الفصل 17 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل السابع عشر 17 - بقلم روز امين

المشاهدات
18
كلمة
4,828
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

ما بالك يا قلب لا تتعلم، خيبة وراء خيبة ورثاءً على قلب لم يمت بعد. إيثار الجوهري بقلم: روز أمين أخذ يتطلع إليها عدة لحظات طويلة بصمت، متفحصًا وجهها بعينين تلمعان بالشغف الممتزج بالوله، لينطق بما فاجأها: "إيثار، تقبلي تتجوزيني؟ أنار وجهها وكأن عالمها قد تغير بالكامل ليصبح أكثر إشراقًا وانتعاشًا وسعادة، وكل ما عاشته من آلام سينتهي مع ذاك القوي الحنون الذي حتمًا سيكون لها درع الحماية وسيحمي صغيرها. "قولتي إيه؟

هزت رأسها عدة مرات متتالية دلالة على التأكيد، ليبتسم بسعادة ظهرت بعينيه سرعان ما اندثرت وهو يتابع مسترسلًا بريبة: "بس... قطبت جبينها تنتظر متابعته لحديثه بتمعن وجسد مشدود، ليأخذ هو نفسًا عميقًا قبل أن يقول متمعنًا بالنظر بمقلتيها لاستكشاف رد فعلها: "محدش هيعرف بجوازنا، هيكون في السر، وده لأسباب كتير جدًا." "عرفي تقصد؟ " سؤال نطقته بملامح وجه مبهمة لم يستطع منها واقع الخبر عليها، ليجيبها نافيًا بعجالة:

"لا طبعًا، أنا راجل دارس شريعة وعارف إن الجواز العرفي مالوش أساس من الصحة في ديننا الإسلامي." هزت رأسها بموائمة تحثه على المتابعة، ليسترسل بثبات ورصانة: "جوازنا هيكون بعقد موثق عند محامي وعليه اتنين شهود، وإنتِ بالغة السن القانوني والدين والقانون سامحين لك بتزويج نفسك." رفع وجهه للأعلى ليتابع مستطردًا: "العقد هيكون متكامل فيه مهرك ومؤخر صداقك زيه زي القسيمة بالظبط."

أمسكت بكأس المشروب وارتشفت منه القليل، ليتعجب من أمرها فاستطرد مبررًا عرضه بعدما لاحظ تغير ملامحها إلى لامبالاة: "المبلغ اللي هتطلبيه مهر هحوله في حسابك فورًا مهما كان حجم الرقم، وهحط لك زيه مؤخر صداق يتكتب في العقد، وكل اللي تؤمري بيه هيكون عندك في نفس اللحظة." واستطرد مستعرضًا ما تبقى من عرضه تحت نظراتها الهادئة والتي لم يفهمها، أهي رضا أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة:

"هشتري لك شقة في منطقة راقية وهكتبها باسمك، هنتقابل فيها لحد ما الظروف تتحسن ونقدر نعلن عن جوازنا قدام الكل." تطلع إليها متعجبًا صمتها ليسألها باستغراب في محاولة منه لاستكشاف واقع الحديث عليها: "ساكتة ليه؟ "بسمعك... " قالتها بهدوء عكس ما يدور داخلها من حمم بركانية، ليرد عليها موضحًا: "أنا عارف إني فاجأتك بطلبي، بس على فكرة قراري ده في مصلحتك." رفعت حاجبها الأيسر باستنكار مع ابتسامة خفيفة، ليجيبها بتأكيد:

"طبعًا في مصلحتك، إنتِ ناسية حضانة يوسف اللي هتتأخد منك بمجرد ما المأذون يكتب الكتاب؟ هزت رأسها عدة مرات متتالية، ليتطلع عليها محاولًا استكشاف ردة فعلها، فتحدث متسائلًا بدهاء أراد به اختبار أمومتها من عدمها: "إلا لو موضوع الحضانة مش فارق معاكِ وشايفة إن الولد هيرتاح أكتر مع بباه، ساعتها أنا مستعد للجواز الرسمي وفورًا."

ضيق بين عينيه مستغربًا صمتها، لتشير هي للموظف الواقف جانبًا يتابع الحضور متجاهلة حديث ذاك المقابل لها، أتى الرجل تحت تساؤل فؤاد الذي نطق: "عاوزة حاجة أطلبها لك؟ تطلعت عليه بابتسامة مصطنعة دون رد، لتحيل بصرها سريعًا للرجل الذي حضر ومال برأسه توقيرًا لها وهو يقول باحترام: "تحت أمرك يا هانم." أمسكت الكأس تقلبه بين أصابعها، لتتطلع عليه بانبهار وهي تقول بصوت هادئ عكس ما يدور بداخلها من ثورة عارمة:

"عاجبني قوي اختياركم للأدوات بشكل عام وللكاسات بشكل خاص." رفعت حاجبها وهي تتطلع على الكأس بإعجاب تجلى بنظراتها المتفحصة: "شكله فخم ولايق بالمكان." مال الرجل توقيرًا ليجيبها بتفاخر: "ميرسي يا هانم، إحنا بنختار كل حاجة في المكان بمنتهى الدقة لأن زوارنا من صفوة المجتمع." واسترسل بإبانة وهو يميل بقامته باحترام: "الكاس اللي في إيد جنابك من منتجات مورانو الإيطالية."

شعر بالضجر من تجاهلها لعرضه واستدعائها العجيب للرجل وأسئلتها التي لا تمت بجلستهما بشيء، ليسألها بعدما تحكم بغضبه كي لا يحزنها: "لو عاجبينك يا حبيبتي هعمل لك أوردر من الشركة يوصل لك في أسرع وقت." تجاهلته وكأن وجوده والعدم سواء، لتتابع وهي تنظر للرجل: "حلو قوي وشكله غالي." "جدًا يا أفندم... لتقول ببرود وأسى مفتعل:

"كان نفسي أشتري طقم منه، لكن للأسف مينفعش عندي، لأن لو انكسر منه كاس الطقم كله هيبوظ وهيبقى زي قلته ومش هقدر أجيب غيره لأن سعره عالي قوي عليا."

ارتشفت آخر قطرات الشراب ثم رفعت الكأس للأعلى وبسطت ذراعها جانبًا لتفلت أصابع يدها عنه، لينزلق الكأس مصطدمًا بالأرضية وينزل متهشمًا، لتتناثر قطع الزجاج وتملأ المكان تحت أعين جميع الحضور التي اتسعت وهم يلتفون برؤوسهم لينظروا باتجاه الضجيج الذي أحدثه التهشم، أما هو فقطب جبينه وبات يهز رأسه بذهول مستنكرًا فعلة تلك التي مطت شفتيها للأمام وهي تقول للموظف بلامبالاة وكأنها لم تفعل شيئًا: "بس متخافش يا متر."

لتحول بصرها إلى فؤاد الذي اعترته الخجل من تصرفها حيث جعلهما تحت المجهر بعدما تحولت جميع الأعين صوبهما، لتقول بصوت حاد بذات مغزى: "الباشا بيدفع كويس قوي وهيعوضك." نظر للعامل وأشار بكفه بهدوء لينسحب ذاك المندهش، ليسألها بنظرات لائمة تملؤها خيبة الأمل: "ليه كده يا إيثار، عاجبك منظرنا ده قدام الناس؟ مكنش ليها لازمة الفضايح دي كلها." بجبين مقطب سألته: "فضايح؟ هي فين الفضايح دي!

احمد ربنا إني متربية وبنت ناس وإلا كنت رديت عليك بالشكل اللي يليق بطلبك المهين ووريتك الفضايح اللي بجد. نطقت كلماتها بصوت حاد وعيونها كالصقر لتسترسل بصوت أظهر كم احتراق روحها: بقى جاي تطلب مني أتجوزك في السر؟ طبعًا تلاقيك قولت لنفسك دي واحدة مطلقة وعايشة لوحدها، وأكيد ماهتصدق أشاور لها بإيدي وأعرض عليها ملاييني. نظر لها بكثير من الرجاء ليقول: أرجوك حاولي تهدي ووطي صوتك، الناس بتبص علينا. ابتسامة ساخرة خرجت من جانب

ثغرها لتهتف بنبرة قوية: مش إنت اللي طلبت تشوفني علشان تشوف رد فعلي على كلامك؟ يبقى تسمع وإنت ساكت يا باشا، وزي ما أنا سمعتك للآخر إنت كمان مجبر تسمعني. احتدت ملامحها وهي ترمقه بتقليل لتسترسل بازدراء: أنا بجد آسفة، بس مش ليك، آسفة لنفسي لإني خدعتها لما افتكرت إنك إنسان محترم وأتاريك زيك زي غيرك. قطب جبينه بعدم استيعاب لتجيب على تساؤل عينيه الذي لم يصرح به وهي تشير إليه بنبرة متألمة:

أصل الباشا مش أول واحد يطلب مني الطلب ده، مهنتي خلتني أقابل أشكال كتير قوي، منهم المحترم ومنهم اللي شافني البت السكرتيرة الواقعة وقرر يكتب حتة ورقة ويرمي لها قرشين. اتسعت عيناه بغضب لتستطرد متهكمة: لو كنت صارحتني كنت وفرت على نفسك وصلة الغزل والغرام اللي تاعب نفسك بقى لك شهرين علشان تاكل بيهم دماغ البت السكرتيرة اللي عجبت الباشا، كنت وفرت عليك وقولت لك إن العنوان غلط يا ابن الأكابر. زاغت عيناها

لتستطرد ساخرة من غبائها: أنا اللي غبية وساذجة وأستاهل كل اللي يجرى لي إني صدقت كلامك المعسول. نطقتها بأسى لتسترسل بعدما تحولت عيناها لثورة تشبه فوران بركان: قبل ما أمشي عاوزة أقول لسعادتك كلمتين. تعمق بعينيها ينتظر ثورة فيضانها لتسترسل ناعته: طظ فيك وفي منصبك وفلوسك وعيلتك. وقفت تلملم أشياءها الخاصة لتستطرد وهي ترمقه بازدراء: رقم تليفوني تمسحه من عندك وده أكرم لك.

نطقتها بتهديد لتنسحب كالإعصار المدمر لتخرج من المكان بأكمله تاركة خلفها ذاك المتطلع على أثرها، والذهول والحزن والندم أسياد موقفه. أغمض عينه في ألم ثم فتحهما من جديد يتطلع من حوله على أنظار المحيطين به التي تترقبه ليسحبوا أبصارهم سريعًا لتخرج منه تنهيدة حارة تنم عن اشتعال لو خرج لدمر المكان بأكمله. أشار للنادل ليأتي برصانة وهو يقول: تحت أمر سعادتك. الشيك.

نطقها بتجهم ليغيب الآخر بضعة دقائق ويأتي بالفاتورة التي استلمها وألقى بداخلها عدة ورقات من الفئة الكبيرة دون النظر للمبلغ ويهب واقفًا يتجه للخارج بخطوات واسعة يريد بها أن يختفي عن تلك الأعين التي تنهش به دون حياء. لم يتعرض طيلة سنواته لهكذا موقف، لم يتجرأ بشرًا إلى الآن بلفظ كلمة واحدة تسيء إليه، بينما أغرقته تلك الأبية بوابل من التهكم والسخرية منه أمام كل هؤلاء الجمع. كان يتحرك وجسده بالكامل ينتفض غضبًا، لم يستطع استيعاب ما حدث للتو ولم يدرِ لما صمت وتركها تفعل به كل ما يحلو لها، كل ما توصل إليه هو أنه جرحها بعمق لذا تركها لتفرغ شحنة غضبها به حتى لو كان تنفيثها هذا على حساب كرامته.

استقل مقعده ليسب ويلعن حاله وهو يدير محرك سيارته التي اندفعت بسرعة جنونية كجنون صاحبها. كور قبضته ضاغطًا عليها بقوة حتى ابيضت عروقه ليدقها بعنف فوق طارة السيارة عله ينفث ولو قليلًا عن غضبه الكامن بداخل صدره. أمسك بالهاتف وضغط على زر تسجيل الرسائل بتطبيق الواتساب ليسجل بصوته الحاد الذي نم عن اشتعال روحه: أنا تعملي فيا كده يا إيثار! تعملي من فؤاد علام مسخة وتخليني مسخرة قدام الناس! واسترسل بغضب مكظوم وهو ينهج بشدة:

لازم تحمدي ربنا ألف مرة على المكانة اللي ليك جوه قلبي لأن لولاها... قطع حديثه ليصمت لبرهة قبل أن يسترسل صارخًا بقسم: قسمًا برب العزة لو حد غيرك اللي عملها ماهو خارج من المكان إلا في حالتين، يا إما متكلبش من إيديه وعلى البوكس علشان يقضي باقي حياته في طرة أو جثة خارجة في صندوق.

انتهى المقطع الصوتي الذي سجله بفحيح وكل ذرة بجسده تنبض من شدة غضبها. ضغط ليبعث بالمقطع ليصل في الحال إلى هاتف تلك التي تقود سيارتها وشلالات من دموعها تنهمر فوق وجنتيها والحسرة تكمن بقلبها. لاحظت وصول الرسالة لتفتحها وتستمع لصوته الغاضب تحت شهقاتها التي ارتفعت، وما أن انتهى التسجيل حتى أمسكت بهاتفها بعنف لتضغط على كلمة "حظر الرقم" ولينتهي الأمر عند هذا الحد.

كانت تقود بدموع وانهيار لتبتسم على خيبتها وسذاجة تفكيرها. تذكرت منذ ساعات وهي تتجهز للميعاد بحماس وفرحة لم تتذوق بمثيلتها، وهي تتخيل ذاك الذي رأته فارسًا لأحلامها البسيطة يتقدم ببساطة لخطبتها من أبيها. جل ما كانت تتمنّاه هو زوجًا حنونًا يحتويها داخل كنفه هي وصغيرها ويكون لها حصن الأمان، وبالمقابل ستهبه كل ما يحتاجه رجل ليكون سعيدًا بأكمله. فانظر لما حدث، فقد تحطمت أحلامها لتنهار فوق أرض واقعها المرير.

عودة لذاك الثائر الذي لاحظ رؤيتها للرسالة واستماعها لها وزفر بضيق ليضغط على زر الاتصال كي يجعلها تتوقف للحاق بها ومتابعة ما بدأه من حديث. عقد النية على أن يعترف لها بأنه كان يختبرها وسيقدم لها جميع كلمات الاعتذار المتواجدة بالقاموس العربي العامية منها والفصحى، لكنه بالوقت ذاته سيحاسبها حسابًا عسيرًا على تلك الفضيحة التي تسببت فيها وجعلت من كلاهما مادة ساخرة أمام رواد المكان وعماله. فوجئ برنة بسيطة ومن ثم أعطاه مشغولًا ليضيق عينيه محاولًا مرة أخرى ليصيح بغضب عارم بعدما تيقن حظرها

لرقمه ليصرخ باسمها بجنون: إيثااااااار! أكيد مش هتعملي فيا كده! فتح تطبيق الواتساب ليتأكد بالفعل من عدم استطاعته لمراسلتها بعدما قامت بحظر رقمه. لا يعلم أين يذهب، فقد فقد صوابه وأصبح بلا وجهة. سيجن بالتأكيد إذا لم يتحدث معها الآن ويضع أمام عينيها تفسير ما حدث.

وصلت إلى البناية لتصف سيارتها وقبل أن تترجل نظرت لانعكاس وجهها بالمرآة وقامت بتجفيف دموعها. أخذت نفسًا عميقًا لتتحرك نحو باب البناية ومنه لباب المصعد الكهربائي. وما أن أغلق الباب عليها حتى انهمرت دموعها من جديد لتستند على المرآة وتنظر لحالتها المزرية وتنزل دموعها في صمت مرير إلى أن توقف المصعد لتخرج منه وهي تجر أذيال خيباتها. تفتح باب مسكنها لتدلف بقلب منكسر عكس ما خرجت.

كانت عزة تجلس تتابع فيلمًا سينمائيًا عبر شاشة التلفاز. شعرت بقدوم أحدهم لتلتفت للخلف وما أن رأت حالتها حتى هبت واقفة لتهرول عليها وهي تقول بهلع حينما لاحظت وجهها الملطخ بالكحل العربي الذي ساح ليلطخ وجنتيها بعدما اختلط بالدموع: مالك! إيه اللي حصل وإيه اللي عمل فيك كده! كسرني يا عزة، حسسني إني رخيصة قوي وآخر شوية فلوس. نطقتها بقهر وألم يسكن عينيها قبل أن ترتمي بأحضان عزة التي احتوتها لتسترسل بنبرة منكسرة:

ضميني يا عزة، ضميني قوي. نطقت جملتها لتجهش ببكاء حاد انتفض جسدها بالكامل من شدته. سحبتها عزة إلى غرفتها وأجلستها على حافة الفراش لتجاورها الجلوس وهي تسألها: امسحي دموعك وانسي اللي حصل وكأنه مدخلش حياتك. طظ فيه، هو اللي خسران. هزت رأسها لتقول بشهقات متقطعة: لا يا عزة هو مخسرش حاجة، أنا اللي خسرت كرامتي وخسرت احترامي لنفسي. لتسترسل بانهيار: هو مش غلطان على فكرة، أنا اللي غلطت يوم ما مشيت ورا ده.

نطقت كلمتها الأخيرة وهي تدق بكفها بقوة فوق موضع قلبها لتتابع بصوت يقطر ندمًا: يا ريتني سمعت كلام عقلي اللي كان دايمًا بيحذرني منه. ياما نبهني وقال لي إن زيه زي عمرو وغيره من الرجالة، بس أنا اللي كنت عامية، مشيت ورا الملعون قلبي اللي افتتن بكلامه المعسول. يا ريتني ما شفته ولا عرفته، يا ريتني ما سلمته قلبي وحسسته بضعفي. كانت تتحدث بصوت باكٍ يقطع نياط القلب لتسترسل بألم يمزق قلبها:

من يوم طلاقي وأنا معتمدة على نفسي ومكتفية بيها، عاهدت نفسي إن مفيش راجل يستاهل إنه يدخل حياتي أو أضيّع لحظة واحدة من عمري علشانه. أخذت ابني في حضني واكتفيت بيه عن رجالة الدنيا كلها لحد ما ظهر في حياتي وبدأ يلعب عليا. لتتابع وهي تنظر إلى عزة الباكية لأجلها بنظرات زائغة وعقل مشتت: بس إزاي قلبي مقدرش يكشف كذبه عليا؟ ده أنا حسيت بصدقه قوي يا عزة، كل كلمة كان بيقولها كانت بتدخل على قلبي تنعشه. معقولة كل ده كان كذب؟

للدجة دي كان بارع وأنا كنت غبية! بنبرة حزينة هتفت كي تخفف من وطأة الكارثة عليها: اهدي يا بنتي، ماتعمليش في نفسك كده. والله العظيم إنت خسارة فيه، هيلاقي فين زيك لو لف الدنيا كلها؟ أدب وأخلاق وأصل طيب. لتسترسل وهي تحثها على النهوض: قومي غيري هدومك ونامي، انسي الهم ينساكي.

أومأت بهدوء لتنهض بالفعل وتقوم بتغيير ثوبها إلى منامة حريرية. تطلعت على ذاك الثوب الملقى بإهمال فوق حافة الفراش لتهرول سريعًا نحو درج الكومود وتفتحه لتخرج منه مقصًا وتعود من جديد بعدما قررت تمزيق تلك الذكرى. أمسكت بالثوب وبدأت بتمزيقه بغل ليتحول بعد قليل إلى قصاصات مجهولة المعالم، وأسرعت نحو الخزانة لتجذب البذلة التي ارتدتها أثناء حضورها لقاء الصلح ونالت بها إعجابه لتمزقها إربًا في محاولة منها لمحو أي ذكرى من الممكن

أن تذكرها به، وقررت من الآن محو اللون النبيذي من تاريخها كأنثى. كانت تمزق بقلب مشتعل وكأنها تمزقه شخصيًا. جثت على ركبتيها بعدما خارت قواها لتستند بكفيها على الأرض وتنهمر دموعها بغزارة. ظلت تشهق وتشهق علها تخرج ما بصدرها من وجع. وبعدما شعرت بالراحة هبت واقفة وتحركت إلى الحمام لتغتسل، وبعدها تحركت صوب حجرة صغيرها بعدما قررت الانضمام للنوم بجانبه. ولجت لغرفته وتحركت تنظر على ملاكها الغارق بنومه، جاورته الفراش بهدوء.

أما فؤاد فبات يجوب شوارع القاهرة طيلة الليل كالأسد الجريح. نعم، توقع غضبها من عرضه المقصود إذا صدق حدسه وظهر معدنها الأصيل، لكنه لم يضع بحسبانه ثورتها العارمة تلك وبأنها ستعرضه لتلك الإهانة الكبرى. ما حدث له لم يطرأ بمخيلته حتى بأسوأ كوابيسه. ليته لم يختبرها بتلك الطريقة الخسيسة. تنهد ليصرخ داخله حين شعر باحتمالية خسارتها. ظل يتنقل بين الشوارع إلى أن استمع لصوت أذان الفجر فقرر العودة لمنزله وحمد الله أن اليوم الذي

بدأ هو يوم الجمعة الإجازة الأسبوعية، لولا هذا لكان واجه مشكلة كبيرة بكيفية مواصلة عمله وهو بتلك الحالة المزرية. عاد للمنزل وولج لداخل حمامه الخاص لينزل تحت المياه الباردة علها تطفئ ناره الشاعلة. بعد حوالي النصف ساعة كان يتوسط فراشه ممسكًا بهاتفه يحاول جاهدًا بالبحث في متصفح جوجل عن الوصول لطريقة يصل بها لهاتفها بعدما حظرت رقمه. وبعدما يئس من وجود حل ألقى بهاتفه جانبًا ليلقي بجسده ويقع صريعًا للنوم بعدما أنهك جسده

وخارت قواه.

صباحًا فاق الصغير ليبتسم بسعادة حين وجد حاله بغمرة والدته الحنون. بسط كفه الصغير: مامي، اصحي. صباح الخير يا حبيبي. صباح النور يا مامي، إنت إمتى جيتي جنبي وليه مش صحتيني وحكيتي لي حدوتة؟ نظرت لصغيرها بكثير من الألم لتتنهد وهي تقول بنبرة خرجت بائسة رغما عنها: محبتش أقلقك. ابتسم لبرهة قبل أن يسألها بملامح وجه ارتسم فوقها الحزن: هو أنا مش هروح عند جدو نصر في الويك إند تاني؟

تنهدت بألم فليس هذا بالوقت المناسب لطرح تلك الأسئلة المجهدة لعقلها المنهك. أنقذتها عزة التي ولجت من الباب وهي تقول بنبرة مشرقة: صباح الفل، قوموا يا كسلانين علشان تفطروا. ما جوعتوش ولا مش شامين ريحة الأكل اللي تفتح النفس؟ جلس الصغير ليركز بحاسة الشم قبل أن يهلل مصفقًا: دي ريحة باتيه! هزت رأسها وهي تجيبه بابتسامة حماسية: عملت لك باتيه وخلية النحل وكمان ميني بيتزا بالجبن زي ما بتحبها.

حملق الصغير بها تعبيرًا عن اندهاشه لينظر لوالدته التي ابتسمت وهي تقول: يلا ادخل الحمام اتوضى وصلي وحصلنا على المطبخ. حاضر. قالها بسعادة وهو يقفز من فوقها لينفذ ما أملته عليه. تابعته بهدوء لتنتبه لنظرات عزة التي تنهدت واقتربت منها لتسألها بنبرة حنون: نمتي كويس؟ الحمد لله. قالتها بملامح وجه بائسة لتخرج الأخرى تنهيدة حارة وهي تقول: كله هيتنسي، إنت ست بمية راجل يا إيثار، والضربة اللي ما بتموتكيش بتزيدك قوة.

بنبرة بائسة أجابتها: مبقتش حمل ضربات خلاص يا عزة، عضمي اتكسر ومبقاش قادر يتحمل وجع أكتر. مر اليوم على كلاهما بصعوبة بالغة. قضته هي بانكماش على حالها واستكمال اليوم إما بالهروب عن طريق النوم لفترات طويلة أو بالصمت القاتل وكأنها مغيبة عن الواقع. أما هو فقضاه حبيس غرفته متحججًا بإصابته بحالة من الأرق الشديد كي يهرب من نظرات عائلته المحاصرة له.

صباح اليوم التالي فاق من نومه وأمسك هاتفه محاولًا الوصول إليها دون جدوى. تحرك متجهًا نحو عمله دون الانضمام لأسرته لتناول الفطور كما المعتاد تحت استغراب والداه وشقيقته. مر أكثر من ساعتين وهو منهمك بالعمل ليستغل وقت الراحة ويمسك بهاتف مكتبه الأرضي بعدما قرر مهاتفتها منه. كانت تعمل على جهاز الحاسوب وما أن استمعت للرنين ضغطت زر الإجابة لتجيب بنبرة جادة: ألو. إزيك يا إيثار.

شعور مؤلم اقتحم قلبها بمجرد استماعها لنبرات صوته التي كانت بمثابة الحياة بالنسبة لها منذ يومين فقط، والآن أصبحت وجعًا لا يحتمل. أغمضت عينيها واعتصرتهما بقوة وهي تهز رأسها بألم لتفتحهما من جديد على مصراعيهما بعدما وعت على حالها لتغلق الهاتف سريعًا كي تتخلص من ذاك الشعور المهين الذي اعتراها بمجرد مرور كلماته عبر خيالها. أخذ صدرها يعلو ويهبط بقوة من شدة التوتر والألم، أما دموعها فكانت على وشك الهبوط لولا عزيمتها القوية التي جعلتها تأخذ أنفاسًا منتظمة وتزفرها بهدوء كي تستطيع التحكم بها. ما هي إلا ثوانٍ ووجدت هاتف المكتب الأرضي يصدح فتوقعت بأنه هو، انتظرت حتى انتهى الاتصال وخرجت سريعًا إلى مكتب

هانيا لتقف بشموخ تخبرها: هانيا، من فضلك حولي كل المكالمات عندك وردي عليها بنفسك. واستطردت بذريعة وهي تعدل من وضع نظارتها الطبية: عندي ملف مهم بشتغل عليه ومش عاوزة إزعاج. تمام يا أستاذة. نطقتها بعملية لتنسحب الأخرى نحو مكتبها وأغلقت الباب لتصل إلى مقعدها وترتمي عليه بإرهاق. أخذت نفسًا عميقًا وبدأت بمواصلة عملها، ولكن ما هي إلا ثوانٍ لتجد هاتف مكتبها يصدح لتزفر وبعدها تجيب فوجدت صوته الحاد وهو يقول:

من فضلك ما تقفليش، أنا كل اللي عاوزه منك هي فرصة واحدة أشرح لك فيها كل حاجة والمغزى من طلبي وبعدها قرري عاوزة تكملي معايا ولا لا. بصوت قوي يحمل شموخ الأنثى بداخلها أجابته: يظهر إن سيادة المستشار ما وصلوش قراري مع إني أخدته في نفس اللحظة اللي بلغتني فيها بطلبك. بس هوضح لك تاني وياريت دي تكون آخر مرة. نطقتها بطريقة حادة فأغمض هو عينيه بمرارة لتستطرد هي بقوة:

سيادتك غلطت في العنوان، أنا لا بتجوز في السر ولا عمري هقبل بوضع العشيقة حتى لو كان لسيادة المستشار ابن علام باشا زين الدين صاحب المنصب الكبير والفلوس الكتير. رفعت قامتها لأعلى لتتابع بصوت يقطر قوة واعتزازًا بالنفس: أنا واحدة حرة، أبويا غلبان وعلى قد حاله آه، بس رباني صح، ولسة ما اتخلقش اللي يخليني أستخبى ورا حتة ورقة زي الحرامية وأروح أقابله في الشقق المفروشة وأنا بتلفت حواليا زي اللي عاملة عاملة وخايفة لانكشف.

رمى رأسه على خلفية المقعد وكل كلمة تنطق بها تمزق قلبه إربًا. شعر ببشاعة خطأه وجرمه العظيم بحق تلك الأبية. نهر حاله: لم يضعها بتلك الاختبارات مجددًا. ألم يكتفِ برفضها لهديته الثمينة بالمرة الأولى؟ لما استجاب لعقله وجنّب قلبه الذي أنذره وحذره كثيرًا من القدوم على تلك الخطوة غير المحسوبة؟

وبالأخير صدق حدسه وظهرت أصالة تلك الجوهرة الثمينة، لكنه الآن أمام معضلة كبيرة. نعم، تأكد من طهارتها وعفة تفكيرها وبأنها مهرة أصيلة لن تتكرر، لكن هل ستغفر له ذلته تلك؟ أخرج صوته النادم ليقول بنبرة انهزامية: أنا آسف يا حبيبي، ما كنتش أتمنى أبدًا إني أوصلك للشعور المميت ده، أرجوك حاولي تسمعيني وأنا هشرح لك كل حاجة، هقول لك أسبابي لطلبي ده واللي متأكد إنك هتعذريني فيها.

استمعت لكلماته بقلب مغلق يغلي بل يفور من غضبه لتقاطعه قائلة بنبرة أنثى حطم كبرياءها تحت قدمي من كانت تتوسم به خيرًا بل كانت تتأمل بحياة جديدة تحيا بالأمن والأمان تحت كنفه: اللي عندي قلته، ومهما قولت من مبررات تأكد إنها هتكون تافهة بالنسبة لشعور الذل والمهانة والانكسار اللي حسيت بيهم من كلامك. لتتحول نبرتها لغاضبة مسترسلة:

بس لا عاش ولا كان ولا لسة اتخلق اللي يقدر يكسرني. اسمع يا باشا، واعتبره آخر كلام عندي، لو حاولت تتصل بيا تاني بأي طريقة هضطر آسفة أبلغ أيمن الأباصيري بعرض جنابك عليا. واسترسلت بابتسامة ساخرة: ومن واقع معرفتي بسيادتك إنك ما بتحبش الفضايح، فمن الأحسن تبعد عن طريقي خالص لأني لا ضعيفة ولا قليلة، وصدقني هتشوف مني وش مش هيعجب ابن الأكابر.

بمجرد الانتهاء من كلماتها التهديدية أغلقت على الفور سماعة الهاتف ليعتصر عينيه ألمًا على تلك الغاضبة وما أوصلتها إليه كلماته المسمومة وعرضه المهين. أما هي فخرجت من مكتبها كالإعصار المدمر لتهتف بعينين حادتين وهيئة لا تبشر بخيرًا: أنا مش قايلة لك تستقبلي كل المكالمات وتردي عليهم بنفسك! حولتي لي المكالمة ليه! هبت الفتاة من مقعدها لتجيب بتلبك بعدما رأت ثورة غضبها: ده سيادة المستشار فؤاد علام.

إن شاء الله يكون حتى رئيس الجمهورية بنفسه. نطقتها بصياح جديد عليها لتتابع الفتاة توضيح تصرفها: يا أفندم أنا قولت له إنك مش فاضية بس هو أصر وقال لي إنه عاوزك في موضوع خاص بالقضية وإنك عارفة بمكالمته دي ومستنياها. رفعت سبابتها لتهتف بفحيح خرج من بين أسنانها: آخر مرة تتصرفي من دماغك ومن غير الرجوع ليا، إنت فاهمة؟ نطقت كلمتها بصرخ لتنطق الأخرى بإيجاب: حاضر، أنا آسفة.

رمقتها بنظرات نارية وكأنها تخرج شحنة غضبها بالفتاة. انطلقت عائدة لمكتبها من جديد وحاولت جاهدة إخماد حريق روحها الشاعلة ليباغتها استدعاء أيمن لها عبر الهاتف لتهرول إليه سريعًا وهي تقول بنبرة جاهدت لتخرج منها رصينة: أفندم يا باشمهندس. صوتك عالي ليه يا إيثار، فيه حاجة حصلت؟ لم تجد كلمات مناسبة للرد فتلعثمت وهي تقول بعيني زائغة هنا وهناك:

أنا آسفة لو أزعجت حضرتك يا أفندم، أصلي كنت بتكلم مع هانيا واتنرفزت وصوتي علي غصب عني. أومأ بإيجاب ليسألها بعدما تمعن بمقلتيها: مالك؟ إنت مش بطبيعتك النهاردة. ابتلعت غصة مريرة لتجيبه بصوت خافت: مفيش حاجة يا باشمهندس، شوية إرهاق مش أكتر. هز رأسه بهدوء ليبتسم قائلًا: لارا متغيرة كتير بعد زيارتها ليك، دي حتى طلبت من أحمد يحجز لها ميعاد مع الدكتور وبدأت متابعة معاه. ابتسمت له ليقول بامتنان:

أنا عارف إن اللي حصل ده بفضل كلامك معاها، شكرًا يا إيثار. قال الأخيرة بكثير من العرفان لتجيبه مبتسمة: مفيش شكر بينا يا باشمهندس، لارا زي أختي بالظبط، ولو فيه حد يستحق الشكر فهو حضرتك وعيلتك اللي احتوتوني أنا وابني واعتبرتوني واحدة منكم. رفع حاجبه ليجيبها باستنكار: هنبدأ بقى في الكلام البايخ؟ يلا شوفي شغلك وما تنسيش تبعتي ملف الصفقة الأخيرة لمدير الحسابات. حاضر يا أفندم.

قالتها بهدوء لتلتفت وقبل أن تصل إلى الباب استمعت لصوته مناديًا عليها: إيثار. التفتت تتمعن النظر إليه ليقول بذات مغزى بعدما تيقن أنها تواجه ألمًا نفسيًا: مفيش حاجة في الدنيا تستاهل زعلك يا بنتي، وتأكدي إن مفيش مخلوق يقدر يأذيك طول ما أنا في ظهرك وطول ما أنت واقفة لهم بالمرصاد. نطق كلماته قاصدًا بها عائلة طليقها اعتقادًا منه أنهم سبب تلك الحالة لتبتسم له وهي تقول بامتنان: ربنا يخليك ليا. أومأ لها ليطمئنها

وبعدها نطق بممازحة: اتصلي بالبوفيه. خليهم يعملوا لي فنجان قهوة يظبط لي مزاجي اللي صوت صراخك العالي عكرهولي. ضحكت رغما عنها لتعود لمكتبها تباشر أعمالها بعدما طلبت من البوفيه عمل القهوة لرب عملها. داخل منزل والد نسرين زوجة عزيز.

كانت تجلس فوق الأريكة بانتظار والدتها التي ولجت لحجرة نومها كي تجلب لها المال التي بعثت به سمية وبالمرة ترتدي ثياب الخروج كي تذهب بصحبة ابنتها إلى المركز لشراء بعض قطع المصوغات الذهبية. خرجت شقيقتها الصغرى من المطبخ للتو لتقول بنبرة مستاءة بعدما جاورتها الجلوس: اللي اسمها سمية دي دمها تقيل بشكل. هتفت الأخرى مستفهمة: ليه يا بت يا آلاء؟ قالت لك إيه العقربة دي؟ ردت الفتاة باستياء: قالت لي قولي لأختك تصرفيهم على صحتك.

احتدت ملامحها لتنطق بحقد دفين: بنت الـ... ماشي يا سمية أنا هوريك. عبست ملامح شقيقتها لتهتف باستنكار: يا بااااي! تحسيها بني آدمة جعانة، أنا مش عارفة عمرو ابن الحاج نصر بجلالة قدره اتجوزها إزاي الشرشوحة دي. المفروض تقضي باقية عمرها وهي بتدعي لي لولا وقفتي معاها، عمرها ما كانت تحلم تدخل بيت سيادة النائب خدامة. نطقتها بغل لتلج إليهما والدتها التي ألقت بالمال داخل حجرها وهي تقول:

خدي الفلوس عديها واتأكدي إنها مش ناقصة على ما ألف الطرحة. أمسكت بالكيس الأسود لتنظر له باشمئزاز قائلة: حطاهم في كيس أسود المعفنة. رمقتها شقيقتها باستنكار: أمال عوزاها تحطهم لك في كيس هدايا؟ ولج شقيقها الأوحد علاء أثناء عدها للنقود فوقف ينظر لها بعينين زائغة ليسألها بصوت مرتاب: إنت جايبة الفلوس دي كلها منين يا نسرين؟ من عند الله يا علاء. قالتها وهي تدس المال داخل حقيبة يدها الخاصة ليجلس بجوارها وهو يقول:

بقول لك إيه، ما تسلفيني الفلوس دي أسافر بيهم إيطاليا وأول ما الدنيا تلعب معايا هبعتهم لك وأكتر كمان. قربت الحقيبة من صدرها لتحتضنها بقوة وهي تقول برفض تام: لا يا حبيبي لا، عاوزة منك أكتر ولا أقل، دول شقى عمري كله، عاوزني أديهم لك وأقعد أشحت؟ التصق بشقيقته محاولًا إقناعها:

يا بنتي اسمعي الكلام، كل اللي راح إيطاليا عيشته اتبدلت، وأديكي شايفة جلال ابن خالتك إحسان جارتنا غير حالة أهله إزاي، وبعد ما كانوا مش لاقيين الرغيف الحاف بقوا يشتروا أرض وهدوا بيتهم وبنوه من جديد. زفرت بضيق لتقول بنبرة باردة لغلق النقاش بالموضوع بشكل نهائي: بقول لك إيه يا علاء، انزل من على نفوخي وريح نفسك علشان لو إيه اللي حصل الفلوس دي مش هدي منها مليم لمخلوق. تحدثت آلاء إلى شقيقها بنبرة لائمة:

هو أنت لسه حاطط موضوع السفر في دماغك برضه يا علاء؟ ومش هرتاح غير لما أسافر. نطقها الفتى صاحب الأعوام الأربع وعشرون لتجيبه شقيقته: مش أبوك قال لك تنسى حكاية السفر دي وتطلعها من دماغك؟ واستطردت بنبرة متأثرة: أبوك وحداني وأنا وأمك وأختك مالناش راجل غيرك، لو سافرت هتسيبنا لمين؟ ده أنت ظهر أبوك والحيطة اللي أمك مسنودة عليها. نطق الفتى بنبرة منكسرة ساخطة على الظروف المحيطة به:

حيطة مايلة وظهر كسره الفقر يا بنت أبويا، خليني أسافر وأجرب حظي يمكن الدنيا تضحك لي زي ما ضحكت لغيري. قالت نسرين ناصحة لأخيها: هو لازم يعني السفر؟ روح مصر اشتغل هناك والدنيا تضحك لك. لتسترسل بعينين حاقدة: ما عندك العقربة أخت جوزي اللي اسمها إيثار خدت ابنها وهجت على مصر ومسافة كام سنة بقى عندها الشقة التمليك والعربية. قطع حديثهم صوت والدتها التي هتفت من الخارج دون أن تعلم بوجود نجلها:

هتاخدي الغوايش الأولانيين تغيريهم ولا هتجيبي جديد بس المرة دي يا نسرين؟ اتسعت عيني شقيقها وسال لعابه بعد ما استمع إلى حديث والدته لتهتف وهي تنظر لذاك الذي لا يعلم شيئًا عن تلك الأموال التي تلقتها من سمية لا هو ولا أبيها حيث ظل السر بين المرأة وابنتيها لخطورة انتشاره: كلام إيه اللي بتقوليه يا ماما؟ هبت من جلوسها لتخرج وهي تجذبها من ذراعها وتقول: يلا هنتأخر. ارتبكت المرأة بعدما رأت نجلها الذي خرج من الغرفة

لتقول بارتباك ظهر بهيئتها: إنت جيت إمتى يا علاء؟ من شوية يا أما. قالها ليتحرك لغرفته لتهتف نسرين ناهرة والدتها: يعني كان لازم تنسحبي من لسانك قدام الولا يا أما؟ أشارت بكفها وهي تقول بلامبالاة: وأنا إش عرفني إنه هنا؟ تحركتا للأمام وهي توصي نجلتها: خلي بالك من البيت على ما نرجع يا آلاء.

أومأت الفتاة بطاعة وبعد مرور حوالي الثلاث ساعات عادت الأم لحالها حيث عادت نسرين على منزل زوجها كي لا يشعر أحد على غيابها الكثير. وقفت الأم أمام خزانة الملابس لتخرج علبة كبيرة من تحت طيات الملابس الخاصة بها وتضع بداخلها المصوغات التي ابتاعتها نسرين لتتنهد الأم براحة واطمئنان على مستقبل نجلتها غير عابئة بمصدر الأموال وما إذا كان مصدرًا حلالًا أم حرامًا. أغلقت العلبة غافلة عن كلتا العينين التي تراقبها عن كثب من خلف الباب.

بعد مرور خمسة أيام لم يستطع بهم الوصول إليها برغم محاولاته العديدة والمتكررة. كان يجلس بغرفته يتوسط فراشه ممسكًا بسيجارة ينفث بها بشراهة لتدخل فريال بعدما دقت فوق الباب للاستئذان. جحظت عيناها بذهول مما رأته فقد كان دخان السجائر كثيفًا ومعبئًا الغرفة العاتمة لغلق ستائرها السوداء لتهتف بصوت مرتع: إيه اللي إنت عامله في نفسك ده يا فؤاد؟ تحركت صوب الستائر استعدادًا لفتحها ليهتف الآخر محذرًا:

سيبي الستاير مقفولة واطلعي بره يا فريال. هتفت بنبرة قوية وهي تشرع بفتح الستائر ليظهر نور شعاع الشمس الساطع على زجاج الشرفة ليهب منتفضًا ليصل إليها بجلبة واحدة وهتف صارخًا بحدة وهو يجذب الستارة منها ويغلقها من جديد: قولت لك سيبيها واخرجي، إنت إيه ما بتفهميش؟ ذهلت من حدة شقيقها معها لتهتف متجنبة إهانتها وهي تقول بعناد: مش هسيبك قبل ما تقول لي مالك وعامل في نفسك كده ليه! وإنت مالك!

نطقها بصياح غاضب ليسترسل مزمجرًا وهو يرمقها بعينين تطلق شررًا: حاشرة نفسك في حياتي ليه؟ حملقت به لتهتف بحدة غاضبة من حديثه: أنا أختك وخايفة عليك. زمجر صائحًا باعتراض بوجه عابس على وشك الانفجار: أختي مش أمي، حتى أمي مالهاش الحق في إنها تتدخل في حياتي بالشكل الحشري ده. وأشار بيده نحوها رامقًا إياها بازدراء أحزن قلبها: روحي اشغلي نفسك بجوزك بعيد عني. واستطرد بحدة:

ولو قاتلك الفراغ قوي كده لدرجة إنك جاية تشغلي وقتك بيا، فاتفضلي شوفي لك حاجة تسليكي غيري، اطلعي اشتغلي ولا روحي اقضي وقت مع صاحباتك في النادي، المهم تحلي عني وتحطي حدود في التعامل بينا لأني مش هقبل تدخلك في حياتي أكتر من كده. اتسعت عيناها بصدمة لتقول وهي تشير بذهول على نفسها: إنت بتقول لي أنا الكلام ده يا فؤاد! رمقها بقوة ليهتف متهكمًا: هو فيه حد هنا غيرك!

صدمة ألجمت لسانها لتشله لأول مرة يتحدث معها شقيقها المهذب بتلك الطريقة المهينة. ظل يتبادلان النظرات هي بمصدومة وهو بسخط إلى أن قطع صمتهما دخول عصمت التي هتفت بارتياب ظهر بصوتها المرتعب: فيه إيه! صوتكم جايب آخر الجنينة تحت، إيه اللي حصل! ليباغتها صياح ابنها الغاضب حيث انفجر ساخطًا وكأنه قرر إخراج كل ما يغضبه دفعة واحدة بوجهيهما: يا ريت يا دكتورة تفهمي بنتك إن ليها حدود معايا واللي مش هقبل بعد كده إنها تتخطاها.

واستطرد مشيرًا بأصبع يده للأسفل: وياريت تفهم إن الأوضة دي حدودي الشخصية وراحتي اللي مش هقبل من أي حد يقتحمها ويعدل على طريقة عيشتي فيها. التفتت لابنتها لتسألها باستغراب: عملتي إيه لأخوك نرفزته بالطريقة دي! اتسع بؤبؤ عينيها لتقول وهي تهز رأسها بدموع وانهيار من عدم استيعابها لما يحدث: والله ما عملت له حاجة يا ماما. هتف بصوت صارخ وكأنه يريد التخلص من كل ما يؤلم قلبه عن طريق تلك الصرخات: بتبلي عليك أنا صح؟

مجنون بقى تقولي إيه! اتسعت عيني عصمت على مصراعيهما لتنطق علها تستطيع تهدئة ذاك الثائر: اهدى يا فؤاد وفهمني من غير صراخ. ما زالت عيناه تقطر غضبًا فأشاح بكفيه ليهتف ناهيًا: الهانم داخلة تعدل عليا، فكراني مراهق ابن الـ16 وجاية تعلمني الأدب. لم تستوعب شيئًا من حديثه لتنظر لابنتها تستعلم منها عن ما حدث لتجيبها بكلمات متقطعة بسبب شهقاتها حيث لم تستطع كبح دموعها لتنهمر بغزارة متأثرة بحديثه المهين:

كل اللي عملته إني فتحت الستاير علشان تهوي الأوضة لما لقيتها مكتومة من ريحة السجاير والدخان اللي ماليها. احتدت ملامحه وامتلأت بالقسوة وهو يصرخ عاليًا: وتفتحي الستاير ليه! وإيه اللي يدخلك أوضتي من أصله! أنا عمري اتدخلت في حياتك ولا قربت من أي حاجة تخصك؟ واستطرد ناهراً بحدة: زي ما بحترم خصوصيتك ومحترم حدودي، ف أنتِ مجبرة إنك تتعاملي معايا بالمثل وما تتعديش حدودك معايا.

كانت تستمع لكلماته الناهرة وهي تهز رأسها بذهول، ماذا يحدث ومن هذا بحق الله؟ أهذا هو شقيقها ذاته، نفس الشخص الذي طالما غمرها بحبه وعطفه وما ترك مناسبة إلا وعبر لها من خلالها عن احترامه ومدى قدرها لديه! تألمت عصمت لرؤية صغيرها العاقل بكل هذا الغضب الأقرب للجنون، أشارت لابنتها بعينيها لتخرج فريال بعدما رمقت شقيقها بنظرات تحمل الكثير من اللوم، لتتنهد الأم وهي تقول في محاولة منها لتهدئة روعه:

أنا هتكلم مع فريال وأخليها تبعد عن أي حاجة تخصك بعد كده. تطلعت عليه ثم تحركت للخارج بخطوات ثابتة دون التفوه بكلمة واحدة، وما أن أغلق الباب حتى وضع كفيه فوق شعر رأسه ليجذبه بقوة ويدور حول نفسه كالأسد الحبيس، يجذب خصلات شعره بعصبية مفرطة تنم عن مدى وصوله لقمة الغضب. بعد منتصف الليل

تسحب علاء إلى غرفة والديه بعدما تأكد من دخولهما في سبات عميق، تحرك على أطراف أصابعه وفتح خزانة الثياب ليسحب العلبة التي تحمل المصوغات الخاصة بشقيقته، ويخرج سريعاً ويغلق خلفه الباب من جديد بهدوء دون أن يشعر عليه أحد، اتجه مباشرة لغرفته ليتطلع على حقيبة ثيابه بعدما جمع بها كل ما يخصه استعداداً للهجرة، وذلك بعدما ذهب لأحد الرجال المختصين بأمر الهجرة غير الشرعية وأبرم معه اتفاقاً بحجز مكان بالسفينة المهاجرة فجراً مقابل المصوغات الذهبية، فتح علبة المصوغات

ونظر داخلها بشراهة ليقول: أنتِ اللي بدأتي لما رفضتي تديني جزء من الدهب أصرف بيه نفسي، اديني خدتهم كلهم يا نسرين. أغلق العلبة ليضعها سريعاً داخل الحقيبة وأحكم غلقها، ثم حملها بذراعه ليهرول على عجالة تاركاً المنزل ليهرب من البلد بل والدولة بأكملها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...