الفصل 1 | من 36 فصل

رواية انصاف القدر الفصل الأول 1 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
50
كلمة
4,416
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

في أحد القصور الفخمة جداً، بعد الدخول إلى باحتها الواسعة مروراً بمساحات كبيرة جداً من الخضرة، نصل إلى الحديقة الداخلية للقصر. الجميع يعمل على قدم وساق تجهيزاً لحفل عيد ميلاد تلك الصغيرة، أصغر أفراد عائلة الخطيب. يتيمة الأب والأم، مليكة، اليوم هو عيد ميلادها الثامن عشر. بداخل القصر، يجلس الجميع على سفرة الطعام لتناول الإفطار. تتقدم الخادمة بالكرسي المتحرك الخاص بالسيدة الفت كي تشاركهم الإفطار.

بينما يجلس محمد يتجاذب الحديث بهمس مع كارما، يبدو أنه يتغزل بها. واضح جداً من خجلها وهي تنظر أرضاً لا تعرف ماذا تقول. على الجهة الأخرى يجلس فادي هائم بتلك الجميلة التي تجلس لجواره. أما الجميلة، فعينيها على الدرج، تنتظر فارسها، الرجل الوحيد الذي تراه على هذا الكوكب، وربما المجرة كلها. زادت وتيرة أنفاسها بعنف وهي تراه.

يهبط الدرج خطوة خطوة، على مهل وتروي. يظهر أولاً حذاؤه الأسود اللامع، بعدها بنطال أسود لبذلة رسمية غاية الفخامة. إنها قطعة نادرة، لا يرتدي إلا "وان بيس". تمرر عيناها على عضلات صدره المفتولة والظاهرة بوضوح، خصوصاً مع ذلك القميص الأبيض. تصل بهيام وتنهيدة حارة إلى لحيته الكستنائية. كم تعشق لحيته هي. ثم تستقر عيناها على عيونه الزيتونية، ثم شعره الكستنائي بنفس لون لحيته. إنه خطر، خطر على قلبها الصغير.

إنه خطر لأنه عامر الخطيب. من لا ترى عيناها غيره. وقعت له منذ أن وعَت وفهمت مشاعر الفتيات، أو ربما لا تعرف متى، لا تتذكر حقاً. لكنها تحبه بشدة. تشعر أنه يحبها. نعم، تشعر أن له معاملة خاصة معها. بالتأكيد يحبها. لم تنقطع عيناها ولو ثانية واحدة عن متابعة خطواته الواثقة وهو يبتسم بخفة حين اقترب منهم. يفتح أول أزرار بدلته يقول بهيبة ستقتلها يوماً: "صباح الخير يا جماعة." أشرق وجهها كأنها شخص آخر حين التفت إليها يقبّل

مقدمة شعرها يقول: "كل سنة وإنتي طيبة يا ميكا." كل مرة يقترب منها يفعل بها هكذا. هي الآن متلعثمة في تلك اللحظة. هل تبتلع ريقها أم تبتسم أم تتنفس؟ لما لا يرحم قلبها الذي ما زال يحب أول خطواته في دنيا العشق. تحدثت بتلعثم وهي تبتلع ريقها: "وإنت طيب." تدخل فادي قائلاً: "كل سنة وإنتي طيبة يا مليكة." التفت له وقالت: "وإنت طيب يا فادي، شكراً." فادي: "هو فيه شكراً بين واحد وخطيبته ياهبلة."

اغتصبَت ابتسامة على شفتيها تكمل طعامها وهي تنظر ناحيته ترى ردة الفعل. يكمل طعامه بهدوء، يضع الجبن بالسكين داخل الخبز. ألن يتضايق؟ ينهره؟ يغضب؟ مليكة مدمنة روايات ترى ردات فعل الأبطال على حبيبتهم وتنتظر أن تطبق كل شيء يحدث في الواقع. لكن لما هو كأنه لوح ثلج هكذا. أخذت تسأل وهي تنظر أمامها بشرود إلى أن قطع الصمت صوته وهو يقول لها: "مليكة مش بتاكلي ليه."

تهلل وجه تلك المسكينة من جديد وأخذت تأكل سريعاً. يبدو أنه يهتم. يهتم جداً. لقد التفت إلى أنها لم تكن تأكل. إذاً هو يهتم. على الجهة المقابلة لرأس الطاولة التي يترأسها عامر، كانت الجدة الفت تجلس بالمقابل. نظرها مسلط عليهم، مليكة وعامر. كأنها تود قول شيء ولكن لا تستطيع. تحدثت كارما قائلة بغمزة: "أيوه أيوه يا عم، ما حدش قدك. أبيه عامر عامل شوية تجهيزات عشانك ماتعملتش لاستقبال الإمبراطورة أوجيني." عامر مبتسماً:

"هو إحنا عندنا كام مليكة يعني." ابتسمت بفرحة شديدة. لا يسعها العالم من مجرد كلمات. أي كلمة بسيطة منه تجعلها تمتلك العالم كله. حتى أنها طوال اليوم تظل تعيد بحروفها وتسردها على نفسها تصبرها على انتهاء يومها أو إلى أن يعود مجدداً وتختلق أي حديث بينهما فيقول شيئاً جديداً يصبرها لليوم التالي. وجدته يكمل قائلاً:

"أنا عارف إن مجموعك للثانوية العامة مش قد كده. طبعاً مش هسيبك تدخلي كلية عادية. لازم كلية قمة زينا كلنا. قدمت لك في الجامعة الإيطالية في هندسة." لم تركز من أي شيء قاله أو تتعمق في حديثه. لم تشعر أن هناك إهانة لها. كل ما اعتبرته واهتمت به من حديثه أنه يهتم. يهتم جداً. فكر في كليتها. سحب الورق وقدم في الجامعة أيضاً. أووه كم يستحق العشق هذا العامر. إلى هذه الدرجة يعشقها. وقف يغلق جاكيت بدلته يقول:

"أنا ماشي. يلا يا فادي وراك شغل. وإنت يا محمد الحسابات تكون عندي النهاردة عايزين نقفل الميزانية." كانت عيونها تقطر قلوب. تراه لا يطيق أن يجلس فادي معها كثيراً. مثل الرواية التي سهرت عليها ليلاً بالضبط. البطل غيور. غيور جداً من خطيب البطلة ويبعده عنها. وهل يوجد بطل مثل عامر؟ إنه يفوق أي شيء. يعشقها جداً هو.

انتبهت على نفسها تنظر حولها وتزفر بضيق وإحباط. فهو قد رحل. عندما يرحل تشعر بكآبة المكان. كأنه ليس بتلك الحلاوة التي كان عليها وهو موجود. نظرت حولها وجدت الكل غادر ما عدا كارما وجدتها. لملمت كارما أشياءها وقالت وهي تغادر: "طب سلام بقى يا ميكا عندي كام مشوار هعمله وكمان هروح أدفع دم قلبي عشان أجيب لسيادتك هدية. سلام... سلام يا تيتا." قبلت الفت من وجنتها وغادرت سريعاً.

وقفت مليكة من مقعدها واتجهت لجدتها بعدما وجدت جدتها تومئ برأسها لها كأنها تناديها بحزن وحنان. ذهبت عندها وفهمت من إشارتها أن تقترب لحضنها. ضمتها الفت لحضنها بأسى كبير وهي تتنهد ومليكة تنعم بدفء حضنها. تعلم الفت ما بقلب تلك الصغيرة تجاه كبير العائلة. تراها ولا تستطيع الحديث أو حتى النصيحة. جلست مليكة عند قدميها تبتسم قائلة: "ياترى الفت هانم عبيد جابت لي هدية عيد ميلادي ولا لأ؟

ابتسمت الجدة بحنان عيونها تومئ بحب وسعادة فابتسمت مليكة على الفور قائلة: "إنتي هديتي يا تيتا. ربنا يخليكي ليا." قبلت يدها بحب شديد وهي تستمع لصوت السيدة ناهد (والدة عامر) تأتي من الخلف تقول: "امممم... البكاشة بتاعتنا كبرت سنة." التفتت لها قائلة: "يا صباح الحلويات على أحلى طنط في الدنيا." ناهد: "مممم. مش بقولك بكاشة. كل سنة وإنتي طيبة يا ميكا." مليكة: "وحضرتك طيبة. فين هديتي." لكزتها على يدها وقالت:

"ده دايماً كده مستعجلة. بالليل. في الحفلة." دبت قدميها بالأرض وهي تزم شفتيها كالأطفال وهي تغادر متمتمة بسخط. تاركة الفت تبتسم بحب عليهم وناهد تقهقه بسعادة تعشق مناوشاتها معها كثيراً. *** في أحد الأحياء الشعبية. وقف ذلك الرجل الذي قارب على الخمسين عاماً يولّي ظهره لشقيق زوجته بغضب شديد، في حين يتحدث شقيقها قائلاً بغضب عاصف:

"إنتي أكيد جرى لمخك حاجة يا نجلاء. طلاق إيه اللي عايزة تطلقيه. بعد العمر ده كله. دي بنتك ندى بقت عروسة خلاص. اعقلي وحطي عقلك في راسك." وقفت بغضب وقد نفذ صبرها: "أنا مش صغيرة وحقي أعيش العيشة اللي تريحني. أنا تعبت ومش مرتاحة." صرخت بها أمها تقول: "اتخشي قطع لسانك. هو فيه زي سي الباشمهندس توفيق؟ راجل مكفّي بيته. مافيش حاجة ناقصاكي. اتخشي وحطي في عينك حصوة ملح. قول لي يابت. إيه اللي ناقصك؟

كل شهر بتاخدي مصاريف بيت يكفي عيلتين. تلاجتك مليانة على آخره. لبس، صيغة وكافة شيء. ألف واحدة بتحسدك على اللي إنتي فيه. وآخرتها عايزة تتطلقي وبنتك بقت عروسة على وش جواز. ياختي ده البطر وحش." صرخت بعلو صوتها: "حراااااام عليكوا. حد يحس بيا بدل ما أولع في نفسي." وقفت أمها تقول بغل: "قولي لي. قولي لي يابت مين اللي زغلل عينك ميل دماغك عشان تبقي عايزة تتطلقي."

كل ذلك وهو يقف يوليهم ظهره بغضب شديد. وهي فقط مصدومة من كلام أمها عنها. هل وصل بها الأمر كي تضغط عليها لتشكك بها؟ ماذا يحدث؟ وهو ما زال يقف صامتاً كأنه حقاً مظلوم. انفجرت في الكل تقول: "والله. حيث كده بقا هو قالكوا إنه رامي عليا اليمين مرتين قبل كده. ومن شوية كانت تالت مرة. إيه. ما تنطق يابيه." اتجهت أنظارهم له بصدمة وهو يقف مصدوماً لم يتوقع أن تقول كل شيء. فقد عهدها كتومة خائفة. ظن أنه سيحل الأمر بينه وبينها.

تحدث شقيقها بصدمة وقال: "وكل ده ساكت؟ مطلقها طلاق نهائي وساكت؟ كنت مستني إيه عشان تتكلم." استدار توفيق يقول: "أنا كنت ناوي أحل الموضوع أنا وهي يا خالد." خالد: "وده هيتحل بينكوا إزاي يابيه. ده خلاص طلاق نهائي. كده لازم محلل." نجلاء: "أنا مش عايزة أرجعله أصلاً." أم نجلاء: "إنتي اخرسي خالص أما نشوف آخرتها إيه. عايزة تخربي بيتك؟ تبلعي لسانك وما أسمعش حسك لحد ما نشوف حل للمصيبة دي." خالد:

"مافيش حل. لازم تتجوز واحد غيره. جواز كامل. وده كمان مش سهل لأن صعب نلاقي حد يوافق." نظرت لهم بجمود. هي لا تريد حلاً من الأساس. تدعو أن لا تجد من يوافق. خرجوا سوياً بغضب شديد يهمون بالمغادرة ولكن استوقفهم جزار المنطقة (المعلم رجب) بلهفة: "خير يا ست أم خالد. كان فيه حاجة عند أم ندى. إيه الزعيق ده." أم نجلاء: "لا ولا حاجة يا معلم. إنت عارف البيوت ياما بيحصل فيها. فوتك بعافية." رجب:

"الله يعافيكي. نورتي. نورتينا يا أستاذ خالد." خالد: "تشكر يا معلم." ذهبوا سريعاً وهو ما زال يريد أن يعلم ماذا حدث معها. دقائق ووجد توفيق يغادر هو الآخر بحقيبة ملابسه والغضب يعميه. تهلل وجهه وانشرح صدره يبدو أنه خلاف كبير بينهم. عاود الجلوس خلف مكتب قذر من الخشب وهو يلتقط مبسم الأرجيلة يدخن باستمتاع وشرود وشبح ابتسامة خفيفة تلوح على وجهه. *** كانت تجلس مع صديقتها المقربة ندى تقول بتصميم شديد:

"ندى أنا مش هفضل كده كتير. أنا أخدت القرار." حاولت صديقتها الخروج من تلك المشاكل التي تحدث ببيتها وتندمج قليلاً مع صديقتها علها تنسى قليلاً وقالت: "مليكة أنا اللي أعرفه إن الولد هو اللي لازم يروح يقول للبنت إنه بيحبها. اللي بتفكري فيه ده تهور وغلط." أشاحت بيدها تجيب بهيام: "اديكِ قولتيها بنفسك. الولد. لكن ده عااامر. راجل. مش ولد. صعب ييجي يقولي." أشارت ندى إلى عقل مليكة قائلة:

"أمال فين مليكة ومخها اللي يودي في داهية؟ خططي وتكتكي لحد ما ييجي هو عند رجليكي يقولك ارحميني بحبك." مليكة: "يابت والله أنا حاسة. لالا أنا متأكدة إنه بيحبني. مش هحتاج بقى إني ألجأ لخطتي القذرة خالص. ولا أشغل مخي." تنهدت ندى وقالت بتصميم: "لأ لأ برضو. أنا شايفة إن كده تهور منك." مليكة: "فيه إيه بس يا ناس. هو ليه كل حاجة محتاجة حاجة؟ ليه الموضوع ما يتخدش ببساطة؟

لو واحدة بتحب واحد ماتروح تقوله. خصوصاً لو هي حاسة إنه بيحبها. ليه لازم خطة؟ ليه لازم تكتكة وتشغيل دماغ لحد ما يقع في المصيدة. إنه بحبه وهو كمان. يبقى خلاص." ندى: "أولاً مش أنا اللي هقولك إن الدنيا مش سهلة كده. ثانياً ده لما تبقي متأكدة من حبه ليكي. ثالثاً مانتي من يوم ما عرفتك وإنتي بتكتكي وتخططي ومخك ده يودي في داهية. إشمعنى بييجي عند سي عامر ويقف." مليكة:

"هييييييح. مالكيش فيه. أنا عمري ما استخدمت عقلي عليه. ده عامر العشق." ندى: "اسمعي مني وجربي عقلك عليه مش هتندمي." مليكة: "بس يابت. مش هعمل كده. مش محتاجة أصلاً. واضحة جداً بيموت فيا. ده أنا اخترت لون الستاير اللي هغيرها في جناحه. ومن ساعتها بفكر أسمي البنت وعد ولا نغم." ندى: "آه يا خوفي." مليكة: "سيبك مني وخليكي في صبي الجزار بتاعك ده." ندى: "بت لمي لسانك. مش صبي جزار. إيه يعني لما أبوه يبقى شغال جزار مش ذنبه."

مليكة: "وهتفضلوا تتقابلوا في السر كده كتير؟ ندى: "عندك حل تاني؟ مانها وأنا وهو من سن بعض ولسة بندرس. ما يقدرش ياخد أي خطوة دلوقتي. إحنا الاتنين عيال." مليكة: "أيوه عيال. خليني أنا في الراجل بتاعي." ندى بغيظ: "والله شكلك هتقعي على جدور رقبتك. قومي يلا عشان فاضل شوية على الحفلة يدوب تجهزي. قومي." شهقت مليكة: "يانهار أبيض. ده أنا نسيت. الحفلة. عموري. يلا بسرعة." *** بقصر الخطيب.

اشتعلت الأجواء بذلك الحفل شديد الصخب والتكلفة أيضاً. الموسيقى تصدح في كل الأرجاء. وهناك في حشد من رجال وسيدات الأعمال يقف بكل هيبته. بذلة رمادية مع قميص أسود. لحيته الكستنائية مهذبة يرفع شعره للخلف. عطره الفاخر يسكر كل النساء حوله. ينظرن له طامعين بأي التفاته إعجاب منه. وهو يقف. ثابت. واثق. يوزع ابتسامات على الجميع بثقة. وكل أفراد العائلة مجتمعين. كل منهم يقف مع أصدقائه ومدعويه.

حتى الفت تجلس مبتسمة على كرسيها تتابع الحفل تنتظر تلك الصغيرة معهم. ثوانٍ وطلت عليهم بكامل حلتها. فستان من الأوف وايت. شعرها مفرود خلفها. مكياج مناسب. حذاء من نفس لون الفستان. تسير بتعجل. تريد أن يراها بهيئتها الخاطفة هذه. تقابلت مع فادي الذي تقدم منها قائلاً: "واااااو. قمر. بجد حلوة أوي يا ميكا." ابتسمت باستعجال عيونها مثبتة ومنتظرة استحسان شخص واحد فقط. ردت بسرعة: "شكراً يا فادي. ربنا يخليك." فادي:

"طب تعالي شوفي هديتك." لم يأتي حتى الآن لها بلهفة كما قرأت برواية الأمس. لا بأس. لا يريد أن ينكشف حبه وهوسه كما قرأت برواية أول أمس. وقفت تتلقى التهاني والإعجاب من الجميع بعد قدوم سارة مع حبيبها. وأخيراً تقدم منها يبتسم قائلاً: "كل سنة وإنتي طيبة يا ميكا." أوه. لقبها المحبب منه هو فقط. هو من أطلقه عليها وتحبه منه هو فقط. اللعنة عليها لقد أصبحت مهووسة بعامر. تسارعت دقات قلبها تقول بعيون تقطر قلوب: "وإنت طيب." عامر:

"هديتك بقى السنة دي مختلفة. خلاص تميتي 18 سنة. وتقدرين تطلعي رخصة سواقة. سو... هديتك... هناك أهي." أشار حيث يوجد شيء كبير مغطى بغطاء أحمر. بإشارة من يده رفع الغطاء أمام وشهق الجميع من منظر تلك السيارة (ميني كوبر) من اللون البمبي. اتجهت إليها سريعاً لا تصدق. دائماً ما كانت تبدي إعجابها بتلك السيارة بالذات. تراها لطيفة مثلها. تنظر له بانبهار لا تصدق وهو فقط يبتسم لها. عادت إليه سريعاً وقالت:

"شكراً شكراً. حلوة أوي بجد. أنا. أنا عايزة أقولك على حاجة مهمة أوي." قاطعهم صوت ناهد والدته. تنادي الجميع من بعيد وهي تتقدم بقالب الجاتوه مع صوت أشهر أغاني أعياد الميلاد. اضطرت لتأجيل كل شيء وذهبت تطفئ الشمع وهي تصر على وجوده لجوارها. تحدثت ندى بسرعة قالت: "استني استني. غمضي عينك واتمني أمنية بسرعة." وهل يوجد لديها أمنية غيره؟

لا شك بالتأكيد هذه هي الأمنية التي دعت بها الله في تلك اللحظة. تمنت أن يجن جنونه بها ويصبح مهووس مليكة كما تقرأ برواياتها المفضلة. التف حولها الجميع يقدمون لها هداياهم التي لم تلتفت لها. عيونها مثبتة على عامر. وهي تراه يقف الآن مع تلك الأنثى الشقراء التي لا تعرفها. تراها تضع يدها على صدره بدلال وهي تضحك بغنج مستفز. والأكثر استفزازاً هو ضحكاته التي يطلقها. ألا يعلم ذلك الغبي أن هناك من يغير عليه بجنون؟

لما لا يعمل لها حساب. تركت الكل واتجهت إليه سريعاً. لن تنتظر وتفكر أكثر. يجب أن تأخذ موضعها بحياته. أن تبدي غيرتها وحقها به أمام الكل وفي النور. وقفت على مقربة منهم تقول: "عامر ممكن دقيقة." التفت لها مستغرباً. تناديه اليوم دون أي ألقاب كما عودها. نظرت تلك الشقراء لها باستخفاف وقالت: "إيه يا حبيبتي. مش تراعي الأدب وتقولي أبيه ولا عمو ولا أي حاجة. وكمان مش شايفة إنه واقف معايا." ولا كأنها سمعت شيئاً.

نظرت له بتصميم وقالت: "ثواني لو سمحت." نظر لها مطولاً وقال: "أوكي. عن إذنك يا شاهي." حاولت تناسي ذلك الغضب منه. لم يردع تلك الأفعى ويحذرها من أن تحدثها هكذا وأيضاً يستأذن منها. ولكن صبراً صبراً. الآن سيتغير كل شيء حينما تعطيه الضوء الأخضر فلا يخاف شيئاً ويعترف هو الآخر بحبه لها وبعدها يصبح كل شيء من حقها وفي النور.

وقفت بارتباك. لم تكن تعلم أنها ستكون هكذا. ظنت أنها ستقول كل شيء بقوة وثبات. ولكن عامر حبيبها. له هيبته على كل حال. عامر: "إيه يا مليكة هنفضل واقفين كده. قولي كنتي عايزة تقوليلي إيه. آه لو على الكلية. ماتخافيش أنا خلاص قدمت لك لازم تبقي كلية قمة طبعاً زي كل ولاد الخطيب." أخذت شهيق عالٍ وقالت: "لا أنا مش مش عايزة أقولك كده. أنا عايزة أقولك إني بحبك." اتسعت عيناه فاكملت:

"أنا بحبك أوي ومن زمان وخلاص عايزة أقولك كل ده. أنا عارفة إنك بتحبني بس متردد تيجي تقولي عشان... قطع حديثها وهو لم يستطع كبت ضحكاته. هوى قلبها بين قدميها. تشعر بالبرودة تسري وتنخر بعظمها وهي تستمع لقهقهاته العالية يقول:

"إيه يا ميكا اللي بتقوليه ده. بحبك إيه لأ ومتاكدة كمان. إنتي عندي زي كارما بالظبط. لأ لأ إنتي بنوتي اللي أنا مربياها. ههههههه مش معقول أنا مش مصدق بجد. عشان كده دايماً مؤجلة خطوبتك من فادي. إيه يا حبيبتي الخيال الأوفر ده. يا مليكة ده أنا لو كنت مبطل شقاوة من بدري شوية كنت جبت بنوتة قريبة من سنك."

كان قلبها هو الذي يدمع. عيونها لم تدمع بل قلبها. تستمع له بذهول وقد تجمد كل جسدها. قلبها ممزق كأنه يعبث به بيده والدم يسقط منه. وهو بكلماته تلك كأنه يده تقبض وتبسط على قلبها الذي في قبضة يده وهو لا يبالي. كأنه يعبث وهي تتألم. حاولت إيجاد صوتها تقول بصوت مختنق: "بس. بس إنت. إنت دايماً بتعاملني معاملة سبيشال. و. وو. ودايماً بتقولي يا حبيبتي." عامر:

"مانتي بنوتي حبيبتي. أنا اللي مربياكي من وإنتي خمس سنين لما جيتي من عند جدتك بعد ما ماتت من إسكندرية." تحدثت بضياع تشعر أن كل شيء انهار حولها بضياع: "يع. يعني إيه." عامر باستعجال: "خلاص يا ميكا يا حبيبتي. ماتديش الأمور أكبر من حجمها. إنتي كنتي فاهمة غلط وأنا صححتلك الصورة. يلا بقى أنا لازم أمشي دلوقتي. كل سنة وإنتي طيبة."

قبل مقدمة رأسها كأنه لم يحطمها ويستهزأ بها وبقلبها الصغير. أراد أن يأخذ الأمر ببساطة لكن لم ينتبه أنه قد سخر واستهان بمشاعر بنت صغيرة. قلب صغير. حلمها أن ترفرف في سماء الحب. قلب بنوتة صغيرة رَقَّ وحب. أحب شخص استهان به بل واستهزأ وضحك. لا، والأكثر والذي لن تنساه طوال عمرها وهي تتوارى خلف الشجر تراه وهو يرحل مع تلك السيدة. تسحبه معها بغنج مقزز. اليوم. وبنفس اللحظة. ألم يحترم حتى حرمة تلك المصارحة؟

إنه حطم ورفض حبها الآن. ألم يكن بمقدوره السهر معها غداً؟ في تلك اللحظة وهي تراه يقود السيارة يغلق زجاج النافذة ويغادر خارج بوابة القصر الضخمة سمحت لنفسها بالانهيار والبكاء. تبكي وتنتحب على ما فعله بها. لقد حطمها بكل برود. جاءت ندى سريعاً بعدما كانت تقف من بعيد تراقب كل شيء. اقتربت وهي ترى انهيار صديقتها أرضاً. ودون أن ينتبه أحد على كسرتها وانهيارها سحبتها سريعاً لغرفتها. تستمع لكل ما حدث.

لقد قاربت الشمس على الشروق وهي تبكي وتخبر ندى بكل شيء. انفجرت ندى بوجهها تقول: "جايلك كلامي؟ هو ده عامر اللي بتموتي فيه. ده كلب. طب كان رفض بهدوء واحتواكي وفهمك بالراحة. ليه يضحك ويعمل كده. اتفاجئ أوى بروح*** يقوم يعمل كده. ورايح يسهر سهره حمرا في نفس اليوم." استمعت إلى بوق سيارته يعلن عن وصوله حتى يفتح له البواب. ندى: "اتفضلي. لسه راجع من عند الهانم. ملتزم أوي عامر بيه الخطيب ده. من السرير للبيت على طول."

أغمضت مليكة عينيها بأسى وحزن على من حطم قلبها واستهان بمشاعرها البريئة. هو الوحيد الذي كانت وديعة معه ولم تشغل أفكارها الجهنمية عليه ولم تستمتع يوماً لنصائح صديقتها. إنما سارت وراء حبها العذري. سحبت الغطاء عليها تريد أن تنام ولا تقوم ثانية. أغلقت ندى الأضواء وهي تتصل بأمها أخبرتها بما حدث مع مليكة وأنها ستظل عندها حتى تتحسن.

ثلاثة أيام مرت وهي لم تبرح غرفتها. الجميع يسأل عنها وندى تخبرهم أنها مريضة قليلاً من يوم الحفل. على الفطار كان يجلس كالعادة يترأس المائدة. ينظر لذلك المقعد الفارغ يقول بقلق: "هي مليكة مش هتنزل النهاردة بردو." ناهد (والدته) "لسه تعبانة. الجو يومها فعلاً كان مرطب وهي كانت لابسة كت وقصير أوي. تبقى إن شاء الله كويسة." شعر ببعض القلق يتذكر حديثه معها اعترافها له. أكيد مغتاظة نفسياً مما قاله. أو ربما لا تقوى على مواجهته.

صمت فهي بالتأكيد يومين وتكن بأفضل حال. تحدث فادي: "طب أنا هطلع أحاول أجيبها تفطر معانا. ماينفعش نسيبها كده." ولكن صدح ذلك الصوت الذي جعل الكل ينظر خلفه وخصوصاً عامر تتسع عيناه بذهول وهو يراها بكل تلك القوة تتبختر على السلم بجوار صديقتها تقول: "لا أنا جايه بنفسي يا فادي."

ينظر لها مستغرباً بشدة. يشعر أن هناك شيء مختلف بها. ربما قوة لم يعدها. بريق لامع بعينيها. ربما أنوثة زائدة. لا يعلم لكنها اليوم مختلفة. لما لم تهتم بنظراته عليها كما اعتاد دائماً. يراها تجلس تسحب إحدى شرائح الجبن الرومي وهي تبتسم لصديقتها التي جلست لجوارها بمرح شديد. توقع أن تكون منهارة. لكن لم يحدث.

وهي تجلس بجوار ندى توعد بتغيير وقلب كل الموازين. من يظن نفسه كي يهزأ بمشاعر وقلوب الغير ويرفضها بتلك الطريقة. ستجعل الحلم حقيقة. تقسم أن تفعل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...