الفصل 2 | من 36 فصل

رواية انصاف القدر الفصل الثاني 2 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
54
كلمة
4,814
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

تجلس ببيت ندى لا تصدق ما تسمعه. والدة صديقتها، والتي تتخذها رمزاً للعقل والحكمة، خرجت عن صمتها وتريد الطلاق. كانت نجلاء تقوم بصب القهوة لها ولمليكة لحين استيقاظ ابنتها الكسولة. تنهدت وهي تلاحظ نظرات مليكة موجهة لها بصدمة. تحدثت قائلة: "عارفة أنتِ بتقولي عليا إيه دلوقتي؟

زي أمي وإخواتي وكل الناس. الناس شايفيني اتجننت على كبر. شايفين قدامهم باشمهندس قد الدنيا، مكفي بيته وعياله. دايماً وهو راجع من شغله شايل ومحمل، وأي حاجة نطلبها بنلاقيها. ما يعرفوش إن الباشمهندس المحترم ده سرقني." اتسعت أعين مليكة، فأكملت: "أيوه سرقني. سرق عمري، سرق شبابي. لما تعيشي مع راجل عمره ما حبك ولا حتى حاول. عمره ما قالي كلمة حلوة ولا حتى شكر أو اعترف بأي مجهود بعمله.

وكل كلامه: 'وانتِ قاعدة في البيت بتعملي إيه يعني؟ '. على فكرة، أنا عارفة إن فيه رجالة كتير مش بتعرف تعبر عن حبها وبتتحرج من كده، بس على الأقل بتترجمه لأفعال حتى لو بسيطة. ده غير إن الباشمهندس توفيق لسانه حلو أوي بره. بره البيت بيتحول. عايش معايا وهو نافش ريشه، مستكتر نفسه عليا ودايماً موصلي الإحساس ده. لما بقولك سرق عمري مش ببالغ. عارفة يعني إيه لما تبقي طول عمرك عايشة مع بني آدم محسساكي إن هو ده بس اللي تستحقيه؟

هو ده أقصى حاجة ممكن توصليلها وماتحلميش ولا تطمعي في أكتر من كده. طول عمري شايفة نفسي حلوة. معاه بدأت أحس إني مش حلوة أصلاً من طريقته معايا. طول الوقت عنده علاقات، كلام خروج.

ولما أنطق أمي تقولي: 'طالما بيخلص لف بره وييجي ينام في فرشتك يبقى خلاص'. خلاص خلاص خلاص. لما بقا العمر كمان خلاص. عمري اتسرق من غير ما أعيش ولا أحس بأي لحظة حلوة. دايماً عايشة في ضغط واسترس. لا الأكل بيعجبه ولا ذوقي في ترتيب البيت ولا حتى شايف إن بعرف ألبس عدل. هه، ده حتى تربيتي لبنتي مش عاجباه ودايماً كان يعلق على كلامي، ألفاظي. انتِ متخيلة أنا عايشة في إيه؟ ده غير إني تقريباً مش عارفة عنه حاجة. معاه كام بيقبض كام؟

ومش مسموحلي حتى أعرف. لما أتكلم يرد عليا بقرف ويقولي: 'مش ليكي إن اللي بتحتاجيه تلاقيه، مالكيش فيه بقى'. عارفة يعني إيه يا مليكة إن أعرف أخبار جوزي من سلفتي؟ وتبقى قاصدة تقول قدامي قال يعني وقعت بلسانها عشان بس تكيدني وتقولي: 'إيه ده هو توفيق مالكيش؟ طب والنبي ما تقولي لحد إني قولتلك حاجة'. متخيلة كل ده عيشت فيه سنين؟

ضيعت فيها شبابي وأنا بسمع لنصايح أمي العاقلة وأني أحافظ على بيتي وما أخربش على نفسي وكل الحاجات دي. وأدي النتيجة. عمري ضاع على الفاضي. تعبت ومابقتش قادرة أستحمل أكتر من كده." كانت تستمع لها بصدمة. من يراها لا يصدق أبداً أنها هي نفسها تلك المرأة التي تبتسم وتتعامل وكأن لا شيء يحدث، كأنها تعيش حياة مستقرة هادئة. تحدثت بصدمة: "يعني ناويه على إيه يا طنط؟ تنهدت نجلاء وقالت:

"مش عارفة. بس كل اللي أعرفه إن خلاص. إحنا اتطلقنا ومش هيقدروا يضغطوا عليا ويرجعونا لبعض. عمري ما هرجعله تاني." مليكة: "طب وندى؟ نجلاء: "ندى هي اللي استحملت عشانها كل ده وهي خلاص كبرت ومصيرها تفهم. زي ما انتِ فهمتيني هي هتفهم." مليكة: "بس ماينفعش. حبستك في البيت دي. لازم تخرجي وتغيري جو، كده غلط عليكي. انتِ بقالك أكتر من أسبوعين ما شفتيش الشارع." نجلاء: "لأ، مانا قررت أخرج معاكوا النهارده." اتسعت أعين مليكة:

"إيه التحول الرهيب ده." نجلاء بإصرار: "أنا عيشت دور الضحية كتير أوي. وبعد كل السنين دي عرفت إن المسكنة والكسرة مش هتفدني ولا هتوصلني لحاجة. يمكن لو كان حصلي كده من كام سنة كنت انكسرت واكتئبت. بس دلوقتي وفي سني ده، أنا في عز النضج. هخرج وهتبسط. وفي الأول والآخر مش بعمل حاجة غلط. ده أنا كمان هتصل بيه أطلب فلوس." كاد فم مليكة يسقط أرضاً وهي تستمع لها وتقول: "بجد؟ وهتقبليها على نفسك؟ احتست نجلاء بعض القهوة باستمتاع

وهزت كتفيها قائلة: "اممم. وما أطلبش ليه؟ دي أقل حاجة أصلاً. قولتلك مش هعيش دور الضحية. ده أنا هطلب وهطلب وهطلب. وأنا عارفة إنه هيدفع. ده حقي وحق بنتي. ما يجيش حاجة قدام عمري اللي راح معاه." مليكة: "أيوه بس هيبقي مديها لكِ وهو حاسس إنك محتاجاه أو إنه بيجبن عليكي." ضحكت نجلاء بسخرية:

"ههههه. ضحكتيني والله يا مليكة. حبيبتي، هو هيفضل شايف كده طول عمره سواء طلبتي منه فلوس أو لأ. مش هستفاد حاجة لما أحسسه إن بجملت وأنا أكبر من إني أحتاجلك وكده. مش هيشوفني أصلاً. افهمي بقى، ده واحد مش حاسبني من البني آدمين أساساً. أنا هاخد منه اللي أقدر عليه ومش هاخدها على كرامتي خالص. مش هيبقى تعاسة وفقر كمان." تعمقت مليكة في حديث نجلاء، تشعر أن معها كل الحق فيما قالت. نجلاء:

"بتت. سرحتي في إيه. اشربي القهوة يلا على ما أدخل أصحى ندى وألبس أنا كمان." بعد ساعة تقريباً. كن يخرجن ثلاثتهن من البناية يخططن ليوم أكثر من رائع. كانت نجلاء ترتدي بنطال أبيض واسع مع توب أبيض وعليهم جاكيت صيفي طويل من اللون (البيبي بلو) وحجاب مدمج من اللونين. كانت في قمة أناقتها وأنوثتها، تسير معهن وكأنها قريبة من عمرهن.

جلس المعلم رجب أمام محل الجزار التابع له ينفس دخان أرجيلته وهو يضع قدم فوق الأخرى. اعتدل بسرعة وانشراح صدر وهو يرى تلك المرأة التي طالما كانت حلماً صعب المنال. تسير أمامه بكل تلك الأنوثة والجمال. وقف سريعاً يقول بأدب: "صباح الخير يا ست أم ندى." وقفت نجلاء ومعها الفتاتين، وندى تسترق النظر داخل محل الحزارة. نجلاء باستغراب: "صباح النور يا معلم. خير في حاجة؟ رجب باستعجال: "الا انتِ رايحة فين كده؟ نجلاء: "نعم؟!

استدرك نفسه وذلة لسانه النابعة من شغفه ولهفته عليها وقال: "لا ولا مؤاخذة مش القصد. أنا... أنا بس بقالي كذا يوم مش بشوف سي الباشمهندس توفيق. الا هو فين؟ مش خير إن شاء الله؟ نجلاء: "وهو انت يا معلم قاعد راصد كل رجالة الحتة وعارف مين بات في فرشته النهاردة ومين لأ ولا إيه؟! رجب: "ها؟!! .....

لا مش القصد. إني بس شوفته من قيمة أسبوعين كده واخد شنطة هدومه ومن ساعتها مارجعش، فقولت نسأل لا يكون في حاجة ولا محتاجين حاجة ولا في مشكلة كبيرة إن شاء الله. ااالاسمح الله يعني." رفعت مليكة حاجبها تنظر لندى وكذلك ندى لديها نفس الشعور. نجلاء: "لا كلك واجب يا معلم. لا خير إن شاء الله ماتقلقش. عن إذنك... يلا يا بنات."

ذهبت من أمامه وهو يقف بدقات قلب عاليه وانفاس مسلوبة. مجرد وجودها أمامه، طلتها، هيئتها، رائحتها، وقوفها أمامه وجهاً لوجه حلم كبير جداً. سبحان الله من النقيض للنقيض.

طوال اليوم ومليكة تحاول أن تقلد نجلاء في كل شيء. لن تعيش حياة الضحية، لن تكن نجلاء الثانية وتتزوج من رجل لا يراها من الأساس. تحاول أن تستمتع بيومها وتدخل السرور على قلبها بنفسها كما ترى نجلاء تفعل بالضبط. فقد ذهبت نجلاء للتسوق، اشترت الآيس كريم وأصرت على أن تأكله وهي تسير في الشارع. ذهبت معهم للملاهي، فعلت أشياء كثيرة بيوم واحد. كانت عازمة على الذهاب للبيت وهي لا ترى أمامها، تستلقي على الفراش بنفس ملابسها من شدة التعب وقد كان.

كذلك فعلت مليكة مثلها بالضبط. لطالما كانت علاقتها بوالدة ندى جميلة جداً، كأنهم أصدقاء. لكن طوال يومها وأثناء ما هي تتخذ قراراً بأن تحيا بسعادة لم تنسَ أبداً تارها مع عامر الخطيب. لن تصمت أبداً أو تجعل الأمر يمر هكذا، لن تعيش هي أيضاً بدور الضحية. عادت للبيت منهكة جداً. لا تريد أو تقدر إلا على النوم. كانت قد دلفت للداخل وهي بطريقها لصعود الدرج. جاء صوته من خلفها يقول بغضب: "مليكة... كنتِ فين لحد دلوقتي؟

استدارت له بتعب في أول مواجهة لهم بعد ذلك اللقاء المخزي منذ أسبوعين. مليكة بثبات: "في حاجة يا ابيه." عامر: "أظن سمعتي سؤالي. كنتِ فين لحد دلوقتي؟ مليكة: "كنت فين؟ باينة أوي إني كنت برا البيت." عامر: "إيه ده بجد؟ تصدقي ما كنتش واخد بالي." بعدها هدر بغضب يقول: "كنتِ فين؟ مليكة بتعب: "هو حضرتك بتعلي صوتك عليا ليه؟ عامر:

"لما بنت من بنات الخطيب تخرج طول اليوم لوحدها ومن غير ما تقول لحد وكمان ترجع متأخرة كده عايزاني أسكت. بصي حواليكي يا هانم... كل البيت نايم وحضرتك لسه راجعة من بره. قولتي لمين إنك خارجة أصلاً." مليكة: "قولت لفادي." عامر: "وانتِ بقيتي بتاخدي إذنك من فادي دلوقتي؟ ما طول عمرك بتاخديه مني أنا." مليكة: "مش هو خطيبي؟ وبكرة يبقى جوزي. لازم أتعود آخد الإذن منه هو وبس." عامر: "والله؟ أغمضت عينيها تبتسم داخلياً

بخبث تقول بإعياء شديد: "آه. والنبي سبني بقى يا ابيه عشان مش قادرة أقف على رجلي، حاسة هقع وأنام هنا دلوقتي." مثلت أن قدميها لم تعد تحملها بإحتراف شديد، فتقدم سريعاً بغضب يتلقفها بيده ويحملها على ذراعيه يصعد بها الدرج يقول: "ليه كنتِ فين كل ده مش قادرة تقفي على رجلك كده." مليكة بخمول: "على فكرة ما يصحش كده، أنا هطلع لوحدي." عامر: "لأ ماهو واضح إنك قادرة تطلعي أوي...

كنتِ فين كده طول اليوم مخلياكي مش قادرة تقفي على رجلك." مليكة: "في الملاهي." عامر: "الملاهي؟ ولوحدك بقا؟ مليكة: "لأ طبعاً مع صحابي." نظر لها بنظرات مذبذبة، يشعر بشيء غريب وهو يحملها كعروس هكذا بين يديه. رغم أنه فعلها كثيراً جداً وهي صغيرة. ماذا؟ وهل كبرت الآن عليه؟

هي لازالت مليكة الصغيرة التي رباها. كان يتمتم بذلك يقنع نفسه بشدة. لكن رائحتها أصبحت مختلفة عن آخر مرة حملها فيها. آخر مرة حملها كانت رائحتها ممتلئة بالطفولة والبراءة، لكن الآن رائحتها تذبذبه وتوتر جسده. لكنه تمالك حاله بغضب مما يفكر به، ينظر لها بغضب لما جعلته يشعر به. وضعها على الفراش ببعض من الحدة يقول: "طب نامي... والصبح لينا كلام تاني." هم بخلع حذائها فقالت بسرعة وتوتر:

"إيه إيه.. إيه يااا ابيه أنا هقلعها وأنام." عامر: "إيه؟ مانا ياما غطيتك ونيمتك." مليكة: "أنا كبرت خلاص مابقاش ينفع. لو سمحت اطلع عشان أغير هدومي." كانت تتحدث بجدية وخبث في نفس الوقت. وهو ينظر لها صامتاً لدقيقة يتمعن ويستوعب، إلى أن هز رأسه وقال: "أوكي. تصبحي على خير." خرج من عندها مذبذباً حقاً وأفكاره مبعثرة وهي تخلع كل حذاء على حدة تلقيه أرضاً بإهمال وكبر، توعد له بالكثير والكثير. صباح يوم جديد.

يجلس الكل على طاولة الإفطار كالعادة. الكل موجود ما عدا فادي الذي ذهب بعطلة لأيام مع أصدقائه. ومليكة التي لم تحضر حتى الآن. كانت الجدة تهمهم كأنها تود قول شيء، فقالت ناهد: "إيه يا ماما... بتسألي عن مليكة؟ نظر لهم بطرف عينيه يرى الفت تومئ برأسها إيجاباً فتجيب أمه: "خلاص بعت داده اعتماد وصحت ونازلة أهي." ابتسمت الفت تحاول تناول طعامها بصعوبة بيدها. أكملت ناهد حديثها وقالت:

"على فكرة يا ماما.. أختي صفاء وبنتها جايين يقضوا معانا يومين. ده طبعاً بعد إذنك." ابتسمت لها الفت مرحبة وهو يغمض عينيه بملل. هل كان ينقصه خالته وابنة خالته (هديل) ومخططات أمها بزواجها منه؟ أيضاً مشاكل مليكة الدائمة معها. همممم الآن فقد ترجم كل شيء واستوعب. إنها الغيرة. كانت تفعل معها ذلك وهي تعلم أن هناك خطط لأن تكون هديل هي عروسه. لذا اليومين القادمين ستكون هناك مشاكل كبيرة من الغيرة وخلافه.

عاود تناول طعامه بغرور وهو يتذكر ويعرف ركض مليكة خلفه واهتمامها الكبير. ثواني وكانت تهبط الدرج ترتدي فستان ناعم من الأخضر. ترفع شعرها عالياً، تشع جمال ورائحة جميلة، يبدو أنها غيرت عطرها. هذا ما كان يفكر به وهو يقلب عينيه بملل. يعلم، سيجن جنونها الآن وتزيد من جرعة الاهتمام بعد معرفتها بقدوم هديل. ماذا؟!

لم تهتم حتى بقول سلام خاص به كما كانت تفعل، وإنما ألقت سلاماً جماعياً. ينظر لها بقوة وهو يجدها لا تنظر له ولو مرة واحدة، لم تحن منها أي التفاته ناحيته. ماذا هناك؟ أين مليكة التي كانت دائماً عيونها عليه، تراقب كل حركة وكل كلمة. كان بالطبع يلاحظ اهتمامها الكبير وتوددها واختلاق أي حديث تماطل به كي يطول. لم يكن يعلم السبب ولكنها بيوم عيد ميلادها فسرت له كل شيء. أين كل هذا الآن؟

حسناً، لا بأس فهى على أي حال سيجن جنونها الآن بعدما تعلم أن خالتها قادمة. ولكن لما لم تتحدث أمه بالأمر ثانية؟ تباً، ألا تعلم الآن؟ يريد أن تتحدث أمه من جديد كي تعلم تلك الصغيرة وينتشي من ردة فعلها المجنونة كما عهدها سابقاً. لا بأس، اهدأ يا عامر لا تقلل من هيبتك، بالتأكيد ستتحدث أمك الآن.

مرت دقائق والجميع على وشك الانتهاء من الفطور وأمه لم تعيد حديثها. وتلك مليكة لم تلتفت له ولو بنظرة. عصبيته جعلت كل شيء يخرج عن السيطرة، فتحدث فجأة وقال: "وهما هيقعدوا قد إيه يا أمي؟

عامر سيظل عامر. هيبته وكبره جزء لا يتجزأ منه. برغم عصبيته يتحدث بكبر وكلمات مقتضبة وعلى الطرف الآخر أن يفهم ما يقصده بتلك الكلمات القليلة بل ويجب سريعاً. يستمع لأمه وعيونه مثبتة بغضب عليها وهي لم يرمش لها جفن، بل تضع المربى على الخبز وتقضم بأسنانها باستمتاع شديد رغم حديث أمه التي قالت: "ممكن تلات أيام. انت عارف خالتك صفاء بتحب جو البيت هنا أوي هي وهديل."

لازالت تكمل طعامها وهي تبتسم لجدتها، كأنه غير موجود، كأن الجميع غير موجود. ألا يوجد على تلك المائدة غير جدتها تنظر لها وتتفاعل معها. أين مليكة التي عهدها تختلق معه أي حوار وتصب كل اهتمامها عليه هو فقط حتى نظرات العيون. وهناك على طرف الطاولة فرد وحيد يتابع كل شيء بفرحة كبيرة، وهي الجدة الفت. تنظر لمليكة تبتسم وكأنها تدعم ما تفعله. هي الوحيدة التي تلاحظ غضب عامر مهما حاول كبته.

مازال ينظر لها بغضب ينتظر أي نظرة أو التفاته، لكنها لم تفعل كأنه هواء. لم يعد يحتمل أكثر تحدث بغضب فجأة افزع البعض وجعلهم ينظرون له باستغراب: "مليكة... خلصي فطارك وحصليني على المكتب." هم يغادر بثقة وثبات ولكنه توقف على صوتها الناعم: "مش هينفع يا ابيه أنا اتاخرت ولازم أخرج دلوقتي. خليها بعدين." استدار لها بغضب وألفت تبتسم بشماتة وانتشاء. عامر: "نعم؟ أنا أما أقول تيجي ورايا يبقى تيجي ورايا. وكمان تعالي هنا...

رايحة فين وقولتلي لمين إنك خارجة وهتروحي فين ومع مين وراجعة إمتى؟ تدخلت ناهد: "فيه إيه بس ياحبيبي ماتهدى إيه كل الأسئلة دي. ماتسيب البت تخرج وتفك." عامر: "لو سمحتي يا أمي ماتدخليش." عاود النظر لها يقول: "ماتردي." مليكة بهدوء: "أنا قولت لتيتا إني خارجة. صح يا تيتا." أومأت الفت برأسها تبتسم بشماتة عليه. عامر: "لأأأأ.. ده أنا لازم أفهم فيه إيه. أقل من دقيقة وتكوني قدامي في المكتب. سامعة."

هدر بالأخير بغضب افزعها رغم أي شيء وشتت ثباتها. أخذت نفس عميق تهدأ روعها تستعد للقادم وهي تضع زيتونة كبيرة في فمها تنظر لالفت التي تتابعها بحماس وسعادة. وقفت تعدل من ثيابها وتعيد فرد خصلات شعرها خلفها بكبر. مالت على جدتها تقبل رأسها قائلة: "مالك مبسوطة بزيادة كده النهاردة." اتسعت ابتسامة الفت أكثر وأكثر فقالت مليكة: "والله شكلك فاهمة كل حاجة ومدبرة." أومأت لها الجدة سريعاً بحماس توافقها الرأي فاتسعت أعين مليكة:

"أنا قولت كده بردو يا تيتة يا سوسا انتي." لكزتها الفت توبخها في حين صدح صوته بغضب يستعجلها: "ملييييييكه." نظرت لالفت بابتسامة وقالت: "هاااااي. استعنا على الشقا بالله. قوينا على الشر يارب." ضحكت الفت وهي ذهبت بهدوء وثبات له. دقات على مكتبه تبعها صوته الغاضب: "ادخلي." دَلفت بهدوء فقال: "اقفلي الباب وتعالي." نفذت الأمر بهدوء وثبات واتجهت لتقف مقابل مكتبه. عامر: "أنا عايز أفهم حالا فيه إيه؟

"كتلة برود وغرور متحركة. يسأل وكأنه لم يفعل شيئاً. كأنه لم يكسر قلبها وخاطرها من أسبوعين. كأنه لم يحرج طبيعتها ويرفضها. ولم يكن رفضاً عادياً، إنها رفض مهين، مخزي. تتألم كلما تذكرت ضحكاته التي فشل في كبتها، ومغادرته في نفس الدقيقة مع تلك الشقراء. وبعد كل هذا يغضب لأنها تحولت ولو قليلاً. كم هو أناني. يريد أن ترفضه وتظل تهتم كالسابق." ردت بثقة: "عايز تفهم إيه؟ هو إيه اللي محتاج شرح مثلاً وأنا أشرحلك."

توترت نظراته. تلك الصغيرة تضعه بخانة إليك. ماذا يقول الآن؟ هل يخبرها أنه غاضب من زوال اهتمامها ولهفتها عليه... أم لأنها أصبحت لا تأخذ أوامرها منه؟ لأول مرة يضعه شخص بهذا الموقف، أن يقف عاجزاً عن الرد. وقد فعلتها مليكة. أصغر فرد يتعامل معه في حياته كلها. تحدث بعد مدة يحاول الثبات: "إزاي تتأخري امبارح برا كل ده.. وما تقوليش إنك خارجة." مليكة: "أولاً أنا قولت لحضرتك.. إني قولت لفادي وأنا... قاطعها بغضب:

"وانتِ بقيتي بتاخدي إذنك من فادي خلاص؟ قلبت عينيها بملل مصطنع تقول: "على فكرة حضرتك قولتلي كده امبارح بردوا وأنا قولتلك إنه خطيبي وهو اللي المفروض آخد الإذن منه مش حد تاني." ينظر لها بغضب. منذ متى هذا الكلام. تحدث هو: "ومن إمتى الكلام ده." مليكة: "اعتبره من النهارده أو امبارح وات إيفر يعني. وبعد إذنك بقا عشان مستعجلة ولازم أمشي." عامر: "أنا لسه ما خلصتش كلامي." مليكة: "ممكن نكمل لما أرجع.. لازم أخرج دلوقتي."

عامر بغضب: "مالك بقيتي متسرعة كده وعايزة تخلصي كلام معايا وتجري. فيه إيه؟ أعادت فرد خصلاتها البنية خلف ظهرها بدلال وكبر تقول وهي تهم للمغادرة: "معلش مستعجلة.. نكمل كلامنا بالليل. باي يا ابيه." عامر: "ماشي.. ماشي يا مليكة أما أشوف فيه إيه." قالها وهو يتحجج بالأساس. ما صدق أن وجد حجة تجعله يفتح معها حديثاً بالمساء بعد ذلك التجاهل الذي أصبح يواجهه منها وهو غير معتاد على ذلك.

مر اليوم سريعاً على الجميع وها هو يجلس بغرفته ينتظر أن تأتي وتكمل حديثها الذي قطعته في الصباح. يعلم، لقد عادت منذ ساعة. وكما تعود ويعلم، ستأتي الآن تفتح معه الحديث. بكل غرور وثبات ظل يجلس على مقعده بهدوء داخل مكتبه ينتظر أن تأتي إليه وهو سيتصنع الانشغال بالطبع. مرت 15 دقيقة أخرى ولم تأتِ. تفاقم غضبه من تجاهلها له وخرج من مكتبه سريعاً يصعد الدرج. كانت تجلس بغرفتها تضع طلاء الأظافر على يديها وهي تغني بدلال وخبث:

"أنا مش مبيناله أنا ناوياله على إيه.. ساكتة ومستحلفاله ومش قايلة له ساكتة ليه.. خليه يشوف بعنيه.. إيه اللي ناوية عليه هخليه يخاف من خياله لما أغيب يوم عن عنيه.. كتر خيري إني آمنته واستحملته يا قلبي زمان ييجي عليا واعديه ويسوق فيها معايا كما... قطع غناءها وهي تراه يفتح باب غرفتها بغضب. ابتسمت داخلياً كانت تعلم أن ذلك سيحدث ولكن ليس بهذه السرعة أبداً. ادعت الغضب تقول: "إزاي حضرتك تدخل أوضتي كده من غير ما تخبط؟

ما يصحش كده أبداً. عيب." لم يعير حديثها اهتماماً وقال: "انتي قاعدة تغني وتحطي بتاع على ضوافرك وسيباني أقعد استنى كل ده." استدارت تكتم ضحكاتها المتشفية تقول: "ما اسمهوش بتاع اسمه 'مونيكير'. وبعدين حضرتك مستنيني ليه؟ هو فيه حاجة؟ (كان فيه حاجة إن شاء الله 😅) عامر: "نعم؟ أنا مش قولتلك هنكمل كلامنا بالليل.. ماهو ساعتك كنتِ مستعجلة أوي الصبح." مليكة:

"أنا مش فاهمة بجد إيه اللي هنتكلم فيه. حضرتك بصراحة مدي الموضوع أكبر من حجمه الطبيعي. خلاص خرجت وجيت. أخدت الإذن من فادي مـا حصلش حاجة لكل ده. الموضوع بسيط. وبعدين حضرتك راجل كبير ومسؤول عندك مسؤوليات واهتمامات أكبر بكتير من إنك تقعد تدقق مليكة الصغيرة راحت فين وجت منين. كان الله في العون والله. اهدى وكبر دماغك كده صحتك. هتركز في إيه ولا إيه." "من هذه؟ " سؤال يردده الآن. أين مليكة التي كان هو شغلها الشاغل؟

الآن تطلب هي منه ألا يعيرها اهتمام. تضعه بين المطرقة والسندان تحرجه، كأنها تقول له لا حجة لديك كي تهتم. نظر لها بعند وكبر وقال: "ماشي. أنا جيت بس أحذرك هديل جاية بكرة ومش عايز بقى شغل العبط ولعب العيال والمشاكل والمناكفة بتاعت زمان دي سامعة؟ رغم كل شيء كانت داخلها غيرة مشتعلة ولكنها انتبهت على حديثه. يحدثها بكل غرور يخبرها بمنتهى العنجهية ألا تفعل أفعال الغيرة هذه لا يريد مشاكسات. ابتلعت غصة مؤلمة بحلقها وقالت:

"لأ ماتقلقش. ممكن بعد إذنك بس عشان راجعة تعبانة ومحتاجة أنام." هز رأسه بمعنى نعم؟ مليكة: "إيه؟ عايزه أنام. اتفضل." ردد بذهول: "اتفضل؟! مليكة: "آه اتفضل. هو أنا بشتمك؟ بقولك اتفضل عشان عايزة أنام." قبض على أصابعه يده بغيظ وقال: "هتفضل ماشى." خرج من عندها بغضب ولكنه رغماً عنه أصبح ينتظر قدوم هديل بفارغ الصبر. في الصباح.

تقدمت السيدة صفاء تدخل من بهو القصر يرحب بها الجميع. ومعها فتاة ذات جمال هادئ، وجه خمري مستدير وعيون سوداء. ترتدي دريس سماوي بأكتاف حول الذراعين وحذاء أرضي بسيط. كانت خجولة وجميلة حقاً. تجلس تبتسم وتتحدث مع الجميع. جاء عامر فغمرته صفاء بقبلات وأحضان ترحب به ترحيب شديد: "أهلاً أهلاً يا حبيبي وحشتني." عامر: "أهلاً بيكي منورانا. أهلاً يا هديل إزيك." ابتسمت برقة: "الحمد لله. إزيك أنت يا عامر."

أجابها وعيونه على الدرج ينتظر تلك اللحظة منذ الأمس: "الحمد لله تمام." صفاء: "والله انتوا وحشتونا أوي. وخصوصاً انت يا عامر. أهههه.. ده حتى هديل هي اللي أصرت وقالتلي لازم نروح نزور خالتو وعامر. مش كده يا هديل؟ أههه." أغمضت هديل عينيها بحرج وقد سئمت أفعال أمها وتلك المواقف التي تصر على وضعها بها. هي يوماً لم تسعَ لأي شيء مما تخطط له والدتها ولكنها ذات شخصية ضعيفة ومهزوزة جداً.

أما عامر فتهلل وجهه يبتسم بثقة وخبث يستعد لتلك المعارك والمناوشات التي ستحدث الآن بين مليكة وهديل كالعادة. يستمع لصوت خطواتها على الدرج، وهو يراها ترتدي بنطال من الجينز ضيق به بعض الخدوش. وفوقه تيشرت عليه رسمة شبابية. جمعت شعرها قطتين. ترتدي نظارة مدورة من الزجاج الشفاف. يبدو أنها ستخرج اليوم بلوك جديد أو فعلت ذلك لتبرز جمالها أمامه وأمام هديل. لكنها وللحق جميلة جداً اليوم وبهيئة يجب أن يعترف فعلاً بذلك.

لكنه ما زال يبتسم بثقة ينتظر وكله فرحة القادم. ولكن تلاشت ابتسامته وتحلت معالم الصدمة وجهه وهو يراها تتقدم منهم بهدوء ووداعة مرحبة: "طنط صفاء إزاي حضرتك... إزيك يا هديل... إيه الجمال ده؟ احلوّينا أوي." احتدمت علامات وجهه بغضب لم يكن يتوقع أن يغضب يوماً من تصالحهم هكذا. ما الذي يحدث هنا؟ ........

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...