الفصل 11 | من 31 فصل

رواية انجذاب الروح الفصل الحادي عشر 11 - بقلم زينب خالد

المشاهدات
19
كلمة
4,485
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

نظر يزن في عينيه، وأدرك أن ما سيقوله صعب للغاية، يصعب على الإنسان تحمله. حزن عليه وعلى روضة. دائمًا ما يعتبرها كأخته التي لم يرزق بها. دائمًا ما كانت تفض نزاعاتهم بعدما تشعر أنها تعبت منهم، وكان يحب أن يتغزل بها أمامه ليغيظه، وهي كانت ترحب به دائمًا في محاولة لإشعال غيرته عليها. شعرت رهف باضطراب من صمته الذي طال عن حده، وعينيه التي لم تحيد عن عيني مالك. تحدثت رهف بقلق استشعره هو على صديقتها: "ها، طمنا. أي سبب النزيف؟

أجاب وعيناه مازالت متصلة بمالك قائلاً بنبرة يملؤها الحزن: "للأسف، روضة كانت حامل في شهرين. بسبب ضغط الدم كان عالي جدًا، ضغط على الرحم لغاية ما البيبي مستحملش ونزيف زاد أكتر عندها لأن سيولة الدم كانت مرتفعة شوية. فقدت دم كتير، اضطرينا ننقلها دم عشان نقدر ننقذها لأنها كانت على حافة الهاوية. بس مش هتقدر تفوق حاليًا غير بعد يومين لأن أُديلها مفعول مسكنات قوية عشان الوجع، وهتروح دلوقتي على الأوضة."

شهقت رهف مما سمعته، لم تقدر على تحمل الصدمة أنها حدث لها كل هذا بمفردها. أما زهرة، هطلت دموعها بينما تدعو ربها بأن ينقذها مما هي قادمة عليه.

أما مالك، صعق مما عرفه. لو كان شعر بهاتفه وهو يرن، لكان ذهب وأنقذها لولا عدم تنبهه، لكان أنقذها في أسرع وقت. حدث هذا كله بسببه، لو استمع لهاتفه، لكان أنقذها في وقت باكر عن هذا. كان في عالم آخر، عالم هُدم فيه أحلامه وآماله، حيث هرب لعالم لم يجد به إلا سواها. شعر بانبضات قلبه تنخفض تدريجيًا والدوار يكاد يلتهمه، حتى أغمض عينيه وسحبه الظلام معه لمكان لا يوجد به إلا سواهم.

وقع مغشيًا عليه، حيث ارتفع صوت اصطدامه على الأرضية. جرى يزن عليه. أما زهرة هتفت بنبرة متحشرجة: "مالك.. مالك.. يا حبيبي يا ابني.. فوق عشان خاطري فوق." ظل يضرب بيديه على وجنتيه لعله يفيق، لكن لا استجابة. هتف بنبرة عالية: "دكتور... دكتور بسرعة." لم يستمع إليه أحد. هتفت زهرة باكية: "عشان خاطري، متبقاش أنت وهي." هتف يزن باضطراب وقلق على صديقه: "لازم أوديه أوضة بسرعة."

نهض بينما وضع ذراعه على كتفه حتى يستطيع حمله، لكن بسبب ثقل جسده لما يستطع. وضع يديه مرة أخرى وسحب ذراعه وضعه على رقبته، بينما اليد الأخرى تحاول من الخلف إسناد جسده للأمام حتى نهض بصعوبة. حمل كل جسده عليه وذهب به إلى أقرب غرفة تقابله. *** في الغرفة: كشف الطبيب عليه حتى انتهى، تحدث ليزن قائلًا بعملية: "اتعرض لانهيار عصبي. ساعتين ويفوق إن شاء الله."

شكره يزن حتى خرج من الغرفة. سحب يزن المقعد الموجود خلفه، وضعه بجانبه وجلس عليه. وضع رأسه بين يديه محاولًا التنفس. كل شيء حدث في ذات الوقت، لا يستطيع التحمل، من جانب روضة ومن جانب آخر مالك. رفع رأسه، ضم قبضتيه ببعضها حتى سند ذقنه عليها. كانت عيناه الزرقاء ليست صافية، لكنها تغيم عليها الحزن كسحاب حجب الشمس عن ضوئها. كانت ملامحه تغيم عليها الحزن، لا يعرف ما ردة فعله عندما يفيق. أنه نائم وملامحه مستكينة بشكل غير مريح للنفس، يخاف عليه بشدة ولا يعرف ما سيحدث، لكنه متأكد أن ردة فعله ستكون غير متوقعة بالمرة.

بعد ساعتين ونصف: بدأت ملامح وجهه منزعجة، كأنه يرى كابوسًا يود أن يستيقظ منه، لكنه لا يعرف أنه واقع عليه. تقبله. فتح عينيه ببطء، ضيق عينيه بسبب قوة الضوء. أغمض عينيه وفتحها، ظل يكررها حتى اعتاد. استنكر من وجوده في المشفى، متى أتى؟ حرك وجهه ناحية اليمين، وجد يزن يخفي وجهه بين قبضتي يديه. تأوه بخفة. كان جسده يؤلمه. أنصت يزن لتأوهه، رفع وجهه سريعًا حيث ارتسمت على شفتيه ابتسامة بسيطة مطمئنة، ثم قال:

"حمد الله على السلامة." عقد حاجبيه باستغراب حيث أجاب مالك: "اللي جابني هنا... تذكر ما حدث، كأن ذاكرته كانت تتعمد نسيان ما حدث، لكن تذكر، وياليته تذكر. نظر أمامه بشرود، تذكر ما حدث منذ عدة أيام عندما كانت تتمنى أن تحظى بطفل منه. حملت ابنته، لكن لم أحد يعرف. عرف أن الله له حكمة في هذا، كانت تتمنى بطفل، وبالفعل كانت تحمله، لكن إرادة الله تفوق أي شيء. قلق يزن من صمته الذي طال. كاد أن يتحدث حتى هتف مالك قائلًا

بنبرة عادية: "عايز أشوفها." أجاب عليه يزن بنبرة مضطربة: "مش هينفع تشوفها حاليًا." أردف مالك بنبرة باردة قاسية قليلاً: "لو مدخلتش هقلبلك المستشفى كلها. وبردوا هدخل. مش عشان بتاعتك يبقى تتحكم فيا وتقول أدخل أمتى وأخرج. فياريت تساعدني أدخل بالذوق، أو مش هتعرف هعمل إيه."

صُدم مما قاله، لكن نامت ابتسامة جاهد لابتسامتها، لكن عذره مما هو عليه، ومهما تحدث سيعذره. لذلك قام من مقعده، أخذ بيديه وسانده. يسير معه بخطوات بطيئة، نظرًا لقيام مجهود كبير بعد أن استيقظ. يشعر بأن جسده مجهد، لا يستطيع السير، لكن تحامل على نفسه حتى يستطيع رؤيتها. خرج الاثنان من الغرفة، حيث وجد يزن حازم يقف أمام الباب، يسند ظهره على الحائط الذي خلفه، كأن ينظر للأرض بلا هدف، حتى سمع صوت قفل الباب وخرجا الاثنان. ركض له،

حيث تحدث حازم بنبرة قلقة: "مالك.. اللي قومك لازم تستريح." أجاب مالك بنبرة جافة: "ياريت كل واحد منكم يخليه في حاله. أنا عارف بعمل إيه." وجه حديثه ليزن الواقف بجانبه، يهز رأسه بيأس: "وديني عندها."

أخذه يزن من يديه وتوجه به للغرفة حيث تمركز روضة. ساعده في تعقيمه حتى يستطيع الدخول. دخل معه للغرفة، وقف مالك كأن قدمه ثبتت على الأرض ولا يستطيع تحريكها. ترك يديه، ألقى عليه نظرة أخيرة وخرج، تاركًا يشارك زوجته محنتها، ثم أقفل الباب خلفه. في الخارج: كان جميعهم خارج الغرفة، تجلس زهرة على المقعد تدعو ربها بحمايتها، بجانبها رهف وملامح وجهها مرهقة. تقدم من حازم، تحدث يزن: "خد ماما ورهف وروحوا، لأن وجودكم ملهوش لازمة هنا."

أجاب عليه حازم: "هروحهم وأجيلك تاني." أومأ يزن برأسه قائلًا: "لا، روح أنت كمان. وأنا هبات هنا لأن القعدة هنا مش هتفيد بـ حاجة." ذهب لزهرة الجالسة تناجي ربها لحمايتهم، ركع على قدميه أمامها، ثم أمسك يديها بحنان قائلًا بنبرة حنونة: "قومي عشان حازم يوصلك معاه، عشان متتعبيش هنا." هزت رأسها نافية مجيبة بنبرة مليئة بالحزن: "لا، مش همشي من هنا من غيرهم. مقدرش وأنا مش هروح." أخرج تنهيدة متعبة، تحدث يزن محاولًا

استمالتها في استجابة طلبه: "عشان خاطري، دلوقتي هو معها جوة. أنت لازم تروحي وتاخدي علاجك وهخلي حازم يجيبك بكرة. أنا مش عارفة هتفوق إمتى لأن مفعول المسكنات قوية. عايزاكِ تجبلي لهم هدوم عشان مينفعش مالك يقعد كده من غير ما يغير هدومه على الأقل، ومحدش هيعرف يعمل كده غيرك. فعشان خاطري روحي مع حازم وهخليه يجيبك بكرة."

لم تجب عليه، وإنما حضنته بحنان الأمومة. لف يديها حولها، كأنه كان ينتظر هذا العناق في هذا الوقت. ابتعدا عن بعضهما، ثم نامت على وجهه ابتسامة مطمئنة، حيث تحدث: "متقلقيش. لو حصلت حاجة هكلمك." ربتت على كتفه بحنان، بينما نهض بجسده وساعدها بالنهوض. اتجه ناحيتهم، حيث تحدث يزن لحازم: "روحهم. هتعبك معايا معلش، بكرة تروح تجيب طنط من البيت على هنا." أجاب عليه بنبرة عاتبة: "عيب لما تقول كده. زي والدتي واللى عايزاه أعمله."

هتفت زهرة بامتنان حقيقي ونبرة شاكرة: "كتر خيرك يا ابني. ربنا يخليك لعيلتك وتبقي فرحتهم دايما."

أمن على دعائها وأخذ حازم رهف وزهرة، لكن بينما يسير حازم وزهرة تسند عليه، كانت تسير خلفهم. وقف لثوانٍ، لفت ظهرها له. أرسلت بعينيها نظرة مطمئنة، بينما ابتسمت له ابتسامة مشجعة. استقبل نظرتها بنظرة متعبة، حيث الحزن يملأها. ظل ينظر لها حتى سارت وذهبت من أمامه. أخرج تنهيدة قوية، لم يفسره النظرة التي ألقتها عليه، كأنها أنسته ما يعيشه ويحيطه من مصائب، كأن نظرتها أنسته تعبه بالكامل. نامت على وجهه ابتسامة لطيفة، الذي رحل معها، ونظرتها التي لم تغب عن باله.

*** في الغرفة:

فتح باب الغرفة ببطء، تقدم بقدمه بخطوات بطيئة قليلاً حتى أقفل الباب خلفه. وقف على بعد منها ولم يحاول الاقتراب. رآها وهي نائمة على الفراش وبيدها يعلق الكالون الخاص بالمحلول الذي يخترق يديها ليقوم بتغذيتها بعد فقد كثير من الدماء. وجهاز الموضوع بجانبها في الأعلى الذي يصدر صوت دليل على بقائها على قيد الحياة. صوت الجهاز هو الذي يسيطر على حالة الغرفة الذي يدل على انتظامه. ظل واقفًا في مكانه حتى قرر أن يتقدم لها. حاول السير

بقدمه بخطوات بطيئة وعيناه لم تزح عن وجهها وتفاصيلها. وقف بجانبها قليلاً، أزاح بعضًا من خصلات شعرها الذي تحرر من عقدته أسفل غطاء الرأس. رأى مقعدًا بعيدًا كان قد وضعه يزن ليجلس عليه بدل وقوفه لكل هذه المدة، جلبه ووضعه أمامها. جلس عليه. رأى شحوب وجهها، رغم حزنه على فقدان ابنه الذي لم يتجاوز فقد إلا الشهرين. حزن عليه، لكن حزنه عليها يتضاف حزنه على ابنه. أخذ يديها ببطء متعمد ووضعها على كفه الموضوع على الفراش حتى تخللت

أصابعهم ببعضهم. قبل يديها التي غرزت بها الحقنة بعمق وبطء، وكأنه متعمد ليخفف عنها آلامها. نامت على وجهه ابتسامة حنونة مليئة بشغف يتغلله عشق خالص، تحدت والدموع بدأت في التجمع في عينيه، لكن ظلت حبيسة. قال

كأنها تنصت لحديثه باهتمام:

"ما كان يجي في بالي أن في يوم هتكوني قاعدة القعدة دي وأنا جمبك مش عارف أتحرك. من غير تصرف ولا تفكير من أول ما عرفت الخبر وحسيت أني أخدت صدمة بس مش قادر أستوعبها. أنتِ بس مش عشان مراتي، لا. أنتِ حاجة مش عارف أوصفها. يمكن عشان شغلي مكان ناس كثيرة بعدوا عني. عرفتيني الحب بمعنى تاني، الحب مش معناه كلام. الحب هو معنى سامي تواصل أرواحهم ببعض، أو ممكن تجاذب. هو أن القلب بمجرد ضحكة منك بيزيد دقاته. رغم أني اتولدت وحيد وفضلت

وحيد ماما وبابا، لكن قدرتِ أنك تزيل أي وحدة. مواقف تكوني أختي، ومواقف أحس أن دي حبيبتي اللي قلبي اختارها من بين كل اللي شفتهم. مع أول نظرة ليكي، وأول نظرة اتواصلت بيها عيونها، حسيت بانجذاب غريب ناحيتك، انجذاب كان ممكن يروح مع الوقت، لكن لا نظرتك ما كانت بتفارق خيالي. كأني بتفكرني بيكي على طول، رغم أن من مجرد لمحة من طيفك كنت بحس بشعور غريب. اخترقني من غير معاد أو حساب. بحبك بعدد كل نظرة ليكي. أنا مقدرش أعيش من غيرك،

مينفعش تغيبي عني كتير. لازم تفوقي ومتحرمينيش من نظرة عينيكي."

وأخيرًا تحررت دمعته وبدأت في النزول. لم يستطع التوقف. بكل مرة رآها، وبكل موقف مر بينهما، وكل مشكلة وقفت عائقًا. احتضن يديها بين يديه ثم وضع وجهه بجانب يديها، لعلها تشعر به وتفيق من أحلامها التي أحاطتها من كل مكان. *** أتى الغروب وعادت الشمس لمكانها وأقام الليل بعودته من جديد، وقمر الذي يسطع في السماء، النجوم الصغيرة التي تألقت في رونقها وضوئها. في مكتب يزن:

نائم على الأريكة يشعر بإرهاق كبير، كان يحاول النوم قليلاً لعلى الصداع يذهب عن رأسه قليلاً. أصدر هاتفه رنين دليل على وصول رسالة. مد يديه وأخذ هاتفه من على المنضدة، فتحه حتى وجد رسالة مبعوثة من رهف للاطمئنان عليه. كتبت فيها: "روضة عاملة إيه دلوقتي؟ فاقت؟ لعب بأنامله على لوحة المفاتيح وكتب: "لسه مفقتش زي ماهي. سبت مالك معاها جوة." رأت الرسالة الذي بعثها لها حتى كتبت: "حاول أنك تنام شوية، من الصبح واقف على رجلك."

كتب لها: "بحاول مش عارف. عندي صداع موتني." أجابت رهف: "يمكن عشان مش عارف تنام فجالك صداع. خد أي مسكن وأنت شوية وهترتاح." أجاب يزن: "هشوف كده أي ممرضة تجبلي برشامة." أجابت رهف: "باي." أجاب يزن: "باي." أقفل الهاتف وضعه بجانبه ثم نهض بجسده من على الأريكة واتجه حتى فتح الباب. نادى على ممرضة كانت تعبر في الطابق هتف بجدية: "هاتيلي أي برشامة مسكنة للصداع."

أومأت برأسها واتجهت حتى تجلب له ما طلبه. بعد خمس دقائق، وضع الحباية في فمه وشرب خلفها بعض من المياه. أقفل الزجاجة واتجه على الأريكة في محاولة لجذب النوم له. *** بعد يومين: شركة المنياوي: دَلفت السكرتيرية للداخل بعدما أذن لها بالدخول، تحدث بينما ينظر لها قائلًا بعملية: "في اجتماع بعد ربع ساعة عشان الصفقة اللي عايزة الشركة تعقدها معانا." أومأ رأسه حيث أجاب بجدية:

"أدي خبر للمحامية رؤى أن الاجتماع بعد ربع ساعة. مش أنتِ أدتيها تدرس ملف الصفقة؟ أجابت عليها بعملية: "أيوه يا فندم. ده أول ملف اتحط قدامها تدرسه." تحدث حازم: "تقدري تتفضلي." خرجت لكى تخبرها على معاد الاجتماع، أما هو تحدث لنفسه قائلًا: "لما نشوف أول اختبار هتعملي إيه." غرفة الاجتماعات:

فتح الباب، بينما دلف بهيبته التي تفرض لأي أحد الخضوع له. جلس على المقعد مترأس الاجتماع، على يمينه السكرتيرية ورؤى، وعلى يساره يجلس رئيس الشركة ومحاميه. تحدث صاحب الشركة قائلًا: "جيت النهارده عشان نتعاقد على صفقة الآلات والمعدات اللي هتحملوها على أمريكا. كنت أديت لحضرتك فكرة بسيطة عنها." أومأ برأسه متحدثًا بجدية موجها حديثه لرؤى: "لو الورق جاهز تقدري توزعي."

قامت رؤى بتوزيع الورق عليهم. بدأ الجميع في القراءة باهتمام شديد، حتى أثنى عليها داخليًا بما فعلته. رفع المحامي عينيه سريعًا من الأوراق، مسلطًا نظره على رؤى قائلًا باعتراض: "بس كده الشروط كلها في صفكم. نضمن حقنا إزاي؟ نظرت لعينيه جيدًا حيث أجابت على حديثه بجدية: "حضرتك حقك محفوظ زينا." امتعض وجهه باعتراض، أما صاحب الشركة فلما يعجبه بما في الأوراق، حيث تحدث لها:

"الشرط الجزائي كبير، بعدين نسبة الربع الربح عالية. كده كل الشروط في صفكو." وجهت نظرها تجاهه، حيث أردفت بجدية:

"حضرتك نسبة الربح مش كبيرة، دي كلها ٣٥٪ بالنسبة للي هيعود عليك ده أولاً. ثانيًا، حضرتك الشركة بدأت مستواها في التدني، الأسهم في البورصة يوم بتكسب ويومين بتخسر، وأنا حقي لازم أحافظ عليه، عشان لو حصل أي مضاعفات لا قدر الله أو حصل تكاسل في الدفع ده لا قدر الله. بعدين دي افتراضات، حاجات لسه محصلتش، كل واحد منا بيضمن حقه بطريقته." لم يعجب حديث رؤى الاثنان، حيث تحدث المحامي بغير رضا: "أيوة حضرتك بردوا. الشرط الجزائي عالي."

أردفت رؤى بتساؤل: "حابة أستفهم بس، هو ليه حضرتك ماسك ليه في الشرط الجزائي؟ الشرط ده بيتنفذ في أسوأ الحاجات، يعني حاجة نسبتها صغيرة عشان تحصل. بعدين حضرتك جاي تعقد صفقة مع الشركة عشان تنقلك آلاتك، مش تفاصل في الشرط الجزائي."

ابتسم حازم داخليًا، أعجب بها وبلباقتها في الحديث. لا ينكر أنها أعجبته، لم يكن يظن هكذا بها. حك بطرف أنامله على ذقنه يراقب الوضع بينهم دون التفوه بكلمة واحدة حتى يرى نهاية هذا الاجتماع. حتى قرر التحدث نهائيًا لينهي هذا الجدال قائلًا بجدية: "الكلام انتهى. حابب تمضي اتفضل. مش حابب في غيرك بيتمنى أنه يعقد مكانك هنا. فاتحمد ربنا أنك قدرت توصل للمكان، قعدتك هنا." نظرت له بحاجب مرفوع، حتى هتفت داخليًا بنبرة سخرية:

"ما شاء الله. من كتر الغرور أخاف عليه يتكفي على وشه." مضى صاحب الشركة على مضض، حتى هتف بابتسامة ثقة: "مبروك عليك. هتتواصل مع السكرتيرية عشان معاد تسليم الآلات والأماكن اللي هنوصلها هنا." كهنهض الجميع من أماكنهم حتى بدأوا في المغادرة. كانت رؤى تجمع الأوراق، كادت أن تخطو بقدميها للباب للمغادرة، حتى أوقفها حازم قائلًا: "استنى." وقفت مكانها، حيث كانت تقف أمامها، بينما يجلس مكانه على المقعد. تحدث حازم باستفزاز:

"ما أنتِ طلعتي شاطرة أهو. وأنا اللي كنت فاكرك أنك هتخيب أمال والدك." نظرت له بقوة في عينيه. أردفت رؤى بقوة: "والله مش عشان مكنتش حابة أن أشتغل هنا، ده يديلك الحق أنك تستهون بيا. أنا الحمد لله ليا اسمي في المكتب." ثم أكملت باستفزاز مماثل: "ده أنت المفروض تحمد ربنا أن ربنا وقعك مع حد زي. وأنا فرحت أن قدرت أعكس التخيل بتاعك ناحيتي." غادرت من أمامه، وضعت يديها على المقبض، فتحته حتى أنصت لحديثه الذي تفوه به قائلًا

بقوة وجمود: "والله أنتِ اللي تحمدي ربنا أن خليتك تطلعي سليمة بعد الكلمتين دول. بعدين المفروض يحصل العكس، لأنك هتاخدي خبرة لو كنتي لفيتي سنين ما كنتيش هتقدري تاخديه." لم تجب عليه، لكن خرجت وأقفلت الباب خلفها بقوة دليل على غضبها الذي أشعله. ابتسم بتسلية قائلًا: "لا حلو قوي. منكرش أن أعجبت بذكائها. لكن لما نشوف القوة هتفضل لغاية أمتى ونشوف الشخصية الضعيفة هتظهر أمتى." في مكتبه:

دَلفت بعصبية، رَزعت الباب بقوة خلفها. وضعت الأوراق بعنف على المنضدة. ظلت تجوب في الغرفة ذهابًا وإيابًا تتنفس بغضب من حديثه، حتى هتفت بنبرة غاضبة: "الأيام الجاية كتير ونشوف مين اللي هيكسب." *** في المشفي: غرفة روضة:

كان مالك يتمدد على الفراش بجانبها، بينما احتواها بين ذراعيه ووضع رأسها في تجاويف عنقه، فكان يشعر بأنفاسها البسيطة التي تضرب عنقه بقوة. كان يحاوطها بحنان شديد كأنه يخاف بأن تتركه وتذهب. كان نائم بعد ليلة طويلة في التأمل بملامح وجهها واحتضان يديها بين يديه، يقبلها بين الدقيقة والأخرى. تحرك جسدها قليلاً كأنه يستعيد نشاطه للاستيقاظ، شعر بتحرك طفيف بجسدها. فتح عينيه سريعًا عندما شعر بها، ابتعدت قليلاً عنها. أما هي حركت

رأسها تتأوه بنبرة خافتة. كان يراقبها بينما تقوم بفتح عينيها، أغلقتها ثم فتحتهم مرة أخرى ببطء شديد. تأملت الغرفة من حولها بتفاجؤه، كادت أن تتحرك لكن شعرت بوجع في بطنها، وضعت يديها تلقائيًا على بطنها. لم تعرف أين هي بالتحديد، لكن حركت رأسها ناحية اليسار، وجدت مالك بجانبها ينظر لها وعيناه تتوهج من السعادة. ضيقت عينيها بإرهاق

حتى تحدثت بنبرة خافتة: "هو أنا فين؟ لم يصدق مالك حتى الآن أنها استيقظت بالفعل. هاقد فاقت من سباتها الذي استمر ليومين. نظر لعينيها بعمق الذي تمنحه الحياة. لم يفق من أفكاره إلا على جملتها. كانت تتاوه بتعب شديد، أخذها مالك في حضنه بإشتياق شديد، حضنها بشدة حتى تألمت من كثرة ضغطه عليها. تنفس براحة قبل فروة رأسها، بينما يشتم لرائحتها الذي اشتاق لها. ابتعدت عنها حتى تحدثت بنبرة خافتة: "هو أنا فين؟

أجاب عليها بغير تصديق قائلًا: "أنتِ في المستشفى. تعبتي شوية. حمدالله على السلامة يا حبيبتي. أنا كنت هتجنن عليكي." قبل سائر وجهها بلهفة ممزوجة بإشتياق. أما هي ابتسمت على ما يفعله، أخذها مرة أخرى في أحضانه واضعًا رأسها على صدره. تحدث مالك بحنان: "مش مصدق. إنك فوقتِ أخيرًا. كنت هتجنن عليكي في اليومين، مكنتش بعرف أنام." عقدت حاجبيها باستغراب حيث قالت بتساؤل: "يومين؟

هو اللي حصل آخر حاجة فاكراها، أن كنت تعبانة أوي، اتصلت عليك مردتش. روحت كلمت رهف، حسيت بأن فيه حاجة بتنزل، بصيت بعدين محستش بأي حاجة. هو إيه اللي حصل؟ كاد أن يجيب عليها لكن طرقات الباب منعته. أذن للطارق. ابتعد عنها حتى وقف بجانبها. دلفت الطبيبة حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة بسيطة قائلة: "مواعيدك مظبوطة. كنت متوقعة أنك هتفوقي خلال الساعات دي. حمدالله على السلامة." ابتسمت روضة بإرهاق قائلة بتعب:

"الله يسلمك. هو إيه اللي حصل واللي جابني المستشفى هنا؟ نظرت الطبيبة لمالك حتى حرك شفتيها بعدم معرفتها. تفهمت الطبيبة ما يحدث. تحدث بنبرة مطمئنة قائلة: "هقولك كل حاجة. بس الأول مش عايزة تضايقي وتزعلي، عشان ده هيأثر عليكي بالسلب." أجابت روضة بنفاذ صبر قائلة: "ينفع حضرتك تقولي فيه إيه على طول." أجابت الطبيبة بنبرة هادئة خوفًا على حالتها:

"حضرتك كنتِ حامل في شهرين. وضغط الحمل ارتفع لدرجة أن الجنين في المشيمة مقدرش يقاوم، فا للأسف نزل. وده كانت نتيجة الدم اللي فقدتيه، وكان عندك نسبة سيولة الدم مرتفعة شوية. حمدالله أننا أنقذناكي في الوقت المناسب. هتفضلي معانا إنهاردة وبكره نطمئن عليكي وأن كل حاجة سليمة. بس مش هينفع أن الفترة جاية يحصل حمل، لأن الرحم مجهد، مش هيقدر يشيل أي جنين فترة دي لغاية لما تتعافي تمامًا."

ظلت تنظر لها ترمش بعينيها بسرعة حتى انفجرت من الضحك. لم تستطع أن تكتمها. أغمض مالك عينيه بحسرة، سيعاني كثيرًا مع حالتها، لكن سيتحمل لأجلها. يعرف أن الموضوع يسبب لها حساسية، وذلك بسبب طول فترة عدم إنجابها لطفل حتى الآن. تحدثت من بين ضحكاتها: "إلحق يا مالك. دي بتقول أن كنت حامل ونزل، يا سبحان الله. أول مرة أعرف أن في أمهات بتحمل من غير ما تعرف." أردفت الطبيبة حديثها مشفقة عليها:

"في حمل مش بيبان أعراضه أول لما يحصل، لكن بيبان بعده بشهر واثنين، لأن كل حالة وجسم بيختلف عن التانية. أنا هستأذن وهاجي مرة تانية." خرجت الطبيبة من الغرفة، بينما استمرت روضة في الضحك غير مصدقة لما استمعته، كأنها تحاول إقناع نفسها بأنها تقوم بمزحة أو أن حد سيظهر قائلًا بأنهم الكاميرا الخفية وقاموا بهذا حتى يكتشفوا ردة فعلها. تحدث مالك حتى يستطيع إيقافها حتى لا تنتكس حالتها للأسوأ:

"روضة.. فوقي. ده قضاء ربنا ولازم نرضي بيه. وهيرزقنا إن شاء الله تاني." تحدثت روضة بضحك: "يرزقنا إيه. أنا كنت رايحة أكشف عشان أعرف محصلش ليه." أكملت يتساؤل غريب قائلة: "قول أن كلام ده مش صح. أنت مش بتكدب عليا. بعدين أيوه مش أنت كنت هتاخدني للدكتورة عشان أكشف، أزاي أطلع حامل وأسقط إزاي؟ إزاي؟

وتحولت ضحاكتها العالية إلى بكاء هستيري. جذبها من عنقها وخبأها في حضنه، حيث حضنها بشدة. أما هي لا تعرف بما تشعر بالتحديد، لكن ما تشعر به هو الألم، الألم الشديد، حيث لا تشعر به من كثرة شدته. لما كانت ستذهب كانت حامل بطفلها ولم تعرف. وضعت يديها تلقائيًا على بطنها، حيث شعرت بالفراغ، كانت تحمله في أحشائها لكن لم تحافظ عليه. لم تعلم ما تفعله ولا تعرف شعورها بالتحديد، تشعر بالفراغ داخلها. ظلت تبكي لساعات ممزوجة بشهقة موجعة

نابعة من قلبها. كان مالك يحبس دموعه في عينيه، لكن لم تقدر على النزول حتى يتماسك أمامها. لم يعلم أنها ستنهار بهذا الشكل، حتى هو حزن على فراق طفله الذي لم يعلم بوجوده. كان دائمًا يشتاق لامتلاك طفل مثلما تتمنى، لكن كان يخبئ رغبته حتى لا يحزنها. يعرف أنه مقدر له أن يأتي في معاد لا يعلمه إلا الله، لذلك كان يتماسك أمامها. يحاول أن يش

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...