تحميل رواية «انجذاب الروح» PDF
بقلم زينب خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان المريض نائمًا على الفراش، يقف أمامه الطبيب يركب قسطرة لقلبه، وحوله طبيب مساعد وبعض الممرضات. هتف بنبرة هادئة من خلف الكمامة: "هاتي الإبرة عشان خلصت." تتف الممرضة معطيه له الإبرة بعملية: "اتفضل يا دكتور." انتهى من خياطة الجرح بعناية وسرعة فائقة. أنهى عمله ثم خرج من غرفة العمليات بجانبه الطبيب المساعد. تحدث بعدما أزاح الكمامة، متنفساً بعمق: "يدخل العناية لحد ما الحالة تستقر، بعدين يتحط في أوضة عادية. عايز متابعة باستمرار." أجاب الطبيب الآخر بجدية: "حاضر يا دكتور، متقلقش." خرج الاثنان بجانب بعض...
رواية انجذاب الروح الفصل الحادي عشر 11 - بقلم زينب خالد
نظر يزن في عينيه، وأدرك أن ما سيقوله صعب للغاية، يصعب على الإنسان تحمله. حزن عليه وعلى روضة. دائمًا ما يعتبرها كأخته التي لم يرزق بها. دائمًا ما كانت تفض نزاعاتهم بعدما تشعر أنها تعبت منهم، وكان يحب أن يتغزل بها أمامه ليغيظه، وهي كانت ترحب به دائمًا في محاولة لإشعال غيرته عليها.
شعرت رهف باضطراب من صمته الذي طال عن حده، وعينيه التي لم تحيد عن عيني مالك. تحدثت رهف بقلق استشعره هو على صديقتها:
"ها، طمنا. أي سبب النزيف؟"
أجاب وعيناه مازالت متصلة بمالك قائلاً بنبرة يملؤها الحزن:
"للأسف، روضة كانت حامل في شهرين. بسبب ضغط الدم كان عالي جدًا، ضغط على الرحم لغاية ما البيبي مستحملش ونزيف زاد أكتر عندها لأن سيولة الدم كانت مرتفعة شوية. فقدت دم كتير، اضطرينا ننقلها دم عشان نقدر ننقذها لأنها كانت على حافة الهاوية. بس مش هتقدر تفوق حاليًا غير بعد يومين لأن أُديلها مفعول مسكنات قوية عشان الوجع، وهتروح دلوقتي على الأوضة."
شهقت رهف مما سمعته، لم تقدر على تحمل الصدمة أنها حدث لها كل هذا بمفردها. أما زهرة، هطلت دموعها بينما تدعو ربها بأن ينقذها مما هي قادمة عليه.
أما مالك، صعق مما عرفه. لو كان شعر بهاتفه وهو يرن، لكان ذهب وأنقذها لولا عدم تنبهه، لكان أنقذها في أسرع وقت. حدث هذا كله بسببه، لو استمع لهاتفه، لكان أنقذها في وقت باكر عن هذا. كان في عالم آخر، عالم هُدم فيه أحلامه وآماله، حيث هرب لعالم لم يجد به إلا سواها. شعر بانبضات قلبه تنخفض تدريجيًا والدوار يكاد يلتهمه، حتى أغمض عينيه وسحبه الظلام معه لمكان لا يوجد به إلا سواهم.
وقع مغشيًا عليه، حيث ارتفع صوت اصطدامه على الأرضية. جرى يزن عليه. أما زهرة هتفت بنبرة متحشرجة:
"مالك.. مالك.. يا حبيبي يا ابني.. فوق عشان خاطري فوق."
ظل يضرب بيديه على وجنتيه لعله يفيق، لكن لا استجابة. هتف بنبرة عالية:
"دكتور... دكتور بسرعة."
لم يستمع إليه أحد. هتفت زهرة باكية:
"عشان خاطري، متبقاش أنت وهي."
هتف يزن باضطراب وقلق على صديقه:
"لازم أوديه أوضة بسرعة."
نهض بينما وضع ذراعه على كتفه حتى يستطيع حمله، لكن بسبب ثقل جسده لما يستطع. وضع يديه مرة أخرى وسحب ذراعه وضعه على رقبته، بينما اليد الأخرى تحاول من الخلف إسناد جسده للأمام حتى نهض بصعوبة. حمل كل جسده عليه وذهب به إلى أقرب غرفة تقابله.
***
في الغرفة:
كشف الطبيب عليه حتى انتهى، تحدث ليزن قائلًا بعملية:
"اتعرض لانهيار عصبي. ساعتين ويفوق إن شاء الله."
شكره يزن حتى خرج من الغرفة. سحب يزن المقعد الموجود خلفه، وضعه بجانبه وجلس عليه. وضع رأسه بين يديه محاولًا التنفس. كل شيء حدث في ذات الوقت، لا يستطيع التحمل، من جانب روضة ومن جانب آخر مالك. رفع رأسه، ضم قبضتيه ببعضها حتى سند ذقنه عليها. كانت عيناه الزرقاء ليست صافية، لكنها تغيم عليها الحزن كسحاب حجب الشمس عن ضوئها. كانت ملامحه تغيم عليها الحزن، لا يعرف ما ردة فعله عندما يفيق. أنه نائم وملامحه مستكينة بشكل غير مريح للنفس، يخاف عليه بشدة ولا يعرف ما سيحدث، لكنه متأكد أن ردة فعله ستكون غير متوقعة بالمرة.
بعد ساعتين ونصف:
بدأت ملامح وجهه منزعجة، كأنه يرى كابوسًا يود أن يستيقظ منه، لكنه لا يعرف أنه واقع عليه. تقبله. فتح عينيه ببطء، ضيق عينيه بسبب قوة الضوء. أغمض عينيه وفتحها، ظل يكررها حتى اعتاد. استنكر من وجوده في المشفى، متى أتى؟ حرك وجهه ناحية اليمين، وجد يزن يخفي وجهه بين قبضتي يديه. تأوه بخفة. كان جسده يؤلمه. أنصت يزن لتأوهه، رفع وجهه سريعًا حيث ارتسمت على شفتيه ابتسامة بسيطة مطمئنة، ثم قال:
"حمد الله على السلامة."
عقد حاجبيه باستغراب حيث أجاب مالك:
"اللي جابني هنا..."
تذكر ما حدث، كأن ذاكرته كانت تتعمد نسيان ما حدث، لكن تذكر، وياليته تذكر. نظر أمامه بشرود، تذكر ما حدث منذ عدة أيام عندما كانت تتمنى أن تحظى بطفل منه. حملت ابنته، لكن لم أحد يعرف. عرف أن الله له حكمة في هذا، كانت تتمنى بطفل، وبالفعل كانت تحمله، لكن إرادة الله تفوق أي شيء. قلق يزن من صمته الذي طال. كاد أن يتحدث حتى هتف مالك قائلًا بنبرة عادية:
"عايز أشوفها."
أجاب عليه يزن بنبرة مضطربة:
"مش هينفع تشوفها حاليًا."
أردف مالك بنبرة باردة قاسية قليلاً:
"لو مدخلتش هقلبلك المستشفى كلها. وبردوا هدخل. مش عشان بتاعتك يبقى تتحكم فيا وتقول أدخل أمتى وأخرج. فياريت تساعدني أدخل بالذوق، أو مش هتعرف هعمل إيه."
صُدم مما قاله، لكن نامت ابتسامة جاهد لابتسامتها، لكن عذره مما هو عليه، ومهما تحدث سيعذره. لذلك قام من مقعده، أخذ بيديه وسانده. يسير معه بخطوات بطيئة، نظرًا لقيام مجهود كبير بعد أن استيقظ. يشعر بأن جسده مجهد، لا يستطيع السير، لكن تحامل على نفسه حتى يستطيع رؤيتها.
خرج الاثنان من الغرفة، حيث وجد يزن حازم يقف أمام الباب، يسند ظهره على الحائط الذي خلفه، كأن ينظر للأرض بلا هدف، حتى سمع صوت قفل الباب وخرجا الاثنان. ركض له، حيث تحدث حازم بنبرة قلقة:
"مالك.. اللي قومك لازم تستريح."
أجاب مالك بنبرة جافة:
"ياريت كل واحد منكم يخليه في حاله. أنا عارف بعمل إيه."
وجه حديثه ليزن الواقف بجانبه، يهز رأسه بيأس:
"وديني عندها."
أخذه يزن من يديه وتوجه به للغرفة حيث تمركز روضة. ساعده في تعقيمه حتى يستطيع الدخول. دخل معه للغرفة، وقف مالك كأن قدمه ثبتت على الأرض ولا يستطيع تحريكها. ترك يديه، ألقى عليه نظرة أخيرة وخرج، تاركًا يشارك زوجته محنتها، ثم أقفل الباب خلفه.
في الخارج:
كان جميعهم خارج الغرفة، تجلس زهرة على المقعد تدعو ربها بحمايتها، بجانبها رهف وملامح وجهها مرهقة. تقدم من حازم، تحدث يزن:
"خد ماما ورهف وروحوا، لأن وجودكم ملهوش لازمة هنا."
أجاب عليه حازم:
"هروحهم وأجيلك تاني."
أومأ يزن برأسه قائلًا:
"لا، روح أنت كمان. وأنا هبات هنا لأن القعدة هنا مش هتفيد بـ حاجة."
ذهب لزهرة الجالسة تناجي ربها لحمايتهم، ركع على قدميه أمامها، ثم أمسك يديها بحنان قائلًا بنبرة حنونة:
"قومي عشان حازم يوصلك معاه، عشان متتعبيش هنا."
هزت رأسها نافية مجيبة بنبرة مليئة بالحزن:
"لا، مش همشي من هنا من غيرهم. مقدرش وأنا مش هروح."
أخرج تنهيدة متعبة، تحدث يزن محاولًا استمالتها في استجابة طلبه:
"عشان خاطري، دلوقتي هو معها جوة. أنت لازم تروحي وتاخدي علاجك وهخلي حازم يجيبك بكرة. أنا مش عارفة هتفوق إمتى لأن مفعول المسكنات قوية. عايزاكِ تجبلي لهم هدوم عشان مينفعش مالك يقعد كده من غير ما يغير هدومه على الأقل، ومحدش هيعرف يعمل كده غيرك. فعشان خاطري روحي مع حازم وهخليه يجيبك بكرة."
لم تجب عليه، وإنما حضنته بحنان الأمومة. لف يديها حولها، كأنه كان ينتظر هذا العناق في هذا الوقت. ابتعدا عن بعضهما، ثم نامت على وجهه ابتسامة مطمئنة، حيث تحدث:
"متقلقيش. لو حصلت حاجة هكلمك."
ربتت على كتفه بحنان، بينما نهض بجسده وساعدها بالنهوض. اتجه ناحيتهم، حيث تحدث يزن لحازم:
"روحهم. هتعبك معايا معلش، بكرة تروح تجيب طنط من البيت على هنا."
أجاب عليه بنبرة عاتبة:
"عيب لما تقول كده. زي والدتي واللى عايزاه أعمله."
هتفت زهرة بامتنان حقيقي ونبرة شاكرة:
"كتر خيرك يا ابني. ربنا يخليك لعيلتك وتبقي فرحتهم دايما."
أمن على دعائها وأخذ حازم رهف وزهرة، لكن بينما يسير حازم وزهرة تسند عليه، كانت تسير خلفهم. وقف لثوانٍ، لفت ظهرها له. أرسلت بعينيها نظرة مطمئنة، بينما ابتسمت له ابتسامة مشجعة. استقبل نظرتها بنظرة متعبة، حيث الحزن يملأها. ظل ينظر لها حتى سارت وذهبت من أمامه. أخرج تنهيدة قوية، لم يفسره النظرة التي ألقتها عليه، كأنها أنسته ما يعيشه ويحيطه من مصائب، كأن نظرتها أنسته تعبه بالكامل. نامت على وجهه ابتسامة لطيفة، الذي رحل معها، ونظرتها التي لم تغب عن باله.
***
في الغرفة:
فتح باب الغرفة ببطء، تقدم بقدمه بخطوات بطيئة قليلاً حتى أقفل الباب خلفه. وقف على بعد منها ولم يحاول الاقتراب. رآها وهي نائمة على الفراش وبيدها يعلق الكالون الخاص بالمحلول الذي يخترق يديها ليقوم بتغذيتها بعد فقد كثير من الدماء. وجهاز الموضوع بجانبها في الأعلى الذي يصدر صوت دليل على بقائها على قيد الحياة. صوت الجهاز هو الذي يسيطر على حالة الغرفة الذي يدل على انتظامه. ظل واقفًا في مكانه حتى قرر أن يتقدم لها. حاول السير بقدمه بخطوات بطيئة وعيناه لم تزح عن وجهها وتفاصيلها. وقف بجانبها قليلاً، أزاح بعضًا من خصلات شعرها الذي تحرر من عقدته أسفل غطاء الرأس. رأى مقعدًا بعيدًا كان قد وضعه يزن ليجلس عليه بدل وقوفه لكل هذه المدة، جلبه ووضعه أمامها. جلس عليه. رأى شحوب وجهها، رغم حزنه على فقدان ابنه الذي لم يتجاوز فقد إلا الشهرين. حزن عليه، لكن حزنه عليها يتضاف حزنه على ابنه. أخذ يديها ببطء متعمد ووضعها على كفه الموضوع على الفراش حتى تخللت أصابعهم ببعضهم. قبل يديها التي غرزت بها الحقنة بعمق وبطء، وكأنه متعمد ليخفف عنها آلامها. نامت على وجهه ابتسامة حنونة مليئة بشغف يتغلله عشق خالص، تحدت والدموع بدأت في التجمع في عينيه، لكن ظلت حبيسة. قال كأنها تنصت لحديثه باهتمام:
"ما كان يجي في بالي أن في يوم هتكوني قاعدة القعدة دي وأنا جمبك مش عارف أتحرك. من غير تصرف ولا تفكير من أول ما عرفت الخبر وحسيت أني أخدت صدمة بس مش قادر أستوعبها. أنتِ بس مش عشان مراتي، لا. أنتِ حاجة مش عارف أوصفها. يمكن عشان شغلي مكان ناس كثيرة بعدوا عني. عرفتيني الحب بمعنى تاني، الحب مش معناه كلام. الحب هو معنى سامي تواصل أرواحهم ببعض، أو ممكن تجاذب. هو أن القلب بمجرد ضحكة منك بيزيد دقاته. رغم أني اتولدت وحيد وفضلت وحيد ماما وبابا، لكن قدرتِ أنك تزيل أي وحدة. مواقف تكوني أختي، ومواقف أحس أن دي حبيبتي اللي قلبي اختارها من بين كل اللي شفتهم. مع أول نظرة ليكي، وأول نظرة اتواصلت بيها عيونها، حسيت بانجذاب غريب ناحيتك، انجذاب كان ممكن يروح مع الوقت، لكن لا نظرتك ما كانت بتفارق خيالي. كأني بتفكرني بيكي على طول، رغم أن من مجرد لمحة من طيفك كنت بحس بشعور غريب. اخترقني من غير معاد أو حساب. بحبك بعدد كل نظرة ليكي. أنا مقدرش أعيش من غيرك، مينفعش تغيبي عني كتير. لازم تفوقي ومتحرمينيش من نظرة عينيكي."
وأخيرًا تحررت دمعته وبدأت في النزول. لم يستطع التوقف. بكل مرة رآها، وبكل موقف مر بينهما، وكل مشكلة وقفت عائقًا. احتضن يديها بين يديه ثم وضع وجهه بجانب يديها، لعلها تشعر به وتفيق من أحلامها التي أحاطتها من كل مكان.
***
أتى الغروب وعادت الشمس لمكانها وأقام الليل بعودته من جديد، وقمر الذي يسطع في السماء، النجوم الصغيرة التي تألقت في رونقها وضوئها.
في مكتب يزن:
نائم على الأريكة يشعر بإرهاق كبير، كان يحاول النوم قليلاً لعلى الصداع يذهب عن رأسه قليلاً. أصدر هاتفه رنين دليل على وصول رسالة. مد يديه وأخذ هاتفه من على المنضدة، فتحه حتى وجد رسالة مبعوثة من رهف للاطمئنان عليه. كتبت فيها: "روضة عاملة إيه دلوقتي؟ فاقت؟"
لعب بأنامله على لوحة المفاتيح وكتب: "لسه مفقتش زي ماهي. سبت مالك معاها جوة."
رأت الرسالة الذي بعثها لها حتى كتبت: "حاول أنك تنام شوية، من الصبح واقف على رجلك."
كتب لها: "بحاول مش عارف. عندي صداع موتني."
أجابت رهف: "يمكن عشان مش عارف تنام فجالك صداع. خد أي مسكن وأنت شوية وهترتاح."
أجاب يزن: "هشوف كده أي ممرضة تجبلي برشامة."
أجابت رهف: "باي."
أجاب يزن: "باي."
أقفل الهاتف وضعه بجانبه ثم نهض بجسده من على الأريكة واتجه حتى فتح الباب. نادى على ممرضة كانت تعبر في الطابق هتف بجدية:
"هاتيلي أي برشامة مسكنة للصداع."
أومأت برأسها واتجهت حتى تجلب له ما طلبه. بعد خمس دقائق، وضع الحباية في فمه وشرب خلفها بعض من المياه. أقفل الزجاجة واتجه على الأريكة في محاولة لجذب النوم له.
***
بعد يومين:
شركة المنياوي:
دَلفت السكرتيرية للداخل بعدما أذن لها بالدخول، تحدث بينما ينظر لها قائلًا بعملية:
"في اجتماع بعد ربع ساعة عشان الصفقة اللي عايزة الشركة تعقدها معانا."
أومأ رأسه حيث أجاب بجدية:
"أدي خبر للمحامية رؤى أن الاجتماع بعد ربع ساعة. مش أنتِ أدتيها تدرس ملف الصفقة؟"
أجابت عليها بعملية:
"أيوه يا فندم. ده أول ملف اتحط قدامها تدرسه."
تحدث حازم:
"تقدري تتفضلي."
خرجت لكى تخبرها على معاد الاجتماع، أما هو تحدث لنفسه قائلًا:
"لما نشوف أول اختبار هتعملي إيه."
غرفة الاجتماعات:
فتح الباب، بينما دلف بهيبته التي تفرض لأي أحد الخضوع له. جلس على المقعد مترأس الاجتماع، على يمينه السكرتيرية ورؤى، وعلى يساره يجلس رئيس الشركة ومحاميه. تحدث صاحب الشركة قائلًا:
"جيت النهارده عشان نتعاقد على صفقة الآلات والمعدات اللي هتحملوها على أمريكا. كنت أديت لحضرتك فكرة بسيطة عنها."
أومأ برأسه متحدثًا بجدية موجها حديثه لرؤى:
"لو الورق جاهز تقدري توزعي."
قامت رؤى بتوزيع الورق عليهم. بدأ الجميع في القراءة باهتمام شديد، حتى أثنى عليها داخليًا بما فعلته. رفع المحامي عينيه سريعًا من الأوراق، مسلطًا نظره على رؤى قائلًا باعتراض:
"بس كده الشروط كلها في صفكم. نضمن حقنا إزاي؟"
نظرت لعينيه جيدًا حيث أجابت على حديثه بجدية:
"حضرتك حقك محفوظ زينا."
امتعض وجهه باعتراض، أما صاحب الشركة فلما يعجبه بما في الأوراق، حيث تحدث لها:
"الشرط الجزائي كبير، بعدين نسبة الربع الربح عالية. كده كل الشروط في صفكو."
وجهت نظرها تجاهه، حيث أردفت بجدية:
"حضرتك نسبة الربح مش كبيرة، دي كلها ٣٥٪ بالنسبة للي هيعود عليك ده أولاً. ثانيًا، حضرتك الشركة بدأت مستواها في التدني، الأسهم في البورصة يوم بتكسب ويومين بتخسر، وأنا حقي لازم أحافظ عليه، عشان لو حصل أي مضاعفات لا قدر الله أو حصل تكاسل في الدفع ده لا قدر الله. بعدين دي افتراضات، حاجات لسه محصلتش، كل واحد منا بيضمن حقه بطريقته."
لم يعجب حديث رؤى الاثنان، حيث تحدث المحامي بغير رضا:
"أيوة حضرتك بردوا. الشرط الجزائي عالي."
أردفت رؤى بتساؤل:
"حابة أستفهم بس، هو ليه حضرتك ماسك ليه في الشرط الجزائي؟ الشرط ده بيتنفذ في أسوأ الحاجات، يعني حاجة نسبتها صغيرة عشان تحصل. بعدين حضرتك جاي تعقد صفقة مع الشركة عشان تنقلك آلاتك، مش تفاصل في الشرط الجزائي."
ابتسم حازم داخليًا، أعجب بها وبلباقتها في الحديث. لا ينكر أنها أعجبته، لم يكن يظن هكذا بها. حك بطرف أنامله على ذقنه يراقب الوضع بينهم دون التفوه بكلمة واحدة حتى يرى نهاية هذا الاجتماع. حتى قرر التحدث نهائيًا لينهي هذا الجدال قائلًا بجدية:
"الكلام انتهى. حابب تمضي اتفضل. مش حابب في غيرك بيتمنى أنه يعقد مكانك هنا. فاتحمد ربنا أنك قدرت توصل للمكان، قعدتك هنا."
نظرت له بحاجب مرفوع، حتى هتفت داخليًا بنبرة سخرية:
"ما شاء الله. من كتر الغرور أخاف عليه يتكفي على وشه."
مضى صاحب الشركة على مضض، حتى هتف بابتسامة ثقة:
"مبروك عليك. هتتواصل مع السكرتيرية عشان معاد تسليم الآلات والأماكن اللي هنوصلها هنا."
كهنهض الجميع من أماكنهم حتى بدأوا في المغادرة. كانت رؤى تجمع الأوراق، كادت أن تخطو بقدميها للباب للمغادرة، حتى أوقفها حازم قائلًا:
"استنى."
وقفت مكانها، حيث كانت تقف أمامها، بينما يجلس مكانه على المقعد. تحدث حازم باستفزاز:
"ما أنتِ طلعتي شاطرة أهو. وأنا اللي كنت فاكرك أنك هتخيب أمال والدك."
نظرت له بقوة في عينيه. أردفت رؤى بقوة:
"والله مش عشان مكنتش حابة أن أشتغل هنا، ده يديلك الحق أنك تستهون بيا. أنا الحمد لله ليا اسمي في المكتب."
ثم أكملت باستفزاز مماثل:
"ده أنت المفروض تحمد ربنا أن ربنا وقعك مع حد زي. وأنا فرحت أن قدرت أعكس التخيل بتاعك ناحيتي."
غادرت من أمامه، وضعت يديها على المقبض، فتحته حتى أنصت لحديثه الذي تفوه به قائلًا بقوة وجمود:
"والله أنتِ اللي تحمدي ربنا أن خليتك تطلعي سليمة بعد الكلمتين دول. بعدين المفروض يحصل العكس، لأنك هتاخدي خبرة لو كنتي لفيتي سنين ما كنتيش هتقدري تاخديه."
لم تجب عليه، لكن خرجت وأقفلت الباب خلفها بقوة دليل على غضبها الذي أشعله. ابتسم بتسلية قائلًا:
"لا حلو قوي. منكرش أن أعجبت بذكائها. لكن لما نشوف القوة هتفضل لغاية أمتى ونشوف الشخصية الضعيفة هتظهر أمتى."
في مكتبه:
دَلفت بعصبية، رَزعت الباب بقوة خلفها. وضعت الأوراق بعنف على المنضدة. ظلت تجوب في الغرفة ذهابًا وإيابًا تتنفس بغضب من حديثه، حتى هتفت بنبرة غاضبة:
"الأيام الجاية كتير ونشوف مين اللي هيكسب."
***
في المشفي:
غرفة روضة:
كان مالك يتمدد على الفراش بجانبها، بينما احتواها بين ذراعيه ووضع رأسها في تجاويف عنقه، فكان يشعر بأنفاسها البسيطة التي تضرب عنقه بقوة. كان يحاوطها بحنان شديد كأنه يخاف بأن تتركه وتذهب. كان نائم بعد ليلة طويلة في التأمل بملامح وجهها واحتضان يديها بين يديه، يقبلها بين الدقيقة والأخرى. تحرك جسدها قليلاً كأنه يستعيد نشاطه للاستيقاظ، شعر بتحرك طفيف بجسدها. فتح عينيه سريعًا عندما شعر بها، ابتعدت قليلاً عنها. أما هي حركت رأسها تتأوه بنبرة خافتة. كان يراقبها بينما تقوم بفتح عينيها، أغلقتها ثم فتحتهم مرة أخرى ببطء شديد. تأملت الغرفة من حولها بتفاجؤه، كادت أن تتحرك لكن شعرت بوجع في بطنها، وضعت يديها تلقائيًا على بطنها. لم تعرف أين هي بالتحديد، لكن حركت رأسها ناحية اليسار، وجدت مالك بجانبها ينظر لها وعيناه تتوهج من السعادة. ضيقت عينيها بإرهاق حتى تحدثت بنبرة خافتة:
"هو أنا فين؟"
لم يصدق مالك حتى الآن أنها استيقظت بالفعل. هاقد فاقت من سباتها الذي استمر ليومين. نظر لعينيها بعمق الذي تمنحه الحياة. لم يفق من أفكاره إلا على جملتها. كانت تتاوه بتعب شديد، أخذها مالك في حضنه بإشتياق شديد، حضنها بشدة حتى تألمت من كثرة ضغطه عليها. تنفس براحة قبل فروة رأسها، بينما يشتم لرائحتها الذي اشتاق لها. ابتعدت عنها حتى تحدثت بنبرة خافتة:
"هو أنا فين؟"
أجاب عليها بغير تصديق قائلًا:
"أنتِ في المستشفى. تعبتي شوية. حمدالله على السلامة يا حبيبتي. أنا كنت هتجنن عليكي."
قبل سائر وجهها بلهفة ممزوجة بإشتياق. أما هي ابتسمت على ما يفعله، أخذها مرة أخرى في أحضانه واضعًا رأسها على صدره. تحدث مالك بحنان:
"مش مصدق. إنك فوقتِ أخيرًا. كنت هتجنن عليكي في اليومين، مكنتش بعرف أنام."
عقدت حاجبيها باستغراب حيث قالت بتساؤل:
"يومين؟ هو اللي حصل آخر حاجة فاكراها، أن كنت تعبانة أوي، اتصلت عليك مردتش. روحت كلمت رهف، حسيت بأن فيه حاجة بتنزل، بصيت بعدين محستش بأي حاجة. هو إيه اللي حصل؟"
كاد أن يجيب عليها لكن طرقات الباب منعته. أذن للطارق. ابتعد عنها حتى وقف بجانبها. دلفت الطبيبة حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة بسيطة قائلة:
"مواعيدك مظبوطة. كنت متوقعة أنك هتفوقي خلال الساعات دي. حمدالله على السلامة."
ابتسمت روضة بإرهاق قائلة بتعب:
"الله يسلمك. هو إيه اللي حصل واللي جابني المستشفى هنا؟"
نظرت الطبيبة لمالك حتى حرك شفتيها بعدم معرفتها. تفهمت الطبيبة ما يحدث. تحدث بنبرة مطمئنة قائلة:
"هقولك كل حاجة. بس الأول مش عايزة تضايقي وتزعلي، عشان ده هيأثر عليكي بالسلب."
أجابت روضة بنفاذ صبر قائلة:
"ينفع حضرتك تقولي فيه إيه على طول."
أجابت الطبيبة بنبرة هادئة خوفًا على حالتها:
"حضرتك كنتِ حامل في شهرين. وضغط الحمل ارتفع لدرجة أن الجنين في المشيمة مقدرش يقاوم، فا للأسف نزل. وده كانت نتيجة الدم اللي فقدتيه، وكان عندك نسبة سيولة الدم مرتفعة شوية. حمدالله أننا أنقذناكي في الوقت المناسب. هتفضلي معانا إنهاردة وبكره نطمئن عليكي وأن كل حاجة سليمة. بس مش هينفع أن الفترة جاية يحصل حمل، لأن الرحم مجهد، مش هيقدر يشيل أي جنين فترة دي لغاية لما تتعافي تمامًا."
ظلت تنظر لها ترمش بعينيها بسرعة حتى انفجرت من الضحك. لم تستطع أن تكتمها. أغمض مالك عينيه بحسرة، سيعاني كثيرًا مع حالتها، لكن سيتحمل لأجلها. يعرف أن الموضوع يسبب لها حساسية، وذلك بسبب طول فترة عدم إنجابها لطفل حتى الآن. تحدثت من بين ضحكاتها:
"إلحق يا مالك. دي بتقول أن كنت حامل ونزل، يا سبحان الله. أول مرة أعرف أن في أمهات بتحمل من غير ما تعرف."
أردفت الطبيبة حديثها مشفقة عليها:
"في حمل مش بيبان أعراضه أول لما يحصل، لكن بيبان بعده بشهر واثنين، لأن كل حالة وجسم بيختلف عن التانية. أنا هستأذن وهاجي مرة تانية."
خرجت الطبيبة من الغرفة، بينما استمرت روضة في الضحك غير مصدقة لما استمعته، كأنها تحاول إقناع نفسها بأنها تقوم بمزحة أو أن حد سيظهر قائلًا بأنهم الكاميرا الخفية وقاموا بهذا حتى يكتشفوا ردة فعلها. تحدث مالك حتى يستطيع إيقافها حتى لا تنتكس حالتها للأسوأ:
"روضة.. فوقي. ده قضاء ربنا ولازم نرضي بيه. وهيرزقنا إن شاء الله تاني."
تحدثت روضة بضحك:
"يرزقنا إيه. أنا كنت رايحة أكشف عشان أعرف محصلش ليه."
أكملت يتساؤل غريب قائلة:
"قول أن كلام ده مش صح. أنت مش بتكدب عليا. بعدين أيوه مش أنت كنت هتاخدني للدكتورة عشان أكشف، أزاي أطلع حامل وأسقط إزاي؟ إزاي؟"
وتحولت ضحاكتها العالية إلى بكاء هستيري. جذبها من عنقها وخبأها في حضنه، حيث حضنها بشدة. أما هي لا تعرف بما تشعر بالتحديد، لكن ما تشعر به هو الألم، الألم الشديد، حيث لا تشعر به من كثرة شدته. لما كانت ستذهب كانت حامل بطفلها ولم تعرف. وضعت يديها تلقائيًا على بطنها، حيث شعرت بالفراغ، كانت تحمله في أحشائها لكن لم تحافظ عليه. لم تعلم ما تفعله ولا تعرف شعورها بالتحديد، تشعر بالفراغ داخلها. ظلت تبكي لساعات ممزوجة بشهقة موجعة نابعة من قلبها. كان مالك يحبس دموعه في عينيه، لكن لم تقدر على النزول حتى يتماسك أمامها. لم يعلم أنها ستنهار بهذا الشكل، حتى هو حزن على فراق طفله الذي لم يعلم بوجوده. كان دائمًا يشتاق لامتلاك طفل مثلما تتمنى، لكن كان يخبئ رغبته حتى لا يحزنها. يعرف أنه مقدر له أن يأتي في معاد لا يعلمه إلا الله، لذلك كان يتماسك أمامها. يحاول أن يش
رواية انجذاب الروح الفصل الثاني عشر 12 - بقلم زينب خالد
كل يوم أراكى فيها .... يدق قلبي دقات عنيفة .... أشعر بخروج قلبي من القفص الصدري.. بسبب هذه الدقات العنيفة .... تشعلي بداخلي كثير من المشاعر... رائحة عطرك كالهواء بالنسبة لي... لا أعرف متى نما هذا الشعور... ولكن ما أعرفه أنكِ أصبحتي كياني.. أشتاق لكِ في كل يوم وكل دقيقة وثانية.. حتى أنني أشتاق لكِ وأنتِ معي وبجوارى... عندما أرى ابتسامتك.. أشعر بتفتح أبواب الدنيا لي.. عندما تتألمي... أتمنى أن ينتقل هذا الألم لي. أشعر بالعجز لأنني لا أعرف ما أفعله أنقل هذا الألم لي أو لا أجعلكِ تشعرين به. أنتِ لا تعرفين مقدار عشقي لكِ... لو عرفتي مقداره... لحاولتي بكل الطرق لأسعادي... ولكن يكفيني شعورك بالحب تجاهي... وأيضا وجودك بداخل حضني... يجعلني أشعر بسعادة كلها.
بعد ساعتين
طُرق الباب. نظر مالك لروضة القابعة في حضنه وجدها نائمة ورموشها مبتلة من بكائها حتى وجهها بدأ بالحمرار الطفيف. أخرج تنهيدة متعبة.. وضعها بهدوء على الفراش حتى أبتعد عنها. سار حتى فتح الباب.. وجد يزن يقف أمامه. تاهب عندما فتح الباب. خرج مالك من الغرفة وأقفل الباب خلفه.. جلس على المقعد من المقاعد الموضوعة بجانب الغرفة. تحدث يزن متعجباً من حال مالك الذي لم تتغير حتى بأستيقاظها: الدكتورة جت، قالت لي أن روضة فاقت.
مالك الذي حصلت
تجمعت الدموع في عينيه حتى أجاب عليه دون النظر له مالك بنبرة مرهقة: مش قادر أشوفها كده يا يزن.. قلبي وجعني أوي عليها.. ده احنا اتفقنا من يومين أننا هنيجي عشان تعرف تأخير الحمل.. أتاري كانت حامل واحنا منعرفش.. دي فاكرة أن دكتورة بتهزر معاها وأن أحنا مخبين السبب الحقيقي.
جلس يزن بجانبه ثم تحدث بأمل ممزوج بإشفاق: طبيعي أنها متصدق بقالكم سنة... كل حاجة بأيد ربنا طبعاً بس هي ست وطبيعي تحس أنها نفسها تخلف. أنا عارف اللي عملته وهتعمله.. بس أنت أجمد عشان تقدر أنك تخرجها من حزنها. لازم تقووا بعض وأنا متأكد أنكم هتتخطوا المحنة دي.. ده اختبار من ربنا عشان يختبر قوة تحملكم وصبركم. بعدين ربنا مكنش كاتب أنه يجي وقريب إن شاء الله هنسمع منكم أخبار حلوة وتيجي تقولي أن هبقى عمو.. لازم تقوى عشانه.
نظر له مالك نظرة ممتنة حتى أردف بخجل معتذراً له على ما قاله منذ يومين: أنا آسف على اللي قولته وطريقة كلامي.. بس أنا مكنتش في وعي وكان همي الوحيد أني أشوفها.
ربت يزن على كتفه قائلاً بابتسامة عريضة: عيب لما تقول كده.. بعدين لما أنا مستحملكش مين هيستحمل. أنت من غيري ولا حاجة أصلاً.
ضحك مالك بخفوت على ما قاله معلقاً بتأكيد: فعلاً.. ربنا يخليك ليا.. ويديمنا في حياة بعض ومنتفرقش.
أحتضن الاثنان بعضهما البعض بقوة. بعد دقائق أبتعد عنه حتى قابله مالك بابتسامة بسيطة. تحدث يزن بعدما أخرج هاتفه من جيبه: لما أتصل بـ رهف عشان أقولها أن روضة فاقت.. هتفرح أوي.
نظر له مالك بخبث قائلاً: الله رهف ده طلع معاك رقمها.. هي سنارة غمزت ولا أي.. طب قولي حتى أداري عليك.
نظر له يزن حتى أجاب بلامبالاة: متخليش دماغك تشتغل غلط.. مفيش حاجة.. أحنا مجرد أصدقاء. بعدين رقمها مكنش معايا ده عرفته لما اتصلت بيا عشان روضة.
أومأ مالك برأسه متحدثاً بمكر: هنشوف. الحوار طلع كبير وأنا مش دريان.. بس ليك يوم أفوق من اللي أنا فيه.
نهض يزن من جانبه قائلاً: مالك أدخل لروضة يا حبيبي.. الصدمة أثرت عليك. خليك في اللي أنت فيه ومفيش حوار أصلاً.
رحل يزن من أمامه حتى هتف مالك بابتسامة متأملاً طيفه الذي رحل: مسيرك في يوم هتقع ومش هرحمك ساعتها.
***
في المكتب
دلف يزن من الباب حتى أقفله خلفه وجلس على المقعد. هاتف رهف لعلها تُجيب عليه منتظراً ردها حتى يخبرها بأن روضة أفاقت. انتظر قليلاً حتى أجابت تحدث يزن بابتسامة: السلام عليكم.
أجابت رهف عليه: وعليكم السلام.. روضة لسه مفاقتش مفيش أي خبر عنها.
تحدث يزن مجيباً على سؤالها: ده اللي بكلمك عشانه.. حبيت أفرحك وأقولك أن روضة فاقت من شوية.
تفاجأت رهف حتى لم ترد عليه ثواني حتى أستوعبت قائلة بعدم تصديق: بجد.. هي فاقت طب كويسة.. أنا هاجيلها حالاً.
اهدأها يزن قائلاً بتوضيح: أيوة فاقت كويسة.. بس حالتها متطمنش. عرفت سبب النزيف؟ افتكرت أنهم بيضحكوا لها ولما صدقت.. انهارت ونامت تاني لغاية دلوقتي لسه مشوفتهاش.
حزنت رهف كثيراً على صديقتها المقربة وعلى ما حدث لها. صعب كثيراً أن تفقد جنينها وهي لم تعرف به بعد.. رغم فرحتها بأنها فاقت لكن تعرف بأن هذا سيؤثر عليها كثيراً. يا الله عزمت على الوقوف بجانبها وعدم تركها حتى تسترد عافيتها كاملة. أفاقت من شرودها حتى صوت يزن يتحدث بقلق: رهف.. روحتي فين؟
أجابت رهف بإنتباه: معلش سرحت شوية.. هخلص شغلي بسرعة عشان أجي.
أومأ برأسه قائلاً: ماشي براحتك.. مع السلامة.
أجابت رهف عليه بابتسامة بسيطة: مع السلامة.
أنهى يزن الحديث معها على الهاتف ثم وضعه على المكتب. رجع بجسده للخلف قليلاً فكر قليلاً بـ رهف. أستغرب لما يفكر بها يشعر معها بالارتياح.. والحديث معها دون قيود. تقربت صداقتهم قليلاً حتى بدأ بالانجذاب لها ولشخصيتها البسيطة. رغم طفولة أفعالها لكن مجرد رؤيتها يشعر ببعض الفرح. رغم الأحداث الماضية وتعب روضة لكن شعر ببعض السعادة لتواصل بينه وبينها الذي أزداد حتى لو كانت تتسأل عن حال روضة. لا يشعر بالحب وتحرك مشاعره لها لكن مجرد ارتياح لها ولحديثها. أقنع نفسه بهذا وأنه ينجذب فقط لها.
***
الساعة السادسة مساء
غرفة روضة
كان الجميع يتواجد في الغرفة. مالك وزهرة وحازم ورهف ويزن. تحدث يزن بمرح لتلطيف الجو: عجبك اللي حضرتك عملتيه ده.. بسبب تعبك الحلوف اللي هناك ده يزعقلي.. لولاكي كنت طردته من المستشفى بس عشان خاطر عيونك مردتش أتكلم.
نظر له مالك بغيظ قائلاً: يا ظريف.. اتلم عشان ملمكش ويبقى شكلك وحش وأنت عارفه بتكلم عن إيه.
تحدث يزن بمغزى لمالك: قولتلك أن الصدمة أثرت مصدقتنيش.
تحدث حازم هذه المرة بحزم: خلصتوا خناق ولا أحب أطلعكم أنتُ الاتنين بره.
توجه الاثنان وجهم الناحية الأخرى حتى ضحكت زهره ورهف على مشاغبتهم. أما روضة لم تبتسم كانت ملامح وجهها لا تحمل أي شيء غير الوجوم والصمت. شاردة في مكان آخر. كانت رهف تحضنها بحنان من جانب وعلى الجانب الآخر يقف مالك يمسك يديها بين يديه بحنان. ربتت رهف على ذراعها بحنان هاتفه بنبرة حانية: إيه يا حبيبتي.. مالك من ساعة لما دخلنا وأنت مش بتتكلمي.. فيه حاجة وجعاكي ننده على دكتورة؟
هزت رأسها نافية قائلة بنبرة عادية: كويسة.
تنهد مالك بتعب منذ استيقاظها ومجيء الجميع لم تتحدث مطلقاً رغم محاولة يزن التي باتت بالفشل في إخراجها من حزنها. ربت على شعرها بحنان. نمت على وجه ابتسامة محببة بينما ينظر لها. تحدثت روضة بنبرة خافتة: عايزة أدخل الحمام.
أجابت رهف بابتسامة: طب تعالي يا حبيبتي. وجهت عينيها لزهره قائلة: طنط حضرتك معاكي الهدوم عشان تغيري.
تحدثت زهره بإيجاب: أيوة جبتلها كل اللي هاتحتاجه.
تحدث يزن هذه المرة بعدما نهض من الأريكة: طب يلا يا حازم نطلع بره.
وافقه حازم الرأي وخرجا الاثنان من الغرفة. بينما لف مالك الناحية الأخرى حتى سندت روضة عليه. أمسك يديها حتى نهضت بوهن وضعف شديد. كان مالك ورهف يسندانها حتى دخلا الحمام. تحدثت روضة بنبرة واهنة: هقدر أدخل لوحدي.
تركها مالك ورهف. أما هي دلفت للداخل بخطوات بطيئة متعبه. تحدث مالك لرهف: أنا بره عقبال ما تغير هدومها.. لو عوزتي حاجة اندهي عليا.
أومأ رأسها بإيجاب. بينما لف جسده وسار حتى فتح الباب وخرج من الغرفة وجد يزن وحازم يقفان أمام الغرفة. أقفل الباب خلفه ووقف معهم.
في المساء
نامت روضة لشعورها بالتعب مرة أخرى. أما الجميع بدأ في الخروج من الغرفة وتبقى معها مالك في الغرفة الذي سيبيت معها. سارت زهره بجانب حازم في الأمام يساندها في السير. على بعد منهم في الخلف تسير رهف بجانب يزن. تحدث يزن: عاملة إيه في الشغل؟
أجابت رهف موضحة: الحمدلله بدأت أتأقلم على الشغل.. وبقيت مهندسة ديكور شاطرة. بعد كده مش هتعرف تكلمني.
أجاب يزن بمزاحه: ليه اسكارلت جوهانسون مش هعرف أكلمك؟
أردفت رهف بحنق: تصدق.. أنا غلطانة أني بكلم معاك.
ضحك يزن بشدة على حنقها وقدرته على استفزازها. سارت بخطوات كبيرة حتى تتركه وحيد. لحق بها بخطوات كبيرة مماثلة حتى سار بجانبها مرة أخرى. تحدثت رهف بضيق: لو سمحت أبعد عني.
أجاب يزن بمرح: خلاص متبقيش قفوشه كده.. إني أسف.
تحدثت رهف بنبرة متعالية: هاجي على نفسي وأضغط كده وهسامحك.. مش عارفه من غير قلبي الطيب هتعمل إيه.
نظر لها رافعاً حاجبه مجيباً بحنق: يا الله.. مش عارفه من غير قلبك الطيب كنت هنام إزاي.. رهف روحي أمشي جمب أخوكي عشان ميجليش كساح.. قال قلبي الطيب ده أنا اللي طيب.
ضحكت رهف بعلو صوتها على حنقه منها. ابتسم أثر ضحكتها. بينما نظرت وجدته ينظر لها بابتسامة. خجلت قليلاً من تحديقه بها. أبعدت عينيها عنه وعن تحديقه بها. وسارت للأمام بخطوات واسعة للحاق بحازم. بينما يزن على شفتيه ابتسامة رائعة. مجرد وجودها يشعر بالراحة معها. بينما هي تشعر بالسعادة لأنها تمتلك صديق دائماً ينجح في إخراجها من حزنها. شعرت معه بشخصيتها الحقيقية التي لا تظهر إلا مع عائلتها وذلك بسبب عدم مصاحبتها وأنغلاقها على من حولها. أستطاع كسر هذا الحاجز. يعرف كيفية التعامل مع شخصيتها المذبذبة. تشعر بالفرح من مجرد محادثة معه حتى لو لبضع كلمات. تشعر بالفرح لاكتساب صديق يستطيع فهمها بكل بساطة.
***
شقة سمير
كان الجميع يجلس أمام التلفاز يشاهدون أحد الأفلام العربية القديمة. تحدث سمير لابنته: عاملة إيه في الشركة؟
أجابت رؤى عليه بنبرة عادية: عادي يعني هعمل إيه؟
أجاب سمير عليها بنبرة معاتبة: ده رد ينفع يتقال؟
نظرت له وأجابت بهدوء: حضرتك فرضت عليا أمر وأنا المفروض أني أنفذه وأنا راضية.. وفعلاً عملت اللي حضرتك عايزه عشان تستقيل عشان بخاف على صحتك. بس موضوع أنا مرتاحة ولا مش مرتاحة إجابة السؤال مش هتفرق كتير.
نهضت بجسدها من على الأريكة واتجهت لغرفتها. بينما تحدثت والدتها بعتاب: حرام عليك اللي عملته فيها ده.. البت اشتغلت عشان راحتك وبتيجي على نفسها. طبيعي ترد الرد ده.
أجاب عليها سمير: اللي عملته ده في مصلحتها. مش هتعرف قيمة كلامي غير قدام.
لم يعجبها ما قاله لكن دعت بداخلها أن يُصلح حالها ويوفقها دائماً ويبعد عنها أولاد الحرام.
رواية انجذاب الروح الفصل الثالث عشر 13 - بقلم زينب خالد
بدأت الحكاية بنظرة عابرة ..
وأنقلبت لإنجذاب ..
هل سيظل هذا الإنجذاب دائم ..
أم أنه مجرد شئ عابر سيمر سريعا ..
بعد أسبوع
عادت روضه لمنزلها وظل مالك معها لم يتركها ولو لدقيقة واحدة ..
ظل يراعيها بحنيه بالغه يحاول بشتى الطرق أن يعيدها لشخصيتها القديمة لكن باتت محاولته بالفشل ..
دائما شارده أو تبكى بصمت تشعر بالحزن على فراق جنينها الذي كانت تحلم به منذ بداية زواجهم ..
فى الصالة
وضع مالك الصينيه على المنضده التى تحمل كوبان من العصير الطازج ..
كانت روضه شارده كعادتها نمت على شفتيه إبتسامه رائعه
أخذ العصير لكن لم تكن تنتبه له
نادى عليها قائلا :
روضه .. حبيبتى
لم تجيب عليه
وضع أحدى يديه على كتفها يهزها برفق حتى انتفضت بخفة أثر خضتها
نظرت له وجدته يحمل بين يديه كوب العصير ..
إبتسمت بضعف حتى أخذته منه
بينما زفر بضيق من حالتها التى لم تنتهى حتى الآن
يجب وضع حد لهذا الموضوع .. لإن إن تمادت سيزيد الوضع وتدخل فى إنتكسات غير مبشره
جلس بجانبها على الاريكة
تحدث مالك بضيق :
ينفع أعرف هتفضلى كدة لغايه أمتى
أجابت روضه ب بساطة :
مالى .. أنا كويس
همسح مالك على وجه بضيق قائلا :
لا مش كويسة .. من ساعة ما طلعنا وأنت كدة .. قدرت حالتك وقولت طبيعى تزعل وتضايقى لكن أنت كدة زودى الموضوع ده .. وأنا مش هستحمل أشوفك كدة ومش عارف أعمل حاجه
تجمعت الدموع بعينيها متذكره ما حدث كأنه حدث بالأمس ..
وضعت الكوب على المنضده وبدأت في البكاء بنبره عاليه
لم يستطع مالك التحمل أكثر من هذا ..
سحبها من يديها برفق حتى حضنها بحنان
لفت يديها حول خصره بقوة دافنه وجهها بصدرة
ظلت تبكى بشده بينما يربت بحنان على شعرها يقبل فروته بين الدقيقة والأخرى ..
دفنت نفسها داخله كأنها تود أن تخترق ضلوعه وتقيم بها
تحدث مالك بنبره حازم حتى يوقف بكائها :
يا حبيتى ده قدر ومنقدرش نعترض عليه .. لازم تتحملى وترجعى تانى أنت وحشتينى وحشنى حضنك ولهفتك عليا لما بدخل .. عارف أن الموضوع صعب بس لازم تتخطيه المرة دى محصلش نصيب ربنا مش كاتبله يتولد دلوقتي .. خلى إيمانك قوى بعدين منا معاكى أهو ولا أنا بقى مش معتبرانى إبنك .. بعدين أنت عايزه عيل يجى عشان يخدك منى ده أنا كنت ولعت فيه وفيكى
ضحكت روضة على حديثه
إبعدت عنه حتى رفعت رأسها له ..
مسح دموعها برفق بينما تحدث بنبره هادئه حنونه :
مش عايزك تزعلى ولا تضايقى .. خلاص الموضوع عدى وخلص لسه قدامنا العمر طويل .. عايز أشوف ضحكتك لأنها وحشتنى أوى
ثم أكمل بتذمر :
بعدين أوعى كدة أنا مضايق منك مشغلانى الخدام بتاعك أكن أبوكى أشتراه بفلوسه .. دكتور صيدلى محترم أقعد بيخدم فى البيت يا حظك يا مالك مكنتش أعرف أن اليوم ده جاى يابنى
لم تسطتع روضة أكثر من هذا حتى ضحكت بشده على تذمره ..
ظلت تضحك حتى أدمعت عينيها
ثم نظرت لعينيه الرمادية التى دائما تغوص بعمقها لا تريد النجاء .. لكن تريد الغوص أكثر فى دفئ عينيه
تواصلت أعينهم بنظره طويله يحكى كل منهم ما بداخله عن حديث لم تستطع الافواه التحدث به ..
شكرت ربها على وجود شخص كا مالك بجوارها لا تتخيل حياتها بدونه لو كانت تزوجت بأخر لا تعتقد بأنها سيعاملها مثلما يفعل ولا يدللها مثلة ..
لا تنكر أنها حزنت بشدة على ما حدث أو لم تستوعب به طوال الأسبوع كانت تبكى تعرف أنه تحمل كثيرا حالتها .. لكن يعرفها ويعرف ما تشعر به لذلك كان يعذرها ..
تراقبه بينما يحاول بكل الطرق أن يسعدها ويرسم البسمة على شفتيها لكن ليس بيدها كلما تذكرت تبكى على ما توصلت له ..
لفت ذراعيها حول عنقه وحضنته برفق
إبتسم على فعلتها حتى قربها منه أكثر
دفنت وجها فى عنقه حتى تحدثت روضه توضح له ما شعرت به :
اليوم اللى حصل فيه النزيف توقعت أى حاجة غير أنى حامل .. حتى لما عرفت حسيت بإحساس صعب أوى مش عارفه اوصفه أزاى لأنه وجعنى أوى .. لما أستنى أن أحمل وأحلم بيه ويوم ما أعرف بدل ما أفرح أزعل لأنه ضاع .. بتمنى دايما أنى أحقلك حلمك لكن للاسف معرفتش أحققه
أبعدها عنه ومسك وجهها بيديه هاتفا بحنان :
ششش .. متقوليش الكلام ده تانى وقت ما ربنا يرزق هيحصل .. أنا عايز حبيبتي تانى مش عايز دموعك لانها غاليه بعدين أنا معاكى شوفتينى طلقتك وروحت أتجوز عشان أجيب العيل
ضربت كتفه بيديها مجيبه بغضب :
أبقى أعملها كدة .. عشان متبقاش موجود على الحياة تانى ورينى بقى ساعتها هيجيلك عيل أزاى
ضحك مالك على غضبها ثم أردف :
الله ما أحنا حلوين أهو .. عاملة فيها مضايقه أوعى تكونى كل دة بتمثلى عليا ده أنا فرهدت منك
ضحك الاثنان بينما دفنت نفسها فى حضنه بإشتياق ..
أخرجت تنهيدة حارة بينما أبتسم مالك بأنه أستطاع محو أى هواجس بأن تطاردها وهاقد رجعت حبيبته له مرة أخرى ..
_____________________
فى الشركه
مكتب رهف
كانت تجلس على المقعد تعمل على تصميم لشركه جديدة التى أخذته حديثا
بينما تعمل دخلت عليها فتاة تحمل على ملامح الغضب الشديد والحقد
ضربت بيدها على مكتب رهف بقوة ..
رفعت ناظرها من الورق جاءت أن تتحدث لكن قاطعتها الفتاه تهتف بغضب :
فى أى .. من ساعة لما جيتى وأنت بتلمى المشاريع كلها وتصميم الشركة اللى كنت هاخدة البشمهندس أدهولك أى مش رحمة نفسك .. هتاخدى الشركه كلها لحسابك
نهضت إيناس من مكانها وأتجهت لها تهتف بقوة وتساؤل :
فى أى يا سهام .. داخله بزعابيبك كدة ليه وبعدين هى مالها البشمهندس حسين أدهولها أكيد عنده وجه نظر لكدة أى مشكلتك
ضمت يديها ناحية صدرها هاتفة بغيظ شديد :
إيناس أطلعى منها أنت .. أنا جاية أكلمها هى بعدين مشكلتى أن كل المشاريع الهانم واخدها لحسابها وأكن عاملة لبشمهندس حسين سحر يديها معظم المشاريع .. وأحنا بقى ناخد البواقى
ربع رهف يديها على صدرها تتحدث ببرود تنافى ما شعرت به من الاهانة :
حضرتك أنا مش ساحرة عشان أعمل سحر .. وكون زى ما بتقولى أن أخدت منك تصميم الشركه أكيد عندى ميزه مش عندك .. ودى بقى حاجه ترجعلك أنت شوفى بقى أنت مش متظبطه فى أى وأعمليه .. بعدين كل واحد بياخد نصيبه وأنا أجتهد فا لقيت وبعد كدة بلاش الاسلوب الهمج اللى دخلتى بيه لان المرة الجاية تصرفى مش هيعجبك أنا أحترمتك لأنى محترمة ومحترمه أنك فى مكتبى لو حصل تصرف تانى ساعتها هتلاقى ردة فعل مش هتعجبك .. ياريت بقي تتفضلى عشان عندى شغل وأكيد أنت كمان عندك
أقتربت منها حتى تقابل وجههم هتفت سهام بغل ونبره غير مبشرة :
خليكى فاكرة اللى قولتيه عشان مش هعديه بالساهل .. وأحذرى منى
سحبتها إيناس من ذراعها ثم تحدثت بغضب :
كفايه كدة .. أطلعى برة كلمة زيادة وهروح أشتكى عليكى .. برررررره
خرجت سهام وهى تتوعد لها وبما قالته بينما راقبتها رهف حتى خرجت من الغرفه وبدأت دموعها فى التجمع والهبوط سريعا ..
ظلت تبكى بصمت
لفت إيناس سريعا حتى وقفت بجانبها وأخذتها بين أحضانها تهدئها قائلة :
أنت بتعيطى ليه دلوقتي .. ده أنت مسحتى بيها الارض
لم تهدأ بينما ظلت تبكى أكثر كلما تذكرت كلماتها بينما تربت إيناس على ذراعها ذهاباً وايابا ..
تحدثت إيناس بحنان :
خلاص أهدى متعيطيش .. هى كدة لما متخدش اللى عايزاه تفضل تأكل فى نفسها وتهب فى أى حد .. بس متعيطيش بقي هعيط معاكى بعدين ازاى تعيطى ده أنت خلتيها واقفه بتولع قربت تطلع من ودنها دوخان زى التنين
ضحكت رهف بخفة أثر حديثها مسحت دموعها بيديها برفق أبتعدت عن إيناس ..
أبتسمت فى وجها ثم تحدثت رهف بشكر :
ثانكس على اللى عملتيه .. وأنك وقفتى قصادها
ضربتها برفق على ذراعها مردفه بعتاب طفيف :
عيب لما تقولى كدة أحنا أخوات .. بس فرحانة فيها أوى كانت بتولع وأنت بتكلميها الله عليكى بجد أحيكى
ضحكت رهف ثم مسحت على وجها تزيل أى أثر لأى دموع أخرى ..
رجعت إيناس لمكتبها كى تكمل باقيه عملها وأكملت رهف التصميم القابع بين يديها
______________________
فى المحكمة
خرجت رؤى من القاعة بجانبها سيدة يظهر على وجها التعب والارهاق
هتفت لرؤى بإمتنان حقيقي :
مش عارفه أشكرك أزاى على اللى عملتيه ... مكنتش لا هعرف أطلق ولا أخد حقوقى
أبتسمت رؤي بوجهها بينما ربت على ذراعها قائله :
متقوليش كدة ده واجبى .. لو حصل أى تقصير فى الفلوس كلمينى وأنا هتصرف
بدأت دموعها بالهبوط بكثرة تبتسم على وقوفها بجانبها لولاها لما أستطاعت أن تنفصل عنه وتستقل بحياتها بعد ما عشته من ظلم وإهانة ..
خرج الرجل وعلى وجه علامات الغضب الشديد كاد أن يقترب من رؤي لكان ابتعدت عدة خطوات للخلف تلقائيا بينما أحتمت السيدة بجسدها خلفها
وقفت رؤي أمامه بحزم ..
تحدث الرجل بنبره غاضبه وصوته يتعالى فى جميع أركان القاعة :
وحياه أمى ما هسيبك .. أنت تخلعينى ابقى قابلينى لو دفعت قرش واحد ورينى بقى هتصرفى على ولادك أزاى يا هانم
أجابت رؤي بنبره عالية :
ورينى هتقدر تعمل أى .. وأى تقصير في دفع الفلوس هيتم رفع قضيه بكدة
حاول الرجل أن يتهجم على رؤى وطليقته لكن تجمع الناس حولهم وفرقوا بينهم حتى أبعدوا الرجل عنهم بينما رؤي تقف أمامه كالسد المنيع لتعودها على بعض هذه الامور ..
ظل الرجل يشتم حتى أخرجوه خارج المحكمه بينما تبقى السيدة خلفها بنبره مكتومة حتى خرج بدأت شهقتها فى الارتفاع خائفه رغم شعورها بالسعادة لحصولها على التحرر من الظلم الذي تعرضت له لكن تشعر بالزعر الشديد خوفا م أن يحدث لها ولاولادها شئ ..
قامت رؤي بتهدئتها صعبت عليها كثيرا يبدو بأنها لم تعيش حياة كريمة ..
أخرجت تنهيدة قوية بينما قامت بتهدئتها مشجعا أيها أن كل شئ سيكون بخير
________________________
شركه الاستراد والتصدير
مكتب رؤي
جلست رؤي على المقعد بإرهاق بعدما أنتهت من جلستها المرهقة ..
حاولت الافاق والتركيز لإكمال باقية عملها لكن بسبب عملها لوقت متأخر تشعر بعدم الراحة وحاجتها للنوم ..
طرق الباب حتى أذنت للطارق تحدثت السكرتيره :
مستر حازم عايز حضرتك
أجابت عليها بنبره مرهقه :
ماشى .. هاجى خلال دقائق
خرجت من الغرفة بينما حاولت ضبطت نفسها قليلا لتستطيع التركيز ..
أخذت نفس عميق وزفرته على مراحل نهضت بجسدها وخرجت من الغرفه متجه لحازم
مكتب حازم
طرقت الباب حتى أذن لها بالدخول دخلت حتى وقفت أمامه ..
رفع ناظره لها حتى وقع عليها كانت ترتدى بدله نسائيه بلون اللبنى تحته توب بيضاء وتنوره لحد ركبتها بينما ترفع شعرها بذيل حصان تضع بعض اللمسات البسيطه من الميكب ..
للوهله الاولى إنجذب لها ولهيئتها البسيطه لكن طرد هذا سريعا من رأسه تحدث بنبره رخيمه :
اتفضلى
جلس أمامه على المقعد بينما تحدث حازم بتوضيح :
كنت حابة ان نتنافش فى بعض النقاط فى صفقه
تحدثت رؤي بجدية :
أتفضل
أعطى لها الاوراق بينما بدأ يستوضح عن بعض النقاط .. بدأت بالشرح جميع النقاط حتى تناقشوا فى الصفقه كاملة وكيفيه العقود الخاص بيها ...
بعد فترة طويلة من العمل رمق رؤي بنظره خاطفة وجد على ملامحها الارهاق والتعب ..
تحدث حازم بنبره رخيمه :
كدة كفاية أنهاردة .. كل حاجه خلصت فاضل أنك تجهزى العقود عشان الاجتماع قرب
أجابت رؤي بإيجاز :
تمام
عرض حازم عليها قائلا :
هطلب قهوه أطلبك معايا .. باين عليكى تعبانة
نمت على وجها إبتسامة مرهقه قائله :
مفيش لزوم لازم اروح عشان أجهز الورق
كادت أن تنهض لكن أوقفها حازم بحديثه قائلا :
ممكن تكون البداية بتاعتنا تكاد تكون غير لطيفه .. وبعض التطشات اللى حصلت ردة فعل على اللى عملتيه .. بعدين الوضع اللى اتفرض عليكى اتفرض علي
لم يعجبها ما قاله حيث أجابت بإمتعاض :
والله كان فى إيدك أنك متوفقش عادى وتخترع أى حاجة أو أن بعد ما أجى تقول محصلش نصيب .. بس أنت كملت عادى .. فين بقى الوضع اللى اتفرض عليك خلاص الموضوع بقى مفروغ منه .. أنا بشتغل ولو حصل أى تقصير تقدر تمشينى عادى
زفر بضيق من حديثها ثم تحدث حازم :
أنا بعرض عليكى نبقى صحاب وياريت ننهى العداوة اللى مش موجوده اصلا بس أنت بتعمليها .. عشان نعرف نكمل الشغل وانت أكيد مش هتقصرى فى شغلك لذلك مش هتمشى يعنى هتكملى هنا .. ناخد هدنة ونبقى أصدقاء بدل مناوشات اللى بتحصل بينا وكل واحد بيمسك كل كلمة على التانى
فكرت قليلا رغم بأنها لم يعجبها حديثه لكن راقها قليلا لذلك أجابت :
مفيش مشكله .. ياريت حضرتك تنتبه لكلامك بعد كدة متقللش من شغلى لأن أنا بعمله على كامل الوجه
أجابها حازم قائلا :
والله أنت اللى عايزة تمشى ... واللى عايز يمشى معناه أنه معملش شغله على أكمل وجه ولا أنا غلطان
سحقا هاقد فاز عليها بالكلام واستطاع أن يقلب حديثها ضدها لكن هى من سمحت له بذلك
أكمل حازم حديثه :
محدش هيستفاد لما كل واحد يمسك على التانى كلمة قالها وفعل عمله .. ياريت تقبلى أن أنا نكون اصدقاء عشان نعرف نشتغل من غير أى ضغينه بينا
فكرت قليلا رغم حديثه الذى لم يروقها البعض منه لكن وافقته فى أخذ هدنه بينهم .. أجابت بإبتسامة مرهقه :
ماشى موافقة
ارتسمت على شفتيه إبتسامه رائعه ثم قال حازم :
بحيث كدة .. تقدرى تروحى البيت لأن باين عليكى الارهاق ونكمل كلام الشغل لوقت تانى
لم تحاول رؤي الاعتراض بل فرحت داخليا لأنها منذ الصباح وهى تحلم بلحظه وصولها للفراش والنوم عليه براحة شديده .. وافقت رؤي قائله :
ماشى مفيش مشكله عن أذنك
أخذت رؤي الاوراق ثم نهضت بجسدها واتجهت لخارج الغرفه لاخد متعلقتها والعودة للمنزل ..
بينما ظل حازم شارد مكان جلوسها يفكر بما قاله لها وعلى إقامة هدنه بينهم .....
___________________________
فى المساء
غرفة رهف
كانت تجلس على الفراش تتذكر ما حدث معها صباحا ..
تجمعت الدموع بعينيها مرة أخرى لكن لم تهبط على وجنيتيها بل ظلت حبيسة ..
أخذت هاتفها وقررت أن تبعث رسالة ليزن ..
فتحت الهاتف ثم الشات الخاص بهم بعثت رسالة مضمونها " مساء الخير يا فندم "
بينما على الجانب الاخر كان يزن يجلس على الفراش يرتدى فانله كات يراجع على بعض مستندات المشفى ..
وجد الهاتف يرن بجانبه أخذه وجد رسالة من رهف أجاب عليها سريعا مدونتيزن " مساء النور يا حلوة الحلوين "
رهف " عامل أى "
يزن " كويس الحمدلله براجع شويه ملفات للمستشفى .. باين عليكى أنت اللى مش كويسة "
استغربت رهف بمعرفته بما تشعر به حيث كتبت سريعا " وأنت عرفت منين أن فيا حاجه "
أجاب يزن " قلب الام "
ضحكت رهف ثم كتبت " لا بجد عرفت منين .. أعترف "
يزن " سيبك من ده دلوقتي .. الجميلة مالها مين زعلك "
رهف " البشمهندس أنهاردة ادانى شركه صاحبها لسه هيعملها وطلب أن حد يصمم نظام الشركه "
يزن " طب حلو أى المشكله "
رهف بضيق " بنت راحت جت وأقعدت تزعق جامد "
وبدأت فى قص ما حدث في المكتب كاملة ..
انتظرت قليلا حتى أجاب عليها مدونا " برافو عليكي وعلى برودك إنهاردة أحيكى .. ده أولا ثانيا بعد كل اللى عملتيه ده تروحى تعيطى "
رهف " مقدرش وأنا شيفاها بتكلمنى بالطريقة دى وأول مرة حد يكلمنى كدة "
يزن " حتى لو كدة مكنش ينفع تعيطى .. برافو أنك تعاملتى معاها ببرود لأنك لو أتعصبتى هاتمسك على كلامك وهتقلبه ضدك لكن كدة أنت حرقتيها وخلتيها تلف حوالين نفسها "
رهف " إيناس كانت فرحانة فيها وبتقول شكلها عمل زى التنين "
يزن " المهم أنك تاخدى بالك من تصاميمك وتخلى معاكى دايما نسخ لأى ظرف طارئ "
رهف " متقدرش تعمل حاجه "
يزن " مين قال .. اللى زى دى مش هتهدى غير لما تبوظ شغلك .. خلى بالك منه وأحسبى لكل خطواتك قبل ما تقدمى عليها .. بعدين ينفع تزعلى وأنا موجود عيب فى حقى كدة "
رهف " حاضر .. هاخد بالى .. أنا فعلا محتاجه فرفشة "
يزن " بسم الله "
بدأ يزن بإخراجها من حزنها تجاوبت رهف سريعا معه وظل المزاح بينهم لوقت طويل حتى أقفل كل منهم لوصول معاد النوم ..
وضعت الهاتف بجانبها بعدما ظبطت المنبه شعرت بالراحة بعد حديثها مع يزن الذي دائما ينجح فى إخراجها من حالتها ..
نظرت لامام بشرود وهى تتذكر حديثهم وعلى شفتيها إبتسامة حتى غفت وأنغلقت عينيها وهى تعيد حديثهم مرة أخرى
رواية انجذاب الروح الفصل الرابع عشر 14 - بقلم زينب خالد
كانت الأجواء هادئة بين الجميع، لم يحدث شيء. تحسنت العلاقة بين حازم ورؤى، وبدأت تأخذ اتجاهًا آخر نحو الصداقة. بدأت رؤى تقبله بشكل مختلف ورضيت بعملها بكل راحة، كانت توفق بين عملها في المكتب وعملها في الشركة على قدر الإمكان.
منزل مالك.
خرجت روضة من المطبخ، ترتسم على شفتيها ابتسامة، بينما بين يديها تحمل صينية عليها كوبان من العصير الطازج. تقدمت حتى أعطتهما لها، ثم وضعت الصينية على المنضدة أمامهما. جلست بجانبها حتى تحدثت روضة باهتمام:
"طب وعملتي إيه؟"
رَشفت قليلاً من العصير ثم أجابت رهف بنبرة عادية:
"ولا حاجة... من ساعتها بتجنبها، وكل ما أعدي قدامها أحس إن عينيها بترمي رصاص لو كانت حقيقية. كنتِ قرأتِ عليا الفاتحة."
ضحكت روضة على تعبيراتها، وقالت بعدما أخذت رشفة من الكوب القابع بين إحدى يديها:
"خدي بالك من نفسك ومن شغلك، منعرفش هي بتفكر في إيه وعايزة منك إيه. باين كده مش هتعديها بالساهل، خدي بالك كويس."
رفعت رهف كتفيها بعدم اهتمام مجيبة على حديثها:
"أنتِ هتعملي زي يزن؟ قال نفس الكلمتين... أنا مش في دماغي أصلًا، مش مهتمية بكلامها. مهتمية بشغلي وبس."
نظرت لها روضة بنظرات لم ترتح لها رهف، بينما أردفت روضة بنبرة خبيثة:
"الله! ده الموضوع اتطور وبقى يزن يعرف عننا كل حاجة؟ أخس عليكي تخبي عليّ."
تقدمت بجسدها للأمام حتى وضعت الكوب على المنضدة، ثم أراحت جسدها مرة أخرى للخلف قائلة رهف موضحة:
"لأ، نظراتك مش مرتاحة ليها. دماغك ما تلفش في مكان غلط، عادي مجرد أصدقاء، صحاب يعني. وحازم عارف عشان دماغك بس."
ضيقت روضة عينيها بخبث قائلة:
"لأ، لازم تحكي لي. باين عليا وأنا تعبانة، فاتني كتير."
أجابت رهف بانزعاج:
"لأ، أنتِ مش هتفوقي عليا من تعبك. عادي، مجرد صحاب، بندردش مع بعض."
أردفت روضة بتفكير، تتخيل علاقة بين يزن ورهف. سيكونان ثنائيًا رائعًا، كل واحد منهم يتماشى مع الآخر بشكل مميز. ستكون علاقة رائعة بينهما، لكن كيف تقربهما من بعض؟ رغم معرفة رهف منذ فترة ليست بطويلة، عرفت بأنها إنسانة رائعة، رقيقة، محبة للحياة. بينما هو وسيم، كثير المزاح، لديه عمل خاص به، ليس من الشباب المستهتر أو الجامد في ذات الوقت. كانت دائمًا تقول له أن زوجته ستكون محظوظة لامتلاك زوج مثله. تتمنى حقًا بأن تربط بعضهم البعض بعلاقة رائعة، لكن ليست كأصدقاء، بل كأحباء.
قالت روضة بنبرة حزينة على يزن:
"بجد، يزن صعبان عليا. فارض على نفسه الوحدة، ومالك مضايق عشانه."
ابتسمت رهف تلقائيًا من مجرد ذكر روضة لاسمه، لا تعرف ما سر الابتسامة، لكن أنصتت باهتمام لما تتحدث به روضة، حيث قالت بنبرة مهتمة:
"ليه ما ارتبطش قبل كده؟"
هزت رأسها نافية مجيبة على حديثها:
"من ساعة ما والده توفى وهو عايش لوحده. حاول معاه مالك كذا مرة، بس كان بيرفض. يقول النصيب لسه مجاش. بزعل على قعدته لوحدته، خصوصًا وقته كله مضيعه على الشغل، من المستشفى للشركة. عشان كده كل فترة بحاول أجهز له أكل وأبعته مع مالك على التجهيز بس. بيصعب عليا لما يروح بعد المجهود ده ويقف يعمل أكل، لكن أفضل حاجة فيه إنه عمره ما اشتكى ولا اتضايق. دايما بيهزر ويضحك معانا. ما بيبطلش هو ومالك مع بعض، تحسي أطفال مش اتنين كبار، لغاية لما ببقى عايزة أطرد الاتنين برة."
ضحكت رهف على حديثها، بينما نظرت في ساعة الهاتف، أجابت:
"يلا عشان لازم أروح."
تحدثت روضة برجاء لاستمالتها:
"لأ، خليكي اقعدي معايا واتغدي كمان. أنا لوحدي."
اعتذرت بلباقة، بينما أجابت رهف:
"مش هينفع عشان أروح آكل وأنام. بعدين فين العاشق بتاعك؟"
أخذت نفسًا عميقًا وزفرته، ثم أجابت بنبرة متضايقة:
"هيتأخر في الشغل. لأن الفترة اللي أقعد جنبها لما تعبت، أهمل الشركة وكان سايب الحمل على يزن عشان ميسبنيش لوحدي. ولما خفيت، أصريت عليه ينزل عشان شغله، وبقاله كام يوم كل يوم يجي متأخر بيخلص كل اللي متعطل."
أجابت رهف بتفهم:
"ربنا معاه. يلا عشان لازم أروح."
نهضت الاثنتان معًا، أوصلتها روضة حتى باب الشقة. تحدثت روضة:
"برضه مش هتقعدي معايا؟"
نفت برأسها قائلة رهف:
"عايزة أنام. أنا جيت عشان أطمن عليكي، والحمد لله بقيتي كويسة."
احتضنت الاثنتان بعضهما البعض، ثم ارتدت رهف حذاءها وخرجت من الشقة متجه للقصر، تتمنى أن ترى الفراش أمامها لترتمي عليه من كثرة التعب.
***
في المساء.
قرر حازم أن يذهب لرهف كي يتحدث معها، مثلما تعودوا. لكن بسبب انشغاله لم يستطع الجلوس معها منذ فترة كالمعتاد. طرق على الباب، يعرف أنها مازالت نائمة، لذلك سار بهدوء حتى يوقظها وتجلس معه قليلاً. وقف أمامها، كانت نائمة على بطنها، تأخذ الوسادة بين ذراعها تحتضنها بشدة. ابتسم على هيئتها، نادى عليها بنبرة عالية ليوقظها قائلاً:
"رهف، رهف، قومي."
لكن لا حياة لمن تنادي. جلس على الفراش وظل يهزها برفق حتى أجابت رهف بنبرة خافتة تكاد لا تسمع:
"سيبيني أنام."
هزها مرة أخرى، لكن بعنف، كي تستيقظ. لا ينفع معها الرقة أبدًا. تحدث حازم بنبرة عالية:
"بت فوقي يخربيتك، هجيب ميه وارميها."
أجابت رهف بخمول:
"حااازم! ابعد عني، خليني أنام، تعبانة."
ظل يهز فيها بيديه، فكان جسدها يذهب ويأتي معه، حتى هتف بتذمر:
"لأ، قومي يلا. أنا مش جاي عشان أقعد مع ظلك، اخلصي قومي. كفاية كده، أي هتنامي لتاني يوم؟"
تقلبت للناحية الأخرى قائلة بخمول:
"أنت مالك أنت؟ روح شوف هتعمل إيه وسبني أنام."
فكر قليلاً حتى أبعد يديه ونهض من على الفراش. شعرت به وهو ينهض، فرحت بأنها نجحت أن يبتعد عنها. ثوانٍ ولم تشعر إلا بمياه تُقذف على وجهها. شهقت بعنف بسبب شدة دفع المياه لوجهها. نهضت بجسدها بفزع، تأخذ أنفاسها بعنف بعد ما فعله. نظرت له، وجدته يقف أمامها وعلامات الشماتة والنصر ترتسم على ملامحه. تحدثت رهف بانفعال:
"أنت غبي! حد يعمل كده وحد نايم؟"
أجاب عليها حازم بعدم اهتمام:
"آه، فيه. لما أتحايل عليكي عشان تصحي وأنتِ جبلة عايزة تنامي."
صرخت بشدة من بروده. نهضت من على الفراش واتجهت له، ظلت تضرب بيدها على جسده. أما هو، تركها تفعل ما تشاء كأن ضرباتها لا تشعره بشيء، حتى أمسكت يديه وقامت بعضها بشدة. تفاجأ منها حتى سحب يديه بشدة بعدما عضته بقوة. تحدثت بتشفي:
"أحسن، تستاهل. عشان تعمل فيها جامد وما بتحسش بحاجة."
ظل يفرك يديه بألم بسببها قائلاً بتألم:
"الله يخربيتك، مربيين كلب في البيت."
أجابت رهف بعصبية مفرطة:
"ولا أطلع بره؟ أنت تقعد ليه؟"
نفخ حازم بضيق قائلاً:
"بت، أنا زهقان وجاي أقعد معاكي، فا مش هطلع أصلًا."
أزاحها من أمامه بيديه ونام على الفراش، بينما يبتسم بتسلية. أما هي، يكاد الغيظ يأكلها بسبب تصرفاته. صرخت رهف بعصبية:
"والله أنده لك بابا، قوم من هنا."
صفر بإستمتاع شديد وكأنها لا تتحدث. أما هي، كانت تقف، شعرها مشعث من النوم، ووجنتاها ممتلئتان بشدة، وكل دقيقة والأخرى تنفخ بضيق. تحدث هذه المرة بجدية:
"تعالي بقى، يعني أنا سايب شغلي وجايلك وعايزة تنامي؟ بعدين بقالنا كتير ما قعدناش مع بعض. فا استهدي بالله كده وتعالي في حضن أخوكي فواز."
فكرت لدقائق حتى قررت أن تنصاع له وتتنازل عن غضبها. تقدمت الفراش حتى عدت من على حازم كي تجلس بجانبه. ضغطت بجسدها بقوة على قدميه حتى ألمته، ثم جلست بجانبه بتشفي وعلى وجهها علامات الانتصار. تحدث حازم بنبرة متألمة:
"جموسة بتعقدي، بتأكلي إيه يابنتي؟"
نظرت له بتسلية ولم ترد عليه، بينما سحبها من إحدى ذراعيها وأخذها في حضنه. مكانها المعتاد، أراحت ظهرها على ذراعه، بينما يضع يد خلف رأسه والأخرى تسند ظهرها عليه. من ينظر لهم من النظرة الأولى يمكن أن يعرف بأنهم حبيبان، وهذا مكانها المفضل، الجلوس في أحضانه. لكن العكس، بل أنهم إخوة منذ الصغر. تعود حازم أن يأخذها بين أحضانه وتقوم بسرد أحداثها، حتى اعتادوا على هذه العادة. كلما تفرق عنها حازم بسبب انشغاله، يعود لها مرة أخرى، يأخذها في حضنه، وكل منهم يسرد تفاصيل يومه، لا يخبئ أحد شيئًا عن الآخر.
ظل الصمت حليفًا بينهما حتى تحدث حازم قائلاً بينما نظره للأعلى:
"حصل معايا حاجة غريبة أوي بموقف أغرب. من فترة، أنتِ عارفة سمير المحامي بتاع الشركة."
هزت رأسها بإيجاب مجيبة:
"آه، بسمع منك أنت وبابا أنه إنسان كويس."
أردف حديثه قائلاً:
"تعب بحكم أنه راجل كبير، طلب مني طلب غريب جدًا عشان أقبل استقالته، غير كده مش هيقدمها."
نظرت له رهف باهتمام شديد تحثه على الإكمال. تحدث حازم:
"أن هيقدم استقالته مقابل أن بنته تتعين مكانه وتمسك الشؤون القانونية للشركة. استغربت جدًا من طلبه، وهو كان مصمم على طلبه بطريقة تخلي الواحد يفكر، اللي يخليه يطلب حاجة زي كده."
قاطعته رهف قائلة باستفهام:
"وأنت عملت إيه؟"
أجاب عليها موضحًا:
"وافقت، خصوصًا أنه عرفت أن بقاله فترة تعبان. وأنا مقدرتش أرفض طلبه لأن هيبقي حرام عليا، بس في نفس الوقت كنت مستغرب، اشمعنى بنته؟"
تحدثت رهف بتساؤل:
"يمكن مثلًا محتاجة شغل وهي مجتهدة، بس لسه مجتلهاش الفرصة، فا حابب أنها تيجي مكانه؟"
هز رأسه نافيًا مردفًا باقي حديثه:
"لأ، طلعت أنها بتشتغل في مكتب محاماة. وافقت وقولت له تيجي وأعملها إنترفيو، لكن لو ما حصلش موافقة عليها، ما يضايقش، لأن ده شغل ما فيهوش عواطف. ويا الله! جت تاني يوم، دخلت فيا شمال وأنا دخلت شمال وعملنا تاتش مع بعض. ما كانتش مقابلة غير صالحة بالمرة. لو كنتِ شوفتي منظرها وهي بتتكلم، شوية وتقوم تولع فيا."
ضحكت رهف، بينما تحدثت:
"هو أي مجبرة أنها تيجي؟"
أكمل حديثه قائلاً:
"آه، أجبرها أنها تيجي زي ما عمل معايا. بس هي بنت فظيعة، مش طايقة أي حاجة. قررت بقى أتعامل معاها باستفزاز، كنت بخليها تولع وهي قاعدة مكانها."
ضربته رهف بغيظ على صدره قائلة بغيظ:
"حرام عليك، في حد يعمل كده في بنت؟"
ضرب يديها التي قامت بضربه قائلاً بإنزعاج:
"آه، تستاهل. كل ما أكلم تعمل هوليلة، بس وأنا مبحبش كده، بحب اللي يسمع الكلام والاحترام، لكن هي داخلة فيا في سكة مش تمام، فا دخلت معاها عشان نشوف آخرتها. لكن رغم كده، شاطرة جدًا في شغلها. وبس يا ستي، اليوم اللي بنتقابل فيه بيبقى يوم مش عادي. هي مش عايزة تشتغل، فا بتحاول أنها تستفزني عشان أطردها، وأنا كنت ببرد عليها عشان عارف اللي عايزاه."
تحدثت رهف بتفكير:
"بس يا معلم، مبروك. قريب هنقرأ فاتحتكم."
أجاب عليها حازم بغير رضا:
"فاتحة إيه؟ أنتِ هبلة؟ أنا شاكك من زمان، بس مش راضي أقولك عشان ما أجرحكيش."
لم تجب على حديثه، بينما قالت:
"يابني اسمع مني، هي في الأول بتبدأ كده بخناقات بقى ومش طايقين، بعدين بقى نقف في المستشفى، تعقد رايحة جاية مستنية ابنك اللي هيتولد."
رفع حاجبه باستغراب قائلاً:
"قوام خلتيني أتجوز وأخلف وأنا أقعد جنبك؟ اقعدي بس على جنبك."
أزاحته قليلاً بجسدها متحدثة بغيظ:
"روح بس، أنت مش فاهم حاجة. بعدين حصل إيه؟"
رفع كتفيه وأجاب بلا اهتمام:
"عادي بقى. قولت لازم نوقف كده، مش هنفضل طول الوقت كده. أمر واتفرض علينا. قعدنا قاعدة تصالح، وقررنا أننا نبقى أصدقاء. والحمد لله، بدأت تهدأ شوية. يخربيتها، زومبا شغال على طول، ما بيفصلش. بتحاول تركز مع كلامي وتشوف أي الكلمة اللي ينفع تقلبها ضدي وتعمل إني بهينها وخلاص."
أنهى حازم حديثه بعبوس شديد، بينما تعالت ضحكات رهف مما سمعته، ثم تحدثت:
"مبروك يا زوما، بس خليك فاكر أنك هتخطبها."
أزاحها بعنف من على ذراعه للفراش، بينما هي صوت ضحكاتها لم تتوقف، بل تعالت أكثر. تحدث حازم بغضب:
"تصدقي أنا غلطان إني قولتلك حاجة. روحي نامي عشان ما أغباش عليكي."
كتمت ضحكتها بعصبية، ثم هتفت بنبرة متقطعة محاولة إمساك نفسها:
"خلاص، خلاص، هسكت أهو. بعدين مش بعد ما تصحيني عايز تخلع؟ تفضل اقعد معايا زي الشاطر لغاية لما أنام تاني. يلا، افرد دراعك زي الشاطر."
نظر لها نظرات بها شرارات الغضب. هتفت ببراءة قائلة:
"زوما القمر، ده أنا محظوظة حد يبقى عنده أخ بالجمال ده."
نظر لها بطرف عينه قائلاً:
"كده المفروض أضعف صح؟"
قبلت وجنتيه سريعًا حتى هتف بابتسامة:
"لأ، عادي. أنا ضعفت."
وضعها في مكانها مرة أخرى. بدأت هي في قص ما حدث معها. بعدما انتهت هي من سرد الأحداث، أجاب على حديثها بنبرة رخيمة:
"يمكن في الأول مردتش أقولك على اللي هيحصل لما تشتغلي، لأن عايزك أنك تبدأي تواجهي الحياة وقسوتها، لأن ده هيبقى له عامل في شخصيتك. بس مش معنى كده إنك تتخلي على نفسك، لأ. يعني أنا اللي يشوفني في الشغل ما يوفنيش في حياتي العادية ليه؟ لأن أنا مدير ولازم أكون شديد وقوي عشان محدش يتهاون بالشغل أو يفكر إنه يلعب ويستهون بيا. لكن أنتِ الموضوع هيختلف معاكي شوية. في بعض الأحيان لازم نتنازل عن شخصيتنا الحقيقية ونلبس شخصية عمرنا ما كنا هنروح لها، لكن المواقف هي اللي بتخلينا نضطر لكده. عشان كده مش عايزك تبقي ضعيفة، عايزة تبقي قوية، تاخدي حقك ومحدش يقدر يجي ناحيتك لا بكلمة ولا بفعل. وتاخدي بالك، لأن البنت دي مش هتهدى وهتعمل أي حاجة عشان تبوظ شغلك."
أجابت رهف بتشتت قليلاً:
"مش عارفه بقى، ربنا يستر."
ظل هكذا بعض الوقت والصمت هو حليف الموقف، حتى غفت رهف على ذراعه. وجه حازم نظره لها، ونمت على وجه ابتسامة محببة. يحبها كثيرًا، يعرف جميع حركاتها وأفعالها. يخاف عليها من العالم الخارجي وقسوته، لكن يجب أن تواجه وتتصدى له. أول من حفزها على العمل والخروج للعالم الخارجي، لأن انغلاقها على نفسها ليس جيدًا بالمرة. ومع بداية مواجهة أول مشكلة سيحدث لها انتكاسات كثيرة، لذلك يجب عليها المواجهة من البداية قبل أن يفوت الوقت. عدلها بشكل مريح، حتى دقائق وغفى بجانبها هو الآخر.
***
في اليوم التالي.
في منطقة شعبية.
حيث تتعالى هتافات الأولاد الذين سجلوا هدفًا في مرمى الخصم وأصواتهم عالية تملأ جميع الشارع، والسيدات التي تسير ذهابًا وإيابًا، بعضهن يحملن أكياسًا بين يديهن. كان يجلس على المقعد في القهوة، يرشف بين اللحظة والأخرى الشاي القابع بين يديه، وعينيه إذا نظرت فيها تجد شرارات غضب لا تهدأ منذ ما حدث. هتف صديقه الجالس بجانبه على المقعد الآخر، يشاهد النساء بتركيز، قائلاً بنبرة لعوبة وابتسامة على شفتيه التي أوضحت كيفية قذارتها ورائحتها التي تفوح منها بسبب السجائر:
"العب، أهي دي الستات اللي شبه لهطة القشطة، ولا بلاش."
لم يجد إجابة من صديقه. هتف له بنبرة عالية قائلاً:
"لأ، أنا مش معايا خالص. سيد، سيد."
انتبه له سيد، حتى وضع الكوب على المنضدة الموضوعة بجانبه، قائلاً بعدم اهتمام:
"اطلع من دماغي، مش فايقلك على الصبح."
هتف عباس باستفهام:
"أنت مضايق أنك طلقت مراتك؟ يا عم، بكرة نجوزك الأحسن منها، وأديها نزلت من على دماغك من قرفها."
نظر له وشرار يكاد أن يخرج من عينيه والغضب يتاكله، قائلاً:
"ما تولع ولا تروح في داهية. أنا على محامية دي، اللي يسبها قدامي أموتها. أجبرتني أدفع نفقة ومؤخر وحاجة قرف، وأنا لا كنت هخليها تطول مني مليم أحمر. هو أنا طلقتها عشان أصرف عليها هي وعيالها."
أجاب عليه عباس موضحًا:
"يعني عايز تعلم عليها يعني، مضايقاك من الآخر."
أجاب عليه سيد بنبرة غضب معبأة بالكره ناحيتها:
"أشوفها بس تاني، عشان تبقى تعلم عليا. هتتشطر عليا، حتة محامية."
تحدث عباس بتفكير:
"ما عاش ولا كان اللي يعلم عليك. تعرف عنها أي حاجة؟"
وضع يديه على وجهه يحكه للأعلى والأسفل بتفكير قائلاً:
"معرفش، ولا أعرف الولية دي وقعت عليها من أنهي مصيبة. بس هجبها، هجبها وأوريها إزاي تعمل معايا كده. لو أعرف بس أي حاجة عنها."
أجاب عليها عباس:
"سيب الموضوع ده عليا، هجبلك قرارها. اديني بس المحكمة اللي كنت فيها، وأقرب وقت هجبلك كل حاجة، وبعدين نفكر نشوف هنعمل فيها إيه."
أخذ سيد الشاي مرة أخرى ورشف منه ونظر أمامه بشرود وعقله يفكر في كيفية أذيتها.
***
في شركة الأدوية.
زفر يزن أنفاسه بتعب شديد، رمى القلم على المكتب، وضع رأسه بين راحتيه. أغمض عينيه بإرهاق شديد لعلى الألم يخف قليلاً. لكن كلما أصدر حركة كلما زاد ألم رأسه أكثر. اعتدل بجلسته وهو غير قادر على الرؤية بشكل جيد. مد يده على أحد الأدراج، سحبه بهدوء وأخذ يبحث عن دواء لعله يخفف الألم. وجد شريطًا، أخذ منه حبة، وضعه في فمه وشرب كوب من الماء كان موضوعًا بجانبه. سند رأسه على يديه على المكتب وأغمض عينيه يأخذ غفوة قصيرة، لعلى ألم رأسه يخف قليلاً.
بعد نصف ساعة.
فتح مالك الباب ودخل بيديه بعض الأوراق جاهزة على توقيع يزن. وجده يسند رأسه على المكتب. شعر مالك بالقلق، اتجه ناحيته سريعًا ثم وضع الأوراق على المنضدة. هزّه برفق قائلاً:
"يزن، يزن، أنت يابني فوق."
لم يستجب يزن له، وذلك بسبب إرهاقه. قلق مالك بشدة عليه، حاول إفاقته مرة أخرى. وأخيرًا، بعد دقائق، استطاع يزن أن يرفع رأسه. نظر له وعينيه شبه مغلقة. تحدث مالك بقلق:
"مالك؟ في إيه؟ وشك عامل كده ليه؟"
أجابه يزن بنبرة خافتة محاولاً أن يفتح عينيه:
"مفيش، مصدع شوية."
أجابه مالك بنبرة غير مطمئنة:
"مصدع إيه؟ أنت مش شايف نفسك؟"
هز رأسه نافيًا بضعف قائلاً بنبرة واهنة:
"خدت مسكن وهبقى كويس. كنت عايز حاجة."
تحدث مالك بنبرة حازمة:
"لأ، قوم معايا أروحك، لازم ترتاح."
أردف يزن نافيًا:
"لأ، عندي شغل لازم يكمل."
تحدث مالك بنبرة غاضبة:
"شغل إيه وأنت بالمنظر ده؟ يلا أقوم أروحك، متغلنيش أتعصب عليك."
ضحك يزن بوهن ثم قال:
"حلو أوي شكلك وأنت بتعمل دور مامي."
ضربه مالك على ذراعه بغيظ، بينما أجاب:
"أنت في إيه ولا إيه؟ أخلص قوم معايا."
ضحك يزن بوهن ثم نهض بجسده بضعف، بينما ألم رأسه ازداد أكثر. سنده مالك من ذراعه، بينما تحرك معه بضعف وبدأ الألم يغزو لجسده رويدًا رويدًا. دلفا الاثنان للمصعد، دقائق حتى خرجا ويزن يسير ببطء، ثم خرجا الاثنان من الشركة. تحدث يزن بنبرة ضعيفة:
"روحني بعربيتي بدل ما أسيبها هنا، وممكن أحتاجها ولا حاجة."
هز رأسه مالك بموافقة وأخذ منه مفتاح السيارة، ثم ساروا تجاه السيارة. ركبا الاثنان وبدأ مالك في القيادة متجه لمنزل يزن.
أمام العمارة.
ركن مالك السيارة ونزل من السيارة يليه يزن، ودلفا للعمارة. صعد المصعد، بينما يزن لم يتحمل أكثر من الألم. تأوه بألم. هتف مالك بقلق بالغ:
"في إيه مالك؟"
أغمض عينيه بعنف، بينما أجاب بوهن:
"مش عارف، جسمي كله وجعني والصداع ما بيروحش."
وقف المصعد، سنده مالك وخرجا من المصعد، ثم وضع يديه بجيب بنطاله وأخرج المفتاح، بينما أخذه مالك وفتح الباب. سنده حتى غرفته. جلس يزن على الفراش بضعف، سند رأسه بين راحتيه. أما مالك، اتجه ناحية الدرج وأخرج بعض المسكنات، أعطاها له، ثم أعطاه كوبًا من الماء. أخذه يزن وتناول الدواء. تحدث مالك بنبرة هادئة:
"نام، وأنا هفضل معاك. هعملك أكل."
تحدث يزن بنبرة واهنة نافية:
"لأ، روح لمراتك وأنا هنام. مش عايز أكل، وبالله عليك متعادنيش، أنا قادر."
أجاب عليه مالك بنبرة حادة:
"لأ، مش هسيبك كده، مش شايف نفسك عامل إزاي."
هتف يزن بنبرة حازمة لكن خرجت ضعيفة:
"يا مالك، بالله عليك اسمع الكلام، روح لمراتك وأنا تعبان عشان مش برتاح. لو نمت كويس وصحيت هبقى كويس. روح بس شوف هترجع الشركة ولا تروح. خلاص بقى."
استسلم مالك له، ثم هتف بحزم:
"تخلي تليفونك جنبك عشان أطمن عليك. ولو حسيت بحاجة، رن عليا أجلك على طول."
هز رأسه موافقة، بينما خرج من الغرفة ثم غادر الشقة. وقف يزن، قام بإزاحة القميص ببطء، يليه البنطال، وارتدى بنطال بيت كان موضوعًا على الأريكة. وارتمى على الفراش بتعب، وسريعًا ما راح في سبات عميق من كثرة الألم الذي يغزو جسده.
***
في المكتب عند رهف.
كانت تجلس على المقعد تعمل على اللاب، بينما إيناس كانت تتواجد في أحد المواقع تشرف على العمال. دخلت زميلتها إلى الغرفة ثم قالت لتلفت انتباهها:
"رهف، ينفع تيجي معايا أستشيرك في حاجة."
انتبهت رهف لزميلتها، ثم ابتسمت في وجهها قائلة برقة:
"مفيش مشكلة، تعالي."
تركت اللاب مفتوحًا ونهضت معها متجه لزميلتها وخرجا من الغرفة. بعد مرور عشرة دقائق، نظرت حولها بريبة حتى لا أحد يراها وهي تدلف للغرفة. وجدت الغرفة فارغة، دخلت للغرفة واتجهت ناحية مكتب رهف وجلست على المقعد. لعبت بأناملها على الكيبورد تبحث عن الملف المطلوب حتى وجدته. ابتسمت ابتسامة غير مبشرة بالمرة، مسحت الملف ثم تحدثت بنبرة فرحة ممزوجة بالانتصار، قالت سهام:
"ابقى وريني بقى المشروع هيمشي إزاي."
رواية انجذاب الروح الفصل الخامس عشر 15 - بقلم زينب خالد
أنهت ما كانت تفعله وأرجعت كل شيء لمكانه حتى لا يشعر أحد بأن شيئًا تغير على اللاب. نهضت ثم خرجت سريعًا وحاولت أن تمشي بثقة حتى لا يشعر أحد بشيء، واتجهت لمكتبها وعلى شفتيها ابتسامة الانتصار لما حققته.
بعد نصف ساعة، دلفت رهف لمكتبها ثم جلست على المقعد، وأراحت جسدها للخلف قليلًا تستريح قليلًا حتى تكمل باقي عملها، لكن قطع عليها راحتها عندما دلفت السكرتيرة تتحدث بعملية:
"مستر حسين بيقولك أن الاجتماع مع صاحب الشركة بعد خمس دقائق."
أومأت برأسها بينما خرجت السكرتيرة، وزفرت رهف بإرهاق حيث تحدثت لنفسها:
"مالها قعدة البيت؟ ما هي حلوة وزي الفل. لازم أعمل فيها هالك وعايزة أشتغل."
ضحكت بخفة على ما قالته، ثم أخذت نفسًا عميقًا وزفرته، وبدأت تستعد نفسيًا هاتفًة لنفسها بعض الكلمات المشجعة، ثم أقفلت اللاب ونهضت من المقعد وخرجت متجهة للاجتماع بكل ثقة.
_____________________
غرفة الاجتماعات
كان حسين يترأس طاولة الاجتماع بجانبه السكرتيرة، وعلى الجانب الآخر يجلس صاحب الشركة الذي صفى أعماله بالخارج وقرر أن يرجع لموطنه الأصلي، ومن خلال نفوذه عرف أن الشركة تمتلك أفضل المصممين، لذلك عقد مع حسين على تصميم لإقامة شركة خاصة به. طرق الباب يليه دلوف رهف وعلى شفتيها ابتسامة بسيطة. تحدث حسين بنبرة جادة:
"يلا نبدأ."
سارت حتى وقفت أمامهم من الناحية الأخرى حيث كانت تقابلهم. قامت بتوصيل جهازها بالبروجيكتور حيث نجح الاتصال بينهم، ثم بحثت عن ملف التصميم لكن لم تجده. عقدت حاجبيها باستغراب لما لم تجده، أنها متأكدة أنها وضعته بهذا الملف، ثم قامت بالبحث في الملفات الأخرى لعلها قامت بنقله، ولكن أيضًا لم تجده. ظلت تبحث عنه هنا وهناك لعلها تجده لكن لا فائدة. تحدث حسين بنبرة جادة:
"إيه يا رهف، في إيه؟"
رفعت رأسها له وابتسمت بتوتر هاتفًة بثقة زائفة:
"ثواني بس."
ظل الجميع ينتظرها بينما عقلها يكاد أن ينفجر، أنها متأكدة بأنها وضعته. توترت بشدة ولا تعرف ما تفعله، سيخاطبها حسين بأنها مهملة وأنها غير جديرة بالعمل وسيوبخها على فعلتها، لكنها متأكدة بأنها وضعته بهذا الملف. هتف حسين بنبرة حادة:
"كل ده يا رهف؟ هنقعد اليوم كله؟"
اضطربت بشدة وتشتت لدرجة عدم قدرتها على التفكير بشكل واضح. تحدثت رهف بنبرة خافتة مضطربة:
"معلش يا بشمهندس، حصلت مشكلة، الملف مش موجود."
أجاب عليها حسين بحدة:
"يعني إيه مش موجود؟"
هتف الآخر قائلًا بابتسامة بسيطة:
"مفيش مشكلة لو حصلت حاجة. ممكن نأجل الاجتماع لوقت تكون المشكلة اتحلت."
كانت رهف في مأزق حقيقي لا تعرف ما تفعله، لا تعرف كيفية التفكير أو ماذا حدث، كلما حاولت أن تفكر بطريقة جيدة كي تنقذ نفسها تضطرب ولا تعلم كيفية التفكير. أشفق عليها الرجل وعلى ما حدث بذلك تحدث بلطف:
"لو في أي مشكلة قولي. يمكن نحلها."
نظرت له باضطراب وقلق شديد وعقلها لا يتوقف عن التفكير وعلى المأزق الذي وضعت به، بينما حاولت التماسك وعدم البكاء. تحدثت رهف بنبرة خافتة تجاهد حتى لا تبكي:
"هستأذن، هروح المكتب. دقايق وهتصرف."
هز حسين رأسه موافقًا وداخله يشفق عليها على هذا الموقف. سارت بخطوات سريعة حتى فتحت الباب ثم خرجت سريعًا.
_________________________
في غرفة رهف
دخلت سريعًا ثم أقفلت الباب خلفها وسندت ظهرها عليه بينما تحاول جاهدة ألا تبكي، لكن لم تستطع، بدأت دموعها بالنزول على وجنتيها لأول مرة تقع في هذا المأزق ولا تعرف كيفية التعامل معه. حاولت أن تفكر بشكل سليم حتى تستطيع أن تنقذ نفسها. ظلت واقفة تسند ظهرها على الباب بضعف تحاول العثور على الحل. دقائق حتى قفز على ذهنها بأنها قامت برسم مخطط على الورق أولًا ثم مرة أخرى على الجهاز. جرت للمكتب وظلت تبحث عن المخطط حتى وجدته في آخر درج، أخرجته ثم فتحته. ابتسمت براحة، أقفلت سريعا وأخذته ثم خرجت من الغرفة متجهة للاجتماع مرة أخرى محاولة أن تجمع شتات نفسها.
غرفة الاجتماع
طرقت الباب ثم دخلت، سارت حتى وقفت بجانب السكرتيرة. تحدثت رهف بنبرة هادئة محاولة أن تجمع ثقتها مرة أخرى:
"قدرت أحل المشكلة وإن شاء الله حضراتكم يعجبكم التصميم."
رغم أنها لم تكمل باقي عملها على الورق، لكن حاولت أن تسترجع ما فعلته خصوصًا بعد اضطرابها وعدم تذكرها لكل ما فعلته، لكن بمجرد أن نظرت للمخطط وبدأت بالشرح عليه وكأنها نست ما حدث وركزت على التصميم الذي أمامها.
بعد ساعتين
أنهت رهف من شرح التصميم كاملًا وأوضحت جميع النقاط. انبهر الرجل كثيرًا بما قامت به وظل يمدح بعملها وكفاءة تصميمها، ثم اتفق مع حسين على البدء في العمل واتفق معها حسين بأنها ستشرف كاملًا على العمل وستظل تعمل هناك حتى تنتهي منه. خرج الرجل خلفه السكرتيرة، لملمت رهف أشياءها وكادت أن تتحرك حتى أوقفها حسين بحديثه قائلًا:
"رهف، اقعدي عايزك شوية."
اضطربت رهف داخليًا لكن رسمت على شفتيها ابتسامة بسيطة مضطربة. جلست على المقعد بجانبه وانتبهت له بالكامل بينما تحدث حسين بهدوء:
"ينفع أعرف اللي حصل النهاردة ده؟ لولا أن راجل متفهم وقدر اللي حصل، لأن لو كان حد غيره كانت هتحصل مشكلة."
أجابت عليه رهف بعدم معرفة:
"معرفش اللي حصل. بس كل اللي متأكدة منه أن الملف كان موجود ومحفوظ في ملف لوحده بعيدًا عن أي حاجة."
استغرب حسين قليلًا لكن أردف:
"مش يمكن في مشكلة حصلت واتمسح بالغلط؟"
هزت رأسها نافية بينما أجابت:
"عارفة أن حضرتك مش مصدقني بس ده اللي حصل."
أجاب عليها حسين نافرًا لحديثها قائلًا بحنان ينافي نبرته التي كان يتحدث بها منذ قليل:
"أنا مصدقك يا رهف، بس اللي حصل خلى الملف يتمسح، أصل أكيد مش هيتمسح لوحده. لو حد غيرك كنت خدت موقف، لكن أنا عارف أنك قد إيه مجتهدة في شغلك ومش بتقصري في حاجة، رغم أن بقالك مدة صغيرة لكن قدرتي تثبتي جدارتك. بس اللي لازم نعرفه إزاي ده هيحصل؟ إمتى آخر مرة اشتغلتي عليه؟"
أجابت رهف بنبرة متضايقة مما حدث:
"إمبارح كان فيه بعض التعديلات البسيطة، سجلتها وحفظته في ملف بعيد. لأن كل تصميم بخليه في ملف لوحده عشان أفتكر وميدخلوش في بعض. مش عارفة لولا أني حبيت الأول أرسم على الورق واحتفظت بيه مكنتش عارفة هعمل إيه."
سألها حسين باستفسار:
"في حاجة حصلت أو حد دخل الأوضة من غير ما تعرفي؟ قوليلي عملتي إيه قبل الاجتماع؟ لأن أنا شاكك في حاجة."
سردت ما قامت به منذ أن وصلت للشركة. أنهت رهف حديثها ناظرة له بينما هو فكر قليلًا حتى هتف:
"أنتِ عاملة باسورد للاب ولا مفتوح؟"
أجابت بتعجب من سؤاله قائلًة:
"لا مفتوح."
تنهد حسين بضيق وقال بنبرة حادة:
"فيه حد يسيب اللاب بتاعه مفتوح من غير ما يأمن عليه؟"
خافت رهف قليلًا من نبرته لأنها إلى الآن لم تهدأ لكن تحاول التماسك أمامه بينما تحدث بعدما ربط جميع الأحداث ببعضها:
"حد دخل وأنتِ مش موجودة، استغل عدم وجود حد ومسح الملف. لكن هل حصلت مشكلة مع حد توصل لحد أن يقتحم مكتبك ويمسح شغلك؟"
جاءت في مخيلتها سهام وتهديدها بأنها تؤذيها، لكن لم ترض أن تتحدث دون وجود دليل وليس من صفاتها اتهام أحد دون وجه حق. تحدثت رهف نافية:
"لا معتقدش ومعرفش مين عمل كده."
أومأ بتفهم ثم هتف بهدوء:
"روحي النهاردة كفاية ضغط كده، وروحي بيتك وأنا هشوف الحكاية دي."
أومأت برأسها بضعف ثم أجابت بابتسامة تحاول جاهدة أن تبتسمها بينما شكرته بلطف:
"شكرًا لحضرتك."
خرجت من الغرفة وهي تتنفس بضيق تشعر بالخنقة، لأول مرة تتعرض لهذا الموقف لولا وجود الورق لا تعرف ما كان سيحدث. أخرجت هاتفها من جيبها وقامت بمهاتفة حازم، لا تقدر على الوقوف أكثر من هذا. ثوانٍ حتى أجاب عليها حازم بابتسامة:
"حبيبتي، عاملة إيه؟"
تحدثت رهف بنبرة مختنقة وضعيفة:
"حازم ينفع تجيلي الشركة؟ عايزة أروح."
قلق حازم من نبرة صوتها حيث هتف بقلق على شقيقته:
"في إيه مالك؟"
أجابت رهف بنبرة عادية:
"مش قادرة أتكلم. يا ريت تجيلي."
نهض حازم سريعًا آخذًا أشياءه، هاتفها بحنان:
"ربع ساعة وأكون عندك. استنيني تحت."
أقفلت معه الهاتف، أما هو خرج من غرفته سريعًا وداخله قلق كثيرًا على رهف، اتجه للسكرتيرة هاتفًا:
"إلغي أي حاجة وأجليها لبكرة."
لم ينتظر ردها وخرج سريعًا متجهًا لها. أما عندها، دخلت مكتبها ولملمت أشياءها وتحركت بخطوات بطيئة محاولة عدم البكاء.
أمام الشركة
وصل حازم بعد ربع ساعة وجدها تقف أمام الشركة ووجهها لا يبشر بالخير. رفعت نظرها حتى وجدته أمامها، ركبت سريعًا بجانبه، لف جسده لها سريعًا وهتف سريعًا بنبرة قلق:
"مالك؟ اللي حصلك؟ حد ضايقك؟"
أجابت بنبرة محاولة التماسك وعدم البكاء لكن امتلأت عينيها بالدموع:
"مش قادرة أتكلم دلوقتي."
أخذها في حضنه بينما لم تقدر التماسك وظلت تبكي. خاف عليها حيث تحدث حازم بنبرة حنونة:
"اللي حصل مالك؟"
أجابت رهف بنبرة متحشرجة من البكاء:
"روحني. عايزة أروح."
خرجت من حضنه ورجعت لمكانها مرة أخرى بينما أدار المقود سريعًا متجهًا للقصر.
_________________________
في المساء
عند الساعة العاشرة والنصف مساءً
شقة يزن، في الغرفة
تقلب بجسده الناحية الأخرى ثوانٍ حتى فتح عينيه ببطء. مد يده على الكومودينو بجانبه حتى وجد هاتفه. أخذه ونظر به بنصف عين وجدها العاشرة والنصف، هتف بخمول:
"يا لهوي، نمت كل ده؟"
نهض بجسده قليلًا حتى سند على ظهر الفراش. تنهد بإرهاق ونظر أمامه بشرود لكن خطر على عقله حديث مالك عن الزواج وإلا متى سيظل هكذا. نظر حوله وجد بأنه وحيد لا يوجد ما يؤانس وحدته لكن لا يعرف إلى متى سيظل هكذا. هل كان مالك على حق بأنه يجب عليه أن يتزوج قبل أن يفوت الأوان أم هو على حق؟ تحدث بنبرة مسموعة يحدث نفسه:
"بس مين اللي هتستحمل تاخد واحد زيي؟ واحد يومه نصه يا في شركة يا في مستشفى، ده غير تليفونات بالليل والعمليات. مين اللي هتقدر تستحمل كده؟ تستحمل بأنها تقعد في البيت لوحدها ولو قعدت معاها مش هقعد كتير؟"
أو بقى اللي هتتعقد دي واخداني بنك دولي؟
ضحك يزن وأكمل حديثه:
هتاخد شاب وسيم وبنك مفتوح تاخد فلوس زي ما هي عايزة. بس أنا مش عايز كده، عايز واحدة تقدر تستحملني وتستحمل شغلي، وتقريبًا كده ما أعتقدش إني هلاقي حد. هو خليني كده زي ما أنا، أقضي اليوم بالطول أو بالعرض لغاية لما يجي النصيب.
نظر حوله وتنهد بضيق، لكن حاول التخفيف عن نفسه قائلًا بمزاح:
يا لهوي! كتر الشغل خلاني بأكلم نفسي. أحسن حاجة أقفل التليفون بكرة وآخذ إجازة يومين أمتع نفسي وأبعد عن ضغط الشغل وأنام بقى.
أنزل جسده مرة أخرى ثم أخذ نفسًا عميقًا وزفره، وسريعًا ما ذهب في سبات عميق.
***
في القصر، غرفة رهف.
تشعر بالحزن على ما حدث لها صباحًا. لأول مرة تتشتت ولا تعرف كيفية التصرف. تجمعت الدموع بعينيها تحاول جاهدة ألا تبكي، لا تعلم من يقصد أن يفعل هذا. فكرت قليلًا بتهديدات سهام لها، لكن هل وصلت الأذية لهذا الحد؟
سمعت طرق الباب، هتفت رهف بنبرة مكتومة:
لو سمحت سيبوني لوحدي.
فتح حازم الباب دون أن يهتم لحديثها، ثم أقفل الباب خلفه واتجه ناحيتها. تقلبت للناحية الأخرى قائلة:
حازم لو سمحت سيبني لوحدي.
أجاب عليها بنبرة حازمة:
رهف.. قومي وبصيلي.
اضطربت من نبرة صوته وقررت أن تنصاع لأوامره؛ لأنها تعرف بأنه لا يتركها وهي بهذه الحالة. جلست على الفراش حتى جلس حازم مقابلها، تحدث بعدما ربع يديه على قفصه الصدري بينما هتف:
دلوقتي تقولي لي إيه حالتك دي؟ وياريت لو عرفت أنك بتكدبي مش عارف هأعمل إيه.
قصت له رهف ما حدث في الاجتماع، وبعد ما انتهت من السرد، بكت بشدة.
نظر لها حازم بجمود حتى هتف:
وأنت عاملة المناحة دي كلها عشان مشكلة زي دي؟
نظرت له رهف بتفاجئ مما تحدث به. أجابت رهف بنبرة متفاجئة:
وأنت شايف أنها حاجة عادية؟ يضيع ملف لتصميم!
تحدث حازم بنبرة حازمة:
حضرتك ده من إهمالك وغلطتك. حد يسيب اللاب بتاعه من غير ما يأمن عليه؟ وأكيد طبعًا اللي معاكي في الشركة هي اللي عملت كده.
أجابت رهف نافية:
لا معرفش.
ضحك بسخرية قائلًا:
ده لو جبت عيل في ابتدائي هيعرف أنها هي اللي عملت كده.
نظرت له رهف ثم أجابت بضيق:
أنت بتتريق عليا؟ مش مقدر اللي عشته الصبح، لأول مرة يحصلي كده.
تنهد حازم لكن أجابها بنبرة حازمة:
باللي أنت بتعمليه ده هأخليها تنجح في اللي عملته. واللي عملتيه مينفعش يتعمل. أنت دلوقتي بقيتي وسط سوق، القوي هو اللي بيقدر يكمل، أما الضعيف ده بيداس عليه وبيتاخد كوسيلة عشان الناس توصل لهدفها، يعني بيستغلوه لمجرد أنه ضعيف. وأنا مش عايزك كده، عايزك قوية تقدري تواجهي أي حاجة مهما حصل، مينفعش تضعفي.
ثم لانت نبرته وتحولت لحنان:
خليكي فاكرة أنك رهف المنياوي، وأنك مش أي حد ومش من أول حاجة تأثر عليكي. مهما الدنيا قاست عليكي لازم تقفي بقوة قدامها وتتحديها. عايزك تتحكمي شوية في مشاعرك، مش من أول مشكلة تعيطي، على كده كل مصيبة تحصل تتقلب مناحة، مش صح. خليكي دايماً مستعدة لأي حاجة، ولو حصلت أي مشكلة خلي عقلك متأهب بأنه يفكر في حل سريع يخرجك من الموضوع بأقل الخسائر. فهمتي يا حبيبتي؟
اقتربت منه حتى لفت ذراعيها حوله واحتضنته بحب، حيث أجابت بامتنان كبير تجاهه:
أنا بأحبك قوي.. وحياتي من غيرك كانت هتبقى وحشة.
أجابها حازم بمشاكسة:
طب منا عارف.. ما تقدريش تعملي حاجة من غيري.
هتفت رهف بغيظ بعدما ضربت ظهره بيديها:
غرورك ده هأكسره في يوم.
ضحك حازم بشدة وزاد من احتضانه لها، بينما هي ابتسمت ودعت ربها بأن يحميه.
***
في اليوم التالي.
أنصت يزن لطرق الباب، نهض بجسده وارتدى تيشرت كان موضوعًا بجانبه ثم اتجه للباب حتى فتحه. نظر فوجد روضة ومالك، ابتسم يزن ثم تحدث:
ملكة الجمال عندي! يا خبر وأنا أقول يومي بقى حلو ليه.
ضحكت روضة باستمتاع ثم سلمت عليه وتحدثت بقلق بعدما أخبرها مالك بمرضه:
عامل إيه دلوقتي؟ طمني عليك، لسه تعبان؟
أجاب يزن مبتسمًا:
ما تقلقيش.. اتحسنت عن إمبارح.. ادخلوا.
دخل ثلاثتهم للداخل بينما أقفل يزن الباب خلفهم وساروا حتى جلسوا على الأريكة. وضعت روضة حقيبة على المنضدة أمامهم ثم تحدثت روضة بابتسامة:
ده أكل عملته لك عشان مش هينفع بالمنظر ده تعمل أكل.
أجاب يزن عليها:
تسلميلي مش عارف من غيرك كنت هأعمل إيه.
نظر مالك حوله وأردف بجمود:
عاجبك منظرك وأنت قاعد كده؟
نظر يزن حوله بريبة وأردف بغرابة:
هو فيه حاجة في الشقة؟ مالك بتبص عليها كده ليه؟ أنت أول مرة تدخل عندي.
ضحكت روضة وتحدثت بغرابة تماثل ليزن:
صحيح مالك؟
لم يهتم لحديثهم بل تحدث:
عجبك وأنت قاعد لوحدك؟ ولا عاجبك منظرك إمبارح وأنت عيان وبتموت وقاعد لوحدك مش لاقي اللي يعمل لك حتى حاجة تأكلها؟ لولا روضة ما كنتش هتعرف تعمل حاجة وأنت بالمنظر ده.
اعترضت روضة على حديثه حيث قالت:
مالك هو ده وقته؟
لم يهتم بحديثها بينما وجه تركيزه ليزن قائلًا:
أنت عاجبك ده؟ هتفضل لغاية كده لما تعجز وعمرك يروح على الشغل؟
أجاب عليه يزن بعدم اهتمام:
مالك.. اقفل على الموضوع وبلاش نتكلم عشان ما يحصلش زي كل مرة.
تحدث مالك بعصبية حيث بدأ يفقد أعصابه من يزن:
لا هنتكلم ونتكلم زي البني آدمين المتحضرين، ولا عشان حضرتك الكلام مش على هواك يبقى تنفض؟
نظر له يزن بجمود ثم تحدث بهدوء:
بص يا مالك من الآخر.. مش هتجوز دلوقتي، مفيش واحدة لا هتتحمل ظروف شغلي ولا هتعرف تتأقلم، وأنا لسه ما جاش اللي تعجبني، وياريت تقفل عشان ما نزعلش من بعض.. وياريت ننهي بقى وما أسمعكش تتكلم كده تاني.
أجاب مالك عليه بنبرة حادة:
مش عارف جايب برودك ده منين.. بعدين إيه اللي ما لقيتش اللي تعجبك؟ كل البنات اللي موجودين مش عاجبين سياتك؟ دول يتمنوا إشارة منك، بعدين ظروف شغل إيه اللي تمنعك تتجوز؟ ده على كده ما كانش حد غلب والكل قعد في بيت أهله.
أجاب يزن بنفس بروده:
وأنا مش عايز من كل ده.. اللي تبقى تعجبني يبقى ربنا يسهل وخليك في حالك.
قررت روضة أن تهدأ الوضع بينهم قائلة بابتسامة:
خلاص يا شباب في إيه؟ بعدين خلاص يا مالك يزن تعبان.
هتف مالك بتصميم قائلًا:
لا مش خلاص عشان هو في كل مرة كده.. هيفضل كده لغاية أمتى قاعد لوحده؟ لازم أكلمه عشان مش عارف مصلحته فين ويجي بعد كده يندم بسبب اللي بيعمله.
أجابه يزن باستفزاز:
ده على أساس أنك الوصي عليا وعارف فين مصلحتي فين؟ متشكرين لخدماتك.
تعصب مالك من حديث يزن لكن أجاب عليه بجمود:
آه معلش لسه شاب طايش يا عيني ما تعرفش حاجة.. بعدين ما عندك رهف ولا مش عاجباك دي كمان؟
ضحك يزن بسخرية بينما تحدث بين ابتسامته رافعًا حاجبه:
آه قول كده.. أنك بتلف وتدور عشان رهف.. قلت لك دماغك ما تروحش لشمال ومصمم توديها.
وجه حديثه لروضة قائلًا بسخرية:
عقلي جوزك وقولي له لما يحب يتكلم يجيب من الآخر ما يلفش ويدور.. بعدين رهف مجرد صديقة مش أكثر.
نهض مالك وتحدث بعصبية مفرطة:
لا أنت زودتها قوي، بعدين ما بألفش وبأدور بس أنت اللي بتستعبط.. مالها رهف مش عاجباك في إيه؟ بعدين دي تربية حازم يعني لا هتشتكي ولا زي بنات اليومين دول.
نهض يزن حتى وقف أمامه وتحدث بنبرة جامدة:
مالك حبيبي ما لكش فيه.. وأنا مش هتجوزها ماشي وما تخليش دماغك تشتغل على الفاضي وأنا ماسك نفسي بالعافية عنك.
نظر كل واحد منهم لبعضهما بالكاد يتحمل يزن نفسه حتى لا يفتك به. تحدث مالك بسخرية ممزوجة بقسوة:
لا وريني هتعمل إيه.. يوه تصدق خوفت الحقيني يزن بيخوف.. وجواز وهتتجوز رهف وغصبًا عنك ورجلك فوق رقبتك.. مش هأسيبك أنا كده ونرجع بعد كده نقول يا ريت اللي جرى ما كان، أنت مش عارف حاجة.. ويوم ما تيجي تفوق هتفوق متأخر بعد ما تكون لوحدك ما حدش يستحمل يقعد معاك.
قام يزن بدفعه حتى تراجع مالك للخلف حتى هتف يزن بنبرة عالية متعصبة:
لا يا حبيبي خلي نصايحك لنفسك.. وجواز مش هتجوزها مش بنت أنا عشان تجبرني ولآخر مرة بأقول لك ما لكش دعوة.. لما أندم ما تقلقش مش هأجي أندم عندك هأبقى أندم لوحدي.. متشكرين لنصايحك.
تعصب مالك من دفعه وجاء أن يقترب منه لكن روضة وقفت حائلًا بينهم تمنع كل منهم بهجومه على الآخر، هتفت بنبرة عالية:
في إيه أنتم الاثنين.. اتجننتوا هتمدوا إيديكم على بعض؟
أجاب يزن بجمود قائلًا:
لغاية دلوقتي محترمك ومحترمها لكن كلمة زيادة ما تعرفيش هأعمل فيه إيه.
هتف مالك بعصبية مماثلة له:
لا وريني بقى.. جاي على نفسك ليه؟
صرخت روضة في المقابل قائلة بنبرة عالية:
خلاص بس.. يلا يا مالك إيه هتخسروا بعض عشان تفاهات؟ اهدى يا يزن وأنت يا مالك ده ولا وقته ولا مكانه.. ويلا نمشي كفاية كده.
سحبت روضة حقيبتها سريعًا ثم حاولت أن تأخذ مالك لكن كان متيبسًا في مكانه لا يتحرك حتى هتفت بنفاذ صبر:
مالك يلا.
وأخيرًا وبعد محاولات من روضة استطاعت أن تزيح مالك من أمام يزن واتجه الاثنان لخارج الشقة بينما يزن جلس على الأريكة يزفر بضيق ثم وضع رأسه بين راحتَي يديه لا يعرف ما الذي توصل بهم لهذه الحالة.
***
بعد يومين.
في الحارة، حيث شقة سيد.
طرق الباب، سار سيد حتى فتح الباب ووجد عباس يقف أمامه، هتف سيد بخشونة قائلًا:
تعالى.. خش.
دخل عباس حتى جلس على أول كرسي مقابل له، جلس عباس أمامه حتى تحدث:
إيه اللي حصل وجابك عليا؟
تحدث عباس بخبث وابتسامة لعوبة:
جبت لك الأخبار اللي هتموت عليها.
وجه سيد كامل تركيزه له حتى هتف بنفاذ صبر:
اخلص وأقول هتأنتك بالكلام.
أجاب عليه عباس موضحًا:
جبت لك قرار المحامية دي.. فضلت أقعد اليومين اللي فاتوا قدام المحكمة يمكن أجيب أي قرار عنها.
لحد ما اتقصت، وجابت قرارها كله، كلمت واحد كده شغال جوه في المحكمة.
تحدث سيد بلهفة واضحة:
وقال لك إيه؟
تحدث عباس قائلًا بتوضيح:
طلعت محامية شغالة في مكتب المحاماة عند راجل كبير كده.. بعدين دلوقتي بقت تشتغل في شركة لواحد رجل أعمال كبير قوي في شركته محامية.
أجابه سيد بحنق:
يعني كل ده اللي عرفت تجيبه؟.. هنوصلها إزاي ولو عملت أي حاجة ناحية المحكمة هروح في داهية.
أجاب عباس عليه:
اصبر عليّ بس.. المهم ضغطت على الراجل تاني، منه لله لهف مني فلوس ابن الـ... وعرفت أجيب عنوان الشركة دي، وبكده مهمتي خلصت.
ابتسم سيد باتساع وعينيه تقدح شرارًا حيث قال:
وهقدر أعلم عليكي زي ما أنا عايز.. عفارم عليك يا عباس.
ربت على كتفه قائلًا عباس:
ما تقولش كده ده إحنا إخوات.. واللي أنت عايزه معاك فيه.. يلا اتكل أنا على الله أشوف مصالحي.
أجاب عباس عليه وسرد له ما يريده:
تسلم يا خويا.. بص إحنا نروح بكرة ناحية الشركة ونستناها لغاية لما تخلص وهي طالعة بعد ما تبعد شوية كده نروح هوب ضربينها.
أعجب عباس بما قاله حتى تحدث:
خلاص شوف وظبط وأبقى كلمني.. اتكل أنا.
خرج عباس بينما هتف سيد بخبث وابتسامة لعوبة على شفتيه:
وأخيرًا عشان بعد كده تعرفي بتتعاملي مع مين.
***
في اليوم التالي
خرجت رؤى من الشركة بعدما أنهت عملها كاملًا وقررت أن تمشي قليلًا بعدها تركب سيارة وتعود لمنزلها بعد يوم طويل.. على بعد كان عباس وسيد يراقبانها وهي تخرج من الشركة وتسير مبتعدة عنها.. ظل سيد يراقبها حتى ابتعدت مسافة لا بأس بها.. كانت رؤى تسير لكن فجأة وقف موتوسيكل أمامها يعيق طريقها، نزل منها سيد حتى وقف أمامها، تحدث عباس بشر:
وأخيرًا لقيتك، أنا حتة محامية لا راحت ولا جت تخليني أدفع دم قلبي على ست ولا تسوى.
تحدثت رؤى بعصبية:
ست اللي ما تسواش دي ضفرها برقبتك، أنت اللي مش راجل لو كنت راجل ما كنتش عملت فيها كده.. لكن للأسف ما طلعتش راجل.
فارت دماؤه بعروقه وعيناه تقدح شرارات الغضب، جاءت أن ترجع بظهرها وترجع للخلف لكن لم يمهلها وقتًا حتى قام بإخراج المطواة وقام بطعنها ببطنها حيث قام بغرسها للداخل.. فتحت عينيها بشدة وارتخت يديها حتى وقعت الحقيبة لكن لم يمهلها لحظة حتى أخرجها وأدخلها مرة أخرى ثم أخرجها، وضعت رؤى يديها على بطنها بينما سيد ركب سريعًا خلف عباس وجرى سريعًا.. أما هي قامت بالصراخ قبل أن تقع ويغشى عليها.
كان رجل يمر على جانب الطريق سمع صراخ رؤى، ذهب ليرى ما الذي حدث، وجد رؤى وهي تصارع وبطنها تنزف بشدة، صرخ الرجل قائلًا بصوت عالٍ:
يا آنسة فوقي معايا يا آنسة... حد يلحقنا.
دقائق حتى تجمهر الجميع، رأى رجل الأمن بعض الناس تجري لمكان بعيد نسبيًا عن الشركة لكن يمكن أن يراه، وجد الناس تتجمع ناحية شيء ما، تحدث لزميله بغرابة:
هروح أشوف في إيه وأجي بسرعة.
ذهب باتجاه تجمع الناس سريعًا ودخل بينهم حتى وجد رؤى وهي مغمى عليها، هتف الرجل قائلًا:
حد يكلم الإسعاف بسرعة.
أجاب رجل الأمن بهلع:
يا لهوي رؤى هانم.
هتف الرجل قائلًا:
أنت تعرفها؟
تحدث رجل الأمن بخوف:
لا أيوه دي محامية الشركة.. لازم أبلغ حازم باشا بسرعة.
نهض رجل الأمن وركض سريعًا للشركة بينما قام الناس بالاتصال بالإسعاف.. صعد المصعد سريعًا ثم خرج منه بعدما فتح الباب وقف أمام السكرتارية قائلًا بأنفاس متسارعة:
حازم باشا جوه؟
هتفت السكرتيرة متعجبة من حالته:
أيوه جوه.
لم ينتظر ردها حتى فتح الباب سريعًا.. نظر له حازم بتفاجؤ وجاء أن يتحدث حتى يعنفه لكن أوقفه حديث رجل الأمن قائلًا بأنفاس متسارعة:
رؤى هانم حد طلع عليها وضربها في بطنها ناحية الشركة.
رواية انجذاب الروح الفصل السادس عشر 16 - بقلم زينب خالد
صدم حازم ولم يصدق ما يسمعه، لكنه تجاوز صدمته سريعًا. نهض من على المقعد وأخذ هاتفه ومفاتيحه وخرج سريعًا مع رجل الأمن من المكتب ليأخذه إلى مكان الحادث.
خرج الاثنان من المصعد، ثم خرجا من الشركة. ركض حازم حيث تجمهر الناس الذي وصفه له رجل الأمن. وصل حتى وجدها مغشى عليها وبطنها مازالت تنزف، لكن الرجل كان يحاول الضغط على الجرح حتى يوقفه قليلاً.
دقائق حتى وصلت سيارة الإسعاف. نزل رجلان معهما ترولي، اتجه الاثنان ناحيتها. وقف رجل ناحية رأسها والآخر ناحية قدمها. حملها الاثنان بحركات مدروسة حتى وضعوها، ثم حملوها سريعا وأدخلوها السيارة. بينما حازم ركض سريعا لسيارته ليلحقهم. تفرق الناس وذهب كل واحد منهم من حيث أتى.
في المشفى، وقفت سيارة الإسعاف ثوانٍ وفتح الباب وخرج الممرضان ثم حملا الترولي للداخل سريعا. بينما ركن حازم سيارته سريعا ودخل معهم.
هتف حازم بنبرة عالية:
دكتور بسررررعة!
أتى دكتور حيث هتف سريعا قائلاً للممرضة:
جهزوا العمليات بسرعة.
ثم أخذوها للعمليات واتجه معهم حازم، لكن أوقفه أحد الممرضين.
حازم خارجًا قائلاً:
لو سمحت خليك هنا. مينفعش تدخل.
وقف حازم خارجاً بينما اتجهوا بها للداخل لتجهيزها للعملية. جلس حازم على مقعد موضوع في الطرقة، جلس عليه ثم تنهد بعمق. أخرج هاتفه وقرر الاتصال بوالدها حتى يخبره بما حدث.
***
شقة سمير
كان سمير يجلس أمام التلفاز يشاهده، بينما عزة كانت تجهز طعام الغداء. رن هاتف سمير، أخذه من جانبه وجد حازم يهاتفه. تعجب قليلاً ثم قلق لربما حدث شيء سيء. أجاب عليه بإستغراب قائلاً:
السلام عليكم.
أجاب عليه حازم بجدية:
وعليكم السلام.
هتف سمير ببعض الغرابة قائلاً:
معلش بس مستغرب المكالمة شوية. هو في حاجة حصلت؟
أجاب عليه حازم قائلاً بنبرة هادئة:
عايز حضرتك تهدى خالص عشان اللي هقوله. رؤي حصلها حادثة بسيطة وأنا معاها في المستشفى.
فزع سمير بما سمعه، بينما يديه ظلت ترتعش حيث أجاب بنبرة مفاجأة يشوبها الفزع:
إيه حصل؟ أمتى الكلام ده؟ وفي مستشفى إيه؟ هي كويسة؟
قام حازم بتهدئته قائلاً ببعض الكلمات المهدئة حتى لا يفزعه:
متقلقش هي كويسة. إحنا في مستشفى "..."، منتظر حضرتك. مع السلامة.
أقفل معه حازم. لم يرضَ أن يحكي ما حدث لها حتى لا يفزعه أولاً، وثانياً لأنه حتى الآن لا يعرف من فعل هذا وما حدث معه غير أن رجل الأمن أخبره بأن أحدًا قام بطعنها في بطنها. زفر بضيق ينتظر أي أحد حتى يطمئنه عليها.
***
شقة سمير
أقفل الهاتف معه وظل جامدًا لا يتحرك، بينما قلبه تعالت دقاته خوفًا على وحيدته. وحيدة قلبه، لا يعرف ما يفعله، عليه أن ينهض ويذهب لها سريعًا لكن لا يعرف كيفية الحركة، كأن جسده تيبس مكانه، بينما عينيه دمعت عليها. حاول التغلب على نفسه حتى ينهض، بينما خرجت عزة من الداخل حيث وجدت سمير متيبسًا مكانه ينظر للأمام. عقدت حاجبيها بغرابة بينما سارت له، وجدت عينيه يجتمع بها الدموع. هتفت بنبرة قلقة قائلة بخوف:
سمير ماله؟
شعر سمير بما حوله، نهض سريعا للغرفة حتى يرتدي ملابسه. سارت عزة له هاتفه بنبرة قلقة:
مالك في إيه؟ اللي حصل يا سمير؟
هتف سمير سريعا وخوفه يزداد على رؤي بشدة:
رؤي حصلها حادثة وهي في المستشفى.
شهقت عزة ثم ضربت بيديها على صدرها قائلة بعدم استيعاب:
بنتــــــي!
تحدث سمير بنبرة عالية:
مش وقته يلا البت في المستشفى.
ارتدت عزة سريعا ملابسها، بينما أخذ سمير بعض الأموال ووضعها بجيبه. انتهت عزة سريعا خلال دقائق وخرج الاثنان بخطوات سريعة، حيث نزلا من العمارة وأخذوا سيارة أجرة سريعا تجاه المشفى.
***
في المشفى
وصل سمير بعد ساعة. سأل موظف الاستقبال قائلاً بنبرة خائفة:
لو سمحت فيه بنت جت في حادثة من شوية.
موظف الاستقبال أجاب عليه:
هو فيه بنت دخلت من شوية على الطوارئ ودخلوها على عمليات لأن لسه محدش جه عمل بياناتها. بس حضرتك هتلاقيها في الدور التالت بتاع العمليات.
لم يجيب عليه سمير، بل إنه سار بخطوات كبيرة بجانبه عزة وهي تشعر بانقباضة شديدة بقلبها لما حدث لأبنتها.
كان حازم يجلس على المقعد ينتظر الطبيب كي يخرج ويطمئنه على حالتها. رأى سمير حازم وهو يجلس على المقعد. ركض سريعا رغم أن جسده لا يتحمل هذا المجهود، لكن خوفه على ابنته جعله يتغلب على أي شيء.
تحدث سمير بنبرة خائفة على ابنته:
إيه اللي حصل؟ رؤي مالها؟ مين عمل فيها كده؟
وقف حازم أمامه حيث أشفق على حاله، حيث قال حازم بإشفاق:
متقلقش هتكون بخير. أنا معرفش اللي حصلها، كل اللي أعرفه إن حد طلع عليها ضربها في بطنها وجرى بسرعة ومحدش عارف إيه اللي حصل غيرها.
شهقت عزة بينما شحب وجه سمير حيث تحدث بنبرة تكاد تكون مسموعة:
بس أنت مقولتش كده. قولت أنها حادثة.
أجاب عليه حازم ببعض الحزن:
مردتش أقولك عشان متقلقش. كان لازم تيجي هنا الأول وأقولك.
بكت عزة على ابنتها فلذة كبدها، بينما سمير يدعو بداخله أن يحفظ ابنته من كل سوء وأن تنهض له سالمة. بينما حازم قام بمساعدة سمير حتى يجلس بجانبه. عزة تبكي بشدة، بينما سمير وجه شاحب جامد لا يظهر عليه أي من الملامح.
بعد ساعتين ونصف، خرج الطبيب من الداخل حيث خلع الكمامة من على وجه وهو يتنفس بقوة. نهض له سمير سريعا بينما اتجه حازم ناحيته.
تحدث سمير بلهفة ممزوجة بخوف:
اللي حصل لبنتي يا دكتور، طمني عليها.
تحدث الطبيب بإبتسامة بسيطة مطمئنة:
الحمد لله أن الضاربة مصبتش أي عضو حيوي. نزفت لكن عوضنا ده بأننا نقلنا دم. هتطلع دلوقتي على الأوضة وكلها ساعة وتفوق من البنج. عن إذنكم وألف سلامة عليها.
غادر الطبيب يتجه لغرفته، بينما حمد سمير بداخله على تعافي ابنته. رغم أنه لا يعرف ما حدث لها، لكن ما يهمه الآن هو الاطمئنان عليها. بينما عزة ضحكت بينما دموعها تنهمر على وجنتيها تحمد ربها على إنقاذ ابنتها.
خرجت رؤي من الغرفة، اتجه لها سمير. هتفت الممرضة قائلة بعملية:
لو سمحت لازم نوديها الأوضة وتقدر تفضل معاها.
في الغرفة، حملوها من الترولي ثم وضعوها بتمهل على الفراش. قاموا بتوصيل المحلول والاطمئنان على سير الأمور. بينما اتجهت عزة لها، ربتت على وجنتيها ثم قبلت جبينها بحنان وعينيها تشع من الفرحة بعدما كانت تكسوها من الخوف والحزن على وحيدتها. تحمد بداخلها على سلامتها.
بعد ساعة، عقدت رؤي حاجبيها بإنزعاج. قامت بفتح عينيها بضعف ثم أقفلتها مرة أخرى. رأى حازم رؤي وهي تقوم بفتح عينيها. فتحت رؤي عينيها ونظرت حولها بغرابة. سار لها سمير بلهفة قائلاً:
رؤي حبيبتي، حمدالله على السلامة.
تأوهت رؤي بضعف ثم تحدثت بنبرة خافتة:
هو أنا فين؟
رويدًا رويدًا بدأت تتذكر ما حدث لها، بينما أجاب عليها سمير بفرحة:
في المستشفى يا حبيبتي، متقلقيش بقيتي كويسة.
قام عزة بتقبيل وجه ابنتها بحب ممزوج بفرحة:
الحمد لله والشكر ليك يارب.
بعد ربع ساعة، أفاقت رؤي بالكامل. كانت تجلس على الفراش تسند ظهرها على الفراش، بينما عزة بجانبها تمسك بيدها كل ثانية والأخرى تقوم بالترتيب على شعرها بحنان.
هتفت رؤي بمزاح:
إيه يا ماما؟ لو كنت أعرف أنك بتحبيني كده كنت خليته يضربني من بدري.
هتفت عزة بعتاب:
كده يا رؤي، أخص عليكي. بعدين لو أنا مبحبكيش مين هيحبك؟
ابتسم حازم ثم قال موجها حديثه لرؤي:
حمدالله على السلامة يا رؤي.
ابتسمت رؤي قائلة:
الله يسلمك.
سألها حازم بإهتمام مستفسراً على ما حدث لها:
مين اللي عمل فيكي كده؟
أكد سمير علي سؤاله قائلاً لها بخوف:
مين يا بنتي اللي عمل كده عشان نبلغ عنه؟
بدأت رؤي تقص عليهم معرفتها بسيد وما حدث من البداية. انتهت رؤي من سرد الأحداث، بينما حازم شعر ببعض الغضب بما فعله هذا البغيض بها. لكن هتفت عزة بهذه اللحظة بخوف على ما حدث لابنتها وغضب بما فعله:
منه لله، ربنا ينتقم منه. كويس أن مراته بعدت تلاقيها يا عيني كانت بتعاني معاه.
أشفقت عزة على السيدة وما كان يحدث لها. تحدث سمير بحنان:
الحمد لله أنك قومتي بالسلامة يا بنتي، ده أهم عندي من أي حاجة.
كان حازم غاضبًا مما حدث لها وتوعد لسيد بما فعله، لكن أخفاه ببراعة حيث تحدث بنبرة حادة:
متقلقيش هياخد جزاته وحبتين زيادة.
أجابت عزة بإبتسامة:
ربنا يباركلك يا بني، ويخليك لعيلتك.
أمن الجميع على دعائها، ثم تحدث حازم بإبتسامة ساحرة:
معلش بس هضطر أمشي دلوقتي، ألف سلامة مرة تانية.
أجابت رؤي بإبتسامة:
الله يسلمك.
خرج حازم من الغرفة ثم أقفل الباب خلفه. أخرج هاتفه من جيبه دقائق ثم هتف بجدية:
كنت محتاجك في خدمة.
***
بعد مرور يومان، كان الخصام مازال قائمًا بين مالك ويزن. لم يتحدث أي منهم للآخر، بينما ظل يزن في المنزل لم يذهب للمشفى أو الشركة. لم يقدر على فعل شيء، بينما رهف كانت تحاول الوصول له والتواصل معه لكن لم يجيب عليها. لم يكن لديه القدرة على التحدث، كان خلال اليومين لا يفعل شيئًا غير النوم وتناول الطعام التي أتت به روضة.
على الجانب الآخر، كانت روضة تحاول أن تتحدث مع مالك، لكن كان يجيب عليها بكلمات مقتضبة. غاضب بشدة من يزن ولا يعرف ما يفعله معه حتى قرر بداخله قرار، حتى لو أجبره على فعله سيفعله لأنه لا يعرف نتيجة ما يفعله يزن حاليًا.
في الشركة التصميم، كان حسين يشاهد الفلاشة التي أوصلها باللاب. كان يتابع بأعين متفحصة وتركيز شديد. دقائق حتى قام بإغلاق اللاب ثم فكر قليلاً، بعدها قام بمهاتفة السكرتيرة كي تقوم بإخبار رهف وسهام بأنه يريدهم.
بعد مرور خمس دقائق، دخل الاثنتان للداخل ثم وقف أمامه. نظر حسين لهم قليلاً ثم تحدث بنبرة جدية لسهام موجها حديثه لها:
مسحتي ليه الشغل بتاع رهف؟
تصنمت سهام مكانها وكأن أحدًا قام بسكب مياه باردة عليها، لكن تداركت الأمر سريعا وتحدثت بغرابة مصطنعة:
حضرتك وأنا اللي يخليني أعمل كده؟ وهعمل كده ليه؟
صدمت رهف بالكامل حتى شل عقلها عن التفكير. هل لهذه الدرجة وصلت الأذية إلى هذا الحد؟ كانت تعتقد أن هذا مجرد حديث تحدثت به لتشفي غليلها وتقوم بإخافتها، لكن ظهر العكس، كانت تهدد وقامت بالفعل.
تحدث حسين بنبرة جامدة:
أمل، كنتي بتعملي إيه في مكتبها؟
تحدثت سهام بثبات:
مفيش، كنت رايحة أطلب منها حاجة ملقتهاش وخرجت تاني.
رفع حسين حاجبه وأجاب بتهكم:
واللي ميلاقيش حد يروح يمسح شغله؟ إيه بتساعديها عشان تطرد؟
أخيرًا تحدثت رهف قائلة لسهام:
أنا عملتلك حاجة عشان تعملي فيا كده؟ قولتلك مليش دعوة البشمهندس هو اللي اختارني.
تحدثت سهام بجمود بوجه خالٍ من التعبيرات:
قولت معملتش حاجة، بعدين هستفاد إيه من أن أعمل كده؟
تحدث حسين بهدوء ممزوج بحدة:
مخصوم من المرتب بتاعك والمشروع اللي شغالة عليه هينسحب منك، وده تحذير المرة الجاية فيها طرد. اتفضلي على مكتبك.
خرجت سهام من الغرفة وهي تشعر بالغضب الشديد بما حدث في الداخل. ظلت تسير بخطوات سريعة حتى وصلت لمكتبها. ظلت تسير ذهابًا وإيابًا بينما تتنفس بعنف.
تحدثت بغضب:
أنا حتى بت تعمل فيا كده؟ أنا يتسحب منى شغلى؟ هوريكى والله لاوريكى.
في مكتب حسين، تحدث حسين بنبرة جادة:
ياريت تاخدي بالك من شغلك بعد كده، وتأمني على حاجتك كويس لأنها مش هتسكت.
أجابت بإمتنان كبير لما فعله:
مش عارفة أشكر حضرتك إزاي. هي فعلاً جدت وهددتني لما خدت المشروع، لكن متخيلتش أن يوصل الموضوع لكده.
أجاب عليها حسين موضحًا:
في الشغل توقعي دايما أي حاجة من أي حد. متأمنيش لحد بسهولة لأن ممكن بكل سهولة يقلب ضدك وساعتها أنت الخسرانة. تقدري تتفضلي.
هزت رأسها بموافقة ثم خرجت من الغرفة متجهة لمكتبها وعقلها مازال يفكر بما حدث.
***
في المساء، غرفة رهف. كانت تجلس على الفراش تفكر بيزن، لما حتى الآن لا يجيب عليها وعلى رسائلها، حتى أنه مختفٍ منذ يومان ولا تعرف بما حدث له. تريد أن تتحدث معه القادر على إخراجها من حزنها. قررت أن تبعث رسالة لعله يراها ويجيب عليها.
على الجانب الآخر، كان يجلس على الأريكة بأريحية يشاهد فيلم أجنبي وبيديه كيس شيبسي يتناوله. وجد هاتفه أصدر صوت أمسك بأحدى يديه. وجد رهف. أخذ نفس عميق، لا يريد أن يجيب على أي أحد، لكن قرر أن يجيب عليها.
كتب يزن:
ازيك يا رهف.
رأت رهف الرسالة حيث أجابت سريعًا:
انت فين يا بني؟
يزن:
موجود، هروح فين؟
رهف:
لا فيك حاجة. بعدين عمالة أبعتلك رسايل ومش بترد عليا.
يزن:
كنت تعبان ومش قادر ارد.
رهف:
مالك فيه إيه؟ مش متعود كده.
زفر يزن لكن أجاب عليها مدونًا:
مفيش تعبان شوية، أنت مالك؟
كتبت رهف بعند:
لا مش هتكلم طول ما أنت مش عايز تقولى مالك.
زفر يزن بضيق لكن كتب:
رهف قولي مالك، مبحبش كده.
كتبت رهف بعناد:
لا مش هتكلم غير لما تقولى مالك، أنت تحكيلي وأنا أحكيلك بعدين نرد جميل من جمايلك يا سيدي.
بعث لها يزن إيموشن يضحك بشدة ثم كتب بغرور:
لا طبعًا أنت هتجيبي فرفشتي لفرفشتك، أنت بتعرفي تعملي حاجة؟
شعرت رهف بالغيظ وكتبت بضيق:
تصدق أنا غلطانة، أولع يا يزن.
ضحك يزن بنبرة عالية ثم دون رسالة:
ياستي، خلاص أسفين لسياتك، أحكي أنت الأول وأنا أحكيلك.
بدأت رهف تقص عليه ما حدث معها خلال اليومين. ظل يزن يتحدث معها وينصحها برفق بجانب مزاحه الدائم الذي غير مزاجها بدرجة كبيرة وكانت تضحك بشدة على رسائله.
كتبت رهف:
هاا أنا حكيت أهو، قولي بقى مالك.
ابتسم يزن على عنادها ثم كتب:
مش هخلص منك أنا عارف، مفيش ياستي اتخانقت أنا ومالك وقلبنا على بعض.
كتبت رهف سريعا بفضول:
يا خبر، ليه كده، إيه اللي حصل؟
كتب يزن:
مفيش عادي اتخانقنا على حكاية الجواز.
وبدأ يقص لها ما عدا الجزء الذي ذكرت فيه حتى أنتهى.
كتبت رهف بعقلانية:
بس هو عنده حق يا يزن، أصل ده مش مبرر للي بتعمله. ما كل الناس مشغولة أمل المتجوزين وهما الاتنين بيشتغلوا عشان يوفروا حياة كريمة لولادهم ومش بيشوفوا بعض غير كام ساعة وفي الإجازات بس راضيين ومبسوطين لأن هي الحياة بقت كده. لو كل ولد وبنت عملوا كده هيكلوا ويشربوا منين طالما عايزين يلزقوا في وش بعض. بعدين ده حتى يزهقوا. اللي بتعمله ده مش مبرر. بعدين فيه بنات كتير تتمناك.
كتب يزن بمزاح:
طبعًا مش وسيم وبعيون زرقاء لازم البناويت تحبني.
أجابت عليه بمزاح مماثل:
بعد كلمة بناويت دي أشك أنك تتجوز أصلاً.
كتب يزن:
ربنا يسهل، كل حاجة ليها معاد.
رهف:
أكيد طبعًا، لكن أنت لازم تسعى. بعدين مش ممكن تكون اللي هتربط بيك راضية على كده وحابة شغلك؟ أكيد فيه فترة من الفترات هتضايق أنك مش معاها بس هي سنة الحياة كده، شوية نقرب وشوية نبعد بس المهم لما نبعد نفضل قريبين مهما المسافات طالت.
يزن:
الله الله، بقيتي تقولي حكم.
ضحكت رهف ثم كتبت:
عيب عليك يا بني، معاك أي حد ولا إيه.
نظر يزن للتلفاز ووجد أهم مشهد في الفيلم الذي أضاعته رهف عليه نصفه، حيث كتب لها:
هقفل دلوقتي عشان بتفرج على فيلم ومنك لله ضيعتي عليا نصه.
شهقت رهف ثم كتبت بغيظ:
تصدق أنا غلطانة، أولع يا يزن، خلي الفيلم ينفعك.
بعث لها يزن إيموشن يضحك بشدة ثم وضع الهاتف بجانبه يشاهد التلفاز بإستمتاع شديد.
على الجانب الآخر، ضحكت رهف وظلت الابتسامة مرتسمة على شفتيها. أخذت نفس عميق ونظرت للأمام بشرود تضحك على حديثه. لا تعرف لماذا تشعر بالفرحة عندما يبعث لها رسالة. شعور غريب كأن رسالته تفعل بها شيئًا غريبًا لا تعرف معناه. تفرح من حديثه معها حتى لو كان صغيرًا. قادر دائمًا على إخراجها مما هي فيه. تحب محادثته، تحمد كثيرًا على صداقته.
***
شقة يزن
بعد انتهاء الفيلم، رن هاتف يزن. نظر بجانبه وجد حازم يهاتفه. أخذه وقام بالرد عليه قائلاً:
أزيك يا حازم.
أردف حازم بإبتسامة:
ازيك؟ فينك مختفي؟
أجاب يزن عليه:
مفيش كنت تعبان شوية، وأقعد في البيت.
اقترح عليه حازم قائلاً:
ما تيجي نخرج نعقد في أي كافيه بقالنا كتير متجمعناش. هتصل بمالك وأقوله ونتقابل.
أجاب يزن بموافقة:
ماشي، ابعتلي لوكيشن وأجيلكم على هناك.
أقفل كل منهم مع الآخر وقام بمهاتفة مالك حتى وافق هو الآخر واتفقا على اللقاء بعد مدة.
في الكافيه، كان ثلاثتهم يجلسون حيث هتف حازم:
إيه يا شباب ونعم الصحاب، أندال أندال.
ضحك يزن ثم أردف قائلاً:
يا عم عامل فيها رجل أعمال ومش معبرنا.
ضحك حازم بشدة ثم أردف:
طيب ارفع سماعة التليفون، أنت والبيه التاني محسسني أننا كنا بايتين مع بعض.
تحدث يزن قائلاً مشيرًا على مالك:
طب اسأل مالك تعبان بقالي يومين وأقعد في البيت، من المستشفى للشركة ده غير العمليات.
أجاب حازم عليه:
يابني اتجوز وخلفلك حتة عيل تفرح بيه، تروح بيتك كده تلاقي مراتك مستنياك.
تحدث مالك هذه المرة بسخرية:
الحمد لله مجبتش الكلام من عندي.
هتف يزن بضيق منهم:
يا الله، أخلص من واحد يطلع التاني.
هتف حازم بضيق:
أيوه يا يزن أنت مبقتش صغير ولازم تتجوز.
تحدث يزن قائلاً:
بلاش تتكلم أنت، روح شوف نفسك الأول.
في هذه الأثناء قرر مالك أن يفجر مفاجأته حتى يضعه أمام الأمر الواقع، وهو لا ينفع معه غير ذلك. تحدث مالك بابتسامة عريضة:
عشان كده بما أنك موجود يا حازم، يزن كان عايز يقولك بس أنت عارفه مكسوف منك، أحنا بنطلب إيد رهف منك ليزن.
نظر له يزن بتفاجؤ غير مصدق لما سمعه منه. هتف بداخله ما الذي تفعله يا مالك؟ كان ينظر له بتفاجؤ لم يتوقع منه أن يفعل هذا.
بينما استغرب حازم قليلاً قائلاً:
مش شايف الموضوع غريب شوية إنك بتطلب إيديها في الوقت اللي بنكلمه فيه عن الجواز؟ ولا عايز تدبسه وخلاص؟
أجاب عليه مالك بإبتسامة ثقة:
لا مش غريب ولا حاجة. يزن كان نفسه يقولك من فترة بس كان مشغول وكده. بعدين أنا هنا كأني أبوه وأنا اللي بطلب إيديها منك. بعدين مفيش أحسن من رهف ليزن هيبقى ثنائي رائع ولا إيه يا يزن؟
كان يزن كأن أحدًا سكب المياه فوقه لا يتحدث شارد في مكان آخر. ضربه مالك بقدمه مبتسمًا بوجه، فاق يزن لكن زرقة عينيه كانت تهيم بالغضب الشديد مما فعله مالك ووضعه بهذا الموقف. ابتسم يزن بمجاملة حتى لا يحرجه:
آه أكيد طبعًا، رهف محترمة وأكيد مش هتختلف عنك. بعدين إحنا أصدقاء زي ما أنت عارف.
تحدث مالك بإبتسامة وداخله يخبره بأن ما يفعله سيجعل العلاقة بينه وبين يزن شبه مقطوعة لأنه يعرف لا يحب أن يضعه أحد أمام الأمر الواقع، لكن لم يجد طريقة غير ذلك. تحدث مالك بفرحة:
شوف المعاد اللي تحبوه ونيجي نتقدم.
ابتسم حازم بسعادة وفرحة لابنته رهف التي تربت على يديه، ها قد جاء الوقت الذي ستخطب به وتذهب لبيتها. نهض يزن وأبتسم بمجاملة لكن عينيه كانت تحمل مشاعر أخرى ما بين الغضب والإحراج بما وضعه به مالك.
تحدث يزن:
معلش لازم أمشي عشان حسيت بتعب ومش هقدر أقعد، هروح أفضل.
أردف حازم بغرابة من نهوضه المفاجئ:
يابني خليك، لحقنا نقعد.
نظر يزن بإبتسامة تخفي خلفها الكثير من الغضب العارم وعينيه تشعر وكأنها غامت عليها بالسحاب من غضبه الذي يحاول أن يتحكم فيه. أجاب عليه موجها نظره لمالك الذي ابتسم بوجهه ببراءة:
لا هروح أفضل، سلام نبقى نتقابل تاني.
رمى نظرة أخيرة لمالك خالية من أي شيء وتركهم يزن وخرج من الكافيه متجهًا لبيته، بينما جلس مالك وحازم لبعض الوقت حتى اتجه كل منهم لبيته وكل منهم يحمل مشاعر مختلفة. حازم شعر بغرابة الموضوع ومن نهوض يزن وكأن مالك يجبره بشيء من الخوف، لكن تجاهل هذا بفرحته برهف، تغاضى عن أي شيء. بينما يزن يشعر بالغضب مما فعله يريد أن يرى مالك أمامه حتى يفتك به وبما فعله. لا يحب أن يجبره أحد على شيء لا يعلم بما كان يفعله غير أنه وافق بكل سهولة. بينما مالك كان فرح بما فعله يعلم أن يزن سوف لا يمر الموقف مرور الكرام، لكن فعل هذا لمصلحته. ومر اليوم على الجميع ما بين الغضب والسخط والفرحة الشديدة.
رواية انجذاب الروح الفصل السابع عشر 17 - بقلم زينب خالد
في اليوم التالي، في المستشفى، غرفة رؤي.
كانت رؤي تجلس على الفراش بجانبها والدتها عزة، التي بدأت بتجهيز الحقيبة التي أتت بها من المنزل بعدما اطمأنت على صغيرتها.
سمعوا طرقًا على الباب، يدل على وجود أحدهم. أذنت رؤي قائلة بنبرة هادئة رقيقة:
"اتفضلوا."
وضع يديه على المقبض، ثم فتحه ودخل بخطوات واثقة. هتف حازم بابتسامة ساحرة:
"صباح الخير."
هتفت عزة بترحيب بقدومه، حيث تركت إعداد الحقيبة واتجهت قباله، وتحدثت بود:
"أهلاً يا ابني.. تعالى اقعد."
تحدث حازم بنبرة هادئة:
"عرفت إنك هتخرجي انهاردة من المستشفى.. فقلت أجى آخدكم."
تحدثت رؤي مبتسمة:
"مكنش له لازوم تعبك.. كنا هناخد تاكسي، الموضوع مش مستاهل."
هتف حازم باعتراض:
"لا طبعًا.. إزاي؟ أنتِ موظفة عندي، وقبلها أصدقاء، ومينفعش أسيبكم تروحوا."
سأل حازم مكملاً حديثه:
"خلصتوا؟"
أجابت عزة بود:
"آه.. رؤي بس تلبس، وعلى ما سمير يجي من تحت بيقفل الإجراءات."
تحدث حازم بابتسامة:
"هستناكم على الباب برة عشان أوصلكم."
خرج حازم وأغلق الباب خلفه ينتظرهم. تحدثت عزة بابتسامة:
"شاب محترم والله.. فيه الخير. يلا عشان أساعدك تغيري."
في الطرقة.
كان يقف حازم ينتظر خروجهم. بعد مرور عشر دقائق، كان سمير أنهى إجراءات المستشفى ودفع المال. كان يسير حتى وجد حازم أمام الغرفة، فتعجب قليلاً من وجوده. سار حتى تقرب منه، وتحدث سمير مبتسمًا:
"أزيك يا حازم باشا؟"
رفع حازم رأسه ينظر له، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة بسيطة:
"الحمد لله.. أنت إيه أخبارك؟"
أجاب سمير عليه:
"الحمد لله."
استشفت حازم من سمير عينيه تعجبه من وجوده، وتحدث بنفس الابتسامة التي لم تُمحَ:
"عرفت إنكم هتخرجوا انهاردة.. فقلت أجى أوصلكم."
تحدث سمير بود:
"مكنش له لزوم."
أجاب حازم عليه:
"لا طبعاً.. إزاي؟ بعدين دي حاجة بسيطة."
ابتسم سمير، ثم ساد الصمت بينهم منتظرين خروج رؤي من الغرفة مع عزة. بعد مرور ربع ساعة، فتحت عزة الباب حتى خرج الاثنتان. تحدثت رؤي بهدوء:
"خلصنا."
أشار لهم حازم بيديه هاتفا:
"اتفضلوا."
أخذ سمير الحقيبة من عزة يحملها بين يديه، بينما حازم يسير أمامهم بخطوات سريعة ليصل قبلهم للسيارة. صعدوا المصعد، ثم خرجوا يليه خروجهم من المستشفى. جهز حازم السيارة وصعد الجميع. سمير بجانب حازم، ورؤي وعزة في الخلف، ثم انطلق حازم ناحية شقتهم.
أمام العمارة.
وقفت السيارة أمام العمارة. تحدث حازم بابتسامة:
"حمد الله على سلامتكم.. وألف سلامة عليكِ يا رؤي. طبعًا أجازتك مفتوحة لغاية لما تخفي بالكامل."
تفتت رؤي بهدوء:
"في أقرب وقت هرجع إن شاء الله."
تحدث سمير بامتنان لحازم:
"شكراً يا ابني على اللي عملته.. تعبناك معانا.. ربنا يجزيك خير."
أجاب حازم باعتراض:
"متقولش كده.. أنت عزيز عليا، وده أقل حاجة أعملها."
تحدثت عزة بدعاء:
"ربنا يباركلك يا ابني.. وينجحك دايماً في شغلك."
أمن الجميع على دعائها، ثم خرج ثلاثتهم من السيارة، بينما تحرك حازم بسيارته متجهًا لشركته.
***
في شركة الأدوية.
كان يزن يعمل على الأعمال المتراكمة عليه بسبب غيابه عن العمل وجلوسه في راحة البيت. سمع يزن طرق الباب، اعتقد أنها السكرتيرة، لكن وجد مالك من يفتح الباب ثم دخل. رأى بيديه بعض الأوراق، تحدث مالك بابتسامة محاولاً أن يمرح معه، يعلم أنه لم يمر ما فعله مرور الكرام:
"خد الورق ده محتاج إمضتك.. حضرتك تقعد في البيت مرتاح وأنا هنا أشيل الهم زي الولاية."
لم ينبس يزن بكلمة واحدة. أخذ الأوراق منه، وقام بالتوقيع عليها، ثم أعطاه له مرة أخرى دون النظر له. كاد مالك أن يتحدث مرة أخرى، لكن قاطعه يزن هاتفا بجمود قائلا:
"ياريت تتفضل برة عشان عندي شغل مش فاضي."
صدم ولم يتوقع أبدا مالك ردة فعله، وإنما توقع ربما يصيح معه بنبرة عالية، يقوم بضربه حتى ينفس عن غضبه، لكن لم يتوقع هذا الجمود. هنا عرف أن فعلته التي بوجهه نظر يزن شنيعة أثرت به، لكن لم يكن لديه قرار غير هذا. كان عليه أن يطلب يد رهف دون مناقشته وإخباره أولا، لأنه يعلم بأنه غير موافق. لكن هي الوحيدة الجديرة به. يمكن الآن غاضب منه ولا يريد الحديث معه، بينما في المستقبل سيشكره على هذا المعروف. قرر مالك أن يخرج وأن لا يتحدث ثانية، لأن إذا تحدث ستقوم حرب بينهم. وهو يعلم رغم أن شخصيته مرحة، يحب المزاح كثيرا، لكن إذا غضب ينقلب العالم أجمعه، وينطلق غضبه باكتساح يحرق الأخضر واليابس بما يسمى هدوء ما قبل العاصفة. خرج مالك بعدما أخذ الورق من على المكتب، بينما يزن زفر بضيق. لا يعلم ما يفعله، غاضب منه وبشدة بسبب هذا الموقف الذي وضعه به أمس، لكن يعلم جيدا ما سيفعله.
***
في المساء، في القصر.
كان الجميع يجلس كعادتهم كل مساء، يتحدثون قليلا ويمرحون. تحدث حازم مفاجئًا للجميع وعلى شفتيه ابتسامة، بينما ينظر لرهف وعينيه تلمع من الفرحة:
"كبرتي يا رهف وبقيتي عروسة، وكلها فترة وأسلمك لعريسك."
أجابت رهف بمزاح:
"ده على أساس مش عارف إنها بقيت عروسة."
تحدثت حنان بنبرة فرحة:
"أوعى يكون اللي في دماغي صح؟"
هز رأسه موافقة. بينما رهف تنظر لهم باستغراب. تحدث حازم بسعادة:
"يزن طلب إيد رهف امبارح."
فرحت حنان للغاية لابنتها، بينما سليمان شعر بالسعادة لأجل ابنته، قطعه من قلبه. بينما رهف تعجبت قائلة:
"يزن طالب إيدي أنا؟"
أجاب حازم عليها موضحًا:
"وأي المشكلة؟ هو حابب إنه ياخد معاد وييجي يتقدم لكِ، ولو موافقة على بركة الله، ولو محسّتيش براحة اعتبري إن مفيش حاجة حصلت."
تحدث سليمان لحازم:
"اتصل بيه خليه ييجي يوم الخميس.. ونقعد مع بعض."
أخذ حازم هاتفه لكى يهاتف يزن، وضع الهاتف ينتظر إجابته. تحدث حازم بابتسامة:
"أزيك يا يزن.. أخبارك؟"
أجابه يزن بهدوء:
"الحمد لله.. أنت إيه أخبارك؟"
أجابه حازم بنبرة حماسية:
"جبت لك أخبار هتعجبك.. إن شاء الله تقدر تيجي يوم الخميس تشرفنا."
حاول رسم الفرحة بنبرة صوته، حيث تحدث بفرحة زائفة:
"أي الأخبار الرائعة دي؟ خلاص هاجي ومعايا مالك وروضة."
أجابه حازم مبتسمًا:
"ماشي.. هنستناك.. سلام."
أجاب يزن بابتسامة بسيطة:
"سلام."
في الغرفة.
جلست رهف معهم قليلا، ثم استأذنت حتى تصعد لغرفتها. فتحت الباب ثم دخلت، أقفلت الباب خلفها وسارت. جلست على الفراش، تفكر بما حدث. هل حقا قام يزن بالتقدم لها؟ يوجد تناقض كبير. من أين أنه لا يريد الزواج حاليا، وأين أنه قام بما حدثه حازم ليأخذ موعد مع والدها؟ لا تعرف، تشعر بالحيرة والتخبط في مشاعرها، لكن رغم ذلك تشعر بالفرح مثلها مثل أي فتاة يأتي لها ما يسمى "العريس". لكن لم يظهر في مرة أو يلمح لها يزن بشيء، حتى عندما تحدثوا لم يخبر لها حتى بطريقة غير مباشرة. حاولت التوصل لحل، لكن لم تجد. كل هذه الأجوبة توجد عند يزن. لكن مجرد ما تذكرته ابتسمت تلقائيا، لا تعرف لماذا تشعر بالفرحة عند ذكر اسمه أو عند يبعث لها رسالة. تنتظر دائما رسائله المرحة التي يستطيع بها أن يبدل حالها بالكامل. كل ما تشعر به حيرة شديدة بما حدث وبما دائما ما يحدثها عنه، لكن رغم ذلك جزء ولو بسيط تشعر بالفرحة.
***
شقة يزن.
رمى هاتفه بجانبه، ثم تنهد بعمق. وضع رأسه بين راحتي يديه. لا يعلم ما عليه فعله. لا يحب أن يُجبر على فعل شيء، لكن ما فعله مالك لا يغفر. لا يريد الزواج في الوقت الحالي. ثم أنه لا يشعر بأي مشاعر تجاه رهف سوى انجذاب لها ولشخصيتها، لكن لم يتوصل لفكرة بأن تكون زوجته. مجرد انجذاب في أي لحظة سيزول. لا توجد إلا مشاعر عادية، مجرد صداقة يرتاح لها ولحديثها ومرحها لا أكثر من هذا. لكن رغم كل هذا، لغير اللائق أن يرفض رهف، وخصوصا أمام حازم. لذلك سيمضي على الطريق الذي وضع فيه. سينتظر ماذا سيحدث في الأيام. بداخله يخبره بأن ما سيفعله غير صحيح بتاتا، لكن لا يوجد حل غير ذلك.
أخذ هاتفه وقام بمهاتفة روضة. دقائق حتى أجابت بابتسامة:
"يزن.. أي المكالمات الحلوة اللي بتيجي على بالليل دي؟"
ضحك يزن بهدوء قائلا:
"وعلى كده الغيور بتاعنا سامع اللي بتقوليه ملكة الجمال؟"
ضحكت روضة بشدة، ثم أجابت بنبرة متفاخرة:
"عيب عليك.. إحنا جامدين أوي.. بعدين ميقدرش يجي جنبي أنت عارف."
ضحك يزن بشدة، حيث أجاب بمزاح:
"لا جامدة.. أيوه كده اتجدعني وملكيش دعوة بالباقي. وراكي رجالة بعدين لو حصلت أي حاجة.. الشقة من حق زوجة يعني كل حاجة معانا." ثم أكمل بنبرة ذات مغزى وهو الصراحة: "يستاهل."
لم تنتبه روضة لنبرته، بينما تحدثت:
"بس مقولتش أي سر هذه المكالمة الرائعة؟"
أجاب يزن بلا اهتمام:
"قولي لجوزك إننا هنروح نتقدم يوم الخميس.. اللي كان عايزة حصل.. لسه قافل مع حازم."
استغربت روضة بالكامل، حتى سيطر عليها الدهشة مما يقوله، حيث قالت:
"نتقدم لمين؟ بعدين أي جوزك دي؟ في إيه يا يزن؟"
أجاب يزن بعدم اكتراث لأي شيء:
"خلي جوزك يبقي يفهمك.. هقفل عشان مش قادر أتكلم ومتنسيش تيجي معاه.. يلا سلام."
***
شقة مالك.
عقدت حاجبيها بغرابة وهي تنصت لحديثه، ثم أقفل معها وهي تشعر بالغرابة ولا تعلم ما حدث أو ما يحدث حولها.
نادت روضة بنبرة عالية على مالك حتى تستكشف ما يحدث:
"مالك.. مااالك."
أتى مالك من الداخل على أثر صوتها. أجاب عليها بابتسامة:
"أيوه يا حبيبتي."
تحدثت روضة بنبرة مستفسرة:
"هو أي اللي بيقوله يزن ده؟ كلمني وبيقولي إن حازم كلمه ونروح يوم الخميس.. هو في إيه؟ بعدين عملت إيه ليزن؟ هو هيتقدم لرهف؟"
أخرج تنهيدة عميقة من داخله، ثم أجاب عليها:
"اليوم اللي خرجنا فيه.. طلبت رهف منه ليزن بس، ومن ساعتها ويزن مش طايق يبص في وشي."
شهقت روضة بخفوت قائلة بذهول:
"يالهوي.. أنت أجبرت يزن؟ أي اللي عملته ده؟ عشان كده كلمني وقالي أبقى قولي لجوزك إن اللي عايزه حصل.. حرام عليك."
جلس مالك بجانبها، ثم لف جسده تجاهها ينظر لعيينيها قائلا موضحا لما فعله:
"بصي يا حبيبتي.. يزن ده عارفه أكتر من نفسه زي ما بيقولوا.. الهواجس اللي حطتها يزن دي عمره ما تخليه يتقدم خطوة، وسنة تجر سنة يزن هيكتشف إنه لوحده، ملوش ولا زوجة يسند عليها ولا ابن يفرح بيه. يزن مش هيجي معاه غير الإجبار، حتى لو قطعني فيها لبقية عمري، لكن اللي عملته ده في مصلحته. الكل هيبص إن أذيته أجبرته من نظرة، إن أنا الوحش، بس هما معندهمش بعد نظر. ممكن زي ما بيفكر يجي اليوم ومراته تزهق من عدم تواجده كتير، بس هيحاول يعوض ده بأقصى طاقته. هيبقى صعب، لكن في الآخر فيه حد يوم ما يتعب يجرى عليه ويرمي عليه هموم الدنيا. حد يشاركه تفاصيله وتفاصيل حياته، يسمعله، يستحمل عصبيته قبل ضحكه وهزاره، ورهف متوفر فيها كل ده. أولا رهف تربية حازم، يعني هي كويسة، برغم إن معرفهاش كتير أوي إلا أنها هادية، في نفس الوقت عندها جنون وفرفشة هتركب مع شخصية يزن. شخصيتهم مكملة لبعضها. الموضوع هيبقى صعب في الأول مش هياخدوا على بعض، بس هما أصلا صحاب، فا فكرة إنهم يكونوا متجوزين مش صعبة، وشوية بشوية هينمو بينهم حب، وساعتها هيشكرني على التدبيسة دي."
أنهى حديثه بابتسامة، وداخله يجزم نفسه على فعل أقصى ما بوسعه حتى يقربهم من بعضهم. أجابت روضة بتفكير:
"ممكن تكون وجهة نظرك صح، لكن اتنفذت غلط. يزن عمره ما جه بالإجبار، بيحب يمشي على مزاجه. ده كده مش هيبص في خلقتك تاني."
ضحك مالك، ثم أجاب عليها:
"مش مشكلة.. فترة وهنتكلم تاني، صداقتنا متبنتش من يوم وليلة، مهما حصل هنرجع تاني. المهم إننا لازم نقربهم ببعض."
أردفت روضة بعدم ارتياح لما سيحدث قادما:
"ربنا يستر من اللي جاي."
***
في صباح اليوم التالي، في الحارة.
كان سيد يجلس على الأريكة بارتياح شديد، فرحا بما فعله. تفرق عن عباس حتى لا يكشفهم أحد. دقائق حتى سمع صوت طرقات شديدة، من شدته يجزم أن الباب سيقع بأي لحظة. هتف بنبرة غاضبة ساخطة شديدة:
"في إيه يا اللي بتخبط؟ بتخبط على ميتين!"
طار حتى فتح الباب، كاد أن يتحدث، لكن وجد عساكر أمام الباب ويقودهم رائد شرطة. هتف الرائد بخشونة:
"أنت سيد عزت؟"
تحدث سيد بخوف لما قادم عليه، حاول التحدث بثبات:
"أيوه يا باشا.. فيه حاجة؟"
أمر الرائد العساكر قائلا بلهجة حادة:
"امسكوه يلا."
تقدم اثنان من العساكر، كاد أن يتراجع، لكن أمسكوه بإحكام. تحدث سيد بهلع شديد قائلا يحاول مقاومة دفعهم:
"أنا معملتش حاجة.. أنت واخدني فين؟"
أجابه الرائد بنبرة حادة:
"لما تروح هناك هتعرف.. يلا."
أمسكوه بإحكام، ظل يحاول الانفلات منهم، لكن لم يستطع. أخذوه للخارج. كان الجميع ينصت لصراخ سيد العالي، حتى تجمعوا على العمارة. جميع الحارة يشاهدون العساكر وهم ينزلون بسيد. خرجوا من العمارة والجميع لا يعرف ما حدث معه وهو يهتف بنبرة عالية وصياح:
"سيبوني.. سيبوني.. أنا معملتش حاجة."
أخذوه قسرا حتى وضعوه بالبوكس وصعدوا خلفه، والجميع مازال يشاهد ولا يفقهون شيئا مما يحدث، إلا أن ابن حارتهم أخذته الشرطة لسبب ما مجهول. تفرق الناس وذهب كل منهم من حيث أتى، والجميع يتحدث بفضول عن ما حدث له.
***
مركز الشرطة، في غرفة المكتب.
دخل الرائد، خلع جاكته ووضعه خلف المقعد، وسيد يقف أمامه لا يفقه ما يحدث معه. جلس الرائد وبجانبه الكاتب حتى يدون ما سيتحدثون به. تحدث الرائد طارق بهدوء:
"اسمك وسنك وعنوانك."
تحدث سيد والخوف يأكله من الداخل، يقلق بشدة، تحدث بقلق ملحوظ:
"سيد عزت محمود.. سني 34 سنة.. ساكن في فيصل حارة الأعيان."
تحدث طارق بهدوء ناظرا لعينيه يستشف حالته:
"تعرف إيه عن رؤي سمير؟"
توترت ملامح وجه للغاية، لكن حاول تداري توتره، لكن طارق كان يتابعه ويتابع أي حركة يقوم بفعلها. أجاب سيد عليه بنبرة هادئة نسبية زائفة:
"معرفش غير إنها كانت المحامية بتاعت طلقّتي.. الله يجحمها، خدت اللي ورايا واللي قدامي."
تحدث طارق بجدية:
"وأي سبب إنك تبقى متواجد اليوم اللي انضربت فيه؟"
اصطنع سيد التفكير وأجاب:
"وأنا أيش عرفني يا باشا؟ هي بتشتغل في…."
عالى طارق صوته هاتفا:
"ولا متستعبطش.. ضربتها ليه؟"
أجابه بسماجة، لكن داخله لا يعرف ما يفعله. كاد التوتر والخوف يأكله. عرف بأنه تورط بالكامل ولا يعرف كيفية الخروج. لكن رغم ذلك يشعر بالفرح بما فعله، كأنه أخيرا انتقم منها. تحدث بإنكار:
"مضربتهاش يا باشا.. هستفيد إيه؟"
ضحك طارق بسخرية قائلا:
"بما إن كده كده مش هتعترف، يبقى خلاص نجيب اعترافك من جهة ثانية. كاميرا الشارع رصدتك أنت وصحبك ورصدت أرقام الموتوسيكل، يعني لبساكم لبساكم. وحاليا صحبك هيشرف هنا."
أجابه سيد بلا خوف قائلا بغل وكره:
"أيوه يا باشا أنا اللي ضربتها.. حتة ست لا راحت ولا جت تاخد اللي معايا على واحدة ولا تسوى.. يبقى تستاهل."
نظر له طارق قليلا حتى هز رأسه بلا اهتمام. تحدث بلجهة أمره للكاتب:
"اكتب يا ابني قررنا نحن الرائد طارق بحبس المتهم عشرة الأيام على ذمة التحقيقات، ثم يتحول على النيابة."
كتب الكاتب بما أمره به. تحدث طارق بحدة للسيد:
"تعالى امضي هنا."
أمضى سيد، ثم نادى طارق على العسكري. ثوانٍ دخل وقام بتحية العسكرية. تحدث للعسكري:
"تاخده على الحجز."
تقدم منه حتى شده معه وخرج الاثنان يليهم خروج الكاتب. أخرج تنهيدة متعبة من عمله. سحب هاتفه وقام بمهاتفة أحدهم. دقائق حتى تحدث بابتسامة:
"باشا.. اللي عايزه حصل."
أجابه حازم بشكر:
"مش عارف أشكرك إزاي يا طارق، بس عايزة يتظبط."
رد عليه طارق بثقة:
"متقلقش.. مش أقل من خمس سنين عشان يعرف يخرج منها. بعدين مفيش بنا شكر، ده إحنا أصحاب."
أجابه حازم بامتنان بما فعله:
"حبيبي.. وده ميزة إن يكون ليك ذراع في الداخلية."
ضحك الاثنان، بينما أجاب طارق:
"في الخدمة دايما ساعتك."
أردف حازم بابتسامة:
"ربنا يخليك.. لو حصل أي حاجة كلمني على طول."
أجاب الرائد:
"متقلقش.. مع السلامة."
تحدث حازم مبتسمًا:
"سلام."
***
في الشركة الاستيراد والتصدير، غرفة المكتب.
أنهى حازم الحديث معه وقرر مهاتفة رؤي حتى يخبرها. قام بالاتصال بها، وضع الهاتف على أذنه ينتظر الرد.
على الجانب الآخر.
كانت رؤي تجلس على الفراش وملامح وجهها تتألم من الجرح وشدته. رن الهاتف بجانبها، أخذته وهي تئن من الوجع، تحاول السيطرة على ألمها. رأت الشاشة وجدت أنه حازم. أخذت نفس عميق تحاول ضبط نفسها، مسيطرة على ألمها. أجابت عليه بنبرة واهنة:
"ألو."
ابتسم حازم ثم تحدث:
"أزيك يا رؤي؟"
أجابت رؤي بنبرة ضعيفة:
"الحمد لله.. أنت عامل إيه؟"
قلق حازم من نبرة صوتها حيث أردف:
"مالك فيكي؟ الجرح وجعاك؟"
أجابت رؤي بنبرة واهنة حيث أنها أنّت بضعف:
"آه شوية.. الجرح مش عارفه من الصبح واجعني."
أردف بقلق حازم ظاهري:
"طب مأخدتيش المسكن ليه لغاية دلوقتي؟ سايبة نفسك كده؟"
أجابته بوهن:
"لسه معاد المسكن شوية كده.. بس خلاص هاخده كده... بعدين في حاجة؟"
أجابها حازم موضحا:
"آه كنت حابب أفرحك إن اللي عمل فيكي كده اتمسك."
ابتسمت رؤي بضعف هاتفة:
"ميرسي يا حازم على اللي بتعمله معايا."
أجابها حازم مبتسمًا:
"لا شكر على واجب.. بعدين إحنا أصحاب وأي حد في موقفي هيعمل كده. مكنش ينفع عملته وهرب."
شكرته رؤي قائلة:
"ميرسي بجد على اللي عملته.. غلبتك معايا."
أردف حازم بعتاب:
"خلاص بقى دي حاجة بسيطة.. هسيبك دلوقتي عشان تاخدي المسكن وينفع طبعاً لو اطمنت عليكي من الوقت للتاني."
أجابته رؤي قائلة بنبرة ضعيفة:
"أكيد طبعاً.. ماشي مع السلامة."
أنهى حديثه حازم معها قائلا:
"سلام."
أقفل معها حازم الهاتف يبتسم بهدوء، ثم اتجه لعمله، بينما رؤي أخذت المسكن حتى يخفف الألم قليلا.
***
مرت الأيام حتى أتى اليوم المشهود.
يوم الخميس في القصر.
غرفة رهف.
تقف أمام المرآة تنظر لنفسها بابتسامة رائعة. ترتدي فستان أحمر نبيذي فاتح من الشيفون الشفاف من الأذرع والمبطن في باقيته، يصل لركبتيها ومنفوش من الأسفل. مفتوح الصدر وهناك حزام يطبق على الخصر من نفس لون الفستان. وضعت بعض اللمسات من الميكب لكن ليس بكثير، حيث أنهت طلتها بلون شفاه أحمر نبيتي غامق، ثم تركت شعرها منسدلا به تمويجة بسيطة. تنظر لطلتها كانت رائعة بمعنى الكلمة، حيث هذا الفستان أظهر أنوثتها ليست بشكل كبير، لكن مجرد تواجدها يجعل الأنظار تلتفت لها. ابتسمت بخجل وهي تتخيل قرب تواجد يزن. شعور غريب لأول مرة تشعر به، لم تعلم معناه، لكن ما تعلمه أنها منجذبة به بشدة، بداية من وسامته ولون عينيه الذي تجعلك تدمن النظر بها كأنك تشاهد السماء بصافيها، بجانب شخصيته المرحة. على شفتيها ابتسامة وهي تتخيل أن يربطهم رابط رسمي. شعور غريب لكنه رائع. تشعر بالتوتر مع الفرحة، مزيج لا تعرف كيفية الانفصال بينهم، لكن الفرحة تطغى قليلا عن الخوف.
على الجانب الآخر.
فتح الباب الخارجي ودخلت سيارتين. وقفت السيارة الأولى أمام باب القصر، خلفها السيارة الأخرى. نزل يزن من السيارة، كان يرتدي حلة باللون الرمادي، يزينه قميص أسود ضيق الذي أبرز عضلات صدره. مد يده حتى أخذ باقة ورد كبيرة ومعه شنطة فاخرة بها علبة من الشوكولاتة الفاخرة. عرف بأنها تحبها. بينما خرج مالك يرتدي بدلّة باللون الكحلي يزينه قميص أبيض. أما روضة كانت ترتدي بدلة نسائية، لكن كانت مختلفة كشخصيتها. سارت ليزن وهي مبتسمة، تحدث بسعادة:
"مبروك يا يزن.. بجد فرحنالك أوي، أنت تساهل بجد."
أجاب يزن بهدوء قائلا:
"الله يبارك فيكي.. يلا ندخل."
لم يعير يزن لمالك أي اهتمام، بينما مالك شعر بالحزن بسبب معاملة مالك، لكن كل شيء يهون لأجله. ساروا حتى وقفوا أمام الباب، ضغط على الزر حتى تعالت صوت الجرس. أتت الخادمة ثم فتحت لهم. ابتسم يزن قائلا:
"سليمان باشا جوه."
أجابته الخادمة باحترام:
"منتظرين حضرتك."
أخذت منه باقة الورد والحقيبة واتجهت للداخل، بينما أخذهم يزن للصالون حيث ينتظرون. دخل ثلاثتهم ودارت بينهم التحيات والتعارف بينهم.
بعد نصف ساعة.
تحدثت روضة بابتسامة:
"أمل فين رهف؟"
هتفت حنان مبتسمة:
"ثواني هخلي حد ينادي عليها من فوق."
نادت على الخادمة حتى طلبت منها إخبار رهف بأن الضيوف وصلوا. صعدت على الدرج لتصل لغرفة رهف.
في الغرفة.
طرق الباب. أذنت رهف بالدخول. تقدمت منها الخادمة حتى وقفت أمامها، تحدث باحترام:
"الضيوف وصلوا تحت.. ومستنين حضرتك."
أجابت رهف:
"روحي أنت وأنا نازلة."
خرجت الخادمة، بينما نظرت رهف مرة أخيرة للمرآة تحاول بث كلمات مشجعة حتى تزيل التوتر المسيطر عليها. ارتدت حذاءها ذو الكعب باللون الأسود، عدلت هيئتها وخرجت من الغرفة متجهة للأسفل.
في الصالون.
كانوا يتحدثون في عدة مواضيع حتى دخلت رهف. لفتت أنظار الجميع، بينما يزن لم يستطع أن يزيح عينه عنها. خجلت من نظراته وتوّترت أكثر. تحدث حازم مبتسمًا بوجه منبهر بهيئتها:
"تعالي يا رهف.. أي الجمال ده."
سارت حتى سلمت على الجميع، بينما وقف يزن لها. نظر الاثنان لبعضهما لثوانٍ قصيرة، كانت عينيه تقوم بفحصها والانبهاار منبعث من عينيه. سلمت عليه بخجل واتجهت لجانب حازم. همس لها حازم في أذنها:
"صاروخ وجه علينا."
ضحكت رهف بخجل، بينما تحدثت روضة بابتسامة ساحرة:
"أي القمر ده.. خراشي على الجمال."
أجابت رهف بابتسامة:
"ميرسي يا قلبي."
تحدث مالك هذه المرة قائلا:
"بما أن رهف شرفتّنا نتكلم في الموضوع على طول.. أحنا جاين انهاردة عشان نطلب إيد رهف ليزن.. نتشرف بيكم.. هو مينفعش أكون أبوه بس معزته عندي بتخليني أعامله على أنه ابني. رغم أننا نفس السن، لكن دايما بعامله كابني وأي حاجة بعملها فاهو عشان بحبه وبحب أشوف سعادته والأهم مصلحته. ممكن تكون الطريقة في بعض الأحيان بيقسوا على ولادهم ومش بيعجبهم اللي بيعملوه والديهم، لكن قدام هيفهموا إن اللي اتعمل ده كان خير ليه قبل ما يكون ليهم."
كان مغزى الكلام موجه تحديدا ليزن، يوضح له ما فعله له. لكن يزن لم يهتم بهذا الكلام، رغم أنه تأثر به داخليا، لكن طرد إحساسه. تحدث سليمان بسعادة:
"وده شيء يشرفني.. يزن زي ابني حازم.. ويا أما قضينا مع بعض وقت حلو.. بس الأهم من ده رأي عروستنا. زي ما بتقول دايما الوالدين بيعملوا المستحيل عشان ولادهم يبقوا سعيدين، لكن في بعض القرارات منقدرش نتحكم فيها إلا إذا لازم الأمر. والجواز قايم على الراحة والود بينهم، فا رأيها هو المهم."
أنهى سليمان حديثه، بينما هتف يزن بهدوء:
"انهاردة هتكون قعدة تعارف.. هستأذن من حضرتك أن أتكلم مع رهف على انفراد."
وافق سليمان الرأي قائلا:
"أكيد طبعاً.. قومي يا رهف واطلعوا جنينة."
تحدث حازم بمزاح:
"لازم يكون فيه حد محرم يعقد معاهم، مينفعش كده."
أجابه يزن بمرح:
"بس خلاص كده الجوازة باظت قبل ما تبدأ.. لو حازم قعد معانا."
ضحك الجميع بشدة، حتى خرج يزن بجانب رهف. بينما بدأت روضة بالتعرف أكثر على عزة.
***
في الحديقة.
تحدثت رهف بنبرة خجولة:
"تحب تقعد فين؟"
أردف يزن بابتسامة بسيطة:
"تعالى على المرجيحة نتمرجح."
ابتسمت واتجه الاثنان حتى جلسوا على الأرجوحة. ظل الصمت بينهم، لم يتحدث أحد، حتى تحدث يزن بهدوء بعدما نظر لها:
"حابب أتكلم معاكي قبل ما توافقي أو ترفضي."
كانت عينيها ملئية بالفضول بما سيقوله. تحدث يزن بهدوء:
"أكيد طبعاً مستغربة بأن اتقدمتلك رغم أن كنا لسه متكلمين قبليها وأن مش مقتنع بفكرة الجواز بسبب طبيعة شغلي. لكن بعد ما قفلت معاكي فكرت بنظرة تانية.. أن هفضل لمتى كده. هو آه طبيعية شغلي صعبة مضغوطة بين الشركة والمستشفى. عارف إن اللي هقوله صعب. أنا لقيت فيكي شريكة حياتي مرحة، زي بتحبي الفرفشة، رغم أنك حساسة وبتعيطي بسرعة، بس دي مش حاجة وحشة، ده يدل على إنك رقيقة أوي. لو وافقتي جوازنا هيقوم على الاحترام والود بيننا."
رمشت بعينيها ثم أجابت بعدم فهم:
"يعني إيه؟"
أخذ نفس عميق ثم تحدث بهدوء:
"مش هقدر إن أحبك للوقت الحالي، معرفش اللي ممكن يحصل مستقبلا. مجرد زواج تقليدي عادي، لسه مفيش أي حب ناحيتك، ممكن أكون منجذب ليكي، لكن انجذاب كأي انجذاب لأي بنت. مجرد زوجة وشريكة حياتي، يعني اعتبرينا أصدقاء بس بشكل متجوزين. جواز يقوم على الاحترام والود ما بينا مش أكتر من كده. عارف إن كلامي قاسي جدا، بس حبيت أن أقولك ده من البداية. لو وافقتي هتبقي شئ رائع إنك تكوني زوجتي، ولو مقدرش لينا ربنا، ساعتها هيرزقك باللي يحبك. مش هقدر أن أحب وأقدم حب لشخص تاني وأنا مش مهيأ لده. مش عايز حاجة تأثر على قرارك وأنا موافق على أي حاجة تقوليها. بس لازم نتكلم قبل أي شيء يحصل عشان تكون كل حاجة واضحة. كده خلصت كلامي اللي كنت عايز أقوله."
نظرت له رهف، حاول أن يستشف أي ردة فعل على حديثه، لكن لم يجد شيء غير الابتسامة الباهتة. ثم نهضت دون حديث. نهض خلفها ودخلوا للداخل.
بالداخل.
دخل الاثنان. تحدث يزن بابتسامة بسيطة:
"يلا يا مالك.. هنتظر منكم الرد وقت ما تحبوا، ولو حصل قبول هنيجي ساعتها عشان نتفق على التفاصيل، ولو محصلش نصيب يبقى كل شيء قسمة ونصيب."
أجابه سليمان مبتسمًا:
"لا إن شاء الله هيحصل كل خير."
استأذنهم يزن قائلا:
"عن إذنكم.. مع السلامة."
ودع ثلاثتهم الجميع وخرجوا من الباب، ثم صعد كل منهم داخل سيارته متجهًا لمنزله. بينما كانت السعادة واضحة على وجوه كل من حازم وحنان وسليمان، بينما رهف كانت بعالم آخر. جلس الجميع يتحدثون على ما حدث، بعدها اتجه كل منهم لغرفته.
رواية انجذاب الروح الفصل الثامن عشر 18 - بقلم زينب خالد
فى القصر .. غرفة رهف
فتحت الباب ثم دخلت بخطوات بطيئة حتى جلست على الفراش.
نظرت لأمام بشرود وعينيها تهدد بهبوط دموعها، تتذكر كل كلمة تحدث بها رغم بأنها تشعر بتذبذب مشاعرها تجاهه.
لا تعرف هل تحبه حقا أم أنها مجرد مشاعر أولية تشعر بها.
منجذبة له ولشخصيته، تسعد لحضوره، تفرح عندما يتحدث معها ويخرجها من قوقعة حزنها الوحيد.
بعد حازم من يفعل هذا؟
هنا عرفت حقا بأنها تكن مشاعر له وأنها بدأت فى الوقوع بحبه.
لكن تذكرت بأنه لا يعتبرها إلا صديقته، وحتى إذا أتم الجواز لا يكن لها أى مشاعر.
مجرد زواج تقليدى يقوم على الأحترام بين الزوجين.
تحدث معها بشفافية شديدة وضح الصورة بالكامل لها.
قررت أن تنهض وتقوم بتبديل ملابسها.
قامت بازالة مستحضرات التجميل التى وضعتها وأبرزت ملمح وجها الرائع.
بعد الإنتهاء.
نامت على الفراش وأخذت الخديدة بحضنها تبكى بشدة على ماحدث.
كانت تشعر بالفرحة بأنه تقدم لخطبتها ممزوجة ببعض الاستغراب بأن حديثه ينافى ما فعله.
تزاحم فى الافكار كثيرة برأسها ولا تعرف ما صحيح وما الخطأ.
لكن ما علمته حقا بأنها بدأت بالإنجذاب والوقوع بحبه.
وبعد ساعات من البكاء نامت وهى تشعر بإرهاق شديد.
شقة يزن
فتح باب الشقة ثم دخل يزن بعدما اغلق الباب.
وضع مفاتيحه على الطاولة الموضوعة بجانب الباب.
سار حتى جلس على الأريكة بإرهاق زفر بتعب واضح.
يشعر بشئ ثقيل يجثو على صدره لا يعرف كيفية التنفس بشكل جيد.
يعلم بأنها ربما تكون حزينة مما فعله.
لكن ما فعله هو الصحيح لأنها يجب أن تعلم الحقيقة الكاملة ثم يترك لها كامل الحرية فى الاختيار.
إما البدأ معه أو البعد.
كان يستطيع بكل سهولة أن يمثل عليها الحب لكن لم يرد أن يكذب عليها.
أراد التعامل معها بكل وضوح دون مراوغة.
لكن بالتأكيد مثلها كمثل أى فتاة تفرح بهذا اليوم.
لكن بيده كسر فرحتها.
يعلم بأنها تبكى لأن مشاعرها حساسة رقيقة تتأثر من أى شئ.
لم يكن لديه حق الاختيار، وضع بمأزق وكان عليه أن يقوم بحله حتى يخرج منه بأقل الخسائر.
قرر أن ينهض ويذهب لغرفته حتى يستريح من أحداث اليوم كله.
يوم الجمعة
بعد صلاة الضهر.
شقة سمير .. فى البلكونة
كانت رؤي تقف تشاهد الناس تسير، بعض الأطفال يلعبون والرجال يسرون لمنازلهم بعدما أنتهوا من شراء طعام الفطور.
صوت الضوضاء كان عالى.
بينما هى كانت تقف تستمع وهى تشاهد الجميع.
منذ الحادثة التى حدثت لها ووالدتها تجبرها ان تلزم الفراش وعدم النهوض إلا للضرورة.
لكن قررت أن تنهض اليوم لأنها شعرت بالملل.
لم تعتاد الجلوس كل هذه المدة.
حتى أنها فكرت أن تعود لعملها مرة أخرى.
تغيبت أسبوع ولا تستطيع ترك العمل كل هذه المدة.
رن هاتفها انصتت لاهتزازه المتكرر.
أخذته من جانبها وجدت حازم من يهاتفها.
أجابت رؤي بإبتسامة مشرقة:
صباح الخير.
أجاب حازم على الناحية الأخرى بإبتسامة:
صباح النور.
عاملة أى دلوقتي.
الجرح أتحسن.
أجابت رؤي بنفس إبتسامتها:
الحمدالله.
لا خلاص بقيت كويسة جدا وهنزل أول الأسبوع الشغل إن شاءالله.
تحدث حازم بإعتراض على حديثها:
لا مفيش شغل دلوقتي.
أنت مبلاقيكش غير أسبوع وعايزة تنزلى.
أردفت رؤي بملل:
لا هنزل.
مبعرفش أقعد فى البيت كتير كدة كويس أن أعدت أسبوع.
أردف حازم بنبرة حازمة:
وأنا قولت مش هتنزلى.
صحتك أهم من اى شئ.
رفعت رؤي حاجبها بتعجب قائلة:
لو سمحت مبحبش حد يأمر عليا حاجة.
اللى أنا عايزاه أعمله بعدين أنا اللى أقرر.
أجاب بنفس نبرته الحازمة:
وأنا مديرك واللى أقوله يتنفذ.
هى كلمة واحدة هتعقدى فى البيت لغاية لما تخفى.
هو مش عشان يومين أتوجعتى والوجع راح خلاص.
أنت من أقل حركة ومجهود هتتعبى ياريت نفكر بعقل شوية.
نفخت بضيق قائلة بغيظ واضح:
أنا عارفة أنا بعمل أى كويس.
أجاب بإبتسامة مستفزة ونبرة باردة:
وأنا كمان عارف هكسر عِندك ده ازاى.
غضبت رؤي بشدة حتى رجعت للخلف بقوة.
لكن ألمها جرحها حتى تأوهت بنبرة عالية.
قلق حازم من صوتها هاتفا بخوف:
مالك فيكى اى.
اتخبطى فى الجرح.
أردفت بغضب رغم ألمها:
أنت السبب عصبتنى.
أى النبرة اللى بتكلمنى بيها دى.
اردف حازم بقلة حيلة من حديثها:
يابنتى أتهدى أنت لسه متوجعة.
بعدين مش أحنا صحاب أكلم براحتى.
هتفت رؤي بغيظ:
صحاب ااه لكن مبحبش الكلام بالطريقة دى.
أجاب حازم ببرود مستفزا لها:
أتكلم براحتى.
لسانى وأنا حر اتكلم بيه.
أجابته رؤي بعصبية بغضب:
يا بااارد.
ضحك حازم بقوة بينما هى تغلى من الناحية الاخرى تضع يديها على الجرح.
هتف حازم بعدما أنتهى من ضحكته:
بالراحة على نفسك عشان جرحك.
ويلا كفاية عليكى كدة جبتيلى صداع.
أجابته رؤي بعصبية:
وأنت باارد.
أنا غلطانة اللى رديت عليك.
سلام.
أقفلت رؤي فى وجه حتى أنها لم تنتظر أجابته وتحدث بغيظ:
بااااااارد.
على الناحية الاخرى .. فى القصر
كان حازم يضحك بشدة بسبب غضبها.
لا يتخيل أن حالهم تغير وأصبحوا أصدقاء.
لو أن أحد قال له لم يكن ليصدق.
قرر أن يذهب لرهف لأنها منذ أمس وهى لم تخرج لغرفتها إلا فى الصباح عندما تناولت الفطور ثم صعدت لغرفتها مرة أخرى.
لذلك قرر معرفة ما يحدث منها.
غرفة رهف
كانت تجلس على الفراش تفكر بما حدث لا تعلم ما قرارها و بماذا ستقرر.
انتشل من دوامة أفكارها صوت طرقات الباب يليه دخول حازم.
أبتسمت تلقائيا بمجرد تواجده.
تحدثت بإبتسامة:
تعالى يا حازم.
تحدث حازم بعدما جلس بجانبها مستفسرا:
عروستى مالها.
من ساعة ما يزن مشي وأنت حالك أتبددل ينفع أعرف السبب.
اجابت بتشتت:
مش عارفه حاجات كتير بفكر فيها.
ومش عارفه أقولك ولا أى.
نظرت له بضياع قائلة:
هو ينفع تنسي أن أنا أختك وهو صاحبك وأحكيلك يمكن أرتاح وتقولى أعمل أى.
أخذها فى حضنه وأردف بهدوء:
من أمتى معملتش كدة.
معودك دايما تحكيلى أى حاجة مهما كانت خطورتها.
أنت بنتى يا رهف مش أختى.
كنت حاسس أن الواد الحلوف دة قالك حاجة.
قررت أن تقص ما حدث بينهم.
بدأت بسرد ما حدث ثم قامت بأخذ تنهيدة قوية بعدما أنتهت.
تحدث حازم بإستفسار:
طيب وأنت أى اللى مضايقك في كدة.
أجابت بضياع حائرة بين أفكارها:
اللى مضايقنى أن أنا بدأت أحبه مش عارفه أمتى وأزاى بس اللى عرفته من أمبارح أن بدأت أنجذب ليه وحاسة أن كل مرة هحبه أكتر.
مضايقة أن حتى لو وافقت مش هيحس بيا ولا بحبى.
مش عارفه اعمل اى هل لو وافقت هل ممكن أخليه يحبنى ولا موافقش ونفضل صحاب عادى بس ساعتها مش عارفه هتعامل ازاى والمشكلة أن كل مرة بنجذب ليه أكتر.
لم تشعر بنفسها إلا وهى تبكى ودموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها.
نظر لها حازم بصدمة من بكائها وتحدث بتفاجأ:
أنت بتعيطى ليه.
شدت من أحتضانه قائلة بنبرة متحشرجة:
مش عارفه أعمل أى.
قولى أعمل أى أول مره أحس بالشعور دة مع أى حد.
ربت على ظهرها صعودا ونزولا حتى هدأت قليلا.
أبعدها عنه ونظر لعينيها ثم أردف بنبرة حنونة:
أولا بطلى عياط بطلى تتاثرى بعياطك وتبقي عاطفية زيادة عن اللزوم.
ثانياً يزن حاسس أن فيه حاجة مش مظبوطة وأنا بحترمه جدا على صراحته رغم أن ممكن تكون طريقة مش لطيفة بالنسبالك لكن صراحته دى هيتبنى عليها حاجات كتيرة دة لو وافقتى طبعا.
المهم أهم حاجة هو راحتك لو عايزة توافقى وتحاربى لحبك وتخليه يغير فكرته ماشي.
لكن لو موافقتيش هتتعبى وحبه هيزيد أكتر ومن أقل كلمة أو ردة فعل هتتأثرى بيها وفى الاخر أنت هتتعبى.
اللى قلبك نرتاحله أعمليه مش عايزاكى تفكرى كتير لأنك هتتعبى وهتغطى على نفسك وممكن تاخدى قرار مش هيريحك.
صلى الاول إستخارة واللى قلبك مرتاحله أعمليه بدون مجادلة وأنا دايما معاكى.
أبتسمت بحب وأردفت رهف:
أنا بحبك أووى.
ضحك حازم ثم أجاب:
منا عارف.
أنا محبوب البنات أصلا.
ضحكت رهف بخفوت ثم قامت بإزالة دموعها تفكر بما ستفعله.
بينما أحتضنها حازم بشدة حتى شعرت بالأمان التى لم تجده إلا معه.
لكن هل حبها ليزن سينمو أم مع لا.
فى شقة مالك
فى المطبخ
كانت تقف تقوم بطهى الطعام حتى سرحت بالأطفال والخلفة.
تنهدد بحزن حتى الان لم تحمل فى أحشائها طفل ينمو بداخلها منذ ما حدث أخر مره ولم يحدث ثانية.
تتمنى بشده أن تصبح أم أن تمتلك طفل تسهر لاجله طول الليل.
قررت أن تتحدث مع مالك مرة أخرى لكن تعرف بأن مثل كل مرة سيهدئها ويخبرها أن الامر لم يحين بعد.
انتشلت من دوامة أفكارها وجود مالك بجانبها.
هتف مالك بتسائل:
هتعملى اى غداء انهاردة.
نظرت له قليلا ثم أجابت:
عاملة رز و بامية و فراخ.
وجدت بان عينيها تخفى عليه شئ.
وجد الحزن يتخلل بداخله تسأل عن حالتها:
مالك.
عينيكى مليانة حزن ليه.
تركت ما بيديها والتفت له بجسدها وأردف بحديثها دفعة واحدة:
عايزة أروح عند الدكتورة أكشف.
لغاية دلوقتى محملتش وانا مضايقة أوى وأنت أكيد نفسك فى ابن.
ها قد تتحدث ثانية حاول الابتسامة حتى نجح ثم أجاب:
يا حبيبتي أنت كويسة وأنا كمان.
كلها مساله وقت بعدين ما أنت كنتى حامل ومحصلش نصيب لو كان فيه حاجة مكنتيش حملتى أصلا.
بلاش تفكرى كتير عشان متتعبيش.
تحدثت بأعتراض على حديثه:
لا مش كل مرة تقولى نفس الكلام.
هفضل كدة لغاية أمتى أنا نفسي أحمل ويبقي عندى طفل العب معاه و أتعب عشانه.
تعصب مالك قليلا لكن أردف بنبرة عادية:
أنا هخرج أحسن عشان متقلبش خناقة.
خرج وهو يشعر بالضيق بكل مرة تتحدث فى نفس الموضوع وبكل مرة يحاول مصابرتها لكن مازالت تفكر وتختلق أسباب وهو بدأ يشعر بالتعب.
يعلم بأنها حزينة وهو أيضا يريد مثلها لكن لكل شئ معاد ولم يحين معاد قدوم طفله.
بكت روضة بعد خروج مالك تريد أن تحمل فى أحشائها وهذه فطرة أمومية لا تعرف كيفية نزعها.
سمعت رنين الهاتف سارت لترى من يهاتفها وجدت رؤي.
مسحت دموعها بيديها وحاولت أن تتحدث بنبرة طبيعية.
أجابت روضة بنبرة متحشرجة من البكاء:
رهف.
أزيك يا حبيبتي.
تعجبت رهف من نبرة صوتها حيث أجابت بتسأل:
روضة مالك.
صوتك فيه حاجة.
ابتسمت روضة بضعف قائلة بنفى:
مفيش يا حبيبتي.
أجابت رهف بإصرار:
لا فيكى حاجة.
صوتك مش طبيعى.
لم تقدر روضة على التماسك حيت اجهشت مرة أخرى بالبكاء.
ختفت رهف محاولة تهدئتها:
طيب خلاص.
أهدى أهدى.
حاولت روضة أن تتماسك قليلا حتى تحدثت بضعف:
معلش نكدت عليك والمفروض نفرح.
أجابت رهف بتهكم:
لا متفرحيش أوى.
عشان أنا تكة وهعيط.
هتفت روضة بقلق واضح:
مالك اللى حصل.
حصلت حاجة أمبارح.
قصت لها رهف ما حدث معها بينما روضة قررت أن تقص لها لعلها تفهمها.
بعد أنتهاء كل واحدة من السرد تحدثت رهف أولا:
متحاوليش تتكلمى كل شوية على موضوع الخلفة.
أنت أم ومن حقك تحسى بالإحساس دة بس هو مش بايده حاجة.
متضغطيش عليه عشان ميولدش انفجار ويحصل مشكلة بينكم كبيرة.
بعدين كشفتوا ومطلعتش فيه حاجة كل حاجة بإيد ربنا.
حاولى متضايقيش وكل حاجة فى وقتها حلوة.
هتفت روضة بإبتسامة:
حاضر يا حبيبتي.
هحاول رغم أنه مش بايدي والله مش بقدر.
وأنت كمان يا رهف فكرى بالراحة يزن أكيد ميقصدش وأكيد زعلان من انه اتكلم بالطريقة دى بس يمكن يكون مضايق.
أقعدى مع نفسك وفكرى بالراحة وربنا يقدم اللى فيه خير.
أجابت رهف بإبتسامة بسيطة:
حاضر.
روحى أنت كملى اكلك.
يلا باى.
أجابت روضة:
باى.
أنهت معها الحديث واقفلت الهاتف ثم أخذت نفس عميق محاولة إكمال ما تفعله لكن قررت قبل ذلك أن تخرج لتصالح مالك.
فى الصالة
كان مالك يجلس على الأريكة حتى تقدمت منه روضة.
كانت تقف أمامه لاتعرف ما تفعل.
جلست بجانبه حتى احتضنته.
لم يبادلها مالك ولم يكلف نفسه أن ينظر لها.
تحدثت روضة بضعف:
أنت عارف أنا نفسي فى طفل وأكيد مش قصدى أضايقك.
لم يتحدث مالك.
ابتعدت روضة عنه ثم ضربته بذراعه هاتفه بحنق:
على فكرة أنا جاية أصالحك مش أسلوب دة.
نظر لها بجانب عينيه حتى رائها تبتسم بسذاجة.
لم يقدر ان يكبح ضحكته من منظرها حتى ضحك بخفوت.
أتسعت إبتسامتها أكثر بينما تحدث هو بعدما ضمها لحضنه:
يا حبيبتي أنا عليكى.
مش عايزك تتعبى ولا ترهقى نفسك وقت ما ربنا يريد هتحملى.
بعدين أنا مكتفى بيكى ومش عايزة حاجة تشغلنى عنك.
قبل فروة رأسها ابتسمت روضة على أثرها هتف مالك بمشاكسة:
يلا يا حبيبتي اعملى الاكل.
الشويتين دول عارفهم بتعمليهم عشان تتهربى من عمايله.
شهقت روضة ثم أجابت بغيظ:
تصدق انا غلطانة أن جيت اكلمك.
أولع يا مالك هروح اشوف الاكل أحسن منك على أقل مفيد.
نهضت بغيظ بينما ضحك مالك بشدة على أثرها يدعو الله بداخله أن يحقق أمنيتهما ويرى ثمرة حبهم تحملها فى أحشائها.
رواية انجذاب الروح الفصل التاسع عشر 19 - بقلم زينب خالد
بعد مرور أسبوع.
في المشفى.
جلس يزن على المقعد في مكتبه بعدما مر على بعض من الحالات التي يشرف عليها. مر أسبوع سريعاً ولم يحدث فيه الكثير، حتى أنه لم يبادر بمصالحة مالك، ولم يتصل حازم ليخبره بقرار رهف. ربما سترفض، ولا يلومها أبداً، لا أحد سيتحمل عمله ولا حياته.
زفر بقوة، مرهق بشدة ويريد أن يأخذ راحة. سمع طرقات الباب، يليه دخول الممرضة. وقفت أمامه ثم هتفت بعملية:
"دكتور التحاليل جهزت والأشعة المطلوبة، ودلوقتي العمليات بتجهز والمريض ساعة ويدخل."
هز رأسه قائلاً بهدوء:
"روحي أنت وأنا جاي وراكي."
هزت رأسها بموافقة ثم غادرت الغرفة. دقق يزن بالنظر على جميع الأوراق وسير الأمور بشكل جيد، وبعد انتهائها خرج متجه للعمليات.
---
في الشركة.
مكتب رهف.
تركت القلم ثم وضعت رأسها بين راحة يديها ورفعت شعرها. ظلت تنظر للأرض بلا هدف منذ أسبوع، وعقلها يعمل، لا تعلم ما تفعله. نفخت وجنتيها بضيق ثم رفعت رأسها مرة أخرى.
تحدثت إيناس محاولة استكشاف حالتها، حيث قالت بإهتمام:
"إيه يا بنتي، مالك فيكي إيه؟ شغالة من الصبح تنفخي، ده لو بتنفخي في شاي كان زمانه برد."
ابتسمت بخفة وأجابت عليها:
"ده انتِ مركزة معايا من الصبح."
أجابت عليها إيناس:
"مركزة إيه بس، ده الشركة كلها عارفة إنك مش طايقة نفسك."
ضحكت رهف بشدة، بينما ابتسمت إيناس حيث قالت بإهتمام:
"هاا يلا قولي، مالك بقي؟ يمكن أعرف أحلك مشكلتك. ولا مش معتبراني صحبتك؟ لا ده أنا أعيط وأبهدلك الدنيا."
أجابت رهف بمشاكسة:
"لا لا، إحنا مش ناقصين عياط."
تكتفت إيناس بإنتصار:
"يبقى تتكلمي على طول، يلا يا حبيبتي عشان متزعليش."
قررت أن تتحدث معها، ربما أن تجد لها حل أو توجها لطريق واضح تستطيع أن تسير عليه. قصت عليها رهف.
أنهت رهف حديثها قائلة:
"بس، وبقالى أسبوع والمفروض أقول قراري."
فكرت إيناس قليلاً ثم أردفت مستفسرة:
"طب هو رافض أنه يحب، يعني مثلاً حب قبل كده ومش حابب التجربة؟ ولا هو أصلاً رافض فكرة الجواز عامة زي ما شباب كتير بترفض لأسباب معينة، أنه مش مقدر مثلاً أو عشان ظروف شغله وخايف يتجوز تتبهدل معاه؟ عادي زي ما ناس كتيرة بتفكر كده. هو إيه نظامه؟"
شعرت بشعور غريب لمجرد ذكر اسمه لأول مرة، يداهمها هذا الشعور لا تعرفه بالتحديد، لكن تريد أن تبتسم تلقائياً، لكن حاولت منع ذلك.
أجابت رهف عليها وملامح وجهها المشرقة التي لم تغفل عنها إيناس:
"لا، هو رافض فكرة الجواز كفكرة نفسها. بعدين مش مشكلة فلوس، ماشاءالله معاه مستشفى كبيرة ده غير شركات الأدوية. هي فكرة بس الجواز، وإن بيقضي يومه كله في شغل بيرجع البيت متأخر وينزل تاني يوم بدري. أنا مش بحبه بس أي مش عارفة أوصف اللي حاسة بيه بالظبط. أنا فعلاً منجذبة بيه، بحب كلامه معايا وهزاره. مجرد ما اسمه ما بيتقال تلقائياً ببقى عايزة أبتسم وإحساس حلو بحسه من مجرد ذكر اسمه. مش عارفة، مش عارفة."
تحدثت إيناس بهدوء وحكمة:
"بصي يا رهف، هو مش معترض على فكرة أنه يحب حد، وده شيء كويس. وفكرة أنه مش حابب يتجوز والحاجات دي، ده عادي معظم الشباب بيعملوا كده وشايفين إنهم صح، بس بييجي عليهم اليوم ويحسوا لا لازم يكون عيلة ويتجوز. أنتِ منجذبة ليه وبشدة وعندك بوادر حب لسه بتنبت في قلبك، محتاجة اللي يراعيها ويحسن معاملتها عشان تبدأ تنمو وتزدهر بشكل رائع. وأنا من رأيي أنك توافقي، تقدري تخليه يحبك، يميل ليكي ببعض أفعال يقدر ينجذب ليكي. موضوع مش سهل ولا صعب، هو بمجرد ما يتعود عليكي وعلى وجودك في حياته، ممكن ساعتها يبدأ يشوفك بنظرة مختلفة غير اللي بيشوفك بيها. فا وافقي وأعملي فترة خطوبة وشوفي الدنيا هتروح معاكي لغاية فين. وكله في الآخر قرارك."
أنهت إيناس حديثها وحاولت أن ترى مدى تأثيرة، وجدت معالم وجه رهف منتبهة لها وبشدة وظهر عليها الاقتناع فيما تقوله.
تحدثت رهف بإبتسامة:
"خلاص هفكر تاني وهشوف هقرر إيه. وشكراً ليكي جداً."
تحدثت إيناس بتذمر:
"إيه اللي بتقوليه ده؟ والله لازعل."
أجابت رهف بنفي:
"خلاص خلاص، أني أسف."
نظرت لها إيناس ثوانٍ وضحك الاثنتان بإستمتاع، بعدها أكملوا عملهم.
---
في المساء.
في القصر.
كان الجميع يجلس حتى تحدث سليمان بهدوء موجهاً حديثه لرهف:
"قررتي إيه في موضوع يزن؟ بقالك أسبوع سايبك تفكري براحتك. لو مش عايزة يا حبيبتي ده قرارك ومستقبلك محدش يقدر يجبرك على حاجة."
نظرت له رهف وعقلها يفكر بتمعن، حتى تحدثت بهدوء وقلبها بدأ بارتفاع دقاته تدريجياً وملامح وجهها متوترة، حيث هتفت محاولة استجماع نفسها وإبعاد توترها قدر الإمكان. أخذت نفس عميق تحاول إجماع الهواء قدر الإمكان ثم تحدثت بهدوء محاولة رسم الابتسامة على شفتيها وقلبها يدق بشدة:
"أنا موافقة."
تهللت وجوه الجميع بسعادة وفرحة عارمة طغت عليهم. احتضنت حنان رهف بشدة، بينما ابتسمت تتمتع بحضنها وحنان تهتف بسعادة:
"مبروك يا حبيبتي، جه اليوم اللي أشوفك فيه عروسة وأفرح بيكي."
هتف رهف بسعادة وراحة غريبة تغمرها:
"الله يبارك فيكم."
نهض واتجه لها سليمان، جلس بجانبها على ناحية أخرى من حنان. يحضنها بحنان ثم قبل رأسها حيث قال:
"مبروك يا حبيبتي. ولو في أي وقت حسيتي إنك مش قادرة تكملي قولي وأنا هنهي كل حاجة."
أجابت رهف عليه بينما تستمع بدفء حضنهم:
"مهما حصل ومهما ذهب سيظل دفء حضنهم الوحيد من يحتويها. ربنا يخليك ليا، وتفضل معايا طول العمر متحرمنيش من وجودك أبداً."
تحدث سليمان لحازم مبتسماً:
"اتصل بي يزن وأديني أكلمه."
قام حازم بمهاتفة يزن، وضع الهاتف على أذنه ينتظر الرد. دقائق حتى سمعه يجيب بنبرة هادئة:
"حازم، عامل إيه؟"
ابتسم حازم ثم أجاب عليه:
"الحمد لله، أنت أخبارك إيه؟"
أجابه يزن بنفس نبرته:
"الحمد لله كله تمام."
تحدث حازم قائلاً ونبرة الفرحة ظاهرة بنبرته:
"بابا عايز يكلمك، خده معاك."
توتر يزن قليلاً، عرف بأنه سيخبره بقرار رهف. حاول أن يستجمع نفسه، يعرف بأنها سترفض وما قاله صعب على أي حد. استجمع نفسه بينما تحدث سليمان بفرحة لم ينتبه لها يزن:
"أزيك يا بني."
تحدث يزن بإبتسامة بسيطة:
"الحمد لله، حضرتك عامل إيه."
أجاب عليها سليمان:
"والله أنا جايبلك أخبار حلوة."
أجابه يزن قائلاً:
"خير إن شاء الله."
تحدث سليمان بنبرة صارمة مزيفة:
"ألاقيك قدامي يوم الجمعة الجاية الساعة 8. اتأخرت عن كده أحنا هنلغي الجوازة."
عرف يزن بأنها وافقت، رغم أنه تعجب بشدة على موافقتها برغم من موقفه، لكن ابتسم بإتساع هاتفاً لسليمان بمزاح:
"متقلقش 8 بالدقيقة هتلاقيني لازق قدام الباب."
ضحك سليمان ثم هتف:
"مبروك يا حبيبي."
أجابه يزن:
"الله يبارك في حضرتك."
بعد ما انتهت المكالمة، حضن حازم أخته داعياً بداخله بأن يكمل سعادتها على خير، بينما هي تشعر بالسعادة بداخلها وابتسامة رائعة مرسمة على شفتيها. جلست معهم قليلاً ثم استأذنت بأن تصعد لغرفتها قليلاً. صعدت لغرفتها، فتحتها ثم داخلت متجهة لفراشها تنام عليه، بينما تنظر للأعلى بشرود.
ارتسمت على شفتيها تفكر هل لو كانت لم توافق عليه هل ستشعر بنفس السعادة أم أن مجرد ذكر اسمه هو من يجلب السعادة لها. تفكر ما سيحدث وكيف ستسير علاقتهم، هل ستقدر على أن تجعله يحبها مثلما بدأت بالفعل. سعيدة بشدة تتخيل خاتمه الذي سيزين أصابعها الرقيقة. نظرت ليديها متخيلة وجوده. دقات قلبها التي لم تهدأ مجرد شعور بأنها سترتبط به تفرح. تتخيل وحبها يزداد تجاه، لم تعرف معنى الحب من قبل ولم تختبره، لكن متأكدة بأنه شعور رائع، قليل فقط من يشعر بلذته وحلاوته. وخلدت للنوم وعقلها يفكر وابتسامة لم تزول أبداً من على وجهها.
---
شقة يزن.
في غرفته.
يفكر فيما قاله سليمان، لم يتوقع أبداً بأنها ستوافق. كان يتوقع برفضها بعد ما تحدث به، لكن يعترف بأنها فاجأته بقرارها، لكن رغم ذلك ابتسم متذكراً حديثهم وكم كانت تلجأ له عندما تشعر بالضيق. لم يتحدثوا منذ فترة، لكن ها سيعودون، لكن بهيئة مختلفة وبلقب تحول من صديقته لحبيبته وزوجته المستقبلية. لم يتوقع بأن هذا سيحدث وأن في نهاية المطاف تنتهي بقرابة كالمحبين.
شتم مالك بنبرة غاضبة، لو لم يتحدث لما حدث كل هذا. يعلم بأنه خائف عليه ويقدر ما يفعله، لكن أن يقرر قرار يغير مسار حياته، هذا غير مقبول بتاتاً. لا يعلم كيفية مسامحته، لا يستطيع خاصة كلما يتذكر ما حدث.
أخذ نفس عميق يملئ به صدره بالكامل ثم زفره على مراحل. أرهق بشدة من كل شيء، من عمله، من حياته. يريد أن يأخذ إجازة من كل شيء، أن يبعد عن الجميع، يجلس وحيداً دون مهاتفة أحدهم. يتمنى لو والده على قيد الحياة، لكانت حياته أفضل من هذه. تعب كثيراً ويتمنى أن يجد الراحة الكاملة، أن ينال قسط من راحة ثم يعود لحياته مرة أخرى مليئاً بالحيوية والنشاط التي كان الجميع يحسدونه عليها.
ابتسم بوجه خالٍ من التعبيرات، ابتسامة بلا روح. يشعر بأنه وحيد دائماً، تظل هاجس بأن لا أحد سيتحمله ويتحمل عمله الذي يأخذ يومه بالكامل. لذلك كان يرفض أي محاولة للاقتراب من أي فتاة لأنه يعلم نهاية ما سيحدث. شعر بالصداع فجأة بسبب تزاحم الأفكار برأسه، تألم بخفوت من كثرة الألم الذي داهمه فجأة. قرر أن يخلد للنوم، لعلى يفيده محاولة إزالة أي أفكار وتساؤلات لوقت آخر.
---
في الساعة السابعة صباحاً.
شقة سمير.
غرفة رؤى.
كانت تقف أمام المرآة تهندم ملابسها، ثم قامت بتمشيط شعرها حيث لمته على هيئة ذيل حصان. نظرت مرة أخرى قبل أن تلتفت، حيث أخذت حقيبتها وهاتفها وحافظة الأموال، وضعتها بحقيبتها، ثم خرجت من الغرفة.
في الصالون.
خرجت من غرفتها، كان الجو هادئاً، حيث كان والدها ووالدتها في سبات عميق. سارت للمطبخ حتى تقوم بعمل سندوتش لها، تناولته ثم اتجهت للخارج مرة أخرى. أرتدت حذائها ثم أخذت حقيبتها وخرجت من الشقة متجهة للمكتب المحاماة الذي تعمل به.
---
في مكتب المحاماة.
دَلفت رؤى لمكتبها بعدما سلمت على الجميع وطمنتهم على صحتها. نظرت له حقاً، اشتاقت له، كأنها بعدت عنه كثيراً وليس أسبوع. قطع لحظة تأملها دخول الساعي هاتفاً ببسمة بشوشة.
تحدث إبراهيم:
"صباح الخير على ست البنات، نورتي المكتب، الدنيا كانت مظلمة من غيرك."
ابتسمت رؤى بإتساع حيث قالت بمزاح:
"نورك يا عم إبراهيم لوحده كفاية، كده ممكن من النور الزيادة المكتب ينفجر."
ضحك إبراهيم بإستمتاع حيث أجاب:
"حمد الله على سلامتك، بقيتي كويسة؟ مش قولتلك خلي بالك من نفسك."
أجابت رؤى بإبتسامة:
"عمر الشقي بقى، الحمد لله إنها جت على قد كده."
تحدث إبراهيم:
"الحمد لله، بس تاخدي بالك الناس بقت وحشة والكل بقي بيفكر إزاي يأذي اللي قدامه."
أجابت رؤى بإبتسامة بسيطة:
"ربك يسترها، ادعيلي وكل حاجة على الله."
أجاب إبراهيم عليها:
"ربنا يسترها معاكي ويوفقلك الولاد الحلال. أسيبك عشان تشوفي شغلك وأجبلك النسكافيه بتاعك."
تركها إبراهيم حيث خرج من المكتب، بينما هي وجدت قضية موضوعة على مكتبها، استعانت بداخلها وبدأت في العمل. بعد أربع ساعات أتت رسالة من الشركة من السكرتيرة الخاصة بها تخبرها بضرورة حضورها للشركة. نهضت بجسدها ثم لمّت الأوراق، وضعتها في حقيبتها وغادرت سريعاً متجهة للشركة.
---
الشركة الاستيراد والتصدير.
دلفت رؤى للشركة بخطوات واثقة. وقف الجميع حولها يطمئن على صحتها، طمنتهم بإبتسامة ممتنة لهم. بعد قليل تركت الجميع واتجه كل واحد منهم لعمله، بينما هي أخذت المصعد لتصعد لمكتبها. دقائق حتى وقف المصعد، فتح الباب ثم خرجت منه. سارت حتى رأتها السكرتيرة، حيتها ثم سارت خلفها ودلفا للمكتب.
في المكتب.
جلست رؤى على المقعد. تحدثت السكرتيرة بإبتسامة:
"حمد الله على سلامة حضرتك."
أجابتها رؤى بنفس الإبتسامة:
"الله يسلمك، إيه بقي الضروري اللي كان لازم أجيله؟"
تحدثت السكرتيرة بجدية:
"في شركة أخدت معاد مع مستر حازم وهتيجي بعد ساعة، ولازم حضرتك تكوني موجودة عشان العقود."
أجابت رؤى بنبرة هادئة:
"ماشي، قبل الاجتماع بلغيني."
هزت رأسها بموافقة ثم غادرت الغرفة، بينما أخرجت رؤى الأوراق من الحقيبة وأكملت باقي عملها عليهم.
---
بعد ساعة.
غرفة الاجتماعات.
أخبرت السكرتيرة رؤي بأن الجميع بدأ بالتجمع وعليها الحضور. دلفت رؤى بإبتسامة واثقة حيث تحدثت:
"السلام عليكم."
أجاب الجميع عليها:
"وعليكم السلام."
هز حازم رأسه مع إبتسامة خفيفة يحييها على رجوعها. ابتسمت بالمقابل رؤى، ثم بدأ حازم حديثه بملامح جدية قائلاً:
"يلا نبدأ."
بدأ الرجل بالحديث مع محاولة استمالته للموافقة على التعاقد. كانت رؤى تنصت لحديثه بإهتمام، وبعدما انتهى من حديثه بدأت بإضافة بعض التعليقات ودار الحديث بينهم، يشاركه حازم كل فترة وثانية.
بعد ثلاث ساعات.
خرج الجميع بعدما اتفق حازم معه على معاد لإمضاء العقد معهم. تحدث حازم بإبتسامة بعدما غادر الجميع:
"حمد الله على السلامة، بردوا صممتي ونزلتِ."
ضحكت رؤى بهدوء ثم قالت:
"الله يسلمك، مبعرفش أقعد في البيت كتير، أنا واخدة على النزول والحركة."
أجاب حازم بهدوء:
"إيه معرفتك بالرجل ده واللي يخليه يضربك؟"
تحدثت رؤى بتوضيح:
"ده واحد مينفعش لقب راجل يتقال عليه، ده اسمه في البطاقة ذكر مجرد لقب مش أكتر. مراته جاتلي عشان تستنجد بيا، فاكر إن الرجولة بالضرب وإنه كده يبقى كاسر عينها. بس هي مقدرتش تستحمل وعندها ولاد ومش عايزة يعيشوا حياة صعبة، ساعدتها إنها تتطلق منه. وهو محروق عشان أخدت منه حقوقها وإن كل شهر يدفع نفقة العيال. وأنا صعبت عليا واللي حصلها ده محتاج الحرق ميت عشان يبقى عبرة لأي حد يفكر يعمل كده. قدرت أجبلها شقة وشغل تقدر تصرف بيه على عيالها وبحاول أساعدها."
تحدث حازم قائلاً:
"مبقاش فيه راجل بجد، كل واحد فاكر نفسه فتوة على الناس. جايبين عار علينا وعلى الرجالة الكويسة. كويس إنها جت على قد كده، ويا ريت تاخدي بالك."
أجابت رؤى بهدوء:
"الحمد لله."
أردف حازم بجدية:
"ابدئي جهزي العقود ولما تخلصي قوللي نتفق معاهم على ميعاد."
هزت رأسها بموافقة قائلة:
"ماشي، هستأذن عشان أكمل شغلي."
نهضت بجسدها ثم اتجهت للخارج، بينما نظر حازم لها وهي تخرج. ثم اتجه برأسه مكان جلوسها شارداً بها وعلى وجه ابتسامة خفيفة. تعجب قليلاً مما ينظر له، لكن بداخله يثني عليها وعلى حبها لعملها. بل يعجبه أيضاً إصرارها الدائم عن العمل. ابتسم على هيئتها، فتاة رائعة بما تحمله من معنى، واثقة، جادة، تحمل جميع الصفات الجيدة. هنا عرف لما أصر سمير على تعيينها، أنه ممتن حقاً بمعرفته بها.
رواية انجذاب الروح الفصل العشرون 20 - بقلم زينب خالد
شعور غريب لكنه رائع.. سعادة وخوف وتوتر، جميعها مشاعر تبعثرني من الداخل. هل يمكن بأن أكون أحببته حقًا؟ لا أعلم، لكن شعوري تجاهه يختلف عن شعوري لأي أحد. كلما رأيته كلما زاد انجذابي. أحببته أم لا لا أعلم، لكن انجذابي له انجذاب روحاني يشدني بشدة تجاهه.
***
شركة الأدوية.. مكتب يزن.
يجلس على المقعد أمامه الأوراق التي يقوم بدراستها لتصدير الأدوية لبعض الدول في الخارج. سمع طرقات الباب. سمح يزن للطارق بالدخول. فتح الباب وظهر مالك وشفتيه تحمل ابتسامة خفيفة. أقفل الباب خلفه وسار حتى جلس على المقعد أمام يزن. لم يكلف نفسه أن يرفع رأسه له، بل أكمل ناظرًا للأوراق بتركيز.
تنهد مالك بألم على ما وصلا له.
"هتفضل كده لحد أمتى؟ أنا بعترف إني غلطان وإنه مكنش ينفع أعمل اللي عملته. بس أنت يا يزن عمرك ما كنت هتتحرك طول ما اللي أنت بتفكر فيه ده عمرك ما هتتقدم. أنت شايفه إنه غلط، لكن بص كده من جهة تانية لو فضلت قاعد كده هتفضل لغاية أمتى؟ ياما شباب ظروفها أسوأ منك ويدوبك مرتبهم اللي جاي قد اللي رايح وشغال ليل ونهار، بس كل ده يهون لما يرجع بيته يلاقي حبيبته مستنياه مجهزة هدومه مهتمية بأكله. ابنه أول ما يدخل يجري عليه يحضنه. أنت بقى إيه اللي منعك؟ ما شاء الله معاك مركز وفلوس وسلطة، إيه السبب اللي يمنع بقى؟ مفيش. أنت غلطان ومش عايز تعترف. ولو أنت مش عارف مصلحتك فين أنا اللي هجبرك عليها. فا براحتك بقى تعمل اللي أنت عايزه، خلاص هتخطب ولو مش عايز تتكلم مش مهم، أخرنا هتبقى علاقة شغل وربنا يوفقك."
نهض مالك بجسده وعينيه غامت عليها الألم والحزن على ما توصلا له. أخرج تنهيدة قوية واتجه بجسده للخارج متجهًا لمكتبه، عازمًا على عدم التحدث معه مرة أخرى. ترك له حرية الاختيار، لكن قلبه يؤلمه على فراق أعز شخص لديه. لاحت على ذاكرته جميع ذكرياتهم. نامت على شفتيه ابتسامة بها حنين لما مضى وعلى أيام كانت بعيدة كل البعد عن المشاكل ودوامة الحياة التي تسحب الإنسان دون أن يشعر.
جلس على مقعده في المكتب بإرهاق، ليس نادمًا على ما فعله. حتى لو رجع بالزمن للخلف قليلاً سيفعل ما فعله ولن يندم عليه أبدًا.
بينما على الجانب الآخر، ترك القلم سريعًا من يديه بعدما خرج مالك من المكتب. غامت عينيه بالألم الشديد لدرجة شعوره بلا شيء. غامت على زرقة عينيه كسحابة منعت ضوء الشمس من الإنارة. لا يقدر أبدًا على حزنه. مهما فعل سيظل أقرب ما لديه. يكفيه بأنه وقف بجانبه في أصعب أوقات التي مر بها، خصوصًا عندما مات والده الذي كان يعيش لأجله فقط، لكن استكثر وجوده معه ورحل بعيدًا عنه وذهب لوالدته، لكن ترك خلفه شابًا في أمس الحاجة للحنان والحضن الدافئ عندما تضيق به الدنيا. وقف بجانبه بكثير من حياته. لم ينس محاولته التي كانت فاشلة في انتشاله من قوقعة الحزن التي فرضها على نفسه. معه الحق في كل كلمة تحدث بها، لكن إلا هنا وكفى. سيذهب له ويصالحه.
نهض من على المقعد وخرج من مكتبه إلى مكتب مالك بخطوات سريعة كي يصالح.
***
في مكتب مالك.
كان مالك شاردًا في مكان آخر. لم ينتشله من شروده إلا فتح الباب بقوة يليه دخول يزن وعينيه مليئة بالرجاء والحنين له. أقفل الباب خلفه. بينما أخرج مالك زفيرًا. تقدم منه يزن وجلس على المقعد أمامه.
"مين واخد عقلك يا بيضة؟ شكلك بتفكر إزاي تنتقم مني؟ هل بتفكر تفك فرامل عربيتي ولا تأجر حد يجي البيت يقتلني؟ بص هو طرق كويسة للقتل، لكن للأسف أنا لسه في عز شبابي مش عايز أموت دلوقتي."
"عايز إيه؟"
"انت تعرف عني كده؟ يعني مينفعش أجي أسأل عليك؟"
نهض يزن بجسده واتجه لمالك، بينما ينظر له وعينيه مليئة باستفسارات من نهوضه المفاجئ. حضنه يزن بقوة وعلى شفتيه ابتسامة. تفاجأ مالك من الحركة حتى أنه لم يبادله، لكن دقائق ورفع يديه يحتضنه بحنان صديق. ابتعد عنه يزن هاتفًا بمرح:
"لالا.. عمال تحضن فيا كده لو حد دخل علينا يقول إيه؟"
قذف مالك بقلم كان على مكتبه، بينما يزن تأوه بخفوت بسبب القلم. جلس يزن مكانه مرة أخرى ثم تحدث بجدية تنافي مرحه منذ ثوانٍ:
"الموقف اللي اتحطيت فيه زي ما بنقول كده موقف مصيري بيتحدد على أساسه حاجات كتير أوي. والاجبار والمفاجأة بتاعة الموقف خلتني أحس إن الدنيا اتقفلت في وشي. مبحبش أن أتجبر على حاجة أنا مش مقتنع بيها. لكن أن الحركة دي تيجي منك أنت مكنتش أتوقع أبدًا. لكن رغم كده مقدرش أفضل زعلان منك كل ده. بعدين أنت متعرفش أصلاً تعيش من غيري."
"يزن اطلع بره عايز أشتغل. غور من هنا."
"قال معرفش أعيش من غيره."
ضحك يزن بإستمتاع شديد ثم تحدث:
"صحيح عمو سليمان كلمني ورهف وافقت رغم إن كنت متوقع إنها ترفض."
أشرقت ملامح مالك حيث ارتسمت معالم الفرحة على وجهه، لكن توقف مالك قليلًا ثم تحدث باستغراب:
"يعني إيه كنت متوقع إنها هترفض؟ أنت قلت لها حاجة تخليها ترفض؟"
زفر يزن بهدوء ورفع حاجبه معًا. هنا علم مالك بأنه تفوه بالكثير، قام بشتمه بداخله، بينما ابتسم بلا مرح قائلاً بغيظ:
"قولت إيه للبت يا يزن؟ أخلص، عملت إيه؟"
قص عليه يزن ما حدث. ومع كل كلمة كانت أعين مالك تتسع من هول المفاجأة، حيث هتف مالك بغضب بعدما انتهى يزن:
"إيه اللي أنت هببته ده؟ حد يقول لحد كده؟"
"أمل عايزني أقولها إيه؟ أنا بحبك ومش قادر أعيش من غيرك. بعدين متنساش أنت السبب في كده وأنا رهف مفيش ليا أي مشاعر ناحيتها مجرد أصدقاء عادي زي أي صحاب مفيش أكتر من كده."
"اطلع بره يا يزن.. اطلع عشان مش عايز يجيلي الضغط بسببك."
ضحك يزن قائلاً:
"أنا قولت الحقيقة عشان تبقى علاقتنا واضحة فيها كل حاجة. ومتنساش هنروح يوم الجمعة نقرأ الفاتحة ونتفق بقى. آآه وحاجة تانية أنا عازم نفسي عندكم إنهاردة وحشتني ملكة الجمال."
نهض يزن سريعًا بعد حديثه خوفًا من غضب مالك، بينما مالك غضب منه بشدة على ما اقترفه بـ رهف، لكن رغم ذلك سعد برجوع علاقتهم مرة أخرى.
***
منزل مالك.
كانت روضة تجلس على الأريكة وعينيها مليئة بالحزن، تنظر حولها تتمنى لو كان لديها طفل من مالك. كل مرة تتحدث بها معه يقوم بإغلاقه متعللًا بأنه لا يوجد ما يمنعهم ويجب أن تنتظر، لكن حقًا تعبت من كثرة الانتظار. تجمعت الدموع بعينيها، لكنها ظلت حبيسة بعينيها. انتشلها رنين هاتفها. نظرت له وجدت رهف. مسحت دموعها بيديها ثم أجابت على الهاتف محاولة أن تكون نبرة صوتها طبيعية.
"إزيك يا دودو.. وحشتني كتير كتير."
ابتسمت روضة بضعف قائلة:
"لو كنت وحشتني كنتي سألت."
استغربت من نبرة روضة، هتفت رهف باستفسار:
"مالك.. مال نبرة صوتك مش عجباني.. حصلت حاجة؟"
تجمعت الدموع بعينيها مرة أخرى، وهذه المرة بكت بشدة. لم تستطع أن تصمد أكثر من هذا. ظلت تبكي بشدة، بينما هتفت رهف بخوف على بكائها:
"روضة.. روضة.. مالك بتعيطي على إيه؟"
لم تجب عليها، بل بكاؤها زاد أكثر. عرفت بأنها غير واعية لحديثها. ظلت معها على الهاتف تحاول تهدئتها، بينما روضة يزداد بكاؤها أكثر. بعد فترة تماسكت روضة قليلًا وقامت بإزالة الدموع من وجنتيها. تحدثت لرهف بنبرة ضعيفة:
"معلش يا رهف."
أجابت رهف بنبرة حنونة:
"مالك اللي حصل.. اتخانقتي مع مالك؟"
نفت رأسها كأنها تراها، قائلة بنبرة تملؤها الحزن:
"لا.. بس أنا نفسي في ابن أوي وكل ما أكلم مالك يعقد يقفل على الموضوع ويقولي لو ربنا أراد هيبقى عندنا.. بس أنا مش قادرة نفسي يكون عندي ابن لغاية امتى هنتستنى... ولما أقوله نروح لدكتورة آخر مرة مردش عليا وسابني ومشيت."
"يا حبيبة قلبي أكيد مالك خايف عليك. أنا فاهمة إنك كأي ست نفسها تكون أم ويكون عندها عيال من الراجل اللي بتحبه. لكن ربنا لسه مرادش وكل حاجة في معادها حلوة. مضايقيش مالك عشان الراجل لما ست تفضل تزن عليه في موضوع بيجي فترة عليه وهيزهق وساعتها تيجي تعيطي عشان مالك بقى يبعد عنك. لو أنت حابة تكشفي تعالي نشوف يوم ونروح لأي دكتورة بعد ما أخلص شغل. بعدين أنت جاية تنكدي عليا وأنا فرحانة."
قامت بإزاحة دموعها بعدما همرت مرة أخرى على وجنتيها، حيث تحدثت باستفسار:
"ليه اللي حصل خلاكي فرحانة كده؟"
"وافقت على يزن وهتيجوا يوم الجمعة ونقرأ الفاتحة."
أجابت روضة بسعادة حقيقية وحالها تبدل من الحزن إلى الفرح بعد سماعها هذا الخبر:
"مبروك يا رهف.. مبروك يا حبيبة قلبي.. بس إيه هي الصنارة غمزت؟"
ضحكت رهف بخجل، بينما أجابت روضة بتسلية:
"الله.. الله.. كده السكوت علامة الرضا.. وده حصل إمتى؟"
"بطلي بقى.. بعدين مش غمزت ولا حاجة أنا منجذبة ليه مش أكتر."
"منجذبة بردك.. عليا أنا الكلام ده.. هاتي من الآخر يا رهف."
نفخت وجنتيها بضيق ثم تحدثت:
"مش هخلص أنا منك أنا عارفة.. أنا منجذبة به شعور أول مرة بحس بيه مش قادرة أحدد بالظبط بس ببقى فرحانة أول لما اسمه يتذكر بحس إن قلبي دقاته بتعلى. منجذبة ليه أوي."
لكن تحولت نبرة سعادتها لحزن:
"مش بيبادل حتى ده."
"ليه اللي حصل؟"
قصت لها رهف ما حدث بينهم ونبرتها يشوبها الحزن لمجرد تذكرها لحديثه. تبدلت فرحتها لعبوس.
"بصي يزن مجربش إنه يدخل في علاقات حياته كلها مقتصرة على الشغل وعلينا. بعدين أنت متعرفيش حصله إيه؟ طبيعي إنه يقولك كده. بعدين ميعرفش مشاعرك ناحيته صح؟ مجرد أصدقاء لسه."
"لا ميعرفش إن أنا منجذبة ليه. الموضوع ده اتضح لما جه اتقدملي. بعدين بقالنا كتير أوي متكلمناش أصلاً من ساعة لما اتقدملي والكلام ما بينا منعدم. مش عارفة أعمل إيه متلخبطة أوي."
"سيبى الموضوع يمشي لوحده وسيبى نفسك. أنت دلوقتي منجذبة ليه بشكل كبير وممكن زرعة الحب جواكي ابتدت تطلع وهتنمو عشان كده متستعجليش. ويزن إنسان كويس، هو بس ظروف شغله صعبة وضغط الشغل بيخليه حد تاني. لكن ده شئ طبيعي لكل الرجالة.. طالما أول شئ تحسيه معاه يبقى جربي كل حاجة مجربتهاش. وبعدين أنت جميلة داخليًا وخارجيًا وأنا متأكدة إن يزن هينجذب ليكي."
"يارب أتمنى هذا. المهم متعيطيش واتكلمي مع مالك بهدوء وأي حاجة كلميني."
"حاضر.. هسيبك تكملي شغلك.. باي."
"باي."
أقفلت معها المكالمة ثم وضعته على المكتب. ابتسمت رهف وشيء بداخلها ارتاح قليلًا بعد حديثها مع روضة، حتى أن الصراع بداخلها هدأ قليلًا كأن حديثها جاء كمسكن لبعض الألم والحزن بداخلها. تنهدت تنهيدة عميقة وعقلها يفكر بما هو قادم.
***
مكتب يزن.
جلس على المقعد بعدما أتى من مكتب مالك وعادت العلاقة بينهم كما هي. ابتسم يزن بسعادة حقيقية. كأنه يوجد ما كان يمنع سعادته وراحة باله. بينما لاحت على عقله رهف. منذ وقت طويل لم يتحدثا. لا يعلم ما سيفعله بما هو قادم، لكن فكر قليلًا للحديث الذي دار بينه وبين مالك. يجب أن يغير مسار تفكيره ويعيد حساباته من البداية. فكر قليلًا بـ رهف. لا يعلم ما هي بالنسبة له. لا توجد أي مشاعر تجاهها، لكن سعيد بصدقتها. شرد قليلًا بها وبشخصيتها، أنها رائعة تجتمع فيها الصفات التي تجذب أي شاب لها. رقيقة.. طيبة القلب.. ناعمة.. كأن صفات الأطفال تشكلت على هيئة أنثى مكتملة. لا يعلم كيف ستسير علاقتهم، لكن يعلم بأنه وقع على اختيار رائع من جميع الجهات.
أخذ هاتفه وقام بمهاتفة روضة. سمع صوتها حتى هتف بمزاح:
"كده تنسيني كده بعد ما غدرتي بيا؟ نسيتي يزن خلاص؟"
"بيتي هيتخرب بسببك.. ابقى فكرني أعملك بلوك أو أقولك أحلى ادخل مالك معانا في المكالمة.. مش هتبطل أبدًا."
ضحك يزن بإستمتاع شديد، بينما أجاب:
"والله أنت خسارة فيه.. ميستهلش."
"باين عليكم اتصلحتوا.. طالما مش طايقه كده."
هز رأسه بإيجاب قائلاً ويديه اليسرى تلعب بالقلم:
"آه لسه من شوية قولت كفاية كده مش حاجة زي دي اللي هنخسر بعض عشانها.. إحنا أقوى من المخدرات."
دوت ضحكتها في المكالمة حيث هتفت من بين ضحكتها:
"يابني حرام عليك مش هتبطل أبدًا.. هدأت قليلًا ثم أردفت: هو عايزك سعيد في حياتك اللي بتضيعها بغبائك دي. بعدين أنت تطول تاخد واحدة زي رهف."
ضحك ساخرًا، بينما أردف بسخرية:
"أدينا ابتدينا في شغل البنات بقى.. تتصاحبوا ويجي على دماغي أنا.. المهم في اللحظة السعيدة دي هفرحك ومتعمليش أكل إنهاردة وأجيب أكل إنهاردة وأنا جاي لأن عزمت نفسي عندكم."
سعدت روضة كالطفلة الصغيرة، حيث أجابت بحماس كبير:
"هتجيب أكل إيه؟ أستنى أفكر تجيب إيه."
"ده أنت المفروض تتكسفي وتقولي هعملك أنا الأكل.. تفكري عايزة تاكلي إيه؟ ستات آخر زمن الصراحة."
لم تعره أي انتباه، بل تحدثت قائلة ببعض الحيرة:
"بص مش عارفه.. هات على ذوقك."
ابتسم يزن حيث أردف:
"حاضر.. يلا كفاية كده عشان عندي شغل.. سلام."
"سلام."
أقفل معها المكالمة وضحك بخفة، ثم هيأ نفسه لاستكمال عمله. أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره وبدأ في قراءة الأوراق باهتمام شديد.
***
في الساعة الخامسة.
فتح الباب يليه دخول مالك خلفه يزن يحمل بعض الأكياس بيده. كانت روضة تجلس على الأريكة تشاهد التلفاز. نهضت واتجهت ناحيتهم. احتضنها مالك، دول خجل من وجود يزن، بينما يزن ابتسم بحنان لهم ولعلاقتهم. خجلت روضة من وجود يزن، بينما قبل مالك جبينها بحب هاتفًا:
"عاملة إيه؟"
ابتسمت روضة بخجل ووجنتيها زينت ببعض الحمرة:
"الحمدلله.. حمد الله على سلامتكم."
نظرت خلف مالك حتى أخذت الأكياس من يزن ونظرت بفضول داخلها. هاتفت ليزن بإنشغال:
"ازيك يا يزن؟"
"ما خلاص خلصتوا فقرة الحب بتاعت البيه.. تشوفوا الأكل فين بقى.. طب حتى اهتموا باللي جايب الأكل."
رفع مالك حاجبه بتهكم قائلاً:
"وتتأهم بيك بتاع إيه.. ولااا اطلع برة البيت."
أخذ يزن أكياس الطعام الساخن التي ملأت رائحته المكان هاتفًا بغضب:
"تصدقوا أنا غلطان إني أجبلكم حاجة.. أروح أنا آكل وخلي فقرة حبكم تشبعكم."
خطفة روضة الأكياس وهتفت بضيق:
"أنت عامل صداع ليه؟ هتذلنا عشان جبت أكل؟ روح شوفلك مكان تقعد فيه."
دلف للمطبخ لتضع الأكل في الأطباق، بينما لاحظ يزن لمعة حزن بعينيها. سار حتى جلس على الأريكة وهتف لمالك الذي جلس بجانبه يشرب كوب الماء الموضوع على المنضدة، حيث تحدث باستفسار:
"روضة مالها.. تحس في حاجة مش طبيعية.. اتخانقتوا؟"
ترك مالك الكوب من يديه ثم تنهد بإرهاق حيث أجاب:
"لا مضايقة بسبب موضوع الخلفة.. وأنا تعبت معاها في الموضوع. هي معتقدة إن مش عايزها تخلف وأنا نفسي في عيل زيها ويمكن أكتر، لكن هنعمل إيه؟ وخايف تروح تكشف تعرف حاجة تزعلها وأنا مقدرش أشوفها وهي زعلانة على أقل وهى زعلانة كده أفضل ما تزعل بسبب وجود مشكلة."
"معلش أستحمل عشانها وشوف اللي هي عايزاه وأعملهولها. هي كده مش هترتاح ولو فاكر إنك كده بتحاول متزعلهاش هتفهم الموضوع غلط. أي حاجة ممكن تمشي إلا موضوع الخلفة بيبقى حساس عند أي ست.. حلو مشكلتكم متخلوهاش أكبر من كده وتعالى على نفسك معلش." ثم أكمل بغضب وارتفعت نبرة صوته حتى تنصت لحديثه: "بعدين أنت متقدرش تيجي جمبها. أنت فاكر إنها لوحدها دي وراها يزن الشرقاوي ويزن مش أي حد، فـ تتلم أحسنلك."
بالداخل ابتسمت روضة بفرحة، حيث أخذت الأطباق وخرجت كي تضعهم على المنضدة، حيث تحدثت ليزن بامتنان:
"ربنا يخليك يا يزن ويسعدك زي ما بتعمل معايا.. حتى هتفت بمغزى لأن اللي معايا مغلبني."
ابتسم يزن بحنان حيث أجاب عليها:
"تسيبي البيت وتمشي وتيجي بيت أخوكي؟"
رغم أنها جاءت لهذه الدنيا وحيدة لم تحظى باهتمام ولم تجد من يراعيها حتى وجودها في الدار لم تحظى بأي صديقة تساندها دائمًا، حتى دخولها للجامعة من هنا اختلفت جميع المعايير، خاصة عندما اقتحم مالك حياتها. كانت تعتقد بأن الحياة تمنحها فقط السيء منها، لكن مع وجود مالك علمت بأنه كان اختبار العيش في السيء والنجاة منه للأفضل. وهنا اكتسبت أشخاص جدد في حياتها كـ زهرة ويزن التي ممتنة جدًا لوجودهم في حياتها.
"روضة دي روحي من غيرها أموت.. مقدرش على زعلها أبدًا."
"طب يلا عشان بعد كلمتين الحب معدتي وجعتني وأنا عايز آكل."
ضربه مالك بمرفقه على بطنه بقوة حتى تألم يزن بخفوت، بينما ضحكت روضة عليهم، لم ولن ينتهوا أبدًا من خناقتهم كأنها تجلس مع طفلين. جلس الجميع حول المائدة وشرع الجميع بتناول الطعام.
***
يوم الجمعة.
غرفة رهف.
تجلس رهف على المقعد أمام المرآة، بينما روضة تقف أمامها تضع لها مستحضرات التجميل.
"رهف.. اهدى شوية توتر مش عارفة أعمل حاجة."
"مش عارفة.. متوترة أوي."
"كل ده وقراية فاتحة واتفاق أمل لو يوم الخطوبة هتعملي إيه؟"
"مش هحضر أصلًا."
ضربتها روضة بذراعها.
"حرام عليك."
"بنت اتهدي عشان شوية وهضربك حقيقي."
أكملت روضة باقي عملها ببراعة. بعد ساعتين كانت رهف انتهت. وقفت أمام المرأة تنظر لنفسها بابتسامة بسيطة متخيلة وجود يزن ودقات قلبها التي تضرب بقوة. كانت ترتدي فستانًا من القماش الذي يبرز ملامح جسدها بنعومة ويصل إلى ما بعد ركبتيها بقليل، أكمامه التي لم تعبر كوعها جاءت في استدارة أرستقراطية عنده، كما له فتحة فوق الصدر في المنتصف تبرز جلدها أسفله. رغم سعادتها، لكن التوتر يتمكن منها بشدة.
"شكلك حلو أوي بجد.. الفستان رائع بجد فعلاً يزن محظوظ بيكي."
"مش قادرة حاسة إن ثواني وهيغمى عليا."
"لا لا اجمدي كده.. خدي نفس عميق الموضوع بسيط هو بس رهبة الموقف لكن الموضوع هيمشي عادي."
سمعا الاثنان طرق الباب. أذنت رهف للطارق. دلفت الخادمة تقول باحترام:
"سليمان بيه بيطلب منكم أنكم تنزلوا لأن العريس وصل."
هزت رأسها بموافقة ثم غادرت الخادمة الغرفة، بينما أخذت رهف نفسًا عميقًا محاولة لإبعاد التوتر. خرجا الاثنتان من الغرفة للنزول.
***
في الصالون.
كان يزن يجلس على الأريكة يرتدي بدلة بلون الرمادي يزينه قميص أسود، بجانبه مالك يرتدي بدلة بلون الأزرق مع قميص أبيض. على المقعد الجانبي يجلس سليمان، وعلى المقعد المجاور له تجلس حنان، بينما يجلس حازم مقابل لهم. سمع الجميع صوت خطوات طرقة الحذاء على الأرضية. دلفا الاثنتان. نظر يزن لرهف وعلى وجه ابتسامة خفيفة، بينما هي شعرت بالخجل. جلس بجانب حازم على المقعد، بينما جلست روضة بجانب مالك.
"جيت النهارده وأنا بجدد طلبي للمرة الثانية. أنا بطلب إيد رهف من حضرتك.. رهف إنسانة رقيقة وجميلة وهحافظ عليها أكتر من نفسي."
"أنت ابني يا يزن وغالي عليا ويوم ما أديلك رهف عارف إني بسلمها لراجل.. أنا موافق بس لازم نسمع رأي العروسة الأول.. هاا إيه رأيك يا رهف؟"
توترت رهف بشدة، بينما الجميع ينظر لها منتظرًا إجابتها، بينما هي لم تعرف أن تجيب من كثر خجلها وتوترها، حتى حاولت استجماع شتات نفسها، حيث تحدثت بنبرة خجلة ونبرة إلى حد ما مسموعة:
"موافقة."
ابتهجت وجوه الجميع بسعادة، بينما تحدث مالك بفرحة:
"طالما العروسة موافقة يبقى نقرأ الفاتحة."
رفع الجميع أيديهم لقراءة الفاتحة، بينما رهف كانت فرحة بشدة، بينما يزن شعر بإنجذاب طفيف عندما رآها. كان يشعر بالراحة تغمره، لا يعلم ما سببها، لكن سعد بسعادة الجميع. انتهى الجميع من قراءة الفاتحة. أمسك حازم يد رهف بحنان ثم نهض ووقف أمامها وقبل رأسها بحنان بالغ هاتفًا بسعادة حقيقية:
"مبروك يا حتة من قلبي."
دمعت عينيها وحضنته بحنان شديد.
"يابني دي قراية فاتحة مش مروحة معاها."
ابتعد حازم عنها، بينما هتف ببرود:
"أنت مالك أختي ولا أختك؟"
"شايف بيقول إيه وحضرتك قاعد.. متزعلش بقى في اللي هعمله فيه."
"لا وريني بقى هتزعلني إزاي."
"أدي فقرة الأطفال بدأت."
ضحك يزن بشدة مع الجميع، بينما رهف شردت به قليلًا تتأمله، بينما يضحك على مالك وحازم. قطع شرودها حديثه قائلًا:
"فقرة الضرب بعد ما نخلص وأوعدك أنا هكتفه بنفسي لأنه ابن حلال ويستاهل.. المهم حضرتك ممكن نعمل الخطوبة بعد أسبوع من النهارده."
"والله الحاجات دي تتفقوا فيها وتشوفوا معاد مناسب."
"وتقدري تعملي فيها اللي أنت حباها دي لعبتك بقى.. طلباتكم اللي عايزينه هجيبه بس أنا عندي طلب."
"اتفضل يابني."
"الشقة مش هقدر أسبها دي حاجة الوحيدة اللي فيها ذكرياتى مع ماما وبابا ومقدرش أن اطلع منها. لو هي حابة تغير أي حاجة تقدر تعمل اللي عايزاه ده هيكون بيتها ولازم تكون مرتاحة فيه."
"الله يرحمهم.. الحاجة دي منقدرش نقولها ده قرارها هي."
"وأنا مقدرش إن ابعدك عن ذكرياتك وحياتك اللي عشت فيها مع طنط وعمو الله يرحمهم."
ابتسم يزن بإمتنان لها، حيث أردف بإبتسامة:
"والشقة تحت ايدك اللي حابه تغيرها فيه براحتك والفلوس متهمكيش. ولو كده الخطوبة الجمعة الجاية وبعد يومين نجيب الدهب."
ظل يزن يتفق مع سليمان، يشاركهم مالك وحازم في بعض الأشياء، وجلسوا مع بعضهم في سهرة رائعة بين المزاح والضحك بينهم. وبعد ذلك عاد كل من مالك وروضة ويزن. كل منهم لمنزله، بينما صعد الجميع لغرفهم بعد يوم شعروا به بالسعادة وارتباط يزن ورهف الثنائي الرائع.