بعد مرور ست سنوات. في بلد بعيدة في إسبانيا، خصوصًا في بيت صغير، كانت تنام في هدوء شديد. "مامي مامي مامييييي." "أي يا آسيَف." قالت حور بنعاس. "مامي اصحي الساعة سبعة، ها نتأخر على الدكتور." قال آسيَف بحب. تفرك حور عينها بنعاس وتنظر إلى الملاك الخاص بها وهو لا يكف عن الضحك والوجه المشرق. "هموت وأعرف انت بتضحك أربعة وعشرين ساعة ليه." قالت حور بضحك.
"انتي زعلانة عشان أنا بضحك، خلاص مش هضحك تاني، سوري مامي." قال آسيَف ببراءة. "يا عمري، أنا بفرح لما بشوفك مبسوط، عشان أشوفك مبسوط ضحيت بحاجات كتير أوي، بس ما كنتش أعرف إنك ها تطلع شبه أوي كدا." قالت حور بحب وهي تسحبه إلى حضنها. أكملت بدموع حزينة: "آسيَف مهما حصل، عاوزك تعرف إني بحبك أوي أكتر ما بحب نفسي، وكل اللي حصل كان غصب عني، كان لازم أختار وأنا اخترت خلاص." "مامي مش فاهم حاجة." قال آسيَف بحزن.
"مش مهم، يلا روح اعمل نداء الطبيعة بتاعك وصحي البيت الكسول ده." قالت حور وهي تمسح آثار دموعها. ابتسم آسيَف بإشراق مجددًا، وهنا شعرت حور أن قلبها على وشك الانفجار، لا تعرف هل تفرح أم تحزن. لماذا نشعر أننا ارتكبنا غلطة كبيرة وتسرعنا في قرارنا ونندم ونشعر خيبة الأمل مع أنه ليس لنا ذنب في هذا، ولكن يتمكن منا الشعور السيء والقلب الذي يقول: لماذا لم تفكر للحظة؟ لماذا تسرعت؟ لماذا لم تعطي فرصة ثانية؟
فجأة يتداخل العقل ويقول: "لأن لم يكن أمامنا من يريد هذه الفرصة، بل كانوا يريدون منا البعد، ولكن كانوا يريدون هذه الخطوة منا. نحن لم نخطئ في شيء، أنت أعطيت لهم قلبك فحطموه، وأنا أنقذت ما تبقى منك. الآن دع السيطرة لي." "ولم أنت ما حطموا أغلى وأعز الناس في قلبك." "بت انتي لمي ابنك ده أحسن، والله أقتله. ابنك داير في البيت كلها وعمال يقول: حان وقت الاستيقاظ، هو إحنا في الجيش؟ " قالت عشق بغضب.
"تعالي يا عشق." قالت حور بحزن. فهمت عشق ما يدور في بال أختها، لأن يدور منذ ست سنوات. "تفتكري لما آسيَف يكبر ممكن يكرهني لما يعرف إني فرقت بينه وبين أبوه؟ " قالت حور بحزن. "إشششش." قالت عشق بخوف. ركضت عشق حتى تقفل الباب وتقترب مرة ثانية من حور: "حور، إحنا قفلنا الباب ده من زمان." "مش قادرة يا عشق، ست سنين وأنا هربانة وأنا مش عارفة هربانة من سليم ولا من ماضينا." قالت حور بعياط خفيف.
"سليم من الماضي يا حور، انتي نسيتي إنه اتجوز وضربك عشان ينزل آسيَف." قالت عشق. "انتي مش فاهمة حاجة يا عشق." "جربي تفهميني يا تؤامي." قالت عشق بقلق. "سليم... " قالت حور. "ماله سليم يا حور؟ لاحظت عشق تلبك حور وقلقها وأدركت أن هناك ما تخفيه حور. "خلاص سيبك من الماضي، هي حالها كدا بتيجي مرة واحدة." قالت حور بقلق. كادت عشق أن تتكلم ولكن اقتحم الغرفة آسيَف وزياد.
"مامي صحيت البيت كلها، خالو محمد وخالو سيف وخالو حمزة كلهم متعصبين منك أوي." قال آسيَف بضحك. "وانت مالك منشكح لي كدا؟ وبعدين أنا مالي." "بت انتي لمي ابنك بدل رحمة أبويا أعملها معاه." قال سيف من الخلف بغضب. "خالو هتعمل معاه إيه؟ " قال زياد بضحك. "لا كدا كتير عليا، ابن حور وابن عشق، لا يارب كدا كتير عليا، أنا لسه صغير على الهم ده، ده انتوا عائلة تجيب إسهال، جئتكم القرف." قال سيف بدراما.
"مامي هو خالو سيف بيتعصب بسرعة ليه؟ " قال زياد لعشق. "يا حبيبي ده عائلة الدراما، يلا روح انت وآسيَف عشان تغسلوا وشكم لحد ما نحضر الفطار." قالت عشق بضحك. "أمرك يا ست الكل." قال آسيَف وزياد. تنهدت حور قبل أن تقبل أختها ويذهبوا حتى يحضروا الفطار. تعالوا نرجع مصر نشوف بداية يوم عائلة سليم. في قصر سليم الرفاعي، الذي لم يدخل فيه أي نوع من الفرح أو الضحك منذ سنين، وبعد ما أصبح سليم بلا روح، بل أصبح أكثر قسوة من ذا قبل.
ومن طريقة سليم، سوف نشعر أنها راجا، ولكن راجا وسليم أصبحوا شخص غاضب واحد لا يعرف الرحمة، لا يعرف الغلط. يستيقظ سليم من نومه مثل العادة، كانوا روبوت، يرتدي ملابسه ولا يهتم بهذه التي تنظر له وهو لا يعطي لها اهتمام، بل ينظر لها بقرف وغضب دائم. "أيوا، وبعدين هتفضل كدا كتير؟ لا يعطي سليم أي رد فعل، بل لا يعطي أي اهتمام. "سليم ارجوك، عارفة إن كل ده بسببى، بس لازم تعرف إن كل ده غصب عني، وانت عارف كنت تحت الضغط." أخيرًا ينطق
سليم ولكن بطريقة مرعبة: "غصب عنك وتحت ضغط؟ انتي لو فضلتِ تعتذري ميت سنة عمري ما هقدر أنسى ولا أسامح نفسي إني صدقت ومشيت وراكي وقتلت ابني بإيدي وضيعت ابني مني. عارفة يا مروة العقاب مش ليكي لوحدك، ده ليا أنا كمان. ما لما أعوض كل ده من غير روحي، ده عقاب كبير أوي ليا."
"ست سنين، ست سنين من غير حور بسببك، بسبب كدبك، بس تصدقي إنك ذكية، خليتي سليم الرفاعي يصدق، لا وكمان يرفع إيده على أحلى حاجة في حياته ويقتل ابنه اللي لسه متخلقش." "كل ده وعايزاني أرحمك؟ انتي رحمة ليكي إنك تفضلي عايشة، بس عذابك إنك عايشة معايا." "سليم ارجوك، ارجوك، نفسي أخرج، عايزة أرجع لأهلي، ست سنين ما خرجتش من البيت ده ولا شفت أهلي، وحياة حور عندك." قالت مروة ببكاء حاد. "اسمه ميجيش على لسانك، انتي فاهمة؟
" قال سليم وهو يشده من شعرها بغضب. "حاضر، حاضر، آسفة، آسفة." قالت مروة بخوف. تركها سليم وخرج بره الغرفة، بل بره الفيللا كلها، تركها هي تبكي بدل الدموع دماء بسبب ما فعلته مع هذه العائلة، وعلى العقاب الذي لن تتخلص منه إلا برجوع حور، وكم تتمنى أن تعيد الماضي حتى تغير ما حصل وما فعلته هي في عائلة كانت على وشك أن يطرق باب السعادة بيتهم. كانت سميحة في أتعب أيام حياتها، هي ومروان طبعًا، الذي لم يشعر بسعادة مطلقة.
ينظرون إلى البيت الذي طالما كان يشع سعادة وفرح، وكم أصبح من الصعب العيش فيه. "كان المفروض النهارده ذكرى جواز حور وسليم." قال مروان بحزن. "عارفة يا ابني، زي النهارده من ست سنين كان أسعد يوم في حياتي، دلوقتي أتمنى أموت لأني مقدرش أشوفهم بعاد عن بعض كدا." قالت سميحة بحزن شديد. "سليم اللي مش عايز يا دادة." "سليم هيموت ويلاقي حور." "صدقني سليم خايف من المواجهة، مش عارف هيقول إيه، يقول إنه قتل ابنه؟
يقول إنه سبب في دمار حياة أخواتها؟ سليم لو فعلاً مش خايف من مواجهة حور كان جابها من أول سنة، من أول شهر، من أول يوم، من أول ساعة، بس هو سايبها." "سايبها وسايب معاها قلبه بدل اللي كسروا، وعايش من غير روح ومن غير قلب، حتى هو مش قادر يواجه نفسه ويعترف إنه غلطان، وغلطان أكتر من مروة كمان." "ليه يا ابني؟ هو كان بيحميهم؟ " قالت سميحة. "لا يا دادة، سليم كان بيحاول يحميهم." "إيه الفرق؟ بيحاول زي بيحميهم؟
"لا مش زي بعض، بيحاول يحميهم من الرفاعي والمافيا والناس دي، بس هو كان لازم يحميهم في الأساس من نفسه." "سليم عامل زي القبر مليان أسرار، متعرفيش ده بيروح فين وده بيدخل منين، مليان أسرار، ومفتاح السر ده كان مع حور، دلوقتي مفيش حور، مفيش سليم... مفيش عائلة للمرة الثانية، الانتقام والفلوس والسلطة بترجع تدمر عائلات." "واحنا بنقف نسقف للي هيطلع على المسرح للمرة الثانية."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!