبه متأثرة: -أيوة، أنا نزلت في الأسانسير أنا والباشمهندس. واسترسلت بغصة في حلقها: -وكريم الله يرحمه كان معانا، خرجنا من باب الشركة مع بعض لحد ما وصلنا لعربياتنا، وحصل اللي حصل. سألها باهتمام: -يعني أنتِ شفتي الناس اللي ضربوا النار، تقدري توصفيهم؟ هزت رأسها بنفي لتقول شارحة:
-اللي حصل كان مفاجأة للكل، ما حدش لحق يركز في حاجة، ضرب النار كان كتير جدًا وصعب حد يركز في مواصفاتهم. -هستناكي بكرة في مبنى النيابة علشان تدلي بأقوالك. نطقها ورفع كوب القهوة ليرتشف ما تبقى به، قطبت جبينها لتتحدث بإبانة: -أنا قولت كل اللي أعرفه لحضرة الظابط اللي حقق في القضية. -القضية اتحولت للنيابة وبقت تحت مسؤوليتي. قالها بجدية ليسترسل بتفاخر: -وفؤاد علام ما بيعتمدش على تحقيقات حد. تنهدت بضيق ثم تحدثت مقترحة:
-طب ممكن حضرتك تسألني في اللي حابب تعرفه هنا، وكده كده عندنا وقت. ابتسم ساخرًا ليتحدث بنبرة مقللة: -على آخر الزمن رئيس النيابة هياخد أقوال الشهود في مكاتبهم. وبلحظة تحولت ملامحه لصارمة ليستطرد بنبرة حادة: -أنتِ بتكلمي رئيس نيابة مش عامل دليفري يا أستاذة. رفعت حاجبها الأيسر لتتحدث ساخرة: -بيتهيأ لي إن جناب رئيس النيابة جاي هنا علشان ياخد أقوال أحد الشهود في مكتبه. وضعت سبابتها بمقدمة رأسها مدعية
التذكر لتستطرد بذات مغزى: -آه نسيت، حضرتك جاي لرجل الأعمال أيمن الأباصيري مالك أكبر شركة استيراد وتصدير في البلد كلها، مش معقول هتعامل إيثار الجوهري مديرة مكتبه بنفس المعاملة. انتفض واقفًا بعدما تحولت ملامحه إلى مشتعلة مما جعلها ترتعب وتشعر أنها قد أزادتها، ليتقدم منها وكاد أن يتحدث قاطعه صوت رنين هاتف مكتبها لترد سريعًا بعدما استمعت لصوت مديرها: -حاضر يا أفندم. أغلقت وأشارت نحو الباب لتتحدث بارتياب:
-الباشمهندس أيمن في انتظارك. رمقها بنظرات حارقة ليهتف بنبرة حادة: -التليفون ده رحمك من غضبي، بس بسيطة، مستنيكي بكرة في مكتبي علشان أوجب معاكي وأرد لك تحيتك. رمقته بنظرات جادة وتقدمت أمامه لتهتف باحترام وهي تشير لأيمن: -اتفضل يا سيادة المستشار. لتسترسل بتعريف: -حضرته يبقى "فؤاد علام زين الدين" وكيل النائب العام اللي جاي ياخد أقوالك يا أفندم.
تعجب من سردها لاسمه بدقة، لقد نال ذكائها وسرعة بديهتها استحسانه بجانب شخصيتها الفريدة، وقف أيمن وتحرك باتجاهه ليمد يده متحدثًا باحترام: -أهلًا وسهلًا يا فؤاد باشا، دكتور أحمد ابني كلمني وقال لي إنك سألت عليا في المستشفى. واستطرد بامتنان: -ومش عارف أشكرك إزاي إنك جيت لي لحد هنا. -ده شغلي يا أيمن بيه وكان لازم أنجزه لأن وقتي ضيق. نطقها بعملية ليُشير أيمن إلى تلك الأريكة المتواجدة بالمنتصف: -اتفضل معاليك.
نظر إلى تلك الواقفة واستطرد قائلًا: -شوفي الباشا بيشرب قهوته إزاي يا أستاذة إيثار. بإشارة من يده أوقفها ليجيبه باقتضاب: -ما فيش داعي، شربت فنجان بره في مكتب الأستاذة. -يظهر إن قهوتنا ما عجبتش الباشا. قالها أيمن بعدما رأى جمود ملامحه لينظر الآخر إلى إيثار متحدثًا بذات مغزى: -بصراحة لا، كانت باردة وملهاش طعم. استشاط داخلها لتيقنها بأنه يقصدها لا القهوة، ليتحدث أيمن متعجبًا:
-غريبة قوي، ده ما فيش حد داق قهوتنا إلا وشكر فيها، دي إيثار بتبعت تجيب البن مخصوص من البرازيل. تحدثت باستفزاز: -القهوة أصلها أذواق يا باشمهندس. رمقها أيمن بنظرة عاتبة لتتحدث هي بانسحاب: -أنا بره في مكتبي، لو حضرتك احتجتني رن عليا. -خليكي معانا علشان سيادة المستشار ياخد أقوالك بالمرة. نطقها أيمن بتلقائية لتجيبه بنبرة تهكمية:
-لا ما هو سيادته استدعاني لمكتبه بكرة، علشان كده هستأذن بكرة بدري ساعتين علشان ألحق ميعاد النيابة. -ميعادك الساعة 11 صباحًا يا أستاذة، أنتِ هنا اللي بتحددي مواعيد اللي يدخل لمديرك، لكن مواعيد النيابة دي بتاعتي أنا. قالها بحنق مما أثار فضول أيمن الذي تساءل: -يظهر إنك زعلتي الباشا مننا يا إيثار.
-ما حصلش يا أفندم، بس من الواضح إن سعادته من الشخصيات اللي بيتوتر ويتضايق من الانتظار، وأنا ما كانش في إيدي أي حاجة أعملها، وخصوصًا إن سعادته ما كانش واخد ميعاد سابق. نطقت كلماتها لأيمن الذي تفهم حديثها ليقول وهو يحثها على الخروج: -خلاص يا إيثار، تقدري تخرجي تشوفي شغلك. خرجت تحت أنظار ذاك الذي تابعها حتى اختفت خلف الباب، ليبدأ بحديثه قائلًا بعدما نظر بعينيه للموظف وحثه على البدء بتدوين التحقيق:
-حضرتك قدمت بلاغ ضد المدعو "صلاح عبدالعزيز" اتهمته فيه إنه وراء محاولة الاغتيال اللي اتعرضت لها، ممكن أعرف إيه السبب ورا الاتهام ده؟ تنهد وظهر الإعياء على ملامحه ليتحدث بإبانة: -صلاح عبدالعزيز جالي بيتي من كام يوم وهددني إنه هياخد تار ابنه مني. -كويس إنك فتحت الموضوع، أنا عاوزك تحكي لي قصة ابنه اللي اتقتل في فيلتك وعلى إيدك، ويا ريت بأدق التفاصيل. نزلت كلماته على قلب أيمن كسواط لتجلده، أخذ نفسًا عميقًا
ليقول بنبرة حزينة: -أنا عمري ما كنت أتخيل إني ممكن أؤذي نملة، مش أقتل بني آدم، اللي حصل كان غصب عني. قطب جبينه وبات يتطلع عليه بتعمق ليسرد الآخر:
-بسام ابن صلاح عبدالعزيز كان في حفلة عيد ميلاد واحدة قريبته، لارا بنتي كانت حاضرة الحفلة بحكم إن البنت زميلتها في الجامعة، لما بسام شافها أعجب بيها وحاول يتقرب منها ويتكلم معاها لكن لارا صدته، فضل متابعها شهور يجري وراها في كل مكان والبنت كانت بتصده بكل قوتها لأنه كان فاشل وثقيل الدم، لحد ما في يوم كان بيشرب خمور مع أصحابه وأخدوا حبوب مهلوسة، جاب واحد صاحبه وجه لحد بيتي في نص الليل ونط من على سور الفيلا من غير ما الحرس ياخدوا بالهم.
واسترسل موضحًا: -وده ظهر في كاميرات المراقبة اللي النيابة اطلعت عليها وقت التحقيقات، المهم، صاحب الولد ساعده ونقلوا سلم حديد كان الجنايني جايبه يطلع بيه على الشجر العالي علشان ينضفه، طلع على بلكونة أوضة بنتي. قاطعه فؤاد مستفسرًا: -وهو عرف أوضة بنتك منين؟! أجابه ليقطع عنه الشك الذي ساوره: -"بسام" كان مجنون بحب "لارا"، كان بيقف بعربيته بالساعات يراقب البيت ويستناها لحد ما تخرج في البلكونة علشان يشوفها. واسترسل:
-أنا كنت نايم في أوضتي لما سمعت صراخ بنتي فجريت أنا ومراتي علشان نشوف فيه إيه، لما دخلنا لقيناه ماسك لها مسدس وبيجبرها على إنها تنزل معاه من السلم اللي موصل للبلكونة، اتجننت لما شفت رعب بنتي في عينيها، جريت عليها وأخدتها في حضني، وهو شد أجزاء المسدس وهددني لو ما بعدتش عنها وسبتها تمشي معاه هيقتلها قدام عينيا، وفعلًا بدأ يشدها من إيدي في الوقت ده أخوها أحمد دخل وكان هيهجم عليه، من خوفي على ولادي جريت عليه وحاولت آخد
منه المسدس بس هو كان عامل زي المجنون، البرشام والمخدرات اللي كان شاربها ما كانتش مخليه في وعيه، مسكت معاه المسدس وقعدنا نشد قصاد بعض أنا وهو لحد ما صباعه ضغط على الزناد وخرجت منه طلقة، استقرت في كليته عملت له نزيف وكانت السبب في موته.
كان يروي ما حدث منذ ثلاثة أشهر وكأنه يرى الحادث أمام عينيه، اغرورقت الدموع بمقلتيه ليستطرد وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا: -صدقني يا سيادة المستشار أنا ما قتلتوش، والطب الشرعي أثبت إن بصمات بسام هي اللي كانت موجودة على الزناد وقت ما الطلقة خرجت. -وطبعًا صلاح عبدالعزيز اتهمك بقتل ابنه. نطقها فؤاد ليجيبه أيمن بتأكيد:
-ومن يومها وهو حالف لياخد بتاره مني، دي مش أول محاولة ليه، من حوالي شهر حاول يسممني لما قدم رشوة للشغالة اللي عندي في البيت وعطاها نوع سم تحطهولي في العصير، ولولا ستر ربنا والطباخ شاف البنت وهي بتحط السم من قزازة كانت في جيب فستانها ومسكها ونده لنا، ما كناش اكتشفنا الموضوع وكان زماني مقتول على إيده. سأله مستفسرًا: -قدمت بلاغ بالواقعة دي؟
-أيوة طبعًا قدمت بلاغ اتهمته فيه بالتحريض على قتلي وسلمت البنت لقسم الشرطة واعترفت بكل حاجة، لكن صلاح أنكر صلته بالموضوع وساعده في إنه يفلت منها إن الولد اللي اتفق مع البنت قال لها إنه تبع واحد بيكرهني وعاوز يخلص مني، ما ذكرش اسم صلاح وده اللي خلى النيابة تخرجه لعدم وجود أي أدلة قوية تدينه.
انتهى من التحقيق وخرج بعدما شكره أيمن الذي أوصله إلى الباب المؤدي لمكتب "هانيا" السكرتيرة، بات يتلفت بعينيه عله يرى تلك المشاكسة لكن خاب أمله، تعجب من حاله ومن التفكير بها ليهز رأسه ينفض منها تلك الأفكار العجيبة ليتحرك مغادرًا الشركة بأكملها. *************
فتحت عينيها باتساع لتنتفض من فوق فراشها تتلفت حولها بفزع بعدما استمعت لصوت جرس الباب والطرقات العالية التي صدحت لتصدر صوتًا مزعجًا أفزعها من نومها، اتسعت عينيها بارتِعاب وهي تنظر إلى الهاتف لتكتشف أن الساعة قد تخطت الثانية بعد منتصف الليل، نفضت الغطاء واتجهت نحو عليقة الملابس لتنتزع مئزرها الشتوي وترتديه بتلبك وهي تتحرك على عجالة باتجاه باب المسكن لتقابلها عزة التي هتفت بارتِعاب: -مين اللي بيخبط علينا كده يا إيثار؟
-مش عارفة، مش عارفة. نطقتها وهي تهز رأسها بهلع لتتجه إلى الباب وتقترب منه لاصقة إحدى عينيها بفتحة الباب السحرية لتجحظ عينيها بفزع وهي ترى عمرو لتتسلل إلى مسامعها نبراته التي تخشاها وتمقتها وهو يقول بصوت يبدو عليه عدم الاتزان: -افتحي يا إيثار، افتحي لي الباب. شهقت لتهتف بحدة جنونية: -أنتَ اتجننت يا عمرو، هي حصلت تجيلي الشقة وتخبط عليا الساعة اتنين بالليل؟!
زاد من طرقه الجنوني للباب وتحدث بلسان ثقيل مع ترنح جسده مما جعلها تتوقع احتساءه لأحد المشروبات الكحولية: -افتحي الباب يا حبيبتي، أنا قلبي مولع نار وعاوز أطفيها جوه حضنك. -يا نهارك أسود، أنتَ شارب. نطقتها بذهول ليهتف بعلو صوته: -أيوة شارب علشان أنسى رفضك ليا، ارجعي لي يا إيثار علشان أحس إني عايش. تحدثت برجاء كي تحثه على الرحيل: -امشي يا عمرو قبل الجيران ما تصحى وتتفرج عليك وأنتَ بالشكل ده، أرجوك أنا مش ناقصة فضايح.
-لو مش عاوزة فضايح افتحي وخلينا نتكلم جوه. نطقها مستغلًا خشيتها من حديث الجيران لتهتف عزة بصوت مرتعِب: -أوعي تفتحي له، ده الموكوس شارب ومش واعي بنفسه. -أفتح له إيه أنتِ كمان، شايفاني مجنونة قدامك. نطقت كلماتها بملامح وجه مكفهرة لتهتف محدثة ذاك الواقف خلف الباب: -امشي حالًا علشان ما تضطرنيش أطلب لك البوليس. نطق بعناد وتَعَنُّت بجسد مترنح: -اعملي اللي أنتِ عاوزاه، أنا مش هتحرك من هنا قبل ما أشوفك وأتكلم معاكِ.
صرخت بعدما أفقدها توازنها: -والله العظيم لو ما مشيت حالًا لأتصل بالبوليس واخليهم ييجوا ياخدوك ويعملوا لك محضر تهجم ومحضر سكر. -قولت لك افتحي. نطقها وهو يركل الباب بقدمه بقوة ليخرج جارها المقابل متحدثًا بنبرة حادة: -فيه إيه يا أستاذ، إيه الدوشة اللي أنتَ عاملها دي، أنتَ عارف الساعة كام؟ ترنح بوقفته ليهتف بتهديد صريح: -ادخل واقفل بابك عليك بدل ما أخليك تندم على عمرك.
ما أن استمعت لصوت همهمات الجيران التي بدأت تعلو بعدما خرجوا من جميع الطوابق على صياح ذاك الحاد، شعرت بروحها تكاد أن تنسحب منها لتهرول باتجاه غرفة النوم لتتبعها عزة التي تحدثت وهي تراها تخطف هاتفها الجوال من فوق الكومود استعدادًا لعمل مكالمة: -أنتِ هتطلبي البوليس بجد يا إيثار، إحنا مش ناقصين مشاكل مع نصر البنهاوي، ده راجل شراني وقرصته بالقبر. -المشاكل هي اللي جت لحد عندنا يا عزة. نطقتها وهي تطلب رقم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!