في الحديقة، كانت تجلس رهف على الأريكة ترتدي بجامة بيتية باللون الأسود، بينما ترفع شعرها على هيئة كعكة. بيديها الهاتف، طلبت رقم روضة ثم وضعته على أذنها متنظرة الرد. "صباح الخير، عاملة إيه؟ " قالت رهف بابتسامة. "صباح النور، الحمد لله. إنتِ اللي عاملة إيه؟ " أجابت روضة بابتسامة مماثلة. "عملت كتير وعايزة أحكيلك حاجات أكتر." أردفت بنبرة متوسلة: "ما تيجي نروح النادي النهاردة نتقابل هناك." أمعنت قليلاً بالفكرة،
لكن أجابت روضة بتفكير: "مش عارفة." قالت رهف بنبرة حزينة متوسلة: "بليز بليز، عشان خاطري بجد. ينفع كده تزعليني؟ متخافيش، هخلي حازم يجي معايا. يعني مالك مش هيكون لوحده. عشان خاطري." استسلمت روضة لنبرتها المتوسلة وقالت بقله حيلة: "هشوف مالك وهبعتلك." سعدت رهف للغاية، ثم قالت: "يا خراشي على قمر بتاعي. يلا خدي بوسة عقبال ما أحضنك كتير أوي." أعطتها قبله، حتى ضحكت روضة عليها ثم قالت: "طب يلا سلام عشان أقوله."
أجابت رهف: "سلام." نهضت بجسدها واتجهت للداخل. كان حازم يجلس على الأريكة وبيده الهاتف، بينما والديها يشاهدون التلفاز. جلست بجانبه وقبلته من أحد وجنتيه. "عايزة ألعب." تحدث حازم ولم يزل عينيه عن الهاتف. "هو أنا باين عليا أوي كده؟ " داعبت شعره قليلاً. "أنا عن نفسي قفشتك على طول." هتف سليمان وهو يشاهد الأخبار. رفعت رأسها بتعالٍ وتحدثت بعدما وضعت قدمها
على الأخرى قائلة بكبرياء: "بما إني اتقفشت بسرعة، فا يلا عايزاك توديني النادي." لم يزل عينه عن الهاتف، أجاب حازم: "حد قالك إني سواق اللي جابهولك بابي؟ أجابت رهف باستفزاز: "آه، هو محدش قالك؟ نظر لها رافعاً حاجبه قائلاً حازم ببرود: "لا محدش قالي، وأنا مش قادر أقوم. خلي السواق يوديكي." تصنعت رهف الاندهاش وقالت متعجبة: "يا خبر، هو أنا مقولتلش؟
يعرف هذه النبرة جيداً عندما تقوم بأفعال تقحمه بها. لف جسده لها، حتى هتف متصنع الابتسامة مجيباً: "لا مقولتيش. اشجيني." خافت من نظراته لها، حتى رجعت بجسدها للخلف قليلاً محاولة الابتسام. ولكن أمسك ذراعها وأرجعها لمكانها مرة أخرى وتحدث بنبرة تحمل الغضب ولكن بدت باردة: "اسمعيني بقى، قولتي إيه؟ وتقولي كل حاجة عشان إيدي متسلمش عليكي." وضعت يدها على وجهها كحماية وقالت بخوف: "لا، وعلى إيه؟ الطيب أحسن."
أكملت بنبرة سريعة: "كلمت روضة واقترحت عليها نروح النادي. هي مكنتش راضية، بعدين قولتلها متخافيش مالك مش هيعد لوحده. حازم معايا ويعدوا يسلو بعض." نظر لها والشرار يتطاير من عينيه، والغضب بدأ يتملك منه بما فعلته. خافت من نظراته. حاولت طلب المساعدة من والدها، ولكن لم يتدخل كأن الأمر لم يعنيه. مسح بيديه على وجهه بنفاذ صبر قائلاً: "ما كنتي تكلمي يزن بالمرة." ابتسمت بوجه ببراءة متحدثة: "لا، ما أنت الخير والبركة. هتكلم مين؟
صدمت أسنانه ببعضها، وفكه بدأ بالانقباض من الغضب بما فعلته. حاول أن يتحدث بنبرة عادية، ولكن لم يعرف، فخرجت محملة بجميع الغضب. حتى هي خافت منه ومن تحوله المفاجئ. كانت نيتها أن يخرج قليلاً ويرفه عن نفسه. هل هي أخطأت لهذه الدرجة؟ حاولت التفكير، حتى قال بغضب: "مش تيجي تقوليلي الأول، قبل ما تتصرفي من دماغك." انكمشت في نفسها أكثر، وحاولت أن تزيل يديه،
حتى هتفت بخوف: "قصدي إنك تفرفش كده، بدل الكبت اللي إنت فيه ده. يعني أنا غلطانة؟ حرك رأسه بعصبية وتحدث: "لا، إزاي ينفع رهف هانم تغلط؟ حد اشتكالك إني زهقان، مخنوق مثلاً ومش طايق نفسي؟ حاولت أن تزيل يديه عن ذراعها، حتى نجحت بصعوبة، وجرت من أمامه دون الرد عليه، هاتفة من الأعلى بابتسامة: "هحضرلك الهدوم عشان متتعبش يا حبيبي."
وجرت ناحية غرفته لتختار له ملابسه ليذهب معها. بينما هو ضرب بيده على الآخر بقله حيلة وغيظ من أفعالها. *** في شقة مالك، وضعت الهاتف جانبها بعدما أقفلت مع رهف. كان مالك يمسك جهاز التحكم يغير بين القنوات. "كنتُ بتتفقوا على إيه؟ " تحدث بعدما ثبت على قناة وبدأ في المشاهدة. تابعت معه التلفاز. "رهف كانت عايزاني أروح النادي نتقابل هناك، قولتلها أسألك الأول. وبتقول إن حازم جاي معاها." "وأنتِ عايزة إيه؟
" تحدث مالك باندماج مع التلفاز. رفعت روضة كتفيها وأجابت: "مش عارفة، بس هي لحّت عليّ." نظر لها وابتسم، حيث قال: "طب خلاص روحي البسي، وحضريلي معاكي هدوم. وهكلم يزن يحصلنا على هنا." نهضت بجسدها واتجهت ناحيته، قبلته من وجنتيه وسارت للغرفة. أما هو، أخذ هاتفه حتى رن على يزن. ***
في شقة يزن، كان جالساً على الأريكة وأذنيه مرهفة السمع للموسيقى الصادحة، ينظر أماماً بشرود، حتى رن هاتفه. لم يستمع في البداية، حتى فصل وبدأ في الرنين مرة أخرى. انتبه له، وضعه على أذنه. "إيه يا ابني روحت فين؟ برن عليك مش بترد." هتف مالك بقلق. "كنت سرحان شوية، ومشغل أغاني بصوت عالي." أجابه يزن بنبرة عادية. تنهد مالك وهتف بابتسامة: "طب إحنا هنتجمع في نادي رهف وحازم وأنا وروضة. تعالى غير جو واحكيلي مختفي فين بقالك يومين."
"مش قادر أقوم أجي." أجاب يزن بإرهاق. "لا هتقوم وتيجي، عشان مجيش أنا أجيبك." رد الآخر بإصرار. "على أساس كده هكش وأخاف؟ " هتف يزن بنبرة ساخرة. "ماشي، يلا هنستناك هناك، متتأخرش." رد مالك بسرعة. أقفل الهاتف دون أن ينتظر الرد. حرك رأسه بقله حيلة، حتى نهض بجسده واتجه إلى غرفته ليقابلهم. ***
في النادي، كان الاثنان في مكانهما المعتاد منتظرين الباقي. رن هاتف حازم، أجاب عليه. كان مالك، شرح له مكان جلوسهم. رأت رهف روضة تأتي من بعيد، ابتسمت بفرح، لوحت لها حتى تقدموا منهم. حضن الاثنان بعضهما بشوق كبير. جلس الجميع. "مختفي فين بقالك فترة؟ " قال حازم. "يزن بقاله كام يوم مجاش الشركة، وأنا مشغول بين مصنع وشركة." أجابه مالك بتوضيح. "صحيح، هو فين؟ " تسأل حازم.
"كلمته ييجي يعد معانا. أنا نفسي بقالي كام يوم، لا كلمني ولا شوفته." أجابه مالك. شدت رهف روضة ناحيتها. حركت روضة المقعد ناحيتها حتى جلست بجانبها. "فرحانة قوي إني شوفتك." تحدثت رهف بسعادة. "وأنا كمان." أجابت روضة بسعادة لم تقل عنها. "احكيلي عملتي إيه؟ ضحكت بخفوت رهف قائلة: "اسكتي مقولكيش، عملت إيه في حازم." قصت عليها ما فعلته مع حازم. انتهت من سرد حتى انفجرت روضة من الضحك، حتى شاركتها رهف.
هتفت روضة من بين ضحكاتها: "يخربيتك، حرام عليكي." أردفت رهف بتعالٍ مشيرة لنفسها: "عيب عليكي، لما بعوز حاجة بعملهالهم." "هااا... قوليلى أي حاجات كتير اللي عايزة تقوليها." تحدثت روضة بفضول. كانت ستتحدث، ولكن قطع عليهم حديثهم قدوم يزن متحدثاً بابتسامة جذابة: "صباح الخير يا حلوين." أجاب الجميع عليهم: "صباح النور."
جلس على مقعده ناحية الشباب، فكان ناحية يجلس الشباب بجانب بعضهم، بينما الناحية الأخرى الفتيات وبينهما المنضدة. وجه يزن نظرة لروضة وقال بابتسامته المعهودة: "ملكة الجمال، عاملة إيه؟ "الحمد لله. فينك مختفي بقالك كام يوم؟ " أجابت روضة باسمة. "شويه مشاكل في المستشفى، فكان لازم أفضل موجود." أجاب يزن وابتسامته ما زالت مرسومة على وجهه. شاور لرهف بيديه قائلاً: "الرسامة مختفية بقالها كام يوم."
تعجبت بأنه يعرف أنها في الفترة الأخيرة لم تفتح هاتفها كثيراً على مواقع التواصل الاجتماعي. "وأنت عرفت منين؟ مش المفروض مشغول؟ " أجابت رهف بتعجب متسائلة. "عيب تسألي سؤال زي ده... يعني ساعات كنت بقعد شوية لما زهقت." أجاب يزن بفخر. تقدمت رهف بجسدها للأمام قائلة: "هروح أتمشى شوية أنا وروضة." نفى مالك برأسه متحدثاً: "لا، خليكم هنا." "ليه؟ مش هنبعد؟ هنفضل قريبين من هنا." تسألت رهف.
صمم على رأيه، لا يريد ما حدث آخر مرة أن يحدث ثانية. قال بإصرار: "خليكم قاعدين. بعدين ما إنتُ جنب بعض، وإحنا ناحية تانية، يعني اتكلموا براحتكم." سحبت روضة يديها حتى هتفت روضة بنبرة هامسة: "خلاص، ادينا قاعدين... عشان خاطري." رجعت رهف بجسدها للخلف مرة أخرى قائلة بعدم فهم: "تشرحيلي حالا إيه اللي حصل؟ قصت لها ما حدث معها حتى انتهت قائلة: "بس وفضلنا كام يوم متخانقين لغاية لما صالحته. الحمد لله إن موضوع عدى على خير."
قالت رهف بنبرة فرحة: "بصي بقى، هقولك خبر من العيار التقيل." "من ساعة ما قعدنا، ما شوفتش أي أخبار." أجابت روضة باستفسار. ضحكت عليها حتى وضعت قدميها على الأخرى بتعالٍ وفخر، حيث قالت بحماس: "اتعينت في الشركة، وبقيت مهندسة ديكور رسمي." "بجد ولا بتهزري؟ " ارتسمت على ملامح وجهها التعجب ثم انقلب بعد ذلك للفرح. "والحاجات دي فيها هزار؟ " أجابت رهف مستنكرة. "مش قصدي...
بس مكنتش متخيلة إنك هتأخدي الفرصة وتعملي كده فعلاً." أجابت روضة متعللة. "قعدت مع نفسي وفكرت، إني مش بعمل حاجة في حياتي غير الجاليري. فكرت ليه موسعش مجال زي ما قلتي، فاخدت القرار وجه بنتيجة." أجابت رهف موضحة. فرحت كثيراً لها، رغم أن فترة اللقاء والقرابة بينهم لم تُدم كثيراً، ولكن أحبتها كأختها، وتمنت لها السعادة بتحقيق أحلامها. "مهم إنك تكوني قدها...
وأشوف لكِ حاجات حلوة وتعقدي تتكبري عليا، ومعرفش أكلمك بعد كده عشان المهندسة مش فاضية." أجابت روضة بابتسامة. ضحكت رهف ثم قالت: "عيب عليكي، مش هعرفك تاني أصلاً." "كلبة." ضربتها روضة في ذراعها قائلة. أما عند الشباب، "حالا هتقوليلي مختفي فين، ومش بتكلمني ليه؟ لازم أكلمك أنا." قال مالك بغضب طفيف. "قلب على ماما أوي... بس لايق عليه الدور." وجه يزن حديثه لحازم حيث أجاب بمزاح. "انجز." أجاب مالك باقتضاب.
أخذ تنهيدة قوية وبدأ في قص ما حدث معه. أنهى حديثه قائلاً: "ولغاية دلوقتي معرفتش. اضطريت أعد فترة كبيرة في المستشفى وأظبط شوية حاجات... بس تعبت بجد، مكنتش بلحق أنام ساعتين على بعض." "اللي عمل كده حاجة من الاتنين، يا إما حد على عداوة بيك وعمل حركة غدر، يا إما ليه حاجات مش ظريفة مع المريض." أجاب حازم على حديثه بعد تفكير.
"أنا فكرت إن فيه بينه وبين مريض حاجة، لأن أنا مليش علاقات اللي تعمل عداوة بيني وبين حد. وده اقتراح مستبعد. لكن اللي فكرت فيه خصوصاً إن اللي عرفته إنه محامي... وأكيد ممكن يكون ليه أعداء. وكده كده كلمت أخوه وحذرته ياخد باله من عيلته." رد يزن بجدية. "وأنت دلوقتي هتعمل إيه؟ " تحدث مالك بجدية. "عادي ولا حاجة... عملت احتياطاتي اللازمة، وربك يسهلها." رد يزن. "مش هتاكلوا؟
أصل أنا صحيت مأكلتش غير ساندوتش بسيط وجيت على هنا." تحدث يزن للفتيات. "مش قولتلك تاخد بالك من صحتك... ولا حابب منظرك وهو كده؟ " ردت روضة بعتاب. مسح يزن على وجهه بنفاذ صبر وابتسم بخفة: "أخلص من مالك تطلع روضة... طب يلا يا شباب هعزمكم على مطعم جامد." "لا هعزمكم أنا." أجاب حازم باعتراض. رفع يزن حاجبه موجهاً نظره له: "إنت بتتكلم ليه أصلاً؟ مش أنا اللي اتكلمت، وأنا اللي عرضت، يبقى متفتحش بقك تاني."
"إنت حابب وشك يكون فيه كدمة؟ كده عشان تحلو صح؟ " أجاب حازم بجمود. ضحكت الفتيات عليهم. نهض يزن متحدثاً: "تعالوا ورايا... هوديكم مطعم بحبه." نهض الجميع وراءه، وظلت تضحك فتيات على مزاح شباب مع بعضهم. ثم قضوا وقتاً رائعاً مع بعضهم. *** في صباح جديد، في الشركة، في المكتب. دخلت رهف حتى وضعت حقيبة يديها على المكتب. لم تجد إيناس، فا عرفت ربما تأتي في الطريق. دخلت إيناس خلفها
بعد دقائق قائلة مبتسمة: "صباح الخير على الجميلة بتاعتي." ابتسمت رهف لها برقة ثم قالت: "صباح النور يا قمر." جلست كل واحدة منهم على مكتبها وبدأ في العمل على المشروع. بعد ساعتين، دلفت السكرتيرة متحدثة بعملية: "في اجتماع بعد ربع ساعة... مستر حسين طالبني أبلغكم عشان الفندق الجديد." "ماشي... دقايق وهنيجي." تحدثت إيناس بابتسامة.
خرجت كي تخبر باقي المهندسين المشاركين في المشروع. نهض الاثنان ومعهما الأوراق الخاصة بالمشروع متجهين لغرفة الاجتماعات. غرفة الاجتماعات، أتى بعض من المهندسين. دق الباب حتى دخلت إيناس خلفها رهف. "صباح الخير عليكم." قالت إيناس بابتسامة. "صباح النور." أجاب الجميع بود.
اتجهت ناحية المقعدين الفارغين. جلسا الاثنان حتى بدأت إيناس في تعريف رهف عليهم. وفي الوقت المحدد، دخل حسين خلفه السكرتارية. جلس مترئساً الطاولة بهيبته. رغم ملامح وجهه المريحة، ولكن وقت العمل يختلف كلياً عن شخصيته. "دي مهندسة الجديدة. أكيد اتعرفتوا على بعض قبل ما أجي." تحدث حسين مشيراً لرهف. أكمل حديثه بجدية: "جمعتكم النهاردة عشان نتناقش في مشروع الفندق اللي اتوزع عليكم... ياريت نبدأ."
بدأ كل واحد منهم في تقديم تصاميمه أمامه حتى ينال على إعجابه والفوز بالمشروع. جاء دور رهف، كانت متوترة بالغاً. لأول مرة تجتاز هذا الاختبار من هذا النوع. دائماً ما كانت رسماتها تنال إعجاب الجميع، ولكن اليوم يختلف كلياً عن أي يوم آخر. أخذت نفساً عميقاً وزفرته على مراحل، لعله يزيح بعض من التوتر الذي تشعر به. حاولت أن تتشجع، تمتمت بداخلها ببعض الكلمات كحافز لها. نهضت من مقعدها ووقفت أمام الجميع بثقة شديدة. إنها رهف المنياوي، ابنة عائلة المنياوي. يجب أن يتفاخر بها والديها وأن تضيف الإنجازات لعائلتها. بدأت تشرح ما قامت به.
بعد ثلاث ساعات، "أنا فخور حالياً بالمجموعة اللي قدامي. ولو محدش اتوفق في مشروع ده، هيتوفق في التاني. وأنا اخترت رهف وإيناس وأحمد وأسامة. وأتمنى التوفيق للجميع." تحدث حسين بعملية شديدة. نهض الجميع متجهين للخارج، بينما تسير رهف بجانبها إيناس، وعلى ملامحهم ترسم عليها الفرحة. "بجد أنا فرحانة جداً... أول حاجة ليا هنا وقدرت أنجح فيها." قالت رهف مبتسمة بسعادة. "والأحلى بقى، إننا هنكون مع بعض." أجابت الأخرى بسعادة مماثلة.
دخلا الاثنان المصعد. ضغطت رهف على الزر ثم قالت: "في البريك هعزمك النهاردة على الغداء." نفت إيناس برأسها قائلة: "لا طبعاً... طلعة دي عليا، ملكيش فيه." "لا... ده أول مشروع ليا وكمان بالنسبة إننا بقينا صحاب... متفتحيش بوقك تاني." ردت رهف بإصرار. ضحكت إيناس ثم ردت: "طالما كده... أنا موافقة." ***
في المساء، طرقت الباب ثم دخلت. بحثت عنه بعينيها ولكن لم تجده، فاستنتجت أنه في الحمام. جلست على الفراش. خرج من الحمام تفاجأ بها تجلس على الفراش. "ما سر هذه الزيارة السعيدة؟ " تحدث حازم مبتسماً. "عندي ليك خبر هيفرحك أوي." ابتسمت ملامحها حيث قالت. "اشجيني." أجاب عليها وما زال واقفا. وضعت قدم على الأخرى متحدثة بتعالٍ
شديد: "المهندس اختارني أبقى من تيم مشروع جديد. قدرت أفوز بأول خطوة بتصاميم بتاعتي رائعة. لا داعي للتسقيف." حرك كتفيه ثم تحدث بنبرة مستفزة: "ومين قال إني هسقفلك أصلاً." أخذت الوسادة وقذفته ناحيته، حيث التقطها بخفة، بينما قالت: "هسقف أنا لنفسي." سقفت لنفسها فرحة بما قامت به، حتى أردفت: "مش محتاجة منك حاجة."
نظر لبعضهما البعض ثوانٍ، حتى فتح ذراعيه، بينما لبت ندائه وجرت ناحيته. حضنها، قبل فروة رأسها بحنان. ابتعدت عنه، حتى أجاب حازم بنبرة مليئة بالسعادة: "بعيداً عن هبل اللي عملناه." ضحكا الاثنان، بينما أكمل بكلمات محفزة: "بس فرحتي إنك أخدتي أول خطوة ناجحة...
أو تاني خطوة عشان الدقة العلمية، وأنا منتظر منك دايماً الأفضل. أنا عايز أمشي أبقى رافع راسي وأختي تبقى رهف، عايز يبقى ليكي سمعة بين الناس، ليكي شخصيتك القوية اللي تجبر أي حد يحترمك من غير ما يعرفك، ومجرد ما اسمك يتسمع الناس تجري وراه. فاهمة قصدي إيه؟ هزت رأسها بإيجاب، مردفة وعيناها بها لمعة من السعادة: "فاهمة... وأوعدك إنك هتكون فخور بيا دايماً." مسح على كتفها بيديه قائلاً
بابتسامة: "وأنا منتظر أشوف. مهم بقى يا ستي، حابة هديتك تكون إيه؟ داعبت شعره وعقدت حاجبيها دليلاً على تفكيرها، حتى اتسعت عيناها من الفكرة التي أتت على بالها، قالت: "بص بقى... قلم وورقة معانا يا ست الكل." ضرب بيده على جبينه قائلاً بقله حيلة: "ياختااااي، هنبدأ الطلبات اللي مبتخلصش. قوللي وسمعيني." قالت بابتسامة عريضة: "بص يا زوما...
هتفسحني يوم كله من الصبح لبالليل، وتغديني بره وتعشيني بردك. مجتش عليها. وتجبلي شوكولاتة اللي بحبها بس من الكبيرة هااا عشان متضحكش عليا. وهااا، أي تاني بس خلاص مفيش حاجة تاني." جحظ عينيه بصدمة قائلاً ولم يزل مستوعباً ما تقوله: "كل ده ومش كتير؟ أمل لو سبتك تفكري شوية هتعملي إيه يا حبيبتي."
رمشت عينيها ببرائة شديدة. أمسكها من كتفيها ناظراً لها، ثم ابتسم ابتسامة لا تدل على الخير بتاتاً. أخذها في حضنه واتجه بها للخارج قائلاً بابتسامة ماكرة: "بس كده... دي رهف هانم تطلب واحنا ننفذ. يا خراشي." "في رجل أعمال ناجح يقول يا خراشي؟ " أجابت رهف باستغراب. ابتسم لها ثم هز رأسه مجيباً: "آه أنا."
وقف أمام الباب حتى أخرجها من الغرفة وأقفل خلفه. لم تستوعب ما فعله، حتى أدركت بما فعله، لكن كان قد أغلق الباب. طرقت على الباب بقوة هاتفة بغيظ شديد: "ماشي يا حازم... خليك فاكرها عشان مش هنساهالك." لم يصدر له أي ردة فعل، حتى ضربت بقدميها على الأرض بغيظ، متجهة ناهية غرفتها، وتتوعد داخلها بما سوف تفعله به. ***
بعد شهرين، في مكتب رهف. بدأ التقارب بين يزن ورهف. في البداية كانت متحفظة في إجابتها، لا تتحدث كثيراً، ولكن بخفة ظله ومزاحه الدائم، استطاع أن يكسر هذا الحاجز، حتى استطاعت أن تتحدث معه بكل أريحية. شعرت ببعض التعب، بينما تتطلع على أحد المشاريع. أمسكت هاتفها الموضوع على المكتب. ظلت تعبث على موقع الفيسبوك حتى قررت أن ترسل رسالة له. أرسلت له، ولكن ظهر آخر مرة نشط منذ ساعة ونصف. لم يجب عليها. تركت الهاتف وبدأت مرة أخرى في العمل.
في الشركة، غرفة الاجتماعات. كان يترأس الطاولة يتابع آخر تطورات المصنع والأدوية. "لازم نجيب مصنع أكبر بجانب المصنع ده، لأن طلبيات ابتدت تزيد. وفيه شركات بره عايزة تتعاقد معانا. وده مش هيقدر يغطي كل تكاليف." تحدث مالك بعملية. "إحنا هنكمل شغلنا الطبيعي. وأنا عرفت إن فيه مزاد على مصنع كبير. هشوف لو نقدر نضمه لينا بجانب ده. كده الاجتماع خلص، تقدروا تتفضلوا." أجاب يزن بجدية.
نهض الجميع وخرج الواحد وراء الثاني، حتى تبقي مالك ويزن. "أنا عايز أروح لمراتي حبيبتي. أنا مالي ومال الشغل. الأيام الجاية بعيداً عن أنها هتبقى فترة مُهلكة، بس هنتنقل نقلة تانية خالص، وخصوصاً تعاقدات مع شركات بره." قال مالك بعدما أراح جسده للخلف على المقعد. "تعرف نفسي في إيه؟ " وضع يزن يديه خلف رأسه. "إيه؟ " رد مالك.
"آخد إجازة من كل حاجة، الشركة والمستشفى. وأجر يخت وأقعد في البحر وأنام بقى. ومحدش يزعجني وأقعد لوحدي." أردف يزن بابتسامة كأنه يتخيل هذا المنظر أمام عينه. "وتقعد لوحدك في البحر؟ " تحدث مالك. نظر يزن له ورفع حاجبه مردفاً: "يعني هو البحر هيشتكي مثلاً عشان أقعد لوحدي؟ بتقول حاجات غريبة." "والله إنت اللي بتقول حاجات أغرب. بعدين هتفضل لغاية إمتى لوحدك؟
لازم تتجوز وتبني عيلة تعيش معاهم، بدل وحدتك اللي هتفضل قاعد فيها. إيه اللي بتعمله في حياتك غير شغلك وروحك للبيت لوحدك؟ لا فيه زوجة توانسك ولا ابن تلعب معاه. ده أنا مقدرش أتخيل يوم واحد من غير روضة، حتى لو لسه مخلفناش، كفاية إنها معايا وجمبي. لكن إنت إيه بقى هتفضل بطولك كده؟ هتيجي في يوم وتزهق من حياتك وروتينك الممل. إذا مكنش جه اليوم ده." أجاب مالك عليه.
زفر يزن بضيق، حتى تقدم بجسده وسند ذراعه على المكتب متحدثاً بضيق من تكرار نفس الموال للمرة التي لا يعرف عدها: "هنخلص إمتى من موضوع ده؟ لما ألاقي المناسبة، يبقى ربنا يسهلها." "يا يزن، إنت أخويا مش صاحبي، ومش هينفع اللي بتعمله. على الأقل روضة تشوفلك عروسة كويسة وشوف لو هترتاح معاها ولا لأ." أكمل مالك حديثه بنبرة هادئة بعدما ربت على ذراعه.
نهض بجسده واتجه نحو الخارج دون الرد عليه. أما مالك، زفر بضيق من حالته. كلما يتحدثا معاً في هذا الموضوع بالذات، دائماً إما أن يجيب عليه بكلمات مقتضبة أو ينهض مثلما فعل. يخاف عليه كثيراً ومن وحدته، رغم أنه يقضي معظم اليوم في المستشفى أو في الشركة، لكن رغم ذلك يخاف عليه. يحاول أن يساعده، ولكن يصدّه بكل الطرق. ***
في المكتب، دخل يزن حيث جلس على المقعد وأراح جسده للخلف. ثم نظر للسقف بشرود. زفر بضيق، لعله يهدئ ما في داخله. لما عليه دائماً أن يدخل في هذا الحديث، وهو يعرف تمام المعرفة الإجابة، ولكن عليه في كل مرة يجلسان بها يتحدث بها. يحاول أن يفهمه بشتى الطرق أن الموضوع ليس بيده، وأنه لا يمانع. لم يجد الفتاة التي يبحث عنها. لا يضع معايير معينة لفتاة، لا بالشكل ولا بعائلتها ولا حياتها القديمة. يبحث عن الفتاة التي توانسه، أن تقدر ظروف عمله، تسانده في جميع أوقاته. يبحث عن فتاة بسيطة في هيئتها وحديثها، مرحة مثله، تستطيع أن تجاري جنونه في أفعاله. لكن ينتظر الوقت المقدر له، الوقت الذي كتب له.
تقدم بجسده، حتى أخذ هاتفه، فتحه وجد رسالة مبعوثة من رهف. ارتسمت على وجهه ابتسامة تلقائية لا يعرف مصدرها، لكن يشعر تجاهها بعدما بدأت بالتحدث معه وجذب أطراف الحديث بينهم بالراحة معها. ومع حديثها، يشعر بأنه يحكي كل شيء، وهي ببساطتها تقدر تحتوي الموقف، وتساعده. راحة كبيرة يشعر بها تجاهها. يحاول أن يحافظ على أمانة صديقه، ليس من الشباب الذين يسعون خلف الفتيات أو اختلاق الأحاديث لكي تظل معه بالساعات. لا يمكن أن يخون أمانته التي أتمنه عليها. ولكن في بعض الأوقات، يمر الوقت بين أحاديثهم سريعاً.
بعث رسالة لها محتواها: "معلش كنت في اجتماع مهم... وسبت التليفون في المكتب." عند رهف، كانت تحاول ضبط الزوايا بشكل صحيح. أصدر هاتفها صوت دليل على رسالة مبعوثة من أحدهم. تركت القلم من بين يديها وأمسكت هاتفها حتى ظهرت رسالة يزن. ابتسمت حتى كتبت: "عادي ولا يهمك... كنت بسأل عليك." "حمد الله كويسة." سارع في الرد حتى كتب. "مالك فيك حاجة؟ " استغربت قليلاً حتى كتبت. "اشمعنى... اللي خلاكي تقولي كده؟
" ابتسم حتى أراد العبث قليلاً. "عادي... مجرد إحساس 🤷." عبثت بيديها تكتب. "مضايق شوية." رد عليها. "مفيش حاجة مستاهلة." أجابت عليه. "شويه وهرجع تاني... إنتِ عاملة إيه؟ " أجاب الآخر. "كويسة الحمد لله." ردت عليه.
كانت دائماً تخجل من فتح أي حديث، رغم أنه يتواصل معها منذ شهرين، ولكن حتى لو أزيلت بعض الحواجز، تظل تخجل. لا تستطيع أخذ راحتها بسهولة مع أي حد. حاولت تغير قليلاً من شخصيتها، ولكن بسبب عدم معرفتها لكثير من الأصدقاء وانغلاق الدائرة حولها، زادت من شخصيتها الخجولة. لكن مع روضة، شعرت بإحساس لم تشعر به من قبل، حتى أنها أحبت هذا الشعور وتجاوبت معها سريعاً. أما يزن، بدأت بالتجاوب معه تلقائياً. لم تجد حديث تتحدث به، تركت هاتفها وبدأت في استجماع تركيزها.
عند يزن، ترك هو الآخر هاتفه. لم يكن في حالة مزاجية لأي شيء. نهض جمع هاتفه ومفاتيحه واتجه خارج الشركة بأكملها، لعلى الضيق يذهب عنه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!