أنا حبيت مرة قبل كده أو يمكن أنا إللي كنت معتقدة كده. كانت العلاقة دي من النوع إللي مستحيل تكررها في حياتك تاني. من النوع إللي يخليك تهرب منها وتنفد بجلدك. أنا عندي أب، بس هو كان أقل ما يقال عنه إنه وَحش بالنسبة لأي حد. كان بيقتل أي حد بيقف في طريقه من غير رحمة. فبالتالي اضطريت أهرب من كل ده. وعشان كده جيت على القاهرة، آخر مكان ممكن يدور عليا فيه.
لأنها معروفة بزحمتها، ده غير إنها من أكبر المدن ف مصر، فأكيد مستحيل يلاقيني هنا. لحسن حظي عرفت أتواصل مع صديقة ليا هنا من عيلة المحجوب المعروفة. هي مخطوبة لابن عمها بهاء محجوب وبتحبه جدا. واتكلمنا بوضوح عن نيتهم ناحية والدي، وإنهم حريصين منه ومش هيأذوني. وكمان اتأكدت مني إني مش جايه أأذيهم، أنا بس كنت عاوزة أهرب من كل إللي فات ده. وعامةً أنا مدينة ليها بحاجات كتير أوي، لإنها هي إللي ساعدتني أهرب من والدي.
كانت واقفة قصاد مكتب السكرتيرة بتاعت الكلية إللي هتتعين فيها وشنطة هدومها ف إيديها. ولسوء حظها وصلت متأخرة يوم عن الميعاد إللي كانت محدداه. بسبب إنها كانت بتحاول تهرب من والدها ومن كل الأماكن إللي كان رجّالته بيجروا وراها فيها. لحد ما عرفت تركب ف أقرب ميعاد للقطر إللي رايح القاهرة. بعدها أخدت تاكسي من قدام المحطة لحد الكلية عشان توصل بدري قبل ما المحاضرات تبدأ. وكل ده بفضل الفلوس إللي أروى محجوب إدتهالها.
في مكتب السكرتيرة: السكرتيرة بتبصلها من فوق لتحت. آيه للسكرتيرة وهى متابعة نظراتها ليها: لو سمحتي ممكن أسيب الشنطة دي عندك النهارده لحد ما المحاضرات تخلص؟ بصت بقرف على شنطتها إللي حطاها جمبها على الأرض. السكرتيرة وهى رافعة حاجبها: ماشي، بس لو سبتيها هنا أكتر من كده أنا هعرف أتعامل معاها. آيه بامتنان: شكراً. حطتها في ركن في أوضة المكتب ولفّت عشان تبص للسكرتيرة ولسه هتتكلم. السكرتيرة وهي بتقاطعها:
إنتي هتكوني المساعدة بتاعة دكتور أدهم الشرقاوي السنة دي والكتب دي. (بتشاور على كوم الكتب إللي موجودين على المكتب إللي قدامها) هتوديها لقاعة المحاضرات عشان مهمين جداً لطلبة سنة رابعة. آيه بإستفسار: معلش، بس أنا لحد علمي المفروض أكون المساعدة بتاعة دكتور فتحي دكتور الأدب؟! السكرتيرة: هو فعلاً كان المفروض تبقي المساعدة بتاعته، بس دكتور فتحي اختار طالب من طلابه يساعده بدالك.
فإنتي اتنقلتي لدكتور أدهم الشرقاوي دكتور التاريخ والحضارة. آيه اتضايقت لمجرد ذكر اسم المادة نظراً لإن والدها كان تاجر آثار. وقالت في سرها: يعني أنا هربت من كل ده عشان أتدبس ف الحاجات دي، لا وأسمع عنها كل يوم. قطع تفكيرها صوت السكرتيرة. السكرتيرة باستغراب: هو في مشكلة؟ آيه بضيق مكتوم: عموماً، ده مكنش اختياري من البداية. السكرتيرة بسخرية: بصي بقا، هو راجل عجوز ومكحكح وبيّهتم بأدق التفاصيل.
يعني لازم تكون قاعة المحاضرات منظمة جداً ومترتب فيها كل حاجة وكاملة برده. ولمصلحتك، ودّي له الكتب دي لحد عنده ف القاعة قبل ما الطلبة يجوا. آيه بصت بضيق وتأفف للكتب الضخمة التقيلة. الوقت كان قصير جداً قدامها فكان لازم تتصرف وتشيلهم كلهم بسرعة عشان تلحق. شالت الشنطة إللي كانت لابساها على ضهرها وحطت فيها نص الكتب وبعد كده لبستها تاني. وأخدت باقي الكتب بين دراعاتها وخرجت من مكتب السكرتيرة.
ولحسن حظها ممر الكلية كان فاضي، مكنش فيه غير طلبة قليلين هما إللي ماشيين وكانوا بيوسعولها الطريق. وكل إللي كانت بتقوله "شكراً" لحد أما وصلت قدام القاعة. في طالب فتحلها الباب وشكرته ودخلت القاعة. في القاعة: دراعها وضهرها كانوا بيوجعوها جداً بسبب الكتب إللي شايلها. كانوا حِمل تقيل عليها. كملت طريقها للمكتب جوه لحد ما خبطت ف حد هي ماشافتهوش والكتب إللي كانت في إيديها كلها وقعت حواليها.
صرخت بفزع وغمضت عينيها وكانت بتحاول تحمي نفسها بإن مافيش كتب تيجي عليها. وف نفس الوقت في دراع قوية شدتها ناحية صدر صلب وضمتها جامد. فضلت مركزة مع صوت الكتب وهي بتقع على الأرض لحد ما سمعت صوت آخر كتاب وهو بيقع. قررت إنها تفتح عينيها. ولما فتحتها لقت كتاب مفتوح قدامها ف مستوى نظرها واقع على كتف الشخص إللي ماسكها. استنت ثانية لحد ما نفسها ينتظم وتهدى. ولاحظت ريحة الشخص إللي معاها، كانت ريحته جميلة وجذابة.
حست إحساس غريب بسبب قربهم الغريب ده. إحساس ماينفعش تحس بيه أبداً. بعدت عنه ورفعت راسها شوية عشان تشوف مين ده. كان شاب ثلاثيني، أقل ما يقال عنه وسيم. سادت لحظة صمت وتأمل من كلا الطرفين. كان شعره أسود وعينيه لونها سماوي. كانت تايهة ف عينيه إللي كانت بتبصلها في نفس الوقت. فاقت من إللي هي فيه واتوترت جداً ومش عارفة تقول إيه. وبتّعض ف شفايفها من التوتر.
وعينه كانت متابعة الحركة دي وبعد كده رجع بص في عينيها تاني واتكلم بقلق. إنتي كويسة؟ آية بتوتر: أنا آسفة، أنا ماكنتش شايفة حضرتك. كنت بحاول إني أوصل الكتب إللي المكتب باعتاها للدكتور قبل ما الطلبة يوصلوا. افتكرت آية ف اللحظة دي تحذير السكرتيرة ليها عن الدكتور إنه منظم وقاسي. وده بالنسبالها مش هيبقى إنطباع كويس عنها ف أول يوم شغل ليها لو الدكتور جه ولقى الكتب واقعة على الأرض. بدأت تشيل الكتب من على الأرض.
الشاب شال الكتاب من على كتفه ونزل ف نفس مستواها ع الأرض عشان يساعدها. آية خطفت نظرة ليه بطرف عينيها. وف اللحظة دي اتقابلت نظراتهم وإبتسملها. وشها احمر جداً من الكسوف وبصت ف الأرض. الشاب بإستفسار وهو بيشيل الكتب من على الأرض: إسمك إيه؟ ردت وهى مشغولة بالكتب: إسمى آية. الشاب: هو إنتي طالبة هنا؟ آيه بقلق: لا، أنا المساعدة الجديدة بتاعة دكتور أدهم الشرقاوي.
وده لإن دكتور فتحي لقى شخص يساعده وعشان كده الكلية نقلتني لدكتور أدهم. الشاب استغرب لإنه سألها سؤال واحد لقاها كروت الإجابة دي كلها. بس انتبه لتوترها وخوفها. الشاب ببساطة وهدوء: طب إنتي خايفة ليه كده؟ آيه: السكرتيرة حذرتني وقالتلي إنه عجوز ومكحكح، فعشان كده أنا خايفة إن الإنطباع الأولاني إللي هياخده عني هيكون وحش لو جه ولقى الكتب دي واقعة كده على الأرض. الشاب كان بيسمعها وضحك ضحكة خفيفة. آيه
بتعجب وهي ملاحظة حركته دي: ألا صحيح، هو حضرتك جاي بدري ليه؟ الشاب بإبتسامة كبيرة: أنا دايماً بحاول أوصل بدري عشان أجهز للمحاضرات. وعلى ما أعتقد مكتب المساعدة هناك ف الركن ده. خلينا نودي الكتب دي هناك. إبتسمتله بامتنان وشالت الكمية إللي كانت ف إيديها وحطتها على المكتب. ورجعت تاني لباقي الكتب إللي على الأرض. الشاب أخد الكمية إللي كانت معاه وحطها على المكتب ورجع للباقيين عشان يشيل آخر كمية. الشاب:
بس ماينفعش تصدقي إللي السكرتيرة بتقوله دايماً. هي بس بتحب تعمل مشاكل. يعني دكتور أدهم الشرقاوي مش وحش زي ما إنتي سمعتي. آيه بتوتر: مش هتفرق كتير، أنا بتمنى بس إنه ما يطردنيش من أول يوم ليا. أنا حقيقي محتاجة الوظيفة دي. الشاب بحيرة: ما تقلقيش، هو إنتي دايماً متوترة كده؟ آيه بإحراج: هو بس القطر كان وصل من شوية وكنت خايفة أبقى متأخرة لإن سفري إتأجل لوقت طويل.
حتى للأسف مكنش عندي الفرصة إني أروح البيت إللي المفروض هعيش فيه. فلأ مش دايماً متوترة، هو النهارده بس. مستغربش المرة دي من شرحها الطويل للسبب وده بسبب التوتر إللي هي فيه. وصلت إيديهم لنفس الكتاب وصوابعهم لمست بعضها. إتكسفت وسابت الكتاب بسرعة. ضافه الشاب للكتب إللي ف إيده والاتنين راحوا للمكتب وحطوا الكتب دي ومعاهم الكتب إللي في شنطة الظهر بتاعتها. آيه باستفسار وهي بتلف للشاب: صحيح، حضرتك ماقلتليش إسمك إيه؟
أنا آسفة نسيت أسألك بسبب الكتب دي. الشاب بابتسامة وهو بيبصلها: أنا أبقى..... قاطعهم دخول الطلبة للقاعة. الشاب كان مركز على الصفوف الأولى إللي باقت مليانة ولف لآية. الشاب بلطف: تقدري تبدأي توزعي الكتب دي بس حاولي ماتوقعيهمش تاني. آيه بإبتسامة هادية: هو مش أنا لازم أستنى دكتور أدهم لما ييجي عشان يقولي أعمل إيه؟ الشاب بإستفسار وهو بيشاور على الكتب: مش الكتب دي لسنة رابعة برده؟ هزت راسها. الشاب وهو بيكمل:
ودول سنة رابعة لأنهم أول محاضرة النهاردة. آية: تمام. أخدت كمية بسيطة من الكتب ووزعتها على الطلبة إللي قاعدين ف الصفوف. في طلبة كتير ابتسمولها وفي إللي قالولها "صباح الخير" وأخدوا كتبهم. وفي إللي بصولها بضيق كأنها هي السبب في إنها بتزود عليهم الحِمل ف المذاكرة. وهي بتوزع آخر كمية من الكتب كانت فوق ف القاعة على اليمين سمعت صوت بنت بتقول "صباح الخير يا دكتور أدهم". آية بصت وراها عشان تشوف الدكتور مالقتش حد.
ولفت انتباهها الشاب إللي كانت واقفة معاه كان واقف حواليه بنات كتير. عقدت حواجبها بعدم فهم وقعدت تفكر هو بيشتغل إيه عشان البنات دول يقفوا معاه كده. بس بررت إنه ممكن يكون شغال معاها مساعد برده لدكتور أدهم. ركزت ف توزيع باقي الكتب للطلاب إللي قدامها. طالب منهم قالها: ازيك، إسمك إيه؟ ردت بهدوء: آية. في نفس الوقت سمعت حد بينادي على دكتور أدهم تاني ولفت عشان تشوف مين.
كانت بنت رافعة إيديها وبتقول "دكتور أدهم أنا عندي سؤال قبل ما حضرتك تبدأ المحاضرة." آية لاحظت إن الشاب إللي كان واقف معاها بص للبنت وساب البنات إللي حواليه وراح ناحية البنت دي وقال: إتفضلي أنا معاكي. إتصدمت جدا وفضلت واقفة شوية مش مستوعبة وبتبص لدكتور أدهم والبنت إللي بتسأله وهو بيجاوب على كل أسئلتها بذكاء وبيشرحلها. فاقت من صدمتها ولسه بتلف عشان تمشي وتنزل من المدرج.
فقدت التوازن بسبب إن في حد حط قدم رجله قدامها فاتكعبلت ووقعت على الأرض. وكان الطالب إللي بتتكلم معاه من شوية هو اللي عمل الحركة دي. الطالب بضحك: مش تحاسبي. البنت إللي جمبه بعصبية: إسكت يا أحمد إنت اللي حطيت رجلك قصدًا عشان توقعها. آية إتحرجت جدا من الموقف إللي حصل ده وجت تقوم من على الأرض لقت دكتور أدهم بيبصلها ورافع حاجبه بضيق. وقالت لنفسها: دي كملت، أكيد شافني وأنا بقع على الأرض.
هو اليوم باين من أوله، ياترى هيطردني ولا هيخليني أستقيل ولا هيعمل إيه؟ ماهو مش طبيعي يسيبني بعد الشوشرة إللي حصلت قدام الطلبة كلهم. لا وكمان قلت عنه عجوز ومكحكح!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!