في شقة مالك فتح الباب بمفتاحه الخاص ودخل بخطوات مُرهقة. بحث عنها بعينيه حتى نادى عليها بنبرةٍ عالٍ: "روضه يا روضه." تفت روضة من داخل المطبخ مجيبة: "أيوة يا حبيبي... أنا هنا." سار حتى دخل لها، وقف على عتبة الباب حيث سند جسده على الحائط مربع يديه على صدره، يراقبها وابتسامةٌ محببةٌ مُرتسمةٌ على شفتيه. كانت تقف تنتهي من إعداد الطعام. التفت بجسدها له وعلى وجهها ابتسامةٌ ساحرة. تقدمت منه حتى تحدثت: "حمد الله على السلامة."
أجاب مالك عليها بابتسامةٍ محببة: "الله يسلمك." قلقت من ملامح وجهه المرهقة، أردفت بنبرةٍ قلقة: "مالك... فيك إيه؟ أجاب مالك بنبرةٍ مرهقة: "مفيش، تعبان شوية... محتاج أنام." أجابت روضة بإصرار: "أنا حضرت الأكل... كل ونام بعدها." اعتدل في وقفته متحدثاً: "لا هنام بعدين أبقى آكل." أمسكت روضة يديه مكمله بأصرار: "لا هتاكل. لو مأكلتش مش هاكل." خضع لها وأومأ لرغبتها مجيباً باستسلام: "خلاص، هدخل آخد شاور وأجى."
شعرت بأنه ليس بخير. تعرفه، دائماً في بعض الأحيان لا يرضى أن يظهر ضيقه لها. لم تجب عليه، بل لفت ذراعيها حول عنقه واحتضنته بحنيةٍ شديدة. لم يمانع، وأنما وضع يد على ظهرها والأخرى على خصرها. أخفى وجهه في عنقها متنفساً بعمقٍ شديد كأنه كان ينتظر هذا العناق. ظل هكذا بعض الوقت حتى ابتعدت عنه متحدثة بنبرةٍ حانية: "يلا عقبال ما أحط الأكل." بعد تناول الطعام
جلسا الاثنان على الأريكة. جلس مالك وظهره مسنود على الأريكة، بينما وضعت كوبان من العصير بعدما أعدته. جلست على الأريكة وهي أمامه، ربعت قدمها وسندت ذراعها على فخدها. تحدثت بفضول: "ها قوللي مالك بقي." أجاب مالك عليها بابتسامة: "تعالى." سحب يديها حتى أدارها وأراح ظهرها على صدره. لف ذراعيه حول خصرها. ظل الصمت هو من يغلف المكان. تركته ولم ترد أن تضغط عليه حتى يتحدث بمفرده. تحدث بعد فترةٍ من الصمت الشديد: "زعلان على يزن...
ومش بإيدي أعمله حاجة." لفت روضة رأسها له مجيبة: "زعلان من إيه؟ اتخانقتوا في الشغل؟ هز مالك رأسه بنفي مردفاً: "لا عشان الجواز... اتكلمنا تاني النهاردة بعد ما خلصنا الاجتماع... وهو كالعادة سابني ومشى." رجعت برأسها مرة أخرى مجيبة بنبرةٍ هادئة: "بلاش تضغط عليه بعدين... هو مش بإيده." أجاب مالك بنبرةٍ متضايقة: "أيوة عارف ده... بس بإيده إنه يدور ويشوف يتقدم بأي خطوة." أجابت روضة بنبرةٍ هادئة: "أكيد شاف ومعجبوش...
ماهو كل يوم بيشوف في المستشفى في الحفلات اللي بتحضروها... لو كان في حاجة عجبتة كان قالك... سيبه على راحته." تأفف بضيق وحزن على صديقه، يقلق عليه دائماً ومن وحدته الذي فُرضت عليه. قاطعت تفكيره متحدثة بقلقٍ استشعره هو: "كنت عايزة أروح للدكتورة أكشف." لفها بقلقٍ له واعترى وجهه القلق شديد متحدثاً: "مالك فيكِ إيه؟ حاسة بحاجة وجعاكي؟ نفت برأسها مكملة حديثها بتوترٍ بينما تفرك يديها: "لا...
كنت عايزة أروح لدكتورة نسا عشان أكشف." زفر براحةٍ بأنه لم يصيبها مكروه، حيث تحدث باهتمام: "في حاجة بتشتكي منها؟ نظرت لعينيه مباشرةً ثم ردت: "عايزة أشوف اتأخرت ليه في الحمل... بقالنا أكتر من سنة ومافيش حاجة حصلت." وضع كفيه على وجهها مردفاً بحنانٍ شديد: "وأي مشكلة بعدين... أكيد ربنا هيرزقنا... مهم أنك تصبري." أجابت بإصرارٍ شديد لتنفيذ ما تريده: "لا عايزة أروح... وأطمن بنفسي." مسد على شعرها حتى
جذب رأسها على صدره ثم قال: "اللي تحبيه... بكرة هنروح سوا المستشفى عند يزن... عشان تطمني براحتك." هزت رأسها حتى وضع قبلة على خصلات شعرها. ثوانٍ حتى قرع جرس الباب دليل على وصول أحدهم. رفعت رأسه من على صدره حتى وقف واتجه ناحية الباب ليرى من الطارق في هذا الوقت. فتح الباب حتى قابل والدته وعلى وجهها البشوش ابتسامةٌ بسيطة قالت: "معلش لو جيت دلوقتي... بس زهقت أقعد لوحدي وجيت أشوفك وحشتني." أتت روضة من
خلف ظهره متحدثة بابتسامة: "أنت بتسألني؟ ده بيتك يا ماما تعالي." دخلت زهرة حتى أقفل مالك الباب خلفها ثم قبل رأسها بحنانٍ شديد. تحدثت زهره بعتاب: "ولا حد منكم يسأل عني... والبه مش بيكلف نفسه يسأل عني لسه عايشة ولا موت." أجاب مالك بأسف قائلاً بغضبٍ طفيف من نفسه: "أسف يا ماما بجد... بس يزن كان مشغول وأنا كنت شايل الشركة كلها." احتضنتها روضة بحنانٍ وعلى وجهها ابتسامةٌ قائلة: "وأنا أقدر أزعل القمر بتاعي؟
أنا أسفة والله حقك عليا متزعليش منا." أشاحت زهره وجهها عنهم قائلة بعتاب: "لا لولا إن أنا نزلت مكنش حد منكم قرر يجي... رغم إن شقتين فوق بعض." قبل رأسها متحدثاً بابتسامةٍ مشاكسة: "خلاص يا زوزو... متزعليش بعدين مقدرش على بعدك ده أنت الحتة الشمال." رفعت زهره حاجبها بسخريةٍ مجيبة: "لا يا وله... اضحك عليا ب كلمتين." خرجت من حضنها وأخذتها من يديها مردفة: "طب تعالي أجيبلك عصير تهدّي بيه... ونصالح القمر بتاعنا." ***
في مساء اليوم التالي في مبنى يقع في حي سكني إلا ما شعبي... حيث محلات البقالة ومحلات تجارية كل ما تتمناه تجده. في شقة تقبع في الدور الثالث من العمارة. نجد رجلاً يغزو الشيب رأسه يمتلك من العمر التاسع والستون يجلس أمام التلفاز يشاهد آخر الأخبار. يفتح الباب وتدخل فتاة على وجهها ملامح مجهدة. جلست على الأريكة وأراحت جسدها عليها بأريحيةٍ شديدة. ابتسم لها قائلاً: "حمد الله على السلامة يا حبيبتي." أجابت بابتسامةٍ مجهدة:
"الله يسلمك يا حبيبي... بقيت عامل إيه دلوقتي؟ التعب راح؟ أجاب سمير عليها: "الحمد لله يا بنتي أحسن من الصبح... عملتي إيه النهارده؟ أراحت رؤى رأسها للخلف براحةٍ متممة: "قضايا كانت كتير والشغل كتر... وكل قضية عايزة دماغ عن التانية... المهم مينفعش تنزل الشغل تاني خلاص. أنت بقيت تتعب من أقل مجهود... تروح بكرة تقدم استقالتك وأنا بشتغل والدنيا هتمشي." أجاب عليها ورأسه منشغل بالشركة وكيفية الاستقالة: "بس مقدرش يا بنتي...
ده أنا خدمت عمري فيها من أيام حسين بيه بعدين جه مكانه حازم." أرادت إقناعه بترك العمل والاهتمام بصحته جيداً. تقلق عليه دائماً عندما يذهب لعمله حيث قالت رؤى: "يا بابا لازم تهتم بصحتك شوية وخلاص اشتغلت معاهم كتير جه وقت الراحة... بعدين أكيد ابنه هيقدر تعبك... وأنت كبرت مينفعش تهدر صحتك... أنا بخاف عليك." فكر قليلاً بحديثها حتى فكر ربما ب فكرة تستطيع بحل المشكلة وتشعر ببعض الراحة. قال سمير: "ماشي هقدم الاستقالة."
ضحكت لأنها نالت ما أرادته، ولكن اتمحت الابتسامة مرة أخرى من اقتراحه. أردف حديثه مكملاً: "هتمسكي مكاني أنت الشغل." اعترضت رؤى على حديثه مردفة: "أمسك مكانك إيه يا بابا... هو حضرتك ناسي إني بشتغل في مكتب محاماة؟ أمسك يديها بين يديه مكملاً حديثه بنبرةٍ هادئة: "لا مش ناسي... بس أنا مقدرش أسيب شغل الشركة لحد تاني مقدرش أأتمن لحد." تحدثت رؤى بتعجب: "إحنا مالنا... أنت هتقدم الاستقالة وهو يشوف حد غيرك...
وهو أكيد أدرى بمصلحته." هز سمير رأسه بنفي مكملاً بإصرار: "لا مالنا الشركة دي أمانة... وقضيت عمري فيها من ساعة ما استلمت الشغل من حسين بيه." نفخت رؤى بنفاذ صبر محاولة استمالته عن قوله: "يا بابا أنا أصلاً ليا شغلي وحياتي مينفعش إني أسيب كل ده... وأروح أمسك مكانك... بعدين مين قال إن ابنه ده هيرضى أصلاً." هتف سمير بإصرار على قراره: "ملكش دعوة أنت... أو هنزل أكمل شغلي عادي بعدين أحياناً كتير مبيبقاش الشغل كتير...
تقدري تشتغلي في قضايا بتاعتك... بكرة تقولي لمستشار بتاعك وأنا هكلم حازم." أتت في هذا الوقت والدتها من الغرفة بعدما استيقظت من غفوتها. رأتها جالسة بجانب زوجها قالت حانية: "جيتي إمتى... حمد الله على السلامة يا حبيبتي... تحبي أحضرلك الغداء." لم تجب عليها بينما نهضت واتجهت لغرفتها. ثم أقفلت باب الغرفة بغضب. استغربت من حال ابنتها واتجهت حديثها لزوجها باستنكار: "مالها؟ قولتلها إيه؟ يخليها متعصبة."
راح جسده أكثر على الأريكة متحدثاً: "مفيش قولتلها تمسك مكاني في الشركة." جلست بجانبه وهي تحاول أن تفيق من أثر النوم قالت متعجبة: "اللي بتقوله ده يا راجل... ماهي البت بتشتغل أنت ناسي ولا إيه." أجاب سمير عليها بعدما مسك ريموت التلفاز مرة أخرى: "لا مش ناسي... بس مقدرش آمن على شغل في الشركة غير ليها." في الغرفة
رمت حقيبتها بعصبية وظلت تتجول في الغرفة بضيق وغضب من قرار والدها. لا تعرف ما تفعله ولا كيفية العمل بين جهتين. حتى والدها لم تعرف أن تثنيه عن قراره. يبدو الإصرار على قراره الذي يراه من وجهة نظره صحيح، لكنه ليس صحيحاً بتاتاً. قررت أن تأخذ حماماً بارداً لعلها يساعدها على التفكير. نامت على الفراش بعدما انتهت من حمامها. لم تشعر بالجوع فقررت النوم كحل أفضل. لا تعرف هل سيوافق مديرها على هذا القرار. أم المدير الآخر هل سيوافق على تعيينها وهي تعمل بمكان آخر. شعرت بالصداع من كثرة التفكير في الأمرين مع كمية القضايا التي عملت بها اليوم. قررت النوم وترك جميع كل شيء لتنعم بنوم هادئ.
*** في الشركة كان يتفحص الأوراق الموضوعة أمامه باهتمام وتركيز عالٍ. دق الباب حتى دخلت السكرتيرة. قال بينما عيناه لم تزيح عن الأوراق بنبرةٍ جدية: "خير." أجابت بنبرةٍ عملية: "أستاذ سمير المحامي مدير الشئون القانونية." أجاب حازم بجدية: "دخّليه." خرجت من الغرفة وثوانٍ حتى دلف. ثم أقفل الباب خلفه. وقف له بابتسامةٍ مد يديه حتى سلم عليه بابتسامةٍ مماثلة. تحدث سمير: "جيت من غير معاد، يارب مكونش عطّلتك." أجاب حازم بابتسامة:
"تعطِّلني إيه؟ ولو تعطِّل أفضل لك أنت غالي عندي." أجاب سمير عليه بطيبة: "الله يخليك." تحدث حازم باستفسار: "سألت عليك قالولي إنك تعبان... مالك ألف سلامة عليك." أجاب سمير بتوضيح: "الله يسلمك... أنت عارف السن وحكمه... بس أنا كنت جاي لحاجة تانية." انتبه حازم له بكامل تركيزه قائلاً: "اتفضل." تحدث سمير في عرض الفكرة عليه لعله يوافق على طلبه:
"أنت عارف إني كبرت والحمد لله فضلت ماسك الشركة من ساعة ما اتعملت أيام بشمهندس سليمان... جه الوقت اللي أرتاح فيه... وكنت جاي أقدم استقالتي بس حبيت إن بنتي هي اللي تمسك مكاني... ممكن تستغرب من الموضوع بس من ساعة ما مسكت الشغل ودي أمانة بالنسبالي... وحابب إني أسلمها مكاني."
صمت قليلاً لم يجيب على اقتراحه أو فكرته، بل فكر بتعجبٍ قليلاً من طلبه الذي إلى حد ما غريب. بالتأكيد يعرفه من أيام والده عندما كان يسمع اسمه كثيراً يتردد بين والديه في الحديث عن الشركة. وأنه ساهم كثيراً عندما كانت الشركة في انتكاسات دائمة بسبب السوق والمنافسة بين الشركات وخاصة في بداية افتتاح الشركة عندما كان يحاول والده أن ينهض بها وأن يبني اسماً له. كان يساعده دائماً في الإجراءات القانونية خاصة الصعبة عندما كان
والده لا يجد حلاً لمشكلة ما كان يساعده، ويقدم له الحلول حتى نهض بالشركة ووضع اسمه بين رجال الأعمال. حتى ما وصلت بها الحال حتى بعدما تولى مسؤولية خلف والده وجاهد كثيراً ليثبت نفسه حتى ارتقى بالشركة. ووصل بها إلى أعلى المراكز حتى اكتسح السوق بجدارة ومساعدة موظفينه والمحامي. يعرف أمانته ولا ينكر مهاراته في إدارة الأعمال. ولكن يضع سؤال هنا لماذا ابنته ما المميز بقي حتى يترك لها كل هذا الحمل. هو ليس من الناس التي تذهب من
العمل، ويترك ابنه يشغل مكانه. لابد أن يعرف لماذا ابنته التي يضع بها كامل الثقة لتمسك منصباً كهذا. إلا إذا أنها جديرة بهذه الثقة. ولابد أن يعرف ابنته وعن حياتها. وضع يديه في داخل بعضها على هيئة قبضة وسند بذراعه على المكتب حيث تقدم بجسده للأمام وأجاب بجدّيته
المعهودة: "طبعاً أنت غالي عندي وكل حاجة... بس مش غريب شوية إنك تمسك بنتك مكانك." رد الآخر بجدية: "زي ما قولتلك هي أنسب حد للمكان ده." أجاب بكلمات قاسية قليلاً: "انت عارف إن مش أي حد يقدر يمسك أي شغل هنا غير إنه يكون قدّه. بعدين سمعت إن بنتك بتشتغل اللي يخليها تسيب شغلها وتيجي هنا... وأنا إيه اللي يضمني إنها قد المسؤولية... بس آسف الكلام لوحده ميكفيش." أجاب عليه متوقعاً رد فعله قائلاً سمير:
"لا هي مش هتقدر تسيب الشغل... هي هتشغّل الاتنين مع بعض... بعدين الأمور حالياً مستقرة ومفيش أي مشاكل... ولو في حاجة أكيد هتعرف تحلها وتوفق بين الاتنين... وتقدر تعمل انترفيو بكرة وتشوفها مناسبة ولا لأ... أعطاه ورقة استقالته... دي الورقة جاهزة على التوقيع بس." فكر لثوانٍ بعدها أخذ حازم قلمه ووقع على الورقة وقدمه لها متحدثاً بابتسامةٍ قال: "سعيد إني اتعاملت معاك لأنك شخصية محترمة وتستاهل التقدير...
وبكرة إن شاء الله تيجي هنا الساعة تسعة عشان المقابلة." نهض من مقعده وغمرته راحةٌ نفسية لتحقيق ما أراد. مد يده لها حتى وقف حازم وسلم عليه. تحدث حازم باسمًا: "هفتقدك في الشغل... وتكون إجازة نهاية الخدمة كويسة... تروح الحسابات عشان يتصرفلك شيك." سعد كثيراً ولكن باستحياءٍ قليلاً أجاب سمير: "ملوش لزوم يابني." أجاب حازم بهدوء: "ده حقك... وحق المجهود اللي عملته هنا طول السنين."
شعر بالسعادة تغمره وأنه سيستطيع تأمين حياة ابنته. بهذا المبلغ وأن قراره في محله لأن ابنته تستحق هذه المكانة. قال سمير: "أشكرك... وفرصة سعيدة عن إذنك." اتجه بـ جسده للخارج ثم أقفل الباب خلفه. جلس على مقعده ورفع سماعة هاتف الشركة يطلب مدير الحسابات. تحدث حازم بجدية: "أستاذ سمير هيجيلك دلوقتي."
تصرف له أكبر مكافأة من خزينة الشركة لنهاية الخدمة. وضع سماعة الهاتف ورجع بجسده للخلف بارتياح. يفكر قليلاً بهذه الفتاة التي وضعت في طريقه ووضع شرط لتقديم استقالته. لماذا هي. نظر للأمام بشرودٍ هاتفا: "لما نشوف بكرة هتبقى عاملة إزاي... وتستاهلي الثقة دي ولا من أول محاولة هتفشلي." *** مكتب المحاماة جلست على المقعد وزفرت بإرهاق. أزالت بعضاً من قطرات الماء على جبهتها. دخل الساعي المكتب. رآته وهو يحمل كوب ماء. نادت عليه:
"عم إبراهيم كوباية الميه دي بسرعة." اتجه ناحيتها بخطى سريعة. أعطاها حتى أخذتها منه سريعاً وشربتها على جرعةٍ واحدة. قال مشفقاً على حالتها: "حرام الدنيا حر النهاردة." أجابت بابتسامةٍ مرهقةٍ قليلاً: "حالة طلاق ودي جلسة أخيرة... عقبال ما خلصت الإجراءات وجيت على طول... المهم المستشار جه." أجاب إبراهيم بابتسامة: "أه في مكتبه... ربنا يوفقك ويعينك." نهضت وابتسمت له وتخطت للخارج قالت: "يارب." اتجهت إلى مكتب المستشار.
وقفت أمام السكرتيرة وقالت: "المستشار فاضي ادخله." هزت رأسها إيجاباً حتى اتجهت للباب. طرقت الباب. ظلت تدعو في داخلها للموافقة على الجنون الذي فرضه عليها والدها. سمعت أذنه للدخول. تنفست بعمق وزفرته ثم فتحت الباب وعلى شفتيها رسمت ابتسامة. جلست أمامه متحدثة: "صباح الخير يا مستشار." ابتسم لقدومها. منذ أن عملت هنا رأى إصرارها واجتهادها. لذلك يوكل لها أصعب القضايا وفي كل مرة تثبت جدارتها لذلك يعتبرها كابنته. قال مبتسماً:
"جيت ملقتكيش كنتي في المحكمة." أجابت رؤى ومازالت ابتسامتها مرسومة: "كان عندي قضية طلاق بدري فا روحت وجيت... بس كنت حابة أحكي لحضرتك على حاجة لأن مش عارفة أتوصل لقرار... وحبيت آخد رأي حضرتك." أجاب عليها: "اتفضل." قصت عليه ما دار بينها وبين والدها كاملاً حتى اختتمت حديثها قائلة: "مش عارفة ليه متمسك بقراره... وأنا مستحيل أعمل اللي عايزه." فكر قليلاً ثم تحدث: "وأنت معرفتيش ليه مصمم؟
أكيد في سبب لده مش مجرد هيقرر وخلاص. والدك وقور بعدين ده مش أي حد... أكيد عارف هو بيعمل كدة ليها." حارت قليلاً لأنها تعرف والدها ولكن أجابت بقلة حيلة: "هو عايز كدة وخلاص... وأنا ليا شغلي الخاص مش هقدر أوفق بين الاتنين... وجيت عشان آخد نصيحتك." ظل ينظر للأمام بصمت يفكر بتمعن حتى تحدث موجهاً نظره لها: "طالما هو مصمم وافقي وبكرة روحي شوفي المقابلة هتمشي إزاي... وعلى أساسها حددي هتكملي ولا لأ."
أغضبته من إجابته لم تكن هذه الإجابة التي أرادت سماعها. تحدثت بغضب: "حضرتك أنت كمان هو أي عامل لكم حاجة؟ مش هروح بكرة." كلمها بلطف ولين حتى يوضح وجه نظره. قال بلين: "يا رؤى أنت لسه في بداية طريقك. ومينفعش تشتغلي في مكان واحد... عشان تاخدي خبرة لازم تدوري الدنيا كلها... تشتغلي في مكان يوم ومكان تاني شهر وتعرفي اللي ينفع واللي مينفعش... مينفعش تثبتي على مكان واحد غلط. أمل هتاخدي خبرة منين؟
الخبرة مبتجيش غير من التجارب وإنك تلفي الدنيا كلها... أنا تعبت عقبال ما وصلت للمكتب ده موضوع مش من يوم وليلة... لا لازم يكون عندك الخبرة الكافية قبل ما تخطي لخطوة قدام عشان تبقي قدها وتقدر تواجهي مشاكلها... أي مشكلة تشتغلي هنا وهناك... جربي وشوفي الحياة تجارب... أنا راجل كبير وعارف بقول إيه الدنيا مش كل مرة هتقف معاكي في مرة هتغدر بيكي... فيا تقفي قدام غدرها وتواجهيها... ولما توقعي تقومي تاني...
يا هتقعي ومش هتقومي تاني." فكرت في حديثه حتى أجابت بقلة حيلة وبال مشغول بحديثه الذي غير مسار تفكيرها لمنظور آخر لم تنظر له من الأساس. قالت رؤى: "هفكر في اللي قولته حضرتك... وأكيد هوصل لقرار... عن إذنك."
نهضت ببال مشغول وعقل يفكر في كل كلمة نطق بها وتعيد تحليل المشهد مرة أخرى. حتى توصلت بعد تفكير كثير وإعادة النظر من جانب آخر توصلت للذهاب للمقابلة غداً. على أساسها سيتحدد الكثير من الأمور. لكن ما شغل تفكيرها هذا المدير الذي سيوافق على تعيينها بكل هذه البساطة لمجرد طلب من والدها. *** في المساء
كانت جالسة على الفراش وعلى قدميها الحاسوب تحاول أن تنسق الألوان مع بعضها. وضعت كامل تركيزها عليه على أن تخرجه في أبهى صورة. أصدر هاتفها رنيناً مخصصاً يعلن عن وصول رسالة من تطبيق "الماسنجر". لم تعير له أي انتباه إلا أن انتهت. نظرت بفخر لنفسها على ما فعلته. والابتسامة ارتسمت على شفتيها. صقفت بمرح لما أنجزته بعد ساعات من محاولة حتى أخرجته في أحسن صورة. لعلى ينال إعجاب المهندس كما نال إعجابها. أقفلت الحاسوب حتى شعرت ببعض
الجوع قررت النزول للمطبخ والبحث على شيء يسد جوعها. نزلت على الدرج حتى اتجهت للمطبخ. فتحت الثلاجة ووقفت أمامها بحيرة تبحث عن شيء تستطيع أكله. دلفت الخادمة وجدت رهف واقفة أمام الثلاجة وبابها مفتوح وعلى ملامحها الحيرة في اختيار ماذا ستأكل. تحدث
الخادمة مبتسمة على هيئتها: "تحبي أساعدك في حاجة يا هانم." انتفضت رهف من مكانها على أثر الصوت. نظرت لها بتفاجؤ من وجودها وجسدها مازال في أثر الخضة: "مش تكحّي أو تعملي أي صوت." خافت قليلاً وتحدثت وهي ناظرة للأرض باستعطاف قائلة: "أنا آسفة يا هانم... حقك عليا سامحيني." ابتسمت لها باطمئنان. بعدما هدأت من أثر الفزع حيث قالت رهف: "مالك خايفة ليه؟ عادي بتحصل أنا اللي محسيتش... محتارة آكل إيه فا سرحت."
رفعت لها رأسها بتفاجؤ من ردة فعلها الغير متوقعة. توقعت أن تنهال عليها بالكلمات المسيئة. لكن خالفت كل توقعاتها حتى قابلتها بابتسامة مطمئنة. قررت أن تنسيها ما حدث وقالت بعفوية بعدما نظرت مرة أخرى للثلاجة بحيرة في ماذا تختار: "متعرفيش الواحد منا لما يجوع بالليل يأكل إيه... لأني جوعت مرة واحدة ومحتارة آكل إيه." أجابت الخادمة عليها ببساطة: "طب أنت نفسك في حاجة معينة مثلاً."
أقفلت الباب وسحبت مقعداً حيث توجد منضدة صغيرة يحيطها أربع مقاعد. سحبت واحداً وجلست قائلة بتفكير: "والله لو كنت أعرف، مكنتش الإجابة هتغلى عليكي." ضحكت الخادمة على جملتها الأخيرة تحدثت بامتعاض: "اضحكي اضحكي... ما أنت مش مكاني وتحسي باللي أنا فيه."
ظلت تفكر قليلاً بماذا تأكل. سؤال يصعب إجابته. لو كانت أمام تصميم لاستطاعت إيجاد حل. ولكن عند الطعام يعجز الجميع عن إجابة هذا السؤال كأنه من أحد الاختراعات الجديدة التي يصعب فهمها. وضعت يديها على وجنتيها وقالت الخادمة: "هو في لانشون وفينو." أومأت الخادمة برأسها مجيبة: "أيوة موجودين." نهضت مرة أخرى واتجهت لفتح ثلاجة للمرة التي لم تعرف عددها. ألقت نظرة متفحصة لها. أخرجت ما تريده ثم وضعته على رخام المطبخ.
تحدثت للخادمة بلطف: "خلاص روحي أنت... وأنا هعمل بنفسي عشان بمزاج." ردت عليها بطاعة: "اللي حضرتك تأمريه." انزعجت قليلاً حيث قالت: "بلاش حضرتك وحاجات كبيرة دي... أنا رهف على طول حتى اسمي سهل وبسيط." أكملت بمزاح: "بعدين ده منظر واحدة يتقالها حضرتك لا خالص."
ضحكت الخادمة واتجهت للخارج مرة أخرى. بينما وضعت اللانشون والفينو على الرخام ومعهم الجبنة. أخرجت هاتفها من جيب بنطالها وشغلت أحد أغانيها المفضلة. بدأت في عمل السندوتشات حيث فتحت الفينو بالسكينة. أخذت ملعقة ووضعت الجبنة فوقه قطعتين من اللانشون. بينما تتمايل على لحن الأغنية. انتهت من عمل الأربع سندوتشات. بدأت في تنظيف ما حولها وأرجاع كل شيء في مكانه. أغلقت الأغنية وأحضرت الطبق حيث وضعت ما قامت به. أمسكت الطبق في يد
والهاتف في اليد الأخرى. خرجت من المطبخ. مشت حيث كانت ستضع قدمها على أول درجة ولكن استمتعت لصوت التلفاز. نظرت للهاتف باستغراب حيث كانت الساعة الواحدة والنصف. قررت أن تذهب وترى من يجلس في الصالة. سارت حتى وصلت للصالة حيث موضع التلفاز. رأت حازم بينما جالس على الأريكة يشاهد فيلماً أجنبياً. شعر بها حتى نظر لها. تحدثت باستغراب بأنه ما زال جالس
حتى الآن ولم يذهب لغرفته: "اللي مصحيك دلوقتي... مش المفروض بتأكل رز بلبن مع الملائكة." تحدث حازم بعدما نظر التلفاز مرة أخرى حيث بدأ الإعلانات في الانتهاء ورجوع الفيلم مرة أخرى: "تعالي اتفرجي... الفيلم لسه جاي بقاله ربع ساعة." جلست على الأريكة الأخرى فردت جسدها ثم وضعت الطبق على قدميها. قال وهو يشاهد: "مجيش نوم نزلت أعدت بره شوية...
بعدين قلبت في التلفزيون لقيت الفيلم ده اتفرجت." نظر للطبق بينما أمسكت واحداً بدأت في أكله. "سندوتشات إيه." أخذت أول قضمة وبدأت في أكلها ثم أجابت رهف: "أصل محسيتش بيك واستغربت إنك المفروض نايم... كان عندي شغل خليته وحسيت إني جعانة نزلت عملت سندوتشات جبنة باللانشون." أجاب عليها بينما يشاهد الفيلم بانتباه: "هاتي واحد." تحدثت رهف عليه ببساطة: "لا... متتعبش أنا وأقف وفي الآخر حضرتك عايز تأكل على الجاهز...
كفاية التلاجة اللي تعبت معايا في فتحها وقفلها عشان أشوف أكل إيه." أجاب حازم عليها: "اخلصي هاتى واحد وكُلي الباقي... أسكتي عشان عايز أركز باين عليه فيلم حلو." وجهت عينيها نحوه بغيظ. أخذت من الطبق وأعطته. أخذه منها. وأكمل باقي المشاهدة بينما بدأ في الأكل حيث يحاول التركيز مع أحداث الفيلم. أرادت أن تستفزه قليلاً قالت: "كل كل ما أنت بتاخد على الجاهز... لولا الفيلم الحلو مكنتش عبرتك بحاجة...
بعدين لما تجوع اعمل لنفسك عشان مش كل شوية تاخد... عندك إيدين ورجلين تقف وتعمل."
ظل يأكل وهو يشاهد باهتمام شديد ولم يعقب على حديثها بل تركها تتحدث كيفما تشاء. يعرف جيداً كيف يستفزها كما فعلت معه الآن. لولا هذا الفيلم لكانت قامت معركة يومية كما يحدث كل واحد منهم يستفز الآخر على طريقته. ولكن يجلسان بجانب بعضهم يشاهدون الفيلم الذي بدأت أحداثه في إحداث إثارة ومتعة كأن لا أحد يتحدث مع الآخر. استفزت بعدم رده وقررت أن تؤجل هذا العراك والاهتمام بأحداث الفيلم. *** بعد ساعتين ونصف
جلست على الفراش بعدما انتهت من مشاهدة الفيلم الشيق الذي لم تندم أبداً في مشاهدته. لكن كانت ستندم لعدم مشاهدتها. قررت أن تقلب قليلاً قبل النوم. فتحت هاتفها حتى وجدت رسالة من يزن. ضربت جبينها بخفة لأنها نسيت أمر هذه الرسالة التي علمت بوجودها. بعثت له رسالة لكن كان قد أغلق منذ ساعتين حيث كانت الساعة الثالثة فجراً. قررت النوم والاستيقاظ صباحاً حيث تعتذر له على عدم الرد وتشرح له لماذا لم تجب عليه. ***
الساعة التاسعة صباحاً في الشركة دخلت الشركة بكل ثقة وكبرياء عالٍ. جذب الأنظار بمجرد أن طرق صوت حذائها على الرخام. كانت ترتدي جاكت نسائي عملي بلون الزيتي وبنطال من الأبيض وحذاء من نفس اللون ثم تركت شعرها حر. جذبت أنظار جميع من في الشركة. كان الجميع يتهامس على هويتها ولمن هي قادمة. صعدت المصعد كما أوصى لها والدها. وصلت للطابق الأخير. سارت بكل ثقة عالية حتى وقفت أمام السكرتيرة. تحدثت بعملية شديدة بعدما رفعت
نظارة الشمس على شعرها: "أحب أعرف أستاذ حازم جوة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!