دقت السادسة صباحًا. كانت المرة الأولى التي تلتقي فيها أعيننا. كنت أقف في شرفة حجرتي أحتسي كوبًا من القهوة، أرتدي ملابسي الرسمية. خرج حينها من باب منزله. كنت أعبث بهاتفي، فلاحظته حينها. كان ينظر إليّ وعلامات الاستفهام تتجلى على وجهه. كنت لا أزال أحتسي قهوتي، إذا به يخرج دفترًا صغيرًا من حقيبة كتفه ليخط بعض الكلمات التي لم أعرفها. وما زالت علامات الاستفهام واضحة على معالمه. حتى دق هاتفي.
كانت حسناء، صديقة الطفولة والمراهقة. أو دعوني أختصر، هي صديقتي الوحيدة. "يا صباح الورد على ست الحسن. طبعًا مجهزة من ساعة وبشرب قهوتي كمان. دي فرصة عمري يا حسناء. وبعدين أنتي عارفة أنا من صغري وأنا بحب الالتزام. ودي فرصة أثبت فيها كفائتي. أكيد مش هنزل أول يوم شغل متأخر. عشر دقايق وهكون قدامك. سلام يا لوز."
لم أكن أنتبه أنه كان يسلط نظره وسمعه معي، ولا يزال يدون في دفتره ما أجهله. ولكن هذه المرة لم أرَ علامات استفهامه، وكأنه قد وجد ضالته. ولأنني لا ألقي بالًا لما يفعله الآخرون، قررت أن أذهب دون أن أهتم له. أغلقت النافذة وارتديت حذائي وخطوت خارج منزلي. إذا به يقف وعلى وجهه ابتسامة ساحرة. هنا انهار ثباتي. لم أعد قادرة على المقاومة. وبدأت أتساءل: من ذاك الوسيم؟ ولما ينتظر إلى الآن مع تلك البسمة؟
أكملت طريقي إلى وجهتي المقصودة وعلامات الاستفهام بداخلي لا تتوقف عن طرح نفسها. وما جعلني أضطرب هو سيره خلفي. أهو يراقبني؟ أم ماذا؟ أتذكر أنه جاري منذ أن جئت إلى هذا الحي. لم نلقِ على بعضنا الصباح يومًا حتى. فما الغريب اليوم لكل تلك النظرات وسيره خلفي؟ بدأت في العدو تقريبًا. أكره كثيرًا الجنس الخشن. دائمًا ما أتحاشى التعامل معهم، أو التواجد في مكان مزدحم بهم. فكيف اليوم بأحدهم يسير من خلفي؟ هل يا ترى سيختطفني؟
أو ربما يرغب فقط في إلقاء التحية وهي طريقته الغريبة؟ أو ربما هو القدر يا زمرد؟ اختار لكم نفس التوقيت ونفس الوجهة وكل ذاك محض قدري وأنا أتوهم. وصلت إلى حسناء، كانت تقف بابتسامتها المعتادة التي طالما أنستني كل همومي. هرولت إليها ومن ثم احتضنتها. ولم أرغب في إخبارها شيئًا عن خوفي. فقد أقنعت نفسي أن الأمر قدري وما من مشكلة. نحن نقف عند طريق عام ننتظر مجيء سيارة معينة تنقلنا إلى وجهتنا. وعساه بنفس الحال. فما الداعي للخوف؟
بدأت حسناء في الثناء على ملابسي وتناسق الألوان وكم أن اللون السماوي يليق بي كثيرًا. تبادلنا الأحاديث حتى وصلت تلك السيارة التي تحمل ثلاث أرقام تابعة للنقل العام. وبالطبع أسرعت أنا وصديقتي إليها. فالسائقون في بلدنا الأم لا يعرفون الانتظار إلا إذا كنت متأخرًا عن موعد هام. أما غير ذلك فهم سائقي طائرات ومن الدرجة الأولى.
بالطبع لم نجد مكانًا لنجلس وازدحم المكان من حولنا. وليتني أمتلك المتسع لأخبركم عن معاناتي مع المواصلات، ولكن دعوني الآن أكمل لكم ما حدث. تنفست الصعداء حين لم أجده في وسط الزحام. وابتسمت كما البلهاء وأنا أتذكر استفهاماتي حياله. وكم كنت محقة. الأمر قدري ليس إلا.
بعد مرور القليل من الوقت ولا تزال السيارة ممتلئة، ولكن ليس كما كانت. إذا به يقف أمامي يلوح بيداه لي. دبّ الخوف بداخلي حتى ظننت أن ملامحي تنطق بالقلق. لم أنتبه إلا حين لكمتني حسناء بذراعي كي أنتبه. فقد كان يلوح بيداه لأن كرسي السيارة الذي يقف أمامه فارغ. جذبتني حسناء إلى المقعد، وأنا في عالم موازٍ. كيف وأين ومتى؟ لقد دققت النظر ولم أره وسط الزحام. فكيف إذًا؟ وما الذي أتى به؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!