في قصر آل ترك بالرياض حيث يقام عزاء جد مروان وكبير عائلة آل ترك. المشهد: ميسون ترتدي الأسود، منعزلة عن الجميع في جانب مظلم من حجرة مظلمة، لا تكف عن البكاء. في بعض الأحيان تقوم بضرب نفسها على وجهها في حالة هستيريا من البكاء والنحيب. من يراها يعتقد أنها تبكي جدها، لكن في واقع الأمر هي تبكي وتنتحب على نفسها.
تجلس وتتذكر حواراتها معه. حقًا كم كان رجلاً حكيمًا يعرفها جيدًا ويعلم ما تخفيه. من نظرة واحدة يعلم ما يدور في عقلها. لقد جاهد معها كثيرًا ليثنيها عما كانت تفعله. لقد كان صادقًا في نصائحه وإرشاده لها، لكن العناد كان دائمًا سيد الموقف.
تنتبه ميسون من شرودها مع أحزانها على صوت مروان، ذلك الجلاد الذي تركه لها جدها. ولكنها لم تكن أبدًا تغضب منه حتى لو كان قاسيًا عليها، فهو بالنسبة لها الأخ الأكبر على الرغم من صغر سنه. فميسون كانت فتاة وحيدة ومروان هو ابن العم الأقرب لديها من الجميع. مروان: لحد إمتى هتفضلي على الحال ده؟ من يوم الجنازة من أسبوع وأنتي حابسة نفسك في غرفتك من غير أكل ولا شرب ولا حتى نوم. بجد أنتي بتموتي بالبطيء.
ميسون بدون أن ترفع وجهها: لو ينفع كنت عملتها وارتحت، لكن أنا عارفة إن مفيش راحة. مروان: ليه بتقولي كده؟ إحنا مسلمين موحدين بالله، سيبنا إيه بقى للملحدين؟ ولا عشان من كتر معاشرتك للغرب الملحد تبنيتي أفكاره؟ (ميسون تنظر إلى مروان بعيون مليئة بالدموع ثم تنظر إلى الأرض في خجل) مروان: الخير من عند الله والشر من أنفسنا. ميسون: أنا عاوزه أرتااااح. مروان وهو يقف استعدادًا
للخروج من غرفتها: شوفي أنتي غلطتي في إيه وخلي بينك وبين ربك عمار، وأنتي هتلاقي الراحة. ميسون: مروان، أنت هتسبني ورايح فين؟ مروان: أنا نازل تحت عندي شوية للمعزين اللي بيجوا، وكمان فيه شوية أمور في الشغل لازم أساويها مع أبويا وأعمامي قبل ما أسافر. ميسون: أنت مسافر إمتى؟ مروان: بكرة إن شاء الله. أنتي عارفة مقدرش أتأخر أكتر من كده، عندي ارتباطات شغل كتير وكمان مريان الحمل تاعبها. ميسون: هي مريان حامل؟ ما شاء الله.
مروان: أيوه حامل في شهرين. تصوري اليوم اللي عرفت فيه خبر حملها هو نفس اليوم اللي عرفت فيه خبر وفاة جدي، وبالصدفة. ميسون: إزاي؟ مروان: بعد ما عرفت إن مريان حامل، كان أول اتصال عملته كان لجدي عشان أفرحه، لأني عارف قد إيه كان عاوزني أتجوز ويكون عندي عيلة زي إخواتي وأهلي...
اتصلت بيه لكن مردش عليا، وبعدها اتصلت بوالدي، لكن للأسف صدمني بخبر وفاة جدي. حسيت بجد إن ظهري اتكسر، على الرغم إن ربنا يطول في عمر والدي، بس حقيقي جدي كان ليه وضع خاص. ميسون: أنت أكتر حفيد كان قريب جدًا من جدي، ويمكن أقرب من ولاده كمان. الله يرحمه. مروان: ومش بس كده، أنا لازم أسافر عشان ندي قربت تولد، وأنتي عارفة هي لوحدها في لندن.
(ونظر لها نظرة غضب لم تستطع ميسون أن تتنفس. شعرت أنها تحترق، وكادت عروقها أن تنفجر من ارتفاع ضغط الدم لديها، لكنها تماسكت على آخر لحظة) ميسون: هي خلاص هتولد. مروان: أيوه في خلال الشهر ده، وكانت مريان هي اللي بتاخد بالها منها، لكن دلوقتي هي مش قادرة تهتم بندي. حقيقي ندي ما اشتكتش ولا حتى طلبت من مريان إنها تساعدها، بس لازم حد يكون معاها. (فترة صمت بين ميسون ومروان) مروان: صحيح يا ميسون، ممكن أسألك سؤال؟
يعني هو أنتي ليه ما حضرتيش فرحي في لندن؟ أنا كلمتك بنفسي بعد محاولات كتير جدًا عشان نعرف نوصلك. كنت عاوزك بجد معايا، أنتي أختي وأنتي عارفة كويس ده، ولو أنا زعلان منك في شئ، فده مالهوش أبدًا علاقة بإننا أخوات. ميسون تبكي بمرارة. مروان: كنت عاوزك تتجمعي مع عيلتك اللي سبتيها شهور طويلة. أنا عارف الأزمة النفسية اللي أنتي بتمري بيها، بس حقيقي وجودنا هيفرق معاكي.... الوحدة اللي أنتي معيشة نفسك فيها مش حل يا ميسون.
(وبياخدها في حضنه ويطبطب عليها، ولازالت ميسون تبكي بانهيار) وعلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية، في أرض الضباب، لندن، تجلس ندي في شرفة منزلها تنظر لابنتها ليلي وهي ترسم. ولديها معرض في مدرستها، ليلي موهوبة في الرسم.
ندي تضع يدها على بطنها تتحسس نبض الجنين، وتمسك بيدها الأخرى آخر صورة أشعة لطفلها. فهي تحتفظ بصور الأشعة لأحمد، فعندما تذهب لزيارة أحمد يطلب منها آخر صورة أشعة لابنه ليعيش تفاصيل نمو ابنه ويشعر معها ببعض لحظات السعادة. فلاش باك. ندي: حبيبي وحشتني. أحمد: (وندي بين أحضانه ويقبل رأسها) وأنتي كمان يا عمري وحشتيني أوي. بستنى يوم زيارتك ليا بفارغ الصبر. المهم، قوليلي عاملة إيه؟ طمنيني عليكم.
ندي: إحنا الحمد لله كلنا بخير، مش ناقصنا غير وجودك معانا، وإن شاء الله يا حبيبي الحزن هينتهي بس الصبر. أحمد: آآه يا ندي لو تعرفي الكلمة دي، على قد ما فيها راحة، على قد ما تنفيذها متعب جدًا... الصبر كلمة جميلة بس إحساسها صعب أوي يا ندي. اللي بره غير اللي جوه. (ندي بتحاول تحبس دموعها بابتسامة تحاول فيها تخفيف الأجواء) ندي: بقولك سيبك من الكلام اللي بيزعل ده.. كنت هتنسيني أهم حاجة جايباها معايا.
(وتبدأ تفتح شنطتها وتخرج ملف. أحمد أول ما شاف الملف كان مبسوط جدًا جدًا. لما فتحه وشاف صور الأشعة لابنه) أحمد: يا الله، ملامحه صغيرة أوي بس جميلة أوي. ندي: طبعًا لازم تكون ملامحه جميلة، مش ابن أحمد حبيبي. أحمد: لا يا قلبي، ده عشان أنتي أمه، أجمل وأحن ندي في الكون كله و....... استني هنا، أنتي بتقولي ابني؟ يعني هو ولد؟
(ندي بابتسامة تهز رأسها بنعم. أحمد بسعادة الدنيا كلها في عينيه، قرب من ندي وباس رأسها وحط إيده على بطنها وبدأ يكلم ابنه) أحمد: مروان حبيبي، أنا بابا. خلي بالك من ماما واختك ليلي. أوعى تزعل ماما، أوعى توجعيها. عاوزك راجل من صغرك في غيابي... تيجي ياحبيبي بالف سلامة.
(ندي كانت تسمع حوار أحمد مع ابنه وتبكي في صمت. وبعد ما خلص كلامه رمت نفسها في حضنه ومقدرتش تخبي دموعها أكتر من كده، لكن أحمد رفع وشها عشان يمسح دموعها وكان بيبكي هو كمان) أحمد: ليه كده بس يا حبيبتي؟ كده غلط عليكي وعلى ابننا. ندي حبيبتي أنتي لازم تكوني قوية. ندي: حبيبي، أنت اللي بتصبرني!!!
أحمد: يا ستي خليها عليا المرة دي، أنا اللي ديمًا بترمي في حضنك وأنتي اللي بتصبريني وتقويني كمان.. ربنا يخليكي ليا. حقيقي مش عارف من غير وجودك جنبي كنت هكمل حياتي إزاي. مش بس وجودك معايا في أزمتي دي، لا كمان وجودك في حياتي كلها. أنتي أكبر نعمة ربنا أنعم عليا بيها. Back. ندي بابتسامة: حبيبي يا أحمد. ليلي: بتقولي حاجة يا ماما؟ ندي بتمسح دمعة نزلت
من عينيها وهي بتفتكر أحمد: لا يا حبيبتي، مفيش حاجة. قوليلي خلصتي الرسمة بتاعتك؟ ليلي: قربت يا مامي، بليز ادعيلي. ندي: ربنا يوفقك يا عمري وأشوفك أكبر رسامة في العالم. في السعودية. مروان يقف أمام منزل جمال أخو ندي، يفكر هل ما سيفعله صحيح؟ هل ستغضب ندي؟
تذكر عندما أعلن عن رغباته في التوسط بينها وبين أخيها وحل سوء التفاهم بينهم، وذلك بعد تعبها أول مرة وأخبرته مريان أن ندي تشعر بالوحدة الشديدة. ولكن إجابتها كانت الرفض. ولكنه الآن لا يستطيع أن يقف مكتوف الأيدي. ف ندي ستلد قريباً ومريان لا تستطيع مساعدتها مثلما في السابق، وبالتأكيد مروان لن يستطيع مرافقتها طوال الوقت، وليلي لازالت صغيرة للعناية بأمها، كما أن ندي لا تحتاج خادمة، هي ليست في حاجة للخدمة، بل في أمس الحاجة لونس في وحدتها، تحتاج لأهلها.
لتشعر بالأمان. قاوم مروان كل الأفكار السلبية بخصوص غضب ندي. رن جرس الباب، فتح الباب ابن جمال، وكان يعرف مروان، وأيضًا مروان كان يعرفه جيدًا منذ حفل زفاف أحمد وندي. مروان: إزيك يا عمر، فاكرني؟ عمر: طبعًا، إزيك يا عمو مروان، اتفضل حضرتك. مروان: بابا فين يا عمر؟ عمر: بابا نايم يا عمو، تعبان شوية. مروان: مالك يا عمر؟ وبابا تعبان من امتى؟
عمر: بابا عمل حادثة من 6 شهور، أثرت على نص جسمه اليمين تأثير جامد جدًا، تقريبًا مش بيقدر يحركها نهائيًا. روان: لا حول ولا قوة إلا بالله. عمر: لحظة واحدة أشوفه لحضرتك، عن إذنك. بعد قليل. عمر: اتفضل، بابا في انتظارك.
مروان دخل غرفة جمال، وعندما رآه لم يكن يتوقع نهائيًا أن تكون هذه حالة جمال، فآثار الحادث واضحة جدًا عليه، يده اليمنى مشلولة بشكل كامل، وكأنه أكبر من عمره بـ 20 سنة. حتى زوجته تغيرت ملامحها بعض الشيء من كثرة البكاء الذي كان أثره لازال على وجهها. البيت حزين. مروان: أستاذ جمال، ألف سلامة عليك. أنا معرفش غير دلوقتي حالا من عمر، أنا أساسًا جاي بالصدفة. طيب ليه ما حدش بلغني؟ وكل أرقامي معاكم. جمال (يتحدث بصعوبة)
امل: أولًا، البقاء لله. أنا آسف، مقدرتش أجي بنفسي أقدم واجب العزاء. مروان: الدوام لله، أنا مقدر ظروفكم. جمال (بصعوبة في الكلام) : أخبار ندي إيه يا مروان؟ وترقرق من عينيه الدموع. شعر مروان أن الله وفقه للوقت المناسب، لأن جمال وندي كلاهما يحتاج للآخر وبشدة. مروان: ندي بخير وهتولد قريب جدًا، وليلي كمان كويسة جدًا. جمال بلهفة: هي ندي حامل؟ ليه ما قلتليش؟ مروان: أظن حضرتك عارف ليه ندي خبّت خبر حملها عنك.
أستاذ جمال، أنا بالتأكيد مش جاي أتكلم بلسانها، كل ما في الموضوع أن ندي محتاجة لوجودك في حياتها، وخصوصًا الفترة دي. أحمد لسه في السجن وفات فترة مش قليلة على وجوده في السجن، لكن ابنه هيتولد وهو مش معاها، وندي وليلي صغيرة مش هتكون قد المسؤولية. ندي محتاجة عيلتها معاها، واللي أنا شايفه إن حضرتك كمان محتاج لها، ولو بشكل معنوي.
جمال: نفسي أشوفها وأعتذر منها. ربنا أخدلها حقها، بس يا ريت ترضى تسامحني وترضى تيجي هنا، علشان مش هينفع أروح لها. مروان: ندي مستحيل تسيب إنجلترا طالما أحمد هناك، وكمان علشان حملها صعب عليها جدًا الطيران. وبعدين مين قال إن حضرتك ماينفعش تروح لها؟
اسمحلي، أنا كنت هسافر النهارده، هأجل سفري لبكره ونسافر كلنا، أنا وحضرتك، وكمان الأسرة كلها. وأكيد في لندن فيها دكاترة ممتازين نقدر نعرض عليهم الحالة، وإن شاء الله ترجع زي الأول. جمال: أشكرك جدًا، بس أنا مش هقدر، لسه فيه إجراءات سفر طويلة ليا وكمان للولاد. مروان (مقاطعًا)
: إحنا هنسافر بطيارتي الخاصة، مافيش أي حجة أو أعذار. بكره الساعة 10 الصبح فيه سيارة إسعاف هتيجي علشان تاخد حضرتك، وأنا هاجي بسيارتي علشان آخد الأولاد. ويا ريت تحضر كل الأوراق والأشعات بتاعت حضرتك، وإن شاء الله ترجع زي الأول. أستأذن لأني مرتبط بمواعيد كتير، وعلى فكرة أنا مش هقول حاجة خالص لندي، هتكون مفاجأة حلوة ليها لما تشوفكم قدامها بكره إن شاء الله.
مروان قام وسلم على جمال، لكن جمال شد على إيديه وبكى بشدة، ولم يخجل أن يظهر دموعه أمام شخص غريب عنه، وكان يتمنى من قلبه أن تكون دموعه توبة وأن يسامحه الله على تركه لأخته، وأيضًا أنه لم يكن سندًا لها، وخصوصًا أنه بمثابة الأب. في اليوم التالي. جلست ندي كعادتها في شرفة منزلها تنظر إلى صورها مع أحمد وتسترجع ذكرياتها معه، إلى أن دق جرس الباب. ندي: مش معقول! إزيك يا حبيبتي؟ وحشتيني!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!