بعد مرور أسبوعين. بدأت الصداقة تأخذ مجراها بين يزن ورهف بعدما تبادل كل منهم الحساب الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي. في أحد مرات في شرم، والصداقة أخذت مجراها فعلاً. في غرفة حازم.
نجده يجلس على الفراش، ساند ظهره على ظهر الفراش، مرتدياً بنطال باللون الأسود وتي شيرت كات بنفس اللون، بينما على قدمه الحاسوب الخاص به. كان يدقق النظر على أحد الملفات مندمجاً في القراءة. لم ينتبه لطرق الباب ولا لدخولها وجلوسها على الفراش. نظرت له، كان مندمجاً حتى نادت بصوت عالٍ نسبياً: "حازم." لم ينتبه لها في بادئ الأمر، حتى وضعت يديها على قدمه. ذعر من لمستها، وردت بغير قصد: "أي مالك اتخضيت كده ليه؟
رفع نظره، وارتسمت على شفتيه ابتسامة بسيطة، ثم قال: "أنتِ دخلتي إمتى؟ أجابت رهف: "لسه داخلة. ناديت عليك مردتش، فا هزيت رجلك بس كده." رد عليها بينما يضع الحاسوب على الكومودينو الموضوع بجانب الفراش: "معلش، كنت مركز فا مخدتش بالي ولا حسيت بيكي." رفعت كتفيها وردت بابتسامة بسيطة: "عادي، ولا يهمك." ضم ذراعه على بعضها وأردفت حازم بمزاح: "وإيه اللي حدفك عليا؟ قصدي جيتي عليا." ضحكت رهف، ثم ردت بمشاكسة:
"عادي، جيت أغلس عليك شوية." فتح ذراعيه لها حتى لبت له نداءه. أخذها في أحضانه ورد بابتسامة محببة: "وأنا معنديش مانع. بعدين بقالي كتير ما قعدناش مع بعض من بعد ما رجعنا من السفر." دفنت نفسها أكثر في حضنه وأجابت رهف بنبرة مليئة بالعواطف: "عايزة أعد طول اليوم كده." ضحك عليها وأجاب من بين ضحكاته بغير تصديق: "دي أوامر من رهف هانم نفسها. أوه، لا ده إحنا نوقف أشغالها عشان رهف هانم بقى." ضربته في صدره بيديها وأردفت رهف بغيظ:
"تصدق إنك غلس. أنا غلطانة إني جيت أعد معاك." حاولت أن تبتعد عنه، ولكن سحبها مرة أخرى بعدما ضرب بيده على رأسها. تأوهت من الألم، تحدث بتشفٍ: "أحسن، تستاهلي." ظل الصمت حليف الموقف بعض الوقت. تحدث حازم محاولاً كسر الصمت: "وإنتي عملتي إيه فترة اللي فاتت؟ أجابت بنبرة عادية وهادئة: "مفيش جديد. أقعده في الجاليري، مرة حد يجي ومرة مفيش حد خالص. وبالليل برسم أو بقعد على فون، بس كده." نهضت ونظرت له بارتباك:
"لكن في حاجة عملتها وأنت أول واحد تعرفها." أجاب عليها ناظراً لها باهتمام وتركيز شديد: "إيه هي؟ هتفت رهف بنبرة يشوبها الارتباك، بينما تلعب في أصابع يديها: "وإحنا في شرم، يزن أخد أكاونت الفيس بتاعي وأنا كمان، وبقالنا من ساعة لما رجعنا بنتكلم." هتفت رهف سريعاً بخوف خوفاً من رد فعله:
"بس والله مش بنتكلم في حاجة غير بوست مثلاً نزلته أو العكس، مثلاً بيحكيلي عن يومه. لكن مفيش والله غير كده. وهو أصلاً محترم جداً ومش بيدخل في أي حاجة وبيعد يهزر كتير أكتر ما بيتكلم." ظل ينظر لها باهتمام ولم يجب على ما قالته. أما هي، فكانت تنظر في جميع الاتجاهات إلا هو، خوفاً من رد فعله. سحبها من يديها ووضعها في مكانها سابق، وتحدث بهدوء رزين يليق بشخصيته: "ينفع أعرف إنتِ مرتبكة ليه وخايفة؟
لم يجد إجابة منها، ولكن أكمل بدلاً عنها متحدثاً: "إنتِ خايفة إن أتهور وأزعق وأتعصب والكلام ده؟ أو أعمل زي الإخوات الشداد اللي بيعملوا وأضربك وأعاقبك وكلام ده، صح؟ هزت رأسها نافية على كلامه، ثم أكمل برزانة وحكمة:
"أنا قبل ما أكون واثق فيكي إنتِ، أنا واثق فيه هو وإن عمره ما هيخون أمانة. بعدين حتى لو بقيتوا صحاب، ليها ضوابط شوية. بعدين هو محترم ومش زي الشباب بتوع بنات خالص. هو حياته كلها كانت عيلته، وبعد ما اتوفوا بقي حياته شغل أو أقعد لوحدي. فا إيه المشكلة لما تكونوا صحاب؟ أخرجها من أحضانه وتحدث رافعاً حاجبيه لها بعدم تصديق مستنكراً: "ملقيتيش غير ده؟ ده بيهزر أكتر ما بيتكلم يا زين ما اخترتي يا بنتي."
لم تجب، ولكنها أحضنته بشدة على تفهمه الدائم لها. دائماً ما يدعمها، يفهمها من مجرد نظرة، يعرف حالها. لا يتركها دائماً إلا وهو سعيدة. هتفت رهف وهي مازالت قابعة في أحضانه بحب: "أنا بحبك أوي. مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه." بادلها حضنها بحنان أخوي شديد وأجاب عليها بابتسامة: "ابقي فكريني أجيبلك شوكولاتة. بعدين أنا مبسوط إنك جيتي كلمتيني وصارحتيني. لو حد تاني كنتي هتخافي إنك تعملي حركة زي دي." خرجت من حضنه وعلى وجهها
ابتسامة سعيدة وأجابت: "عشان أنت الوحيد اللي بتعرف مالي من نظرة عيني." قبلت وجنتيه وهي سعيدة بما قامت به، بسبب خوفها من عدم تقبل الأمر أو عدم تفهمه. ولكن دائماً ما يفاجئها بحكمته وهدوئه في الحديث، لذلك دائماً ما تلجأ له للحديث عن أي شيء يرقها. وضعت رأسها على الوسادة وأخذت الأخرى من خلفه وتحدثت: "يلا اطفى النور عشان عايزة أنام. ومتنساش بكرة تجيبلي شوكولاتة بالبندق عشان بحبه."
نظر لها بصدمة وعدم تصديق وحاول إزاحتها من الفراش قائلاً: "أوعي كده يا ماما. بتعملي إيه في سريري؟ روحي لسريرك بينده عليكي." أجابت رهف براحة وعلى وجهها ابتسامة مغيظة له: "لا، عاجبني السرير وهنام هنا. لو مش عاجبك، عندك أوض في القصر كله، نام في أي أوضة." مسح وجهه بيده وتمم بكلمات حانقة متضايقاً منها، لكن حاول إزاحتها من السرير قائلاً: "لا، مش هتنامي. أوعي كده." أزاحت يديه وضربته ثم أجابت:
"أنت اللي أوعى بقى. عايزة أنام وأنت مزعج." ححظت عينيه من الصدمة على وقاحتها معه، بينما قال: "يعني نايمة على سريري ومش عاجبك وبتطرديني منه؟ رفعت رأسها له وأخرجت لسانها باستفزاز وأجابت: "آه، ولو مش عاجبك طلقني." لم يرد عليها، ولكنه بدأ في ضربها كي تنهض من على السرير. أخذت الوسائد وظلت تسد ضرباته مع ضربة من أي منطقة تقابلها. ظل يضرب كل منهم الآخر حتى خارت قواهم ونام بجانبها بعدما أخذ وسادته وأزاح قدمها قليلاً
هاتفا بحنق: "أوعي كده، واخدة السرير كله." أجابت رهف بضيق منه وغضب: "براحتي، بحب أنام كده. أقولك، لو مش عاجبك نام على الكنبة." تحدث حازم بتعالٍ مشيراً بإصبعه على نفسه: "أنا حازم المنياوي اللي بنات كلها بتجري وراه وتتمنى نظرة منه، تطرديني من سريري وأوضتي؟ أجابت رهف بنبرة مستفزة: "آه. وبس بقى عشان أنام."
أطفأ الضوء من جانبه وضبط المنبه على ساعة الاستيقاظ المعتادة وأخذ وسادته، وسريعاً ما غطوا في نوم عميق بعد مناكفات بينهم وحرب قامت بينهم. *** اليوم التالي. في الجاليري. كانت تجلس وحيدة، لم يأتِ أي أحد لشراء اللوحات. كانت تلعب بالقلم على المكتب بملل. زفرت بضيق وملل من وحدتها وعدم وجود أحد يونسها. أخذت الهاتف من جانبها وضغطت على الأزرار، وضعته على أذنها، منتظرة أن يأتيها الرد. في الشقة عند روضة.
كانت تجلس تشاهد التلفاز على أحد مسلسلات الدراما، تتابع بتركيز مع الأحداث. حتى أضاء هاتفها وبدأ في رنين. نظرت للهاتف ثم أمسكته، ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة، وضعته على أذنه. تحدثت رهف بابتسامة: "روضة، إزيك؟ ردت عليها بينما تتابع بعينيها المسلسل: "الحمد لله. إنتِ عاملة إيه؟ أجابت رهف بملل: "قاعدة في الجاليري وزهقانة، فقلت أتصل عليكي." ضحكت روضة وأجابت: "ما زين ما اخترتي يا بنتي." فكرت رهف لدقائق حتى أتتها فكرة وبدأت
في عرضها عليها مردفة: "ما تيجي تعدي معايا شوية. بدل ما أنا لوحدي ومحدش جه انهاردة خالص." أجابت روضة بحيرة: "مش عارفة. هتصل بمالك أقوله." أردفت رهف بنبرة يائسة: "لو مش فاضية خلاص، مش مهم." لم ترد، أحزنها ردها. ردت روضة عليها: "طب ابعتي لوكيشن وأنا هكلم مالك وأقوله." ابتسمت رهف مرة أخرى بأمل أن تأتي: "ماشي، وأنا هستناكي. سلام." أجابت رهف بابتسامة: "سلام." *** في الشركة الدوائية. مكتب مالك.
كان يتابع المواد الكيميائية الجديدة وتركيبتها. أرجع رأسه للخلف وزفر بإرهاق. تشنجت عضلات رقبته، حركها يميناً ويساراً، فأصدرت صوت طقطقة. مد يده وأخذ الزجاجة المليئة بالمياه، شرب منها وأراح رأسه على المقعد. جاء في مخيلته طيف محبوبته وابتسامتها المرحة عندما يقوم بشراء بعض الأشياء التي تعشقها. بدأ الهاتف في رنين. مد يده حتى أخذه، نظر لاسم المتصل. نمت على وجهه ابتسامة عاشقة حتى أجاب: "جيتي في وقتك." ردت بقلق من نبرة صوته:
"مالك يا حبيبي؟ فيه إيه؟ أجاب مطمئناً لها: "مفيش، متقلقيش. مطحون في الشغل بس." تحدثت بعدما هدأ قليلاً: "طب ارتاح شوية بعدين كمل عشان متتعبش." ابتسم على قلقها الدائم عليه وحاول أن يبث لها الاطمئنان: "حاضر، أنا فعلاً بعمل كده. مهم، اتصلتي ليه؟ تحدثت بعبوس كأنه يراها: "يعني هو أنا لازم يكون فيه حاجة عشان أتصل وأطمئن عليك؟ ضحك عليها ثم أردف: "ماهو عشان عارفك. مهم، إنك وحشتيني. اللي يسبني دلوقتي أسيب الشغل وأجيلك."
ابتسمت بخجل من أثر كلماته ورددت بحب: "وأنت كمان وحشتني." تحدث بمكر وعيناه تلمعان بالحب: "طب إيه؟ مفيش أي تصبيرة لحد ما أجي؟ هزت رأسها مكمله بابتسامة: "تؤ تؤ، مفيش. رهف كلمتني وقالت لي إنها عايزاني أروح لها الجاليري عشان أعده لوحدها. تحدثت مكمله برجاء: ينفع أروح عشان خاطري؟ عايزة أنزل، زهقت من القعدة." أجاب بابتسامة: "ماشي، مفيش مشكلة. روحي وأنا هعدي عليكي لما أخلصه." هتفت بفرحة كبيرة: "أخيراً يا خراشي!
أنا بحبك كتير أوي. مش بحبك من فراغ." تقدم بجسده وسند ذراعه على المكتب متحدثاً: "الله، كل ده؟ يا بركاتك يا رهف. مهم، تاخدي بالك من نفسك." أجابت بسعادة بعدما نهضت من الأريكة وأطفأت التلفاز: "حاضر، متقلقش. يلا سلام عشان ألحق أنزل." ابتسم على سعادتها المفرطة لمجرد موافقته على نزولها ثم أجاب: "ماشي، سلام."
صفقت بيدها بسعادة واتجهت سريعاً للغرفة لترتدي ملابسها. ارتدت بلوزة بلون البيج عليها فتاة وبعض الكلمات الإنجليزية وبنطال بوي فريند وتركت شعرها بتمويجه خفيف. وضعت أحمر شفاه بلون كشميري وبلاشر خفيف على وجنتيها وبعض من الماسكرا. أخذت حقيبتها وضعت بها لوازمها. خرجت من الغرفة، ارتدت كوتش أسود واتجهت سريعاً لرهف وهي تكاد أن ترقص من الفرحة. *** أما الجاليري.
نزلت من السيارة، أعطت للسائق الأجرة بعدما أغلقت الباب. ذهبت السيارة من أمام الجاليري، أما هي، فظلت دقائق تراقب المكان حتى تقدمت بخطوات هادئة وعلى وجهها ابتسامة مشرقة. في الداخل. كانت تجلس والملل كاد أن يفتك بها. تتمنى أن تلبي روضة لطلبها وأن تأتي لتجلس معها، بدل جلوس كل واحدة منهم في مكان مختلف.
فتحت الباب ودخلت وعيناها تفحص المكان بإعجاب وانبهار شديد من تصميم المحل. ظلت تبحث عنها، وجدتها تجلس على المكتب الخاص بها وتلعب بالقلم بملل. نادت روضة عليها بصوت عالٍ مليء بالحماس: "رهف... رهف! انتبهت رهف لصوت ينادي عليها، وقعت عينيها على روضة وعلى وجهها ابتسامة مرحة. نهضت من المقعد اتجهت ناحيتها. احتضنتا بعضهما باشتياق بالغ لعدم مقابلة بعضهما منذ السفر واكتفوا ببعض الرسائل والمكالمات الهاتفية.
بعد مدة قصيرة ابتعدا عن بعضهما ومازالت الابتسامة مرسومة على وجوهما. تحدثت رهف بسعادة شديدة: "فرحانة أوي إنك جيتي. مش متخيلة سعادتي قد إيه. تعالي أعدي." أخذت يديها واتجهتا ناحية أريكة موضوعة في جانب بعيد نسبياً عن مكتبها. جلسوا عليها. هتفت روضة: "قولت بما إن قاعدة لوحدي، جيت ألبي دعوة حضوري للجاليري." ضحكت رهف مردفة بسعادة: "أحسن حاجة عملتيها. حابة تشربي؟ هزت روضة رأسها نافية مجيبة:
"مش محتاجة أي حاجة. أنا جايه عشان نقعد مع بعض." هتفت رهف بتصميم: "لا طبعاً لازم تشربي حاجة. تحبي أعملك معايا نسكافيه؟ ابتسمت لها روضة مجيبة: "ماشي. معلقتين سكر بس." نهضت واتجهت ناحية الكاونتر الموضوع عليه بعض المشروبات وجهاز للقهوة وغلاي للمياه. وقفت تجهز لهم كوبان من نسكافيه. كانت تجول بعينيها على المكان، من اللوحات وبعض الانتيكات الموضوعة. تحدثت روضة بنبرة منبهرة وهي تنظر للوحات: "الجاليري بتاعك حلو أوي."
أجابت رهف بينما تضع المياه في الأكواب: "ميرسي يا قلبي، ربنا يخليكي." قلبت بالملعقة المشروب في الأكواب، وضعتهم واتجهت ناحيتها. أعطتها الكوب الخاص بها حتى أخذته بابتسامة بسيطة. تحدثت روضة بعدما رشفة قليلاً من النسكافيه: "اللوحات حرفياً حاجة خيال. حرام. الموهبة دي عندك من وإنتِ صغيرة ولا حبيتي إنك تتعلمي؟ أجابت رهف عليها وهي تأخذ رشفة من المشروب:
"من ده على ده. كنت وأنا صغيرة كنت بحب أن أرسم وحصة الرسم. بعدين الموضوع كبر في دماغي وقررت إني أنميه. تابعت بعض القنوات على يوتيوب واتعلمت الأساسيات للرسم، بعدين لما بابا عرف قرر إنه يوديني كورس رسم. ولما نجحت وجبت مجموع في الثانوية قررت إني أدخل فنون جميلة." تحدثت روضة: "وفي إقبال ولا لسه في الأول الدنيا واقعة؟ أجابت رهف: "مكدبش عليكي، مش أوي يعني. يوم ممكن يجي كذا حد ويوم زي انهاردة مفيش دبانه حتى عدت قدام المحل."
وضعت الكوب على المنضدة وأدارت جسدها لها وتحدثت: "طب مفكرتيش إنك تكبري الموضوع؟ تشوفي أي اللي مفروض يتعمل وتعمليها؟ أجابت بابتسامة: "حاولت بس للأسف مفيش أي أفكار. حتى معظم اللي بيجوا ناس معارف ماما وبابا. إنتِ عارفة الناس الأغنياء بتحب البيت فيه لوح وانتيكات." فكرت روضة قليلاً ثم أكملت حديثها:
"طب دوري على مسابقات من اللي بتتعمل في محلية وفي عالمية. اعملي بيدج على فيس وابدأي اعرضي عليها لوحات بتاعتك، فأتجذبي ناس ليكي أكتر." استمعت لها رهف باهتمام شديد وتركيز وأجابت معجبة بالفكرة: "تصدقي مجاش في بالي خالص أفكر كده. آخر مسابقات شاركت فيها لما كنت في كلية أو كورسات اللي كنت بأخدها." أكملت روضة حديثها: "طب ليه مفكرتيش تشتغلي في شركة كمهندسة ديكور؟ دايماً شركات بتطلب الناس الموهوبة اللي زيك."
أجابت رهف عليها بوضوح: "كنت مهتمية أكتر بالجاليري وأكبره." تحدثت روضة نافية لما تقوله: "لا فكري كده. إنتِ موهوبة وحرام موهبتك تكون مغمورة." أردفت رهف بهدوء: "وأنتِ مفكرتيش تشتغلي ليه بعد الكلية؟ شربت قليلاً ثم ابتسمت روضة لها وأجابت: "لأن أنا اتجوزت مالك بعد فترة من تخرجي من الكلية. بعدين مكنش عندي واسطة عشان أشتغل في أي شركة، لا ليا عم ولا ليا خال." عقدت رهف حاجبيها باستغراب مردفة: "مش المفروض ليكي عيلة؟
بعدين مش شرط تشتغلي بواسطه." هزت روضة رأسها نافية مجيبة بتوضيح: "لا، شرط. إنتِ بس عشان إنتِ مش محتاجة واسطة. لأنك إنتِ واسطة كلها. فا هتقدمي في أي حتة هيتوافق عليكي على طول. إنتِ بس مش واخدة بالك من الموضوع مش أكتر." ثم أكملت حديثها تقص لها ما مرت به في حياتها لأول مرة لأي أحد،
قائلة بنبرة حزينة: "أنا ماما وبابا ماتوا كنت في إعدادي بسبب حادثة عربية. ولأن ماما مكنش ليها غير تيتا، فا روحت عشت معاها وكنا بنعيش على معاش جدو. وقدرت تطلع معاش تاني بسبب إني يتيمة، بس طبعاً مكنش بيكفي غير يا دوبك مصاريف بيت وكان بالعافية الأكل. وفضلت عايشة معاها لحد ما ماتت وأنا في ثانوية. وهنا حصل الدروب، بعد ما كانت عايشة معايا بقيت لوحدي، لا ليا عيلة ولا قريب يسأل عليا. وفضلت عايشة على المعاش ودخلت بعديها كلية
تجارة عشان أد مجموعي طبعاً، نظراً لإن مكنتش باخد دروس يدوبك بحاول أفهم أي حاجة من المدرسة اللي طبعاً محدش بيشرح فيها أو بيروح أساساً، بس يعني بعض الأحيان. فاكنت بذاكر لوحدي وده مجهودي اللي قدرت عليه. لأن أنا مكنتش بجيب كتاب أو أي حاجة من الحاجات دي، هو بس اشتريت كام كتاب كده اللي عرفت أحله كنت بحله ودخلت الامتحانات وحليت. جه وقت النتيجة طبعاً كنت مضايقة جداً وزعلانة بمقارنة الأرقام اللي زمايلي جابوها والكليات اللي
هيدخلوها، بس حمدت ربنا على نعمة اللي أنا فيها، غيري مكنش تعليم أصلاً."
ترقرت الدموع في عينيها متخيلة الأيام العصيبة التي كانت تمر بها كأنها تعيشها مرة أخرى. وأكملت بصوت مليء بالبكاء: "أوقات كثيرة كانت بتمر عليا ممكن ما أكلش فيها، ومرة أعرف أعمل غدا، فا آكل. وطبعاً ما آكلش كله حتى لو جعانة عشان أسيب حبة لبكره. وساعات كنت بصعب على جارتنا فاكانت تبعتلي أكل وكانت بتعدي. حتى الكلية مكنتش بعرف أكفي مصاريفها، قدمت ورق يثبت إن يتيمة وتم إعفائي من جميع المصاريف، بس اضطريت أشتغل عشان أعرف أعيش."
سألتها رهف بنبرة حزينة بما مرت به: "وكنتي بتشتغلي إيه؟ أجابت عليها بتماسك: "مرة أقف في محل هدوم، ومرة تاني أقف كاشير في سوبر ماركت. أي شغلانة ينفع اللي أنا أشتغلها عملتها، المهم أقدر أجيب فلوس أعرف آكل بيها النهارده." كانت تستمع لها ولمعاناتها منذ الصغر، حزنت كثيراً عليها وعلى ما عانته. تحدثت رهف بنبرة حزينة: "أنا آسفة والله مش قصدي إني أفكرك وأضايقك."
حاولت أن ترسم الابتسامة على شفتيها، ولكن لم تنجح. مسحت بعض الدموع التي تحررت من عينيها. تقدمت بجسدها منها وأخذتها بين ذراعيها. أجهشت الأخرى من البكاء بعد محاولة يائسة في كبته. تذكرت كل ما عانته كأنه يعاد مرة أخرى كشريط فيديو يتم عرضه أمامها. حاولت أن تهدئها، قالت بنبرة مرحة: "يا خراشي! يعني أنا قولت تيجي تعدي معايا مش تنكدي عليا." ابتعدت عنها متممة بنبرة أسف في محاولة لزحزحة دموعها: "أنا آسفة. حقك عليا بس مقدرتش."
ردت رهف بابتسامة في محاولة تخفيف عنها: "بهزر معاكي. لا فرفشي كده. بعدين مش لوحدك اللي عاني. يعني ده واحدة بتبقى مكبوتة أد كده." انتقلت منها ضحكة من طريقة رهف وحديثها. أزالت جميع دموعها وحاولت أن تتحكم بنفسها حتى استطاعت، حتى لو بالقدر البسيط. تكلمت روضة بابتسامة بسيطة: "وإنتِ بقى يا سِت رهف محبتيش قبل كده؟ مكلمتيش مثلاً ولد يعني حاجات من البنات اللي بتعملها؟ هزت رأسها نافية على حديثها واجابت بحسرة:
"ده كان حازم جاب خبري. ومكنش زماني قاعدة قدام بعض وكنتي تقري إنتي عليا الفاتحة." ضحكت ضحكة عالية على حركات وجهها المتحسرة وضيقها. أردفت من بين ضحكتها: "ليه مكنش فيه حد في الجامعة؟ كده ولا كده مراقبة وحاجات زي الروايات كده؟ أزاحت بعض الخصلات التي نزلت على عينيها للوراء قليلاً، متممة بحسرة على حالها: "مكنش ده بقا حالي. للأسف ياريت كان فيه حتى مراقبة من بعيد. متحسرنيش على حالي. بعدين مكنش فيه حد حلو."
رفعت حاجبها وأجابت بمكر: "متأكدة إن مكنش فيه حد حلو؟ ما بلاش كلام ده." أجابت الأخرى بلامبالاة: "أحم... لا عادي كان فيه بس أنا اللي معجبنيش. بعدين بتوع بنات." أكملت بنبرة حماسية: "احكيلي إنتِ قابلتي إزاي مالك واتجوزتوا؟ أخجلت روضة من حديثها وابتسمت. غمزة لها رهف بمكر قائلة: "الله الله. ده الموضوع طلع كبير وأنا معرفش. احكيلي احكيلي." بدأت تتحدث والابتسامة مرتسمة على شفتيها من تذكر قصة الحب والأيام التي عاشتها معه:
"أنا كنت في الكلية بتاعتي عادي الروتين اللي بيتعمل، ولو في ما بين محاضرة ومحاضرة ساعتين كنت بعدها على أي ركن فاضي كده أفضل قاعدة لوحدي. طبعاً زي ما إنتِ عارفة كان حازم ومالك ويزن صحاب من أيام الجامعة. كانت البنات كلهم بيموتوا عليهم. بس أنا مكنش في دماغي أصلاً، كان فيا اللي مكفيني. بس عرفت إن كان مالك أعجب بيا وكان على طول بيراقبني من بعيد وحفظ كل الأماكن اللي بقعد فيها. لغاية لما بدأ ينجذب ليا ولهدوئي. أنا كل ده
مكنتش أعرف طبعاً ولا باخد بالي. لغاية في مرة لاحظت إن حد بيفضل يبصلي جامد وبيركز معايا، مخدتش بالي من الموضوع. بس بعدين بقيت أركز وحبيت الاهتمام بيا وبدأ الموضوع بانجذاب بينا، بس مكنش في كلام أو أي حاجة. لغاية لما اتخرجت وهو قبليها اتخرج ومتقابلناش تاني. زعلت جداً لأن بدأ إنجذابي ليه يتحول لبواذر حب، مكنتش أعرف إنه اتولد. اشتغل بعديها عند بابا يزن وكون نفسه. وجه هو ومامته اتقدم، بس طبعاً لأني لوحدي ومليش حد الموضوع
تم بسرعة. واتجوزنا وكانت أحلى أيام عدت عليا ومازالت دايماً بيعوضني على اللي عيشته وشوفته وبحمد ربنا دايماً على وجوده جنبي، لو مكنش معايا، مكنتش حياتي هتبقى بالراحة دي ولا الحب ده."
تنصت لها بكل اهتمام والإبتسامة مرتسمة على شفتيها. هتفت رهف: "إيه ده! إيه جمال ده. عشان إنتِ تعبتي فربنا كافئك على تعبك ومجهودك." سندت روضة ظهرها على الأريكة ثم أجابت: "في دي عندك حق. بس المهم إن زي ما قولتلك على شركة تشتغلي فيها وتنظمي وقتك بين الجاليري والشركة. أو هاتي حد يقعد مكانك وتعرفيه الشغل."
تمكنت جزء من الفكرة من رأسها، ولكن ليس موضوع سهل كما تعتقد. تخاف أن تترك جاليري مع أحد، تريد أحد أن يكون محل ثقة لا أن يسرقها. قررت أن تترك الموضوع جانباً في الوقت الحالي، لأنه يحتاج إلى كثير من التفكير والتخطيط كي تستطيع أن تنظم جميع الأشياء في أماكنها الصحيحة. أجابت رهف عليها وعلى وجهها ابتسامة: "هبقى أفكر حاضر. بعدين أنا فرحانة إني لقيت حد أصاحبه بدل الوحدة دي." ابتسمت الأخرى لها بسعادة قائلة:
"وأنا كمان فرحانة، خصوصاً مكنش ليا غير كام بنت بس كنا زملاء بس مش أكتر. يارب تديم المحبة بينا." أمنت على دعائها والسعادة تكاد تقفز من عينيها. جاءت كل واحدة للأخرى كنجدة من الوحدة التي تملكتهم، كأنها كالنجدة التي انتشلتهم من الظلام. أضاء هاتف روضة وبدأ في رنين. أخرجته من الحقيبة، كان يصدع اسم حبيبي على الهاتف. تحدثت بابتسامة: "هرد على مالك ثواني." هزت رأسها دليلاً على موافقتها. وضعت الهاتف على أذنها حتى استمتعت
لما يقوله حتى أجابت: "حاضر. باي." أقفلت المكالمة وأردفت روضة بأسف ونبرة حزينة: "للأسف مالك جه وواقف مستني بره. مضطرة إني أمشي." أجابت عليها باسمة: "مش مهم، هنتقابل كتير متقلقيش. هزهقك." ضحك الاثنان. وقفا الاثنان، احتضنت كل واحدة الأخرى بحب حتى تحدثت روضة: "خدي بالك من نفسك. وفكري في اللي قولته لك. ولو عايزة أي حاجة ابعتيلي في أي وقت أو كلميني، أنا فاضية على طول." أجابت رهف بابتسامة لها:
"حاضر، هفكر. يلا عشان ميستنانيش." أوصلتها حتى الباب، فتحت لها الباب وتحدثت: "وصلي لي سلامي لمالك." أجابت روضة عليها: "الله يسلمك."
خرجت من الجاليري وبدأت في السير لملاقاة مالك. بحثت عنه حتى عثرت على سيارته مركونة على جانب الطريق. عبرت الجانب الآخر من الطريق. كان جالساً بالسيارة ينتظرها. فتحت الباب وجلست بجانبه. لف جسده لها واستقبلها بابتسامته المعهودة. تقدمت بجسدها قليلاً ناحية الأخرى حتى قبلت وجنتيه ورجعت لمقعدها مرة أخرى. نظر لعينيها قليلاً تحدثت باسمة: "مالك بتبص كده ليه؟ تحدث ومازالت عيناه مركزة على عينيها: "مالك، فيكي حاجة؟
ارتبكت قليلاً وحاولت أن تبعد عينيها عن عينه لأنها تعرفه جيداً. سيقلق إذا علمت أنها بكت منذ قليل. ردت بتلعثم: "مفيش حاجة. هيكون في إيه؟ أجاب عليها بهدوء: "لا، فيه. وهتقوليلي أو مش هنمشي من هنا النهاردة." حاولت جاهدة ألا تتذكر مرة أخرى حتى ردت بنبرة حزينة. نظرت لعينيه جيداً قائلة برجاء: "ينفع تاخدني في حضنك؟
تقدم بجسده قليلاً حتى أخذها بين أحضانه. كان يحتضنها كأن الدنيا تعتمد على هذا العناق. لفت ذراعها حول خصره ودفنت وجهها في صدره كأنها تود أن تخترق أضلعه وتقيم بها. شد من احتضانه ويده تعبث بخصلات شعرها واليد الأخرى موضوعة على ظهرها تقربها منه. ظل بعض الوقت في هذا العناق الساحق. كانت تتنفس رائحته التي مازالت ولازالت تدمنها. تنهدت تنهيدة قوية، كانت تستمع لدقات قلبه كأنها معزوفة موسيقى تعزف لتريه كم أن قلبه لم يُخلق إلا لينبض لها فقط.
رفعت رأسها ونظرت لعينيه ومازالت داخل أحضانها. أردف بابتسامة مشرقة: "بقيتي أحسن؟ أجابت عليه ونمت على شفتيها ابتسامة: "الحمد لله." أرجع خصلات شعرها للخلف وراء أذنها وتحدث: "أنا عازمك انهاردة على غداء بره من باب التغيير." رجعت بجسدها لمقعدها، وضعت حزام الأمان وبدأ في القيادة متجهاً لأحد المطاعم. *** البارت السادس الجزء الثاني. في القصر. على العشاء.
كان الصمت هو حليف المكان إلا من بعض أصوات المعالق والأشواك. أرادت والدتهم الخروج من الصمت حتى تحدثت وعلى شفتيها ابتسامة هادئة: "عاملين إيه في شغلكم؟ أجاب حازم بينما منشغل بتقطيع الطعام: "الحمد لله، كله ماشي تمام." أدارت رأسها ناحية رهف التي منشغلة بالطعام قائلة باهتمام وتساؤل: "وإنتِ يا حبيبتي؟ رفعت ناظرها لها وأجابت بنبرة هادئة: "الحمد لله." خيم المكان السكون مرة أخرى. تحدثت رهف فجأة: "أنا عايزة أشتغل."
نظر الجميع لها باستغراب من قرارها المفاجئ حتى تحدث سليمان ليكسر استغرابهم: "وإيه اللي فكرك بالموضوع ده؟ مش كنتِ مهتمية غير بالجاليري بتاعك؟ رغم إننا عرضنا موضوع ده عليكي." رفعت كتفيها وردت بعدم اهتمام: "مش عارفة، موضوع جه في دماغي." تحدثت حنان باسمة مطمئنة لها: "متقلقيش يا حبيبتي. إحنا معاكي في أي حاجة وأي قرار تاخديه." منحت حنان ابتسامة ممتنة لما تفعله معها دائماً. نهضت من مقعدها هتفت والدتها:
"إيه يا حببتي قومتي ليه؟ إنتِ لسه مكلتيش." أجابت رهف عليها بابتسامة هادئة: "مش قادرة آكل. هطلع فوق على أوضتي." صعدت الدرج متجهة ناحية غرفتها التي تقبع بالأعلى. تحدث سليمان: "شوفي مالها، أنا حاسس بيها متغيره." كان حازم يأكل بينما يجيب عليه: "حاضر، متقلقش عليها." *** في غرفتها.
كانت جالسة على الفراش ممسكة بهاتفها تتفحص أحد مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك". قام بنشر منشور وكتبت فيه "دائماً ما نحتاج لأشخاص لتنير لنا أشياء لم تخطر على عقولنا" وقامت بنشره. قام بعض من الأصدقاء بالتعليق على منشور، قامت بالرد عليهم. طرق الباب حتى دخل حازم. نظرت له بابتسامة. أقفل الباب خلفه وسار بخطوات متجهاً نحوها. جلس على الفراش والتف بجسده ناحيته. تحدث حازم بعدما كتف يديه لصدره:
"عايزة أعرف إيه اللي قولتي تحت. بعدين مقولتيليش ليه ها؟ أخذت نفس عميق وزفرته على مراحل. كانت أفكارها مشوشة، لا تعرف ماذا تريد وما لا تريده. تشعر بالفراغ داخلها، لا شيء جديد حتى ما كانت تحلم به وتريده لم يتحقق كما كانت تتخيل. فكرت كثيراً في كيفية التجدد، بعض الأحيان ولكن لم تلقي أي رد فعل. كان يتابع كل حركة تقوم بها حتى تعابير وجهها. يعرف ما تشعر به، ولكنه يريد أن تتحدث من تلقاء نفسها لا أن يضغط عليها.
أردفت بنبرة عادية: "مش عارفة." نظر لعينيها وتحدث: "إيه اللي مش عارفة؟ أرجعت شعرها للخلف ونظرت لعينيه أجابت بنبرة عادية: "مش عارفة أنا عايزة إيه." تقدم بجسده واتجه حتى جلس بجانبها وأخذها في أحضانه. أما هي، بدأت بالبكاء، لا تعرف مصدره. تحدث حازم بنبرة قلقة: "مالك؟ بتعيطي ليه؟ تحدثت رهف من بين بكائها: "مش عارفة. أنا مش بعيط." أجاب حازم عليها مستغرباً: "مش بتعيطي؟ أمل مين اللي بيعيط أنا؟ حاول حازم تهدئتها وبدأ
بالتربيت على ظهرها برفق: "طب خلاص، أهدي. متعيطيش." ابتعدت عنه ومسحت عينيها بكف يديها كالأطفال وتحدثت بنبرة مجهشة من البكاء: "أنا مش عارفة أنا عايزة إيه. حاسة إني مشتتة، كل حاجة مش عارفة آخد ليها قرار. أكملت بقله حيلة: ولا عارفة حابة أعمل إيه." حاول حازم أن يلطف الجو تحدث بمزاح: "إيه كمية عارفة ومش عارفة دي. إنتِ داخلة مسابقة مين هيقول مش عارفة أكتر في كلام." رسمت ابتسامة بسيطة على شفتيها. أردف حديثه:
"ينفع أعرف إيه مناسبة الشغل؟ ومن إمتى وإنتِ عايزة تشتغلي؟ أكيد مطلعتش فجأة في دماغك كده." تنهدت تنهيدة قوية وقصت عليه ما حدث معها، عدم حديث عن حديث الخاص بروضة. أنهت حديثها بنبرة عادية: "بس ده اللي حصل. ومش عارفة أعمل إيه." سألها بصيغة أخرى حتى تستطيع الرد: "طب إنتِ عندك مقدرة إنك توفقي بين الجاليري وشغلك؟
لم تستطع الرد عليه. استشف من معالم وجهها كالمعتاد بأنها لا تعرف ولا تملك الإجابة. تهاون معها كثيراً في هذا الموضوع، كثرة ترددها وعدم الإقبال على الشيء. فكر ربما عندما تكبر يبدأ ترددها في النقصان، لكن للأسف خرج من توقعاته. وإنما كلما كبرت زادت عدم معرفتها وقلة تصرفها تزداد. ويجب الوقوف أمام هذه المشكلة بحزم وشدة حتى تفيق مما هي فيه. والإقدام وأخذ خطوة للأمام. تحدث حازم بنبرة جامدة:
"وهو حضرتك لغاية إمتى صغيرة ومش عارفة تاخدي قرار؟ أي حياتك كلها هتوقفيها وأنا المفروض أفضل أحللك في مشاكلك؟ مش هتنضجي خالص." هزت رأسها برفض قائلة بنبرة مليئة بالبكاء وعينيها تهدد بنزول دموعها: "موضوع مش كده." قاطع حديثها مردفاً حديثه بقسوة غير معهودة عليها:
"لا، هو الموضوع كده. قولتلك اشتغلي واعملي كارير وكيان ليكي وجريتي وراء فتح الجاليري وقولت ده هدفها وهتبقي تحققه وتكبره. لكن إنتِ مكبرتيش حاجة. ولا حتى حاولتي تشتغلي على نفسك وتعملي للجاليري اسم ويبدأ يظهر ويبان. إنتِ واقفة مكانك. وأنا المفروض كالمعتاد أحل معاكي. بس لأ. دوري لغاية كده وانتهى موضوع الشغل ده. يتفكر فيه مرة واتنين وتلاتة. لو مقبلتيش الموضوع هيتقفل نهائي. ولو جيتي في يوم واتنططتي كده مش هشغلك واخليكي
قاعدة كده الناس كلها تروح وتيجي وتكبر نفسها وأنتِ خليكي زيك زي أي حاجة مركونة هنا ملهاش فايدة. عشان لما تندمي متقوليش أصل ياريتني. جو اللي كنت حنين وبطبطب عليكي ده انتهى. لأن باين تساهلت معاكي كتير. جه وقت اللي أقف فيه قصادك وأعلمك إزاي من أول وجديد. هسيبك تفكري وتقرري، وفي الآخر هبقى أعرف قرارك. ويا ريت مشوفكيش غير وأنتِ مقررة."
نهض بجسده واتجه نحو الخارج بعدما أغلق الباب بشدة دليل على غضبه وسخطه منها. نظرت إلى الباب وبدأت دموعها في الهطول من عينيها. نامت على الفراش واحتضنت الوسادة وبدأت بالبكاء الشديد. لم تعهد منه هذا الجانب، دائماً يصبح حنون معها، يعاملها كالأميرات. حتى عندما تسمع عن قسوته في العمل وجموده لم تصدق عن هذا الجانب. لكن رأت حازم الذي دائماً ما يخفيه عنها وعن شخصيته، بينما هي السبب وراء هذا الجانب. ظلت تبكي لكثير من الوقت حتى أرهقت عينيها ولم تقدر على فتحها. أما رأسها بدأ بالصداع الشديد. غرقت في النوم العميق والوسادة مبللة من كثرة البكاء.
*** في الصباح الباكر. كان الجميع يجلس يتناول فطوره ما عدا رهف، لم تنزل من غرفتها. تحدثت حنان بقلق على ابنتها: "البنت منزلتش لغاية دلوقتي. هنده على حد يصحّيها." أجاب عليها حازم بعدم اهتمام: "خليها زي ماهي. مبقتش صغيرة. يلا لازم أمشي." نهض أخذ هاتفه واتجه للخارج. استغربت حنان بما قاله حيث قالت مخاطبة لسليمان: "يعني إيه أسبها زي ما هي؟ باين عليه زعلها في حاجة." أجاب سليمان عليها باهتمام:
"ولادك مش صغيرين. وحازم عارف هو بيعمل إيه ويتصرف إزاي معاها." *** في نفس الوقت. في الأعلى، حيث غرفة رهف. فتحت عينيها بإرهاق، تحركت بجسدها حيث نامت على ظهرها. شعرت بالصداع الشديد، عرفت أنه من كثرة البكاء. تأملت قليلاً السقف بشرود. استمعت لوصول رسالة عبر تطبيق الماسنجر، حيث لم يكن إلا يزن الذي كتب: "الناس تصحى على صباح الخير وأنا أصحى على الناس عميقة 👀🤦". نمت على شفتيها طيف ابتسامة تكاد تكون معدومة على مزاحه.
أجابت عليه: "عشان إحنا نختلف عن الآخرون." كتب يزن: "اعترفي بوست ده متكتبش من فراغ، أي سببه؟ 👀🤔" كتبت رهف: "لا عادي، مجرد جملة جت في دماغي 🤷". كتب يزن: "تؤ تؤ، مش دي إجابة اللي أحب أسمعها 🌚🙂". كتبت رهف: "هو إن يكون الشخص دايما متردد ومبيعرفش ياخد قرار معين ده غلط؟ كتب يزن: "مين قال إنه غلط؟
أي مشكلة. إحنا مش زي بعض. في اللي عنده واجهة وهدف عايز يحققه وفي اللي دايماً بيحتاج شخص يوجه ويسانده. بس دي مشكلة. المشكلة إن الشخص ده يتعود على المساندة، لو راحت هيضيع ويروح معاه." كتبت رهف: "للأسف أنا دايماً مترددة في قراراتي. مبعرفش أختار وبالنسبالي أي حاجة مش هتفرق. حيث بدأت في قص موضوع العمل وبما قاله حازم لها."
كتب يزن: "حازم عنده حق في كل كلمة قالها وهو صح. مينفعش تبقى الناس كلها تتغير وإنتِ واقفة مكانك. لازم تتغيري إنتِ كمان. حاولي تتغلبي على ده ومش عيب لو أخدتي قرار وطلع غلط، المهم إنك تتعلمي منه وتبدأي القرار اللي بعده تختاريه صح وبتأني. الحياة تجارب وإحنا كل يوم بنتعلم. مرة قرار يثبت معانا ومرة يفشل. المهم إنك تحاولي، دي أهم حاجة." كتبت رهف: "وأنا أقول مصاحب حازم ليه. أتاريكم نفس النظام."
كتب يزن: "الموضوع مش نفس النظام ولا حاجة. الموضوع إن ده الصح والمفروض يتعمل. وبعدين متقلقيش، كلنا معاكي وجمبك. بعدين اكتسبتي صديق جديد أهو قمر وزي الفل 😌😎😎". ضحكت رهف بشدة على ما قاله لها. كتبت رهف: "متشكرين لخدمات سيادتك 😂". كتب يزن: "موجودين في الخدمة يا فندم 😎😌. بعدين يلا بقى هوينا كده شوية. عندي مرضى وبيندهوا عليا." ضحكت وكتبت: "ده على أساس إنك سامع وهما بيندهوا عليك 👀🙄".
ابتسم ثم كتب: "أمل أي في علاقة بيني وبين المرضى أقدر أسمعهم عن بعض 😂😋". كتبت: "يلا روح شوف شغلك. باي." كتب لها: "باي باي يا قطة 😌". أقفلت معه الرسائل، وضعت الهاتف بجانبها وأخذت الوسادة في حضنها مرة أخرى. حيث أغمضت عينيها وهذه المرة وعلى وجهها ابتسامة مشرقة الذي استطاع أن ينميها على شفتيها بعدما كانت تبكي. *** ساعة الرابعة مساء. في المشفى.
كان يجلس يزن يتابع أخر أوراق وتنظمهم بشكل صحيح بعد قراءتهم. فتح الباب بشكل عنيف للغاية، رفع ناظره بقسوة مقرراً تعنيف من أقام بهذا الفعل الشنيع. تحدث الممرضة بأنفاس متسارعة وكلمات متقطعة: "الحق يا دكتور. المريض في أوضة 105 قلبه وقف ومش عارفين نتصرف." نهض بسرعة ومتجهاً بسرعة البرق ناحية الغرفة لإنقاذ المريض. في الغرفة.
كان المريض جسده ينتفض بشدة وعائلته حوله تبكي بشدة مودعة إياه غير مصدقين لما يحدث. فتح الباب بعنف حتى دخل سريعاً للداخل. أبعد الناس التي تلتف حوله. فحص عينيه بكشاف صغير وعروق جسده. هتف بنبرة عالية للممرضة: "كل الناس دي... خرجيها بره." حاولت إزاحتهم ولكن كلما حاولت إخراجهم زاد تشبثهم وصوت العويل والبكاء يزداد. وجد أن الجميع مازال متواجد في الغرفة. تحدث يزن بعصبية ونبرة عالية محملة بالغضب: "بره... كله بره."
خاف الجميع من نبرة صوته وخرجوا سريعاً بينما هو يحاول إنقاذه. تحدث للممرضة: "هاتي لي حقنة... بسرعة وجهاز الإنعاش." ذهبت سريعاً للخارج وجلبت ما طلبه. دخلت ثم أعطته الإبرة. بدأ بملء السرنجة ووضعها بالمحلول حتى فرغ الحقنة كلها في المحلول. لكن مازال صوت صفير الجهاز يدل على أن قلبه انتهى وحياته كذلك. هتف يزن: "شغلي الجهاز بسرعة." أخذ الجهاز بعدما وضعت به السائل، فركه ببعضه سريعاً وبدأ بوضعه على صدره. لكن لم يستجب.
تحدث للممرضة: "أعلى." وضعه مرة أخرى لكن لا فائدة حتى زودت السرعة، وضعه مرة وراء الأخرى حتى بدأ الصفير يقل ويبدأ نبضات قلبه تعود مرة أخرى. أخذ تنهيدة قوية بعد مجهود كبير فعلوه. تحدث يزن: "خدي دم بسرعة واعملي لي تحاليل. وتتعبي فوراً أول ما النتيجة طلعت." خرج يزن من الغرفة وجد الجميع يلتف حوله منتظرين الإجابة التي أخذوها سابقاً. لكن تحدث يزن بابتسامة بسيطة معتذرة:
"الحمد لله قدرت أنقذه. وأتأسف على علو صوتي بس ده كان في مصلحة المريض." تنفست عائلته براحة شديدة حيث أجاب أخيه: "شكراً جداً يا دكتور على اللي عملته. إحنا اللي بنعتذر على عدم خروجنا من أول مرة، بس أكيد عاذرنا." هز رأسه بتفهم قائلاً بتوضيح: "عارف ومتفهم. الحمد لله الأزمة عدت على خير." تحرك من أمامهم متجه لغرفته مرة أخرى وإكمال باقي عمله الذي تركه على وجه السرعة. بعد ساعتين.
دلفت الممرضة بعدما طرقت الباب. وضعت أمامه نتيجة التحاليل الذي طلب فعلها. فتح الملف باهتمام، لكن تحولت عيناه من متفحصة مهتمة بالمحتوى إلى غضب مكبوت وزرقة عينيه الهادئة بدأت بالتحول لزرقة مليئة بالغضب. حتى معالم وجهه التي تبدلت كلياً، حيث أنها لا تبشر بالخير إطلاقاً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!