صمودك بات لا يجدي وما زلت تقاومين والأنفاس تتصارع، حتى تخطيت بصبرك عقبة الأوجاع الضالة بمفردك، والآن قد نجا بعضك من كلك أيضًا بمفردك. إيثار غانم الجوهري
أشرقت شمس يوم جديد لتعلن عن أحداث جديدة وتطورات داخل حياة كلٍ منا، فاقت نوال من غفوتها توضأت وقامت بقضاء ركعتي الضحى لتتحرك نحو المطبخ بعدما نوت تجهيز وجبة الإفطار لنجلها قبل أن يذهب لعمله ككل يوم إلى أحد المطاعم المتخصصة بطهي وبيع "الكشري المصري" الذي يعمل به، وأثناء إعدادها لوجبة البطاطس المقلية المفضلة لدى نجلها ولجت إليها ألاء حيث تحدثت وهي تتكئ على باب المطبخ: -صباح الخير يا ماما. ردت الأم وهي تتابع تقليب
أصابع البطاطس داخل الزيت: -صباح النور، صحي أخوك يلا علشان ما يتأخرش على أكل عيشه. -حاضر...
نطقتها الفتاة وتحركت في الحال إلى حجرة شقيقها لتدق بابها قبل أن تدخل وتفاجأ بعدم وجوده، كادت أن تغلق الباب مرة أخرى لتعاود لوالدتها لكنها تسمرت عندما جذب انتباهها تلك الورقة المعلقة على ظهر التخت والمثبتة بقطعة صغيرة من العلكة الممضوغة، تحركت إليها وجذبتها وبدأت بقراءة محتواها لتجحظ عينيها على مصراعيهما في صدمة لتصيح وهي تهرول إلى والدتها قائلة بصوت يرتجف من هول الصدمة: -إلحقي يا ماما.
التفتت المرأة تنظر لابنتها بتمعن لتتابع الأخرى صياحها: -علاء سرق الدهب بتاع نسرين وطفش. دقت على صدرها لتصرخ بتساؤل: -أنت بتقولي إيه يا بت، طفش راح فين؟! -سافر على المركب اللي رايحة إيطاليا... نطقتها لتشهر بالورقة بوجهها وتكمل: -ساب جواب بيقول إنه أخد الدهب بتاع نسرين وسافر بيه، ولما الدنيا تمشي معاه هناك هيبعت لها فلوسه. صرخت المرأة نادبة: -يا دي المصيبة، أبوك لو عرف هيروح فيها. واسترسلت وهي تدق على فخذيها بنحيب:
-ولا أختك، دي لو عرفت إنه سرق دهبها هتخرب الدنيا، ومش بعيد تفتكر إني متفقة معاه. قاطعتها الفتاة لتهتف بخوف على شقيقها: -سيبك من نسرين الوقت يا ماما وخلينا في علاء، إحنا لازم نعرف هو سافر مع مين علشان نطمن إنه وصل بالسلامة. نظرت للفتاة وهزت رأسها بيأس وحيرة وشعور بالرعب ممتزج بالغضب وقلة الحيلة سيطروا عليها. **********
بجسد مرهق كان يتوسط فراشه غافيًا على بطنه بشكل عشوائي لا يرتدي سوى شورت قصير، انتبه على صوت المنبه الذي صدح صوته من خلال هاتفه المحمول، مد يده بعشوائية فوق الكومود وبات يتحسس باحثًا عن الهاتف حتى عثر عليه وقربه أمام عينيه استعدادًا لغلقه، رفع رأسه وجاهد بفتح أهدابه بصعوبة ترجع لنومه لبضع سويعات بسيطة، أغلق الهاتف ليرمي رأسه من جديد فوق الوسادة بإنهاك شديد، لم تمر عدة ثوان حتى رفع جسده متحاملًا على حاله وجلس مستندًا
للخلف، تنفس بهدوء ومسح على وجهه بكف يده ثم بسط ذراعه ليجلب علبة كانت موضوعة فوق الكومود وبدأ بفتحها وإخراج أحد الهواتف الذكية منها، بدأ بتركيب خط جديد قد ابتاعه بالأمس مع الهاتف وسجله باسم شقيقته ليستطيع من خلاله التواصل مع من استطاعت قلب حياته رأسًا على عقب منذ أن تركته وقطعت جميع خيوط الوصل تاركة إياه بلا قلب بعد أن سلبته إياه وعقله حتى أصبح كالمجنون المغيب، فتح الهاتف وسجل رقمها وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يضغط على
زر تسجيل الرسائل الصوتية لينطق بصوت أقرب إلى الهمس يفيض من الاشتياق
والعشق ما يجعل الحجر يلين: -وحشتيني، نفسي أسمع صوتك، أشوف عيونك حتى لو هتبص لي بلوم، بس أشوفها وأملي عيوني منها. سألها بنبرة لائمة كي يلين قلبها وتعي لما أوصلته إليه: -طب أنا موحشتكيش، مهو مش معقول أكون بتعذب بالطريقة دي وهموت وأشوفك، وأنت مش فارق معاك وجودي في حياتك من عدمه. نطقها بصوت متأثر ليتابع بصوت راجي:
-إيثار إحنا لازم نتكلم، مينفعش تنهي كل اللي بينا علشان غلطة، أيوة أنا غلطت وبعترف لك ومستعد أقضي الباقي من عمري وأنا بعتذر لك، بس متبعديش عني، اختيارك لعقابي بحرماني منك منتهى القسوة، ده الموت بالبطيء يا إيثار، علشان خاطري راجعي نفسك واديني فرصة واحدة نتقابل ونتكلم، وأنا واثق إني هقدر أقنعك. تنفس بصوت عال يظهر كم الألم الساكن بداخله ليسترسل بوعد صادق:
-أنا هعمل لك كل اللي يرضيك ويريحك، بس ارجعي لي، وحياة يوسف تديني فرصة تانية. انتهى من تسجيل المقطع الصوتي وأرسله وجلس يراقب ردة فعلها وبعد أن طالت المدة هب من مكانه ليتحرك إلى الحمام ويختفي خلف بابه بعدما قرر غمر جسده بالماء البارد عله يزيل من اشتعال روحه ولو قليلًا.
بعد قليل نزل الدرج مرتديًا ثيابه بالكامل حاملًا حقيبته الجلدية استعدادًا للذهاب لعمله، تفاجأ بشقيقته تخرج من المطبخ حاملة طفلها الصغير، تنهد بثقل في قلبه يرجع لوجعه مما حدث بينهما ليلة أمس، لم يكن يتخيل يومًا من الأيام أن يحدث صدامًا بينه وبين شقيقته الوحيدة والتي يعتبرها ابنته ومدللة قلبه، تألم حين رآها تحول بنظرها بعيدًا عنه لتتحرك بطريقها متجاهلة اقترابه منها ليسرع بخطاه حتى توقف أمامها وتعمق بمقلتيها ليجد فيهما حزنًا وألمًا وكثيرًا من الملامة، تنهد وبدون حديث قربها ليضمها إلى أحضانه ليميل مقبلًا رأسها، بادلته عناقه ليشدد هو من احتضانها وبعد عدة ثواني ابتعد ليتحسس وجنتها قائلًا
بنظرة ترجو السماح: -أنا آسف. قطبت جبينها تنظر له متعجبة وهي تقول باستغراب: -فؤاد أنت كويس! ضيق ما بين عينيه مستفهمًا دون الإفصاح عنه لتتابع مسترسلة: -أنت قولت آسف يا فؤاد؟! لتستطرد بتفخيم للكلمات: -فؤاد علام بيتأسف! رفع حاجبه باستنكار قبل أن يجيبها بمشاكسة لتلطيف الأجواء: -خلاص سحبتها واعتبريني ما قولتهاش أصلًا. هتفت سريعًا بمداعبة: -لا وعلى إيه، ده حدث تاريخي والمفروض أوثقه.
تبادلا الابتسامات وهو يتحسس وجنتها بحنو ليرفرف قلب عصمت من فرحته حين رأت نجلاها بكل هذا الوئام لتقترب عليهما وهي تقول بابتسامة: -صباح الخير. لم تعلق على ما حدث بالأمس وقد قررت تخطي الأمر كي لا تشعر صغيرها بالإحراج لتسترسل بوجه بشوش وهي تشير لهما نحو غرفة الطعام: -يلا علشان تفطروا مع بابا. اقتربت على ابنتها لتحمل حفيدها الذي يحمل اسم ابنها الغالي وتتحرك أمامهما ليغمر فؤاد شقيقته بضمة حنون ويتحركا خلف والدتهما.
أما تلك الجريحة صاحبة أسوأ حظ فقد ولجت إلى غرفتها لجلب هاتفها وحقيبة يدها للاستعداد للذهاب إلى العمل بعدما تناولت وجبة الإفطار بصحبة عزة والصغير، التقطت الهاتف ونظرت بشاشته لرؤية آخر المستجدات الخاصة بعملها ليلفت نظرها وصول رسالة صوتية، اعتقدت أنها تخص العمل فشرعت لفتحها ليدق قلبها سريعًا وينتفض بمجرد استماعها لنبرة صوته، وعلى الفور ضغطت لإيقاف التكملة، شعرت بغصة مريرة سكنت بقلبها وكادت أن تحذف الرسالة وتحظر هذا
الرقم أيضًا، لكن شيئًا بداخلها منعها ليعطي القلب أمرًا إلى العقل ليتوقف على الفور أصبع يدها الموضوع على زر اختيار الحظر، تنفست كي تستطيع المواصلة لتفتحها من جديد وتستمع لصوته المتأثر، هزت رأسها بحيرة وجنون، لما دائمًا تستشعر من صوته الصدق حتى بعد حديثه المهين وخيبة أملها به ما زالت تستشف الصدق من كلماته، تأثر قلبها بنبراته الحزينة واستشفت كم الندم والألم الساكنان قلبه، أغمضت عينيها وضغطت على قبضة يدها لطرد شعوري
الحنين والتأثر لتهتف
بصوت داخلي غاضب وناقم: -استفيقي أيتها الغبية، أما زلت للآن بلهاء وتنخدعين بصوت ذاك الحقير المتلاعب بقلوب النساء؟ ألم تتيقني بعد أنه بارع باللعب بالكلمات والمشاعر؟
اتركي كل هذا الهراء خلفك وانطلقي للأمام، ضعي صغيرك أمام عينيك فهو الوحيد الذي يستحق عنايتك واهتمامك وجل مشاعرك، استفيقي بالله عليك ولا تدعي الفرصة لتلك الأحاسيس الغبية لتتحكم بك، كفى ما حدث للآن فقد أنقذتك العناية الإلهية من براثن ذاك المخادع، فلتحمدي الله ولتمضي بطريقك دون الالتفات للخلف.
فتحت عينيها وبملامح تحمل الكثير من الحقد والغضب حذفت الرسالة وحظرت الرقم ملقية بإشارات ونداءات قلبها عرض الحائط، رفعت قامتها للأعلى لتأخذ نفسًا قويًا وتحركت للخارج بقلب أشبه بميت.
وأثناء تناوله لوجبة الإفطار التي تناولها بفقدان كامل للشهية وعدم تركيز لاحظه الجميع لكن لم يعلقوا احترامًا لتلك الحالة الجديدة على عزيز أعينهم وخصوصًا بعدما حدث ليلة أمس، على غير عادته أخرج هاتفه من جيب سترته لينظر بشاشته بلهفة ظهرت بعينيه لتتحول لإحباط وحزن كسى ملامحه بعدما رأى حظرها للرقم ليتنهد بيأس تحت نظرات علام الذي لاحظ تغيرات نجله ليسأله كي يطمئن عليه: -مالك يا فؤاد، شفت حاجة ضايقتك في التليفون؟!
انتبه لحديث والده الذي أخرجه من شروده ليهز رأسه سريعًا وهو يقول بنفي قاطع: -مفيش حاجة يا باشا. انتفض من مقعده ليقول بصوت جاد فاقدًا للحيوية: -أنا مضطر أمشي علشان ما أتأخرش. تحدثت عصمت بصوت حنون: -كمل القهوة بتاعتك يا حبيبي. -هشرب غيرها في المكتب يا ماما، بعد إذنكم...
جملة نطقها بصوت خالٍ من الحياة لينسحب للخارج بخطوات سريعة وكأنه يهرب من شيء يطارده، نظر علام إلى زوجته يستشف منها حالة نجله لترفع له كتفيها بعدم استيعاب لما يجري لصغيرهما ويصمتا تحت حزن فريال على ما أصاب شقيقها مؤخرًا. ********** عند الغروب كانت نوال تجلس داخل غرفتها بقلب يحمل الكثير والكثير من الهموم، ولجت ألاء لتقول بنبرة مرتعبة: -وبعدين يا ماما، هنعمل إيه في المصيبة اللي إحنا فيها دي؟ دقت على فخذيها لتهتف نادبة:
-مش عارفة، حاسة إني متكتفة ومش عارفة أعمل إيه. نطقت الفتاة بترقب: -المفروض كنا قولنا لبابا علشان يتصرف. هتفت بصوت منهار: -هقول له إيه، ابنك سرق دهب أخته وسافر بيه ومش عارفين إذا كان وصل ولا بعد الشر حصل له حاجة؟! لتستطرد وهي تتلفت حولها بعينين زائغتين: -ولو سألني بنتك جابت الدهب منين أرد عليه وأقول له إيه؟!
صرخت بالكلمة الأخيرة ليباغتها ولوج زوجها الذي عاد من أرضه ليأخذ مالًا لشراء بعض السماد اللازم لتسميد الأرض فاستمع لحديثهما ليهتف متسائلًا بقوة: -دهب إيه اللي بتتكلمي عنه يا ولية؟ وابنك فين؟
نطقها بصراخ لتبتلع المرأة لعابها برعب من هيأة زوجها وبعد إلحاح وضغط من الأب اعترفت الفتاة لأبيها بكل ما حدث، ما زال تحت تأثير الصدمة ليخرجه منها تلك الخبطات التي صدحت على الباب ليهرول الرجل وخلفه زوجته وابنته ليفتح الباب ويتفاجأ برجل يرتدي زيًا خاص برجال الشرطة ليسأله بنبرة جادة: -ده بيت علاء محمد أبو سريع؟ رد الرجل بارتياب وقلب يرتجف خوفًا من القادم: -أيوة يا باشا أنا أبوه. الرجل رأسه ليخبره بهدوء:
-الضابط عايزك في القسم. ليه، خير يا باشا... نطقها بتوجس لتصيح المرأة متسائلة بنبرة مرتعبة وقلب يشعر بما أصاب نجلها: -ابني جراله إيه يا بيه، طمني وحياة حبيبك النبي. تنهد الرجل لينطق بيأس: -البقية في حياتك يا حاجة، ابنك غرق هو وكل اللي كانوا معاه في المركب اللي كانت مهاجرة لإيطاليا. صرخة مدوية هزت أركان المنزل بأكمله ليهتز جسد الرجل ويرجع للخلف مستندًا على الجدار لكي لا يسقط أرضًا من هول مصيبته الكبرى.
هتفت الفتاة وهي تسأل الشرطي كغريق يتعلق بقشة كي يبقى على قيد الحياة: -أنت متأكد إن علاء أخويا غرق، مش يمكن يكون لسة عايش؟! -البلاغ جالنا من السلطات الإيطالية بأسماء الجثث اللي طلعها خفر السواحل، وجثة أخوك كانت من ضمن الجثث.
تعالت الصرخات وحضر الجيران لتشارك النسوة بالصراخ، ذاع الخبر المشؤوم بين الناس لينتشر بأرجاء البلدة بأكملها حتى وصل إلى نسرين، ذهب الأب وتأكد من وفاة نجله عن طريق الصور التي بعثت للشرطة عن طريق إيطاليا لتأكيد الأهالي من جثث ذويهم، أخبر الضابط الأهالي أن الأمر سيستغرق بضعة أيام لوصول الجثامين، كان المنزل يأج بالنساء اللواتي ارتدين ثيابهن السوداء وحضرن لتقديم واجب العزاء، وصلت نسرين بصحبة والدة زوجها ونوارة بعدما علمت بالنكبة التي حلت بعائلتها لتصرخ وهي تقترب على والدتها وتحتضنها لتصيح الأخرى بعدما دفعتها لتسقط بعيدًا منبطحة على الأرض لتقول
وهي تنظر إليها بكره وحقد: -اطلعي برة بيتي يا ملعونة، أنت السبب في اللي جرى لابني، لولا دهبك الملعون ما كانش راح للموت برجليه، أنت اللي قتلتي ابني. اتسعت عينيها بذهول من حديث والدتها وهجومها غير المبرر والتي لا تعلم مصدره، اقتربت منيرة لتساند زوجة نجلها حتى تنهض بمساعدة مجموعة من النساء التي تساءلت إحداهن بفضول قاتل: -دهب إيه اللي أمك بتتكلم عليه يا نسرين؟ تبرعت أخرى بالإجابة لتبرير ما حدث من وجهة نظرها:
-الولية شكلها فقدت عقلها من اللي حصل، الله يكون في عونها، ضهرها بقى عريان هي وجوزها وبناتها الاثنين بعد ما الواد اللي حيلتهم راح في غمضة عين. جحظت عيني نسرين بعدما استوعبت لكلمات والدتها لتقترب عليها وتمسكها من ذراعيها كالتي فقدت عقلها وتهزها بعنف وهي تقول صارخة بعدم استيعاب: -أنت بتقولي إيه يا ماما، بتقولي إيه؟! جذبت ألاء قبضتها من فوق ذراعي والدتها وهي تبعدها ناهرة بذات مغزى:
-اللي سمعتيه ووصل لك، وكفيانا فضايح بقى، كفاية اللي حصل، أخوك راح خلاص، كله راح يا نسرين، كله راح. لطمت خديها وباتت تطلق صرخات هزت صداها أرجاء البلدة بأكملها، لا تدري ما إذا كانت صرخاتها المدوية تلك تطلقها لأجل مصابها الجلل "وفاة شقيقها الوحيد" إما أنها حزنًا وقهرًا على أموالها التي حصلت عليها من سمية عنوة عنها مقابل مساعدتها في تدمير زواج إيثار وحصول الأخرى عليه كزوج لها، والآن فقدت كل شيء بلمح البصر.
هبت المرأة بعدما لاحظت صرخات ابنتها الطامعة وتيقنت بأنها تنعي مالها وتندب حظها وليس أخاها لتمسكها من ذراعها وتسحبها باتجاه الخارج تحت صيحات وتدخلات النساء اللواتي حاولن تخليص الفتاة من قبضة والدتها ولكن هيهات، ظلت تجرها حتى وصلت بها إلى البوابة لتلقي بها خارج المنزل وهي تقول صارخة: -اطلعي برة وإياك تخطي برجلك هنا ثاني، البيت ده بقى محرم عليك. وبشهد كل الناس اللي موجودة، إن موت قبلك غسلي وجنازتي محرمين عليك.
-وحدي الله يا أم علاء واعقلي... نطقتها منيرة لتهب المرأة وهي تغلق الباب بوجه كلتاهما: -غوري يا ولية أنت كمان وخدي مرات ابنك من هنا، ما شوفناش من وراكم خير.
قالت كلماتها لتقذف الباب بوجهيهما، حولت الفتاة بصرها إلى والدها الجالس فوق المقاعد يتلقى واجب العزاء لنجدتها لكنها تفاجأت به يرمقها باشمئزاز وكره فعلمت أن والدتها أخبرته بقصة الذهب فقررت الانسحاب للحفاظ على ما تبقى من كرامتها التي بعثرت أمام سكان البلدة بأكملها، استغرب عزيز المجاور لوالد زوجته ما حدث للتو لكنه قرر التغاضي للوقوف بجانب الرجل في هذا الظرف السيئ، سندتها منيرة ونوارة التي خرجت خلفهما لتذهب بصحبتيهما، هتفت منيرة
متسائلة بتشكيك لما حدث: -هو فيه إيه بينك وبين أمك يا نسرين، الولية زي اللي صابها الجنان أول ما شافتك قدامها؟! ابتلعت لعابها لتجيب بنحيب ودموع لم تنقطع حزنًا على شقيقها وأموالها معًا فقد تلقت ضربة مزدوجة مميتة: -واحدة ابنها الوحيد مات غرقان وحتى جثته لسة ما دفنتهاش، عايزها تجيب العقل منين؟! ضيقت بين عينيها بتشكيك لروايتها: -واشمعنى أنت اللي عملت معاك كده؟! لتتابع بتبرير متعجب:
-ما أختك قاعدة جنبيها وساندين على بعض الاثنين. صرخت بعدما فقدت القدرة على التحمل من كثرة الضغط عليها من تلك المرأة فاقدة الحس: -هو أنت بتحققي معايا ولا إيه، ما تسيبيني في حالي، مش كفاية المصيبة اللي حطت على دماغي. نطقت نوارة بعدما شاهدت انهيار تلك النسرين لتقول برجاء: -خلاص يا مرات عمي، سبيها في اللي هي فيه.
لوت فاهها وأسندتها طوال الطريق حتى وصلا للمنزل لتهرول نسرين إلى مسكنها وتبدأ في الصراخ والعويل نادبة لحظها العسر بعد أن خسرت كل شيء. ليلًا ولج عزيز إلى مسكنه وجدها مسطحة فوق تختها تبكي وتنتحب بانهيار تام، جلس بجوارها وتحدث بعدما ربت على ظهرها: -البقية في حياتك يا نسرين، الله يرحمه. لم تجبه بل ظلت على وضعها وصوت شهقاتها ارتفع ليسألها متعجبًا لما رأى دون مراعاة حالتها النفسية:
-هي خالتي نوال رمتك برة البيت ليه يا نسرين؟! التفتت إليه لتهب جالسة وهي ترمقه بغضب: -هو فيه إيه النهار ده، محدش عنده دم ليه، الكل بيسأل عن اللي حصل من أمي ومحدش واخد باله إن أخويا الوحيد مات؟! -هو حد قالك حاجة يا بنت الناس علشان تصرخي كده، ما أنا أول ما دخلت قلت لك البقية في حياتك... نطقها بحدة ليسترسل موضحًا بتعجب: -وبعدين سألتك علشان بصراحة اللي حصل من أمك غريب وما لوش تفسير.
لاحت بمخيلتها كذبة لتقول لتنأى بحالها من أسئلتهم التي أرهقت عقلها وزادت من سوء حالتها النفسية: -كنت متخانقة أنا وعلاء قبل ما يمشي بيوم، ارتحت يا عزيز؟! تطلع عليها بضيق ليهز رأسه بلامبالاة وتمدد بجوارها ليغفو بعد قضاء يوم شاق بالنسبة للجميع. ********* عصر اليوم التالي كانت تجلس بصحبة نجلها تراجع معه دروسه بتمعن واهتمام، استمعت لصوت رنين هاتفها فردت حين وجدته رقم نوارة: -إزيك يا نوارة؟ ردت تلك الخلوقة بصوت هادئ:
-الله يسلمك يا إيثار، عاملة إيه يا حبيبتي ويوسف عامل إيه؟ -إحنا بخير الحمد لله، طمنيني على بابا... قالتها باهتمام وترقب لترد الأخرى: -الحمد لله كويس. أخذت نفسًا لتسألها باطمئنان: -الفلوس اللي بعتها لك على الكاش وصلتك؟ -آه يا أختي كتر خيرك، صرفتهم ورحت اشتريت بيهم الكوتشات للعيال...
نطقت كلماتها بعرفان لتلك الحنون التي تبعث لها بين الحين والآخر بعض الأموال كي تساعدها على شراء بعض مستلزمات الصغار سرًا بدون علم أحد حتى وجدي بذاته وكان هذا شرط إيثار، لتسترسل نوارة: -أنا متصلة بيك علشان أقول لك إن علاء أخو نسرين تعيشي أنت. اتسعت عيني إيثار لتقول بصوت متأثر: -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اتوفى إمتى وإزاي؟ قصت لها ما حدث تحت حزن إيثار على خسارة الشاب لعمره لتتابع الأخرى بتوضيح:
-أنا قلت أبلغك علشان تكلميها وتعملي الواجب. تنهدت بهدوء لتقول بعقلانية: -خليني بعيد عن نسرين أحسن يا نوارة، أنا ما شفتش منها قليل واللي عملته فيا كتير، كفاية إنها طول الوقت بتحرض ماما وعزيز عليا. واسترسلت بتخوف: -وبعدين دي بني آدمة مريضة، مش بعيد تفتكر إني مكلماها علشان أشمت فيها، وتسمعني كلمتين ما لهمش لازمة. لتستطرد بحزم: -ربنا يصبرها ويرحم أخوها، بس هي وعزيز البعد عنهم غنيمة، وأنا مش عاوزة أتواصل معاهم لأي سبب.
-اللي يريحك اعمليه يا إيثار، أنا قلت أقول لك وأنت أدرى بمصلحتك... قالت كلماتها لتسترسل بإبانة ما حدث: -على العموم أهو ربنا خد لك حقك منها، وزي ما حرضت أمك عليك ربنا سلط أمها طردتها وبهدلتها من قلب العزا بتاع أخوها. ضيقت بين عينيها لتسألها باستغراب: -مش فاهمة، وأمها تطردها ليه؟ أجابتها:
-ولا حد يعرف حاجة، الولية زي ما تكون اتجننت، فضلت تزق فيها لحد ما رمتها برة البيت واللي طالع عليها أنت ودهبك الملعون السبب في موت ابني. بلامبالاة أجابتها الأخرى: -ربنا يسهل لها بعيد عني، خدي بالك من الولاد ولو احتجتي أي حاجة أو بابا ناقصه أي حاجة رني عليا وأنا هبعت لك على طول. شكرتها بعرفان لتنهي المكالمة وتعود إيثار لمتابعة المذاكرة للصغير. ********** بعد مرور حوالي أسبوعين
كانت داخل اجتماع منعقد بين أيمن وفريق العمل ورجل أعمال آخر لإبرام إحدى الصفقات، استمعت لصوت هاتفها فنظرت لتجد شقيقها أيهم ضغطت لتجعل الهاتف صامتًا لكنها تعجبت على إصراره وما زاد من تعجبها اتصال عزة بعد عدة محاولات من أيهم، انتظرت حتى انتهى الاجتماع بعد نصف ساعة لتهرول لمكتبها وتعاود الاتصال بشقيقها الذي هتف سريعًا بصوت متأثر: -أنت فين يا إيثار، عمال أرن عليك بقالي ساعة. ارتعب داخلها لتسأله بارتياب: -فيه إيه يا أيهم؟
-بابا تعبان قوي وطالب يشوفك... نطقها الشاب بصوت حزين لتنطق بقوة وصوت حاد: -قول لعزيز يلعب غيرها واتقوا الله بقى وسيبوني في حالي. بنبرة أشبه بباكية أخبرها الشاب: -أبوك بيموت يا إيثار، أنا بكلمك من مستشفى المركز والدكتور كلامه ما يطمنش. هتفت بصوت يرتجف من شدة تخوفها: -أنت بتقول إيه، بلاش كذب بقى. بصوت متأثر نطق بقسم: -والله العظيم ما بكذب عليك، هو بيعمل إشعة جوه ومعاه وجدي، وأول ما يخرج هخليه يكلمك علشان تصدقي.
نزلت كلماته عليها لتزلزل كيانها بالكامل، لم تدر بحالها إلا وهي تغلق الهاتف وتلملم أشيائها لتهرول على مكتب أيمن وتخبره بما حدث فقال لها مطمئنًا إياها: -روحي اطمني عليه وابعثي لي عنوان المستشفى اللي هو فيها، وأنا هخلي أحمد يبعت لك عربية إسعاف مجهزة تنقله للمستشفى عندنا. شكرته بعرفان وانطلقت بسرعة البرق لتستقل سيارتها متجهة للمركز للحاق بوالدها العزيز والاطمئنان على صحته.
ترى هل حقًا غانم مريض أم أنها لعبة جديدة من ألاعيب عزيز وستقع إيثار داخل مصيدة نصر المتربص بها ليقدمها قربانًا إلى زوجته المتجبرة لتنفذ انتقامها منها؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!