هذا الصوت .. يعرفه قلبه جيدًا، هذا الصوت لو وُضع بين آلاف الأصوات لا يمكن أن يخطئه قلبه. لكن كيف؟! هل هي حقًا..!! طال سكوته وعزوفه، لكن كان الضجيج بقلبه على أشده. قلبه الذي تقاذفت نبضاته بشكل جنوني. أخرجه من دوامته صوتها الذي جعله يغمض جفنيه ويشدد عليهما بقوة. الصوت الذي هرب منه بعدما مال قلبه وأصبح يشكل خطرًا عليه وعلى مبادئه. الصوت الذي كان يطارده في أحلامه وبكل مكان. ابتسمت قدر بخفة، فهي تعلم سبب حالته وصدمته،
وقالت بهدوء: -ليه عايز تحميني.. وأهرب معاك من هنا بأي صفة؟ استدار للجهة الأخرى يهرب منها ومن نفسه ومن المشاعر التي تتخم بها قلبه، ولا سبيل لتثبيط نبضه المجنون. كتم صراخًا كاد أن يتفلت من بين حناجره. أخشى عليكِ من نسمات الهواء الشديدة، لا أطيق أن أراكِ تؤذين. سيلان من الغضب الذي لم أختبره بحياتي يسري بدمائي لأجلك. مشاعري وقلبي أصبحوا يجأرون بكِ. إلى هذا الحد يكفي.
لن ينجرف مع مشاعره تحت إطار الشيطان، ولن يواري بذرة العشق التي ترعرعت بقلبه منذ عامين. هو يستحق أن يحيا ويُغدق بالعشق، يستحق أن يحيا تلك المغامرة وهذه الحياة. التفت يقول، غاضًا بصره: -ممكن أقولك علشان دا واجب أي دكتور عنده ضمير وبيخاف رب العالمين. أظن أنتِ مش مريضة ولا وصلتي للحالة إللي بتتظاهري إنك عليها يا قدر. أما بالنسبة للقسم التاني من سؤالك، تهربي معايا من هنا بأي صفة. ممكن بصفتك مراتي.. نتجوز يا قدر.
لو وافقتي النهاردة من هيعدي ألا ما تكوني على اسمي. ووعد مني إن محدش هيقدر يأذيكِ ولا يطول شعره منك، وهحارب الدنيا دي كلها علشانك. لما تبقى مراتي ساعتها ولا المستشفى ولا أي مخلوق يقدر يقف قدامنا. اسمحيلي أفهم إيه إللي حصلك وإيه إللي بيحصل. أنا شوفت الحقير إللي جه هنا امبارح وكان بيهددك وإللي عايز يتخلص منك، دا شخص مريض لأبعد الحدود.
أمر أنهم يعطوكِ علاج بيعمل هلاوس وبيسبب الجنون وهيسلمك بكل سهولة للموت، والكل هنا مُجبر إن ينفذ أوامره. وافقي نتجوز علشان مفيش أي حدود تمنعنا ويكون بيني وبينك حواجز. وافقي علشان أعرف أنتِ مين. ظلت على حالتها الهادئة، وهاجم ذاكرتها ومضات ماضية منذ عامين. فابتسمت وهتفت بغموض: -متأكد إن قرار الجواز ده غرضه حماية وبس يا دكتور ولا وراه قصة تانية وغرض آخر؟ تذبذب قلبه للوهلة الأولى، فهل استشعرت ما يكنّه قلبه لها؟
وقبل أن يبرر، قاطعه صوتها تقول بنبرة غريبة: -النار دي ناري لوحدي وبس ومش هسمح لحد يتحرق فيها. أنت قولت بلسانك محدش قادر يقف قدامه.. يبقى ليه تأذي حياتك وتأذي مستقبلك؟ وأكيد عندك أحبابك إللي محتاجينك وبيخافوا عليك. ابتسم بمرارة، فعن أي أحباب تتحدث! ألا تعلم أنه فريسة الوحدة؟ تخشب جسده قبل أن يجيبها، حين استقامت وسارت حتى وقفت أمام النافذة الدائرية الصغيرة ونظرت للظلام المعتم بالخارج.
كانت تواليه ظهرها، فرفعت كفها تضعه فوق قلبها، ثم أغمضت عينيها تشدد على جفنينها قائلة لحاجةٍ في نفسها: -بس دا ميمنعش إني موافقة على الجواز يا حامي الحمى. توسعت عينا قيس بصدمة وعدم استيعاب، تجاوزه سريعًا وهتف متسائلًا بنبرة حادة وقلب يتآكل: -مين إللي كان عندك بعد نص الليل.. وكان حاضنك وإزاي قدر يدخل لغاية هنا؟ التفتت له مبتسمة بحنين، ثم أجابت ببساطة ودون مراوغة أدهشته: -أخويا.. ياسين.
لن يُنكر تلك الراحة التي غمرته، والتي دلت عليها تنهيدة طويلة. لكن تلك التساؤلات التي تعجّ بعقله لم تهدأ بعد. شقيقها.. لكن قد أخبروه أنها لا أحد لها! ولماذا يتسلل شقيقها بهذه الهيئة للمشفى ويترك شقيقته في هذا الأمر؟ بينما هي، فـ يكفيها شعورها بالأمان الذي تسلل إليها لتُخبره بهذا السرّ الذي لا يعلم أحد عنه شيء. يعلم قيس أن الأمر ليس بهذه السهولة. إنها بمثابة أرض مجهولة وسيكون هو مكتشفها.
سيكشف اللثام عن المجهول كاملًا وسيجعلها تسكب بين ذراعيه آهاتها ودموعها. تنحنح قيس وأردف بحسم به بعض التحدي لهذه المشفى اللعينة: -بكرا.. هجيب المأذون معايا لهنا وهنكتب كتابنا. وخرج من الغرفة تاركًا قدر التي تقف أمام النافذة بصلابة وأعين شاردة بعيدًا. التفتت وسارت نحو الفراش، ثم جثت تنزع الغطاء. مدت يدها تسحب من وسط الوسادة الكبيرة من بين القطن شيئًا ما، أمسكته بلهفة مقررة ما ستفعله.
سواد الليل الجاثم على الأرجاء اختلط بهذا الغبار الدخاني الذي أخذ في التصاعد والتزايد، فالنار المشتعلة أخذت تلتهم كل ما يقابلها بسرعة البرق. نارٌ عاتية شديدة غاضبة أصبحت قاتمة من شدتها لم تُبقِ شيئًا. نارٌ أشعلتها وكان وقودها نار الانتقام، فأصبحت نار على نار. خرج هذا المجهول مستندًا على الشجرة يُشاهد ألسنة النيران الغاضبة والغبار الأسود يزيد من قتامة ثوب الليل.
نمت ابتسامة ظافرة فوق فمه وأعينه تمشط المكان المهجور أو لنقل السري. مجموعة كبيرة من مخازن عائلة البحيري التي يقطن بها ذخيرة عملهم ومستقبلهم قد أصبحت الآن رماد. مخازن أخفوها عن أعين الجميع في مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه ولا يعلم بأمره سوى القليل جدًا. استدار راحلًا بابتسامة واسعة تاركًا خلفه نيرانًا بأصوات مخيفة قد سترها الليل وموعدهم معها الصبح، أليس الصبح بقريب!
مع اقتراب خروج الصباح بميناء تتراص به السفن التجارية الضخمة، اقتربت سفينة مميزة تحمل اسم البحيري. ومع اقترابها، كان تقتحم قوة عسكرية من رتب خاصة الميناء، سيطرت على الجميع. ردد القائد سليمان وهو يشير نحو سفينة شركات البحيري: -الكل يبعد.. التفتيش والفحص من مسؤوليتنا. وقف الجميع على الرصيف الخاص برسو السفن تحت ترقب العاملين والضباط المسؤولين وتوترهم.
بعد مرور الكثير من الوقت ومع ظهور خيوط الصباح الأولى، صاح القائد بوجه مكفهر بينما أصبحت السفينة تلتف بالشرائط: -احجزوا على كل حاجة وفضوا المينا والبضايع دي تنقلوها للمخازن الخاصة بينا. عاد لمنزله في الصباح بعدما مرّ على غرفة قدر، فوجدها غارقة في ثبات عميق. أراد تبديل ملابسه للاستعداد لهذا اليوم المميز. مسح منزله الصغير المتواضع بنظرة حانية، هذا المنزل الذي عاشت به والدته حتى توفاها الله، منزل يحمل ذكرياتهم معًا.
يتذكر كيف دائمًا ما كان يقف بجانبها في مطبخها البسيط وهي تطهو وتصنع له كيك اليوسفي المفضل له، بينما مرحها وصوت ضحكاتهم يطوف بالمنزل. كان يعشق المطبخ على عشقها له ويحب مساعدتها. وقف بالمطبخ يصنع كوبًا من القهوة ليسترد نشاطه وتركيزه، وسرعان ما انتشرت رائحتها الرائعة بالأرجاء. سكبها بالكوب وجلس فوق أحد مقاعد تلك الطاولة المستطيلة البيضاء التي تتوسط المطبخ.
ابتسم بحنين وهو يتلمس كتبها القديمة التي معظمها عن علم النفس، والتي كانت تحرص أن تضعها بأحد أركان المطبخ، فقد كانت تفضل الجلوس وقت فراغها هنا وأمامها كوب قهوتها وبين يديها كتاب. لقد كانت بسيطة، جميلة، محبة للحياة، ومتفائلة تلون حياته بالألوان الزاهية والبهجة. لكن كل هذا انتهى برحيلها. وها هو يجلس بمكانها المفضل لكن بدونها.. وحيدًا كحالٍ دائمًا من بعدها.
عاد بذاكرته إلى هذا اليوم حين وقف والده يخبره بكل هدوء وهو يحزم أشياءه وملابسه برحيله. أردف ناصر والد قيس وهو يحمل حقيبته، بينما يقف طفل بعمر العشر سنوات يُنكس رأسه للأسفل. ثم رفع رأسه لتتبين أعينه المليئة بالدموع ويقول بحزن يمزق القلوب: -أنت كمان هتسيبني يا بابا.. طب أنا هفضل لوحدي إزاي.. هفضل هنا لوحدي.. طب خدني معاك وهبقى مؤدب. انحنى ناصر يقبض على كتف قيس يقبض عليه ثم أردف بقوة:
-أنت كبرت ومبقتش محتاج حد يا قيس، لازم تعتمد على نفسك. هيحصل إيه يعني لو فضلت لوحدك؟ المكان هنا آمن والجيران كويسين، مدرستك بينها وبين البيت شارع وكل حاجة موجودة في البيت.. شوف مصلحتك أنت مش محتاجني.. أنا لازم أسافر علشان أشتغل وعندي مسؤوليتي وكل فترة هاجي أشوفك.. يلا مع السلامة خد بالك من نفسك. وخرج ليبقى قيس طفل في العاشرة وحيدًا بمنزل شهد طفولته.
ظلّ ينظر من حوله بتيهة، ثم سار نحو فراش والدته يتكوم فوقه حتى ذهب في ثبات عميق. ومرت الأيام وأصبح قيس ملزومًا من نفسه. يستيقظ على منبه والدته صباحًا، يرتدي ملابسه ويذهب ركضًا إلى مدرسته بعدما يحتفظ بمفتاح المنزل بجيبه بعناية، ثم يعود للمنزل يُغلق الباب جيدًا ويقوم بصنع شطائر الجبن، ثم يصعد على مقعد صغير أمام حوض غسل الأواني يغسل الأطباق ويبدأ بمذاكرة دروسه.
وظل على هذا الحال حتى علم الشيخ رضوان بالأمر، فتولى هو وزوجته الاعتناء بقيس. ورغم هذا لم تُكسر وحدته، فمنذ أن أتم الخامسة عشر ووالده لم يأتي إليه حتى تلك المرات التي كان يكلف نفسه بها مرسلًا له النقود. خرج من تلك الذكريات التي تتلبسه ليمحو تلك الدمعة التي خانت جفونه وسقطت وهمس بمرارة: -الله يرحمك يا أمي ويرزقك الفردوس الأعلى. خرج من المنزل ثم طرق باب منزل الشيخ رضوان الذي أطلّ عليه ببشاشة، فابتسم
قيس بود وهو يقول بمرح: -صباح الفل على سعادة الشيخ رضوان والدي العزيز. ابتسم رضوان وهو يفسح له المجال قائلًا: -صباح الخيرات على دكتورنا الغالي.. ادخل أمك حليمة عاملة فطار معتبر. تنحنح قيس وقال بجدية: -بالهناء على قلوبكم يارب أنا شربت قهوة.. المهم أنا عايزك في حاجة مهمة يا شيخ رضوان وفي موضوع مهم عايز أكلمك فيها. أثار حديثه قلق رضوان الذي تساءل باضطراب: -خير يا قيس قلقتني.
-محتاج مأذون موثوق منه ضروري، ممكن نكلم الشيخ محسن المأذون. كان هذا الصباح في قصر البحيري يختلف بكل المقاييس. لقد انصبت المصائب فوق رؤوسهم صبًا. احتراق مخازنهم التي تحتوي على جميع شحنات عملهم. وقف جعفر يجأر بملامح متشرسة: -إزاي دا يحصل... بيتنا اتخرب... مين بيعمل معانا كدا... عزززززيزززز. أتى عزيز الذي كان يقوم ببعض المهاتفات بوجه منتفخ غضبًا ليصيح بجنون وشراسة:
-المسؤول عن إللي حصل مش هيكفيني فيه عمره، هخليه يتمنى الموت ولا يطوله. بقى شغلي إن أوصل للي بيعمل معانا كدا. اقترب جعفر منه يرمقه بشر ثم قال من بين أسنانه بوعيد وهو يطبق على تلابيبه: -٤٨ ساعة يا عزيز.. لو المسؤول عن إللي حصل مكانش قدامي هعتبرك المسؤول. ارتفع رنين هاتف عزيز، وعندما نظر لهذا الرقم أجاب على الفور ليأتي صوت إحدى الممرضات بمشفى السبيل تقول بهمس:
-عزيز باشا.. في حاجة مهمة عن الست قدر لازم تعرفها.. والدكتور الجديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!