الفصل 10 | من 40 فصل

رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
25
كلمة
8,528
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

تجمد جسدها لثوانٍ وهي تشعر بشيء حاد يكاد يخترق جسدها من الخلف، اتبعه تلك الأنفاس الحارة خلف عنقها، وذلك الهسيس الخشن بجانب أذنها. "جولتك هخطفك، مصدقتنيش، واني چاي انفذ وعدي." خيط من السكينة بدأ يتسلل إلى داخل قلبها الذي استشعر نبرة قاطعة، والذي جعل نبضاته تتضاعف، ولكن ليس ذعرًا بل شوقًا. تمالكت نفسها والتفتت تناظره بقوة توازي قوة دقاتها الهادرة. "ايه اللي بتعمله دا؟ انت اتچنيت ولا إيه؟

برؤيتها اكتملت صورة البدر في عينيه، التي وقعت أسيرة لحُسنها في ذلك الرداء القطني الطويل، والذي يُعانق منحنياتها بدلال، ويُبرزها على استحياء، يُناقض مجون خصلاتها التي كانت تتماوج بإغواء حولها، لتعطيها هالة من الجمال الذي ضاعفته قطع الشيكولاتة الذائبة في مُقلتيها، بتلك السياج الكثيفة من الرموش، التي حين ترفرف بها وكأنها تعبث بدقات قلبه، الذي تضاعف هيامه بها، خاصةً وأن ذلك الغضب روى خديها بدماء الخجل، فنبت محصول التفاح الشهي، وتناثرت ثماره بين وجنتيها وشفتيها، التي كان إغواؤها مُهلِك بل فاتِك للحد الذي جعله يقول دون وعي.

"يابوووي، هو في حلاوة أكده! تبدّل غضبها الحارق إلى خجل غامر، جعلها تدير رأسها للجهة الأخرى وهي تقول بتلعثم. "ايه... ايه اللي هتعمله ده؟ هتفرچ علينا الناس؟ «عمار» بنبرة مُشبعة بالشغف. "يتفرّجوا، عشان يعرفوا إن أبوكِ راجل ظالم عايز يحرمني منك." كلماته كانت تلهو بدقات قلبها، الذي لم يتجاوز صدمته بعد، ناهيك عن وطأة حضوره الطاغي، لذا أخذت تحاول استرداد أنفاسها الهاربة، قبل أن تقول بارتباك.

"بطّل حدَيتك الماسخ ده، وامشي، بلاش فضايح." شهقة خافتة شقت جوفها حين سمعت تلك الدبة القوية، والتي توحي بأنه تخطى سياج الشرفة ليصبح خلفها مُباشرةً، فانحبست الأنفاس، يصدرها وأغمضت عينيها، تحاول استدعاء جزء من ثباتها المفقود، لتأتي كلماته وتضرب بكل مُحاولاته عرض الحائط. "العاشِج لا عليه لوم ولا عتب."

امتدت يديه تلامس رسغها، يُديرها إليه، ليبتهج قلبه وتقر عينيه بمطالعة حُسنها البهي، فخرجت كلماته شغوفة، مُحملة بأطنان من العشق. "واني عاشِج، ومقدرش أقف جِدام جلبي اللي مُنى عينه يلمح طيفك." يُغويها بعشق كان المستحيل أقرب إليها منه، ويُلبي رغبات قلبها، الذي تشققت تُربته من فرط ما عانته سابقًا، لا تستطيع ألا ترى كيف يهيم بها؟ ولكن هل يُمكن لكل ذلك أن يُكمم صرخات كرامتها التي نال منها ذات يوم؟

وهل يُداوي تصدعات كبريائها الذي دُهِس جورًا تحت وطأة تجبره؟ "ليه ما عايزاش تصدجيني؟ إني رايدك يا نجمة و…" قاطعته حين قالت بجفاء. "مين جالك إني عِندي شك إنك رايدني؟ تهللت أساريره من كلماتها، فقال بلهفة. "طب اومال إيه؟ ليه مبتوفيش چاري؟ أوّعي تجولي إنك معتحبنيش؟ إني شايف العشج في عنيكِ، مهتعرفيش تداريه." تجاهلت ضجيج قلبها، وذلك الصخب الذي يسيطر على مشاعرها، وقالت بجفاء. "وإيه كَمان؟ شايف إيه تاني في عينيا غير العشج؟

أطلق تنهيدة قوية، يُصاحبها ألسنة الندم المُشتعلة، التي كان منبعها قلبه، فجاءت كلماته محرورة حين قال. "شايف عتب كبير جوي، وزعل إني مجدرش عليه. جوليلي أعمل إيه وأنا هعمله لجل ما تسامحيني." أبت أن تنصاع خلف إغوائه وتوسلات قلبها بالصفح، فأدارت وجهها للجهة الأخرى، فاجأها صوته الخشن، ليزعزع الباقي من ثباتها. "إني موافِق أنفذ شروط أبوكي، لو ده هيخليكِ تسامحيني."

صدمها حديثه للحد الذي جعلها تلتفت تناظره بصدمة، جعلت ابتسامة رائعة ترتسم على ملامحه، وتضيء عينيه التي أسرتها في تلك اللحظة، فقالت دون وعي. "عتجول إيه؟ «عمار» بتمهل دغدغ أوتار قلبها. "بجولك هنفذ شروط أبوكي، لو دا هيخليكِ تسامحيني." «نجمة» بارتباك. "وهتجبل إنك... يعني... أقصد... طب والناس... وشكلك جدامهم؟ «عمار» بثبات وعينيه تعانق خاصتها بشغف. "مش جولتلك جبل أكده، العاشِج لا عليه لوم ولا عتب."

ارتج قلبها حتى أوشك على تحطيم ضلوعها من فرط ثورته وتأثره بذلك العشق الذي يقطر من بين كلماته، ولكنها انتزعت آخر ذرة ثبات تملكها حين قالت. "طب... طب وجَدّك؟ «عمار» بقوة. "ميهمنيش حد واصل." كان ما يحدث أكثر من مُرهِق، لذا آثرت الهرب، حين قالت. "طب يالا، امشي دلوجت، حد يشوفنا تبجى كارثة." بعد أن وصل لتلك المرحلة معها، لن يعود لنقطة الصفر مرة أخرى، لذا عاند بحدة. "مش همشي غير لما تجوليلي إنك موافقة." «نجمة» بتلعثم.

"موافقة... موافقة على إيه يا مجنون انت! ضيق عينيه بمكر، قبل أن يقول بنفاذ صبر. "بجولك إيه، أنا هخطفك وأحطك أنتِ وأبوكي جدام الأمر الواقع وأريح راسي." قال جملته وهو يتوجه إليها في محاولة منه لإخافتها، وقد نجح في ذلك، فقد تراجعت للخلف بذعر تجلى في نبرتها حين قالت. "وجف يا مجنون تخطف مين؟ هتودي روحك في داهية." لمع وميض العشق في عينيه، وهو يقول بخشونة. "خايفة عليا؟

أجابته باندفاع تنفي عن نفسها تهمة العشق الذي يتلبسها كشيطان مريد. "لاه، وإني هخاف عليك ليه؟ إني خايفة على سمعتي، ودي طبعًا آخر حاجة چنابك بتفكر فيها. ماني بجرة! باغتها كلماته التي حملتها كغيمة وردية في سماء العشق. "چنابي بيعشق التراب اللي بتمشي عليه."

نفذت كلماته إلى أعماق قلبها، وقد كان اعترافًا رائعًا بالحب لم تتوقعه يومًا، وخصوصًا من بين شفاه ذلك الرجل الذي لم تسمع عنه أو منه سوى الفظاظة والقسوة، التي تحولت على يديها وأصبحت طوفان عشق خالصً لها. طال صمتها، فلم يعد يطيقه، لذا قال بإلحاح. "بزياداكِ عناد بجى، وارحمي جلبك اللي سامع صوت دجاته من أهنه." ثارت كرامة الأنثى بداخلها، وهناك جزء من تلك الأنثى اشتهى الدلال الذي تجلى في نبرتها حين قالت.

"جلبي ده في يدي، مديهوش غير للي يستحقه ويحافظ عليه." صاح بعنفوان أضفى عليه جاذبية خاصة أسرتها. "اللي هو إني، واوعي تفكري في حاجة غير أكده. بلاش تشوفي چناني يا بت الوزان." اهتاجت مشاعرها لكلماته الرائعة، ولكنها ابت التسليم، إذ قالت بتمنع. "خلاص خلّصنا، امشي دلوق، وإني أوعدك هفكر. وانت وحظك بجى." ألقى بارود عشقه بمنتصف قلبها حين قال بخشونة. "حظي حلو عشان عشجت الجمر، وإني مش مجنون عشان أسيبه."

صمت لثوانٍ، قبل أن تحتَد نظراته حين قال. "جدامك خمس دجايج تفكري فيهم جبل ما أخطوفك. إني يا قاتل يا مقتول الليلادي." انمحت غمامة الألم من عينيها، وتخدرت أوجاعها بفعل عشقه الضاري، وتولدت بداخلها شحنات الإثارة، التي جعلتها تقول بتخابث. "يعني انت مستعد تنفذ أي حاجة أطلبها منك؟ اكتفى بكلمة واحدة قاطعة. "مُستعد." «نجمة» بمكر. "وماله. شوف أما أقولك…" *** "نورتي بيتك يا حاجة أمينة، كان مضلم من غيرك."

هكذا تحدث «سالم» وهو يُقبل كف «أمينة» بإجلال. "منور بيك وبأهله يا حبيبي." "ربنا ما يحرمني منك." "دي حقيقة يا ماما، البيت كان مضلم من غيرك." كان هذا صوت «فرح» التي كانت تناظر «أمينة» بحب. "انتِ نوره يا فرح، أنتِ ومنصور الصغير." لوهلة امتقع وجه «فرح» حين سمعت هذا الاسم، الذي من المستحيل أن تُطلقه على صغيرها.

"والله يا مرات عمي بقك بينقط سكر. تخيلي كدا بعد كام شهر يجيلنا منصور صغير يملى علينا البيت. والبت فرح المحظوظة دي تبقى أم منصور. ياه، قد إيه أنتِ محظوظة يا فرح. أمك دعيالك في ساعة فجرية، الوحيدة اللي هتنولي الشرف دا." صمت لثوانٍ يُتابع ملامح «فرح» التي توحي بأنها تود الفتك به، ثم أضاف بتشفي. "أنا بعد كده مش هقولك غير يا أم منصور. أم منصور راحت، أم منصور جت." لاحظت «أمينة» ملامح «فرح» الغاضبة، فقالت بجمود.

"استنى يا مروان، أما نشوف رأي فرح في الاسم، يمكن يكون مش عاجبها ولا حاجة! «مروان» باندفاع. "لا ودي تيجي! إزاي ميعجبهاش، دا حتى موضة. تجيب منصور ونبقى ندلعوه نقوله يا مانص! وهي تبقى أم مانص." كان الجميع يقمع ضحكاته بصعوبة، ومن بينهم «سالم» الذي كان يُود لو ينفجر ضاحكًا على ملامحها ومُحاولتها لقمع غضبها، خاصةً حين قالت بثبات.

"والله يا ماما، موضوع الاسم ده سابق لأوانه. يعني أنا بصراحة حاسة إنها بنت، فكنت بدور في أسماء البنات." صاح «مروان» باندفاع. "بنت! بنت إيه دي أن شاء الله؟ عايزين ولد يشيل اسم العيلة. اومال؟ وإلا هنشوف للكبير عروسة تجبله الواد." ضيقت عينيها وأوشكت على الفتك بمروان في تلك اللحظة، ولكن جاءت كلمات «همت» المتلهفة. "حقة يا فرح، دا أنتِ تبقي فرحتينا كلنا. دا هيبقى زينة الشباب واسم أنما إيه؟

يتهز له رجالة بشنبات. منصور سالم منصور الوزان." صاح «مروان» بتهليل. "ينصر دينك يا عمتي. هو دا الكلام ولا بلاش! مش تقولي بنت وبدور في أسماء البنات. بنات إيه ناقصين إحنا هرمونات وقرف." تدخلت «أمينة» مُستنكرة. "بطل يا واد، انت إيه الكلام الأهبل ده! هو البنات وحشين؟ أي نعم كلامك صح، وعايزين وريث للعيلة وخصوصًا لو ابن سالم. بس كل حاجة بتاعت ربنا."

لم تكد تتنفس الصعداء، حتى أعاد «مروان» دفة الحديث إلى الموضوع الأساسي حين قال بصياح. "ونعم بالله يا مرات عمي. مش دا موضوعنا، ركزي. إحنا بنتكلم لو جه ولد، وأن شاء الله. أن شاء الله ولد، واسمه منصور. وبصراحة أنا ليا نظرة وشايف قدامي أم منصور. خلاص، حتى لو جت بنت هفضل أقولها يا أم منصور لحد ما تجيب منصور." همست «فرح» من بين أسنانها بحنق. "جتلك على قلبك يا مروان الكلب." «مروان» بتخابث. "بتقولي إيه يا فرح؟

مش سامعاك. بتدعي إن اللي في بطنك يكون ولد صح؟ أكيد عشان تفرحي الراجل الطيب ده." اشتهى في تلك اللحظة قطف ثمار الفراولة من فوق خديها المحتقن غضبًا، لكم يهوى امتصاصه حتى آخر قطرة، لذا تدخل ليُزيد من اشتعالها حين قال بخشونة. "أنا اتعودت من فرح إنها تفرحني دايمًا، والمرة دي مش هتخلف أن شاء الله." التفت ناظرًا إليها قبل أن يقول بعبث. "صح يا أم منصور؟

ودت في تلك اللحظة لو تقذف تلك المزهرية في وجهه الوسيم ذلك، ولكن كانت أمنية بعيدة المنال، لذا حاولت ابتلاع جمرات حارقة في جوفها، قبل أن تقول من بين أسنانها. "صح يا عيون أم منصور." "أم منصور طالعة من بقك سكر." هكذا تحدث هامسًا، فلم يصل صوته لسواها، ولون العبث ملامحه، وسرعان ما ارتدى قناع الجمود، حين التفت قائلًا بفظاظة. "يالا يا حاجة عشان ترتاحي، والعشا هيجيلك في أوضتك." أوشكت «أمينة» على الاعتراض، فجاءها صوته الآمر.

"إحنا اتفقنا هتسمعي الكلام من غير جدال. وبكرة أن شاء الله هنفطر كلنا سوى." أومأت برأسها، قبل أن تنظر إلى «سليم» الهادئ، وكأنه في وادٍ غير واديه، لتتنهد بحزن، وتنتقل بنظراتها إلى «فرح» التي تحركت من مكانها لتتجه إلى «أمينة» في اعتذار صامت عن عدم حضور «جنة» التي ادعت النوم باكرًا، لكي لا تجتمع معهم. "يالا يا ماما، أنا هطلعك فوق." أمسكت «أمينة» يديها،

وكأنها تخبرها: لا بأس، وتوجهت معها للإعلى، فيما تفرق الجميع، بينما انتظر «مروان» إلى أن تأكد أن «همت» قد دلفت إلى غرفتها، وقام بالتسلل إلى الخارج لتنفيذ خطته، فأذا به يتجه إلى ركن منعزل مظلم، ويقوم بجر هذا الكيس الكبير، وإخراج كمية كبيرة من الشراشف، وأخذ يربطها ببعضها البعض حتى انتهى، وقام بشبك قطعة من الحديد في نهايتها، ثم قال بانتصار. "أخيرًا، والله دماغك ألماظ يا واد يا مروان."

نصب عوده وهو ينظر إلى الأعلى قائلًا بحماس. "احتمال البت سما تموت من الفرحة." أخذ يلف حبل الشراشف في الهواء، ثم رفعه إلى الأعلى حتى يشتبك مع السياج الحديدي لغرفة «سما»، وبكل مرة يفشل الأمر، إلى أن نجح الأمر أخيرًا، فأطلق صفيرًا عاليًا، قبل أن يجلب باقة الزهور ليضعها في فمه، ويبدأ بتسلق الحبل للوصول إلى شرفة «سما»، وحين وصل إلى منتصف المسافة، وقعت باقة الزهور من فمه، فصاح بحنق. "الله يخربيتك، هو أنا عشان سارقك، بتقع!

يادي النيلة." على مضض، تحرك للأسفل ليجلب باقة الزهور التي وقعت، ليضعها مرة أخرى في فمه، وما أن جلبها، حتى عاود التسلق من جديد، فتجدد الأمر مرة أخرى، حين حاول أن يأخذ نفسًا طويلًا، سقطت باقة الورود من فمه، ليلعن غاضبًا. "دي عين عمتي، اللي تتفخت، دي عين عمتي." "حسبي الله ونعم الوكيل."

عاد ادراجه للأسفل مرة أخرى ليجلب باقة الزهور، وحين بدأ بالتسلق الشاق، وأصبح على بعد إنشات قليلة من شرفتها، فإذا به يسمع صوت «مجاهد» الذي أخذ يصرخ في كل مكان. "حرامي! الحجونا يا خلق. الحجونا ياهوه! حرامي! كان «مروان» على وشك الإصابة بسكتة قلبية من فرط الذعر، فإذا به يُلقي بنفسه فوق «مجاهد»، ليسقط الاثنان أرضًا، فأخذ يتأوه بسخط. "آه يا نايا يا ما، آه." حين أوشك «مجاهد» على الصراخ، كمم «مروان» فمه، وهو يقول بتوبيخ.

"اكتم، الله يخربيتك، إيه انت شغال مؤذن؟ صوتك زي الجرس، هتوديني في داهية." أزال يده، ما أن علم «مجاهد» هويته، فصاح الأخير بصدمة. "وه مروان بيه! انت هتعمل إيه أهنه؟ وطالع عالحبال ليه؟ نظر إلى الشراشف وقال باندهاش. "وه انت لميت الغسيل اللي عالحبال كلها ولا إيه؟ "آه، دي ملايات السرير بتاعت البيت كله." "طب ليه أكده؟ توقف «مروان» لثوانٍ لا يعلم كيف يجيبه، فصاح بأول شيء خطر على باله. "كنت طالع أصلح المواسير."

«مجاهد» باندهاش. "مواسير إيه؟ دي أوضة الست سما ومفهاش مواسير." «مروان» بسخط. "إزاي مفهاش مواسير؟ مش فيها حمام، طبيعي يكون فيها مواسير، هتكون بتتصرف فين تحت السرير يعني! إيه الغباوة دي! «مجاهد» بتوضيح. "يا بيه، أقصد إن الحمام الجهة التانية، ثم انت مش محتاج إنك تطلع زي الحرامي أكده، ما انت ممكن تدخل من باب الأوضة فوق." زفر «مروان» بحنق، وهو يتمتم غاضبًا. "أفهمه إزاي الغبي ده؟ علت لهجته حين قال.

"أصلًا في حداية قاعدة فوق قدام الأوضة، ولو لمحتني هتشلبحني. انت إيه اللي مصحيك لحد دلوقتي؟ «مجاهد» باعتزاز. "إني سهران بمر." "اومال أنام وأسيب الحرامية يرمحوا في كل حتة ولا إيه؟ «مروان» بسخط. "ياخي، يعني طول عمرك نايم وسايبنا نتقلب، حبكت ضميرك يصحى وتسهر النهارده! أنا قولت دي عين عمتي. طب بقولك إيه؟ عندك عدة سباكة؟ "أيوا عندي." "طب روح هاتها وتعالى، على ما أشيك على المواسير اللي فوق وأجيلك نشوف المواسير اللي تحت."

انصاع «مجاهد» لكلمات «مروان»، وتوجه ليجلب أدوات السباكة، فقام الأخير بالتسلق بعد أن رمى باقة الورد، وهو يقول بسخط. "قال ورد قال، خسارة في أمها." أخذ يتسلق الحبل إلى أن وصل أخيرًا إلى سياج الشرفة، فكانت الغرفة مظلمة، إلا من ضوء مصباح خفيف بجانب السرير، فأخذ «مروان» ينادي بصوت خفيض. "بت يا سما." لم يجد ردًا، فأخذ ينادي مرة أخرى. "سما، أنتِ يا بومة، يا بت اصحي." "يخربيتك، كل ده نوم!

سمع صوت خشخشات بسيطة قادمة من الداخل، فظن أنها استيقظت، فأخذ ينادي بنبرة حالمية. "سمايا قلبي، الحب كله، أخيرًا صحيتي…" لم يكد يُنهي جملته، حتى تفاجأ من نور الشرفة الذي أُضيء، و«همت» التي فتحت باب الشرفة بعنف، وهي تقول بسخط. "حبك حنش يا بعيد." من فرط الصدمة، اختل توازنه، فلم يشعر بنفسه سوى وهو يسقط أرضًا فوق «مجاهد»، الذي لم يستطع أن يتفاداه، ليفترش الأرض و«مروان» فوقه يصيح بألم.

"آه يا عصعوسي يانا ياما. انت إيه اللي جابك تحتي يخربيتك." لم يخرج «مجاهد» أي صوت، فصاح «مروان» بذعر. "نهار أزرق، الراجل مات ولا إيه؟ يجيلك ويحط عليك يا عمتاااااااي…" *** "ماما، حضرتك طبعًا عارفة وضع جنة و…" هكذا تحدثت «فرح»، فقاطعتها «أمينة» التي قالت بتفهم. "متبرريش حاجة يا فرح. أنا مش عايزة أسمع منك حاجة، ومقدرة كل اللي جنة فيه. أنا بس عايزة تفهميها إن محدش فينا له يد في اللي حصل ده."

كان الحزن يقطر من بين كلماتها، فاحتوت «فرح» كفوفها بحنو انبعث من بين حروفها حين قالت. "جنة عارفة ده، بس هي متلخبطة وتحسيها واقعة في دوامة كبيرة مش بتاعتها. عارفة اللي واقف في النص وخمسين إيد بتشده." «أمينة» بأسى. "عارفة، وكنت متوقعة إن ده يحصل. بس سليم ملوش ذنب. سليم بيحبها أوي، ودايمًا ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا، يعني لو مكنتش قابلت حازم وحصل اللي حصل، مكنتش هتقابلي سليم ولا هتحبيه." «فرح» بمواساة.

"عارفة والله يا ماما، وهتكلم معاها. انتِ متزعليش نفسك. هي خايفة تواجهك. جنة طيبة وحنينة أوي. بس كل اللي مرت بيه ما كانش سهل. وأنا مش هسيبها. هفهمها، وحتى هتكلم مع سليم إنها تبدأ تشوف دكتور نفسي وتتعالج من أي بقايا للموضوع ده. عشان يقدروا يعيشوا اللي باقي من حياتهم طبيعي." «أمينة» بحزن. "ربنا يعينك يا فرح، ويهدي سرهم." قبلت «فرح» جبهتها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت.

"يالا بقى عشان تتعشي وتاخدي دواكِ، وأعرفي إن أنا بنفسي اللي هأكلك بعد كده وأديكي الدوا. إحنا بقى مش مضحيين بيكِ كل شوية تتعبي وتخضينا. عايزة تعرفي يعني أنتِ غالية عندنا قد إيه؟ ابتسمت «أمينة» بهدوء، قبل أن تقول. "ربنا ما يحرمني منكم، ويطمني عليكم كلكوا، ومش أشوف فيكم أي حاجة وحشة."

آمنت «فرح» على دعائها، وظلت بجانبها إلى أن اطمأنت أنها أنهت طعامها وأخذت دوائها وخلدت للنوم، فتوجهت إلى خارج الغرفة، لتجد «شيرين» الهاربة، وخلفها «طارق» الذي يحاول اللحاق بها، فتوقف الثلاثي يتبادلون الأنظار فيما بينهم. "شيرين، إحنا لازم نتكلم." «شيرين» بصرامة. "إحنا مفيش بينا كلام يا طارق."

تعاظم الحنق بداخله، ولكنه رأى نظرات «فرح» وإيماءتها التي تفيد بأنها ستتولى الأمر، فعاد أدراجه إلى الخلف، وهو يلعن تحت أنفاسه، فتوجهت «فرح» تناظرها بلوم تجلى في نبرتها حين قالت. "وبعدين يا شيرين؟ مش قولتي هتدي نفسك فرصة معاه؟ «شيرين» بلوعة. "خايفة يا فرح." «فرح» بغضب. "من إيه؟ مش أنتِ اتأكدتي بنفسك." «شيرين» بتعب. "يا فرح، ده بيهددني بصور. طول ما الصور دي معاه، أنا مش هقدر أعيش حياتي مرتاحة."

حاولت «فرح» تهدأتها حين قالت. "يا حبيبتي، هو دلوقتي ميقدرش يعمل أي حاجة بالصور دي. ولا يقدر يمس شعرة منك. عيشي حياتك بقى وانسي." اخفضت «شيرين» رأسها، وحين أوشكت على الحديث، تفاجأت بسالم الذي أتى من الخلف قائلًا بفظاظة. "الدور لسه مجاش عليا يا فرح هانم، ولا إيه؟

تفاجأت «فرح» بوجوده خلفها وكلماته التي تحوي حنقًا كبيرًا بين طياتها، فهو ينتظرها منذ أكثر من ساعة، وهي لم تأتِ، فضاق ذرعًا بالانتظار وخرج للبحث عنها، ليتفاجئ بها تقف مع «شيرين» عند أعلى الدرج. التفتت «فرح» لتجده أمامها بعينين يلتمع بهما وميض الغضب، فتجاهلته وقالت بلا مبالاة. "هتكلم أنا وشيرين شوية، وبعدين هاجي يا روحي. لو عايز تنام انت نام." تحمحمت «شيرين» وقالت بارتباك.

"لا خلاص يا فرح، روحي أنتِ. الكلام يتأجل للصبح." «فرح» بهدوء مستفز. "لا يا روحي، هنكمل كلامنا." يعلم بأنها تستفزه، لذا تجاهل كل ما يحدث، ونظر إلى شيرين قائلًا بنبرة قاطعة. "تصبحين على خير يا شيرين."

تفاجأت من كلماته، وحين أوشكت على الاعتراض، وجدت نفسها محمولة بين يديه، التي كانت واحدة خلف ظهرها، والأخرى أسفل ركبتيها، ليتوجه بها إلى الغرفة وسط ذهولها، وما أن وضعها على الأرض، حتى التفتت تنوي الشجار معه، فإذا به يسلب شفتيها بقوة، جمدتها للحظة بين ذراعيه التي احتوتها بضمة قوية جراء شوقه الضاري لها، فأخذ يقربها أكثر منه، حتى تعانقت أضلعهم، والتحمت أجسادهم، فنسيت كل شيء، ولم تعد تتذكر سواه، وما يبثها من مشاعر عاتية تأجج لأجلها صدرها الذي أخذ يخفق بعنف، مما جعله يهدأ من هجومه الساحق، ليفصل التحامهم، ويستند بجبينه فوق خاصتها، وهو يقول من بين أنفاس محرورة.

"أنا قولتلك قبل كدا إني بعشقك لما تنفعلي وتتعصبي بالشكل ده؟ كانت كلماته العاشقة هجومًا من نوع آخر، يوازي هجومه الساحق قبل قليل، لذا همست بنبرة مُتهدجة. "تؤ. مقولتش." همس بصوته الأجش. "أنا بعشقك في كل حالاتك، بس الحالة دي بتجنني. بحس إني عايز آكلك." أخذت دقاتها تتقاذف بعنف داخل صدرها، الذي تأججت بداخله براكين العشق، الذي أخذت تنثره فوق شعيرات ذقنه، قبل أن تقول بهمس. "أنا بقى بعشقك في كل حالاتك."

أنهت جملتها، ثم اخفضت رأسها لتستكين فوق موضع نبضه الثائر بفعل قربها، فشعر بأنها ليست على ما يرام، فشدد من احتضانها، وهو ينثر عشقه فوق خصلات شعرها، قبل أن يقول قاصدًا مشاكستها. "منصور تاعبك ولا إيه؟ رفعت رأسها بلهفة تناظره بعتب، قبل أن تقول بلوم. "هو انت خلاص قررت إنه ولد واسمه منصور؟ حاول إخفاء ابتسامته، قبل أن يقول بخشونة. "أنا حاسس إنه ولد، واحساسي عمره ما خانني." تمتمت بخفوت. "يارب يخونك المرة دي."

«سالم» باستفهام. "بتقولي حاجة يا فرح؟ «فرح» بسخط حاولت إخفاءه. "لا، هقول إيه. لله الأمر من قبل ومن بعد. أنا هروح أنام." أوشكت على الالتفات، فقام بجذبها من يدها، لترتطم بسياج صدره، لتجد أجمل ابتسامة يمكن أن تراها، وعينيه التي كان المرح يتراقص بهما، حين قال. "مش عارف ليه حاسس إن الاسم مش عاجبك؟ «فرح» بسخرية. "حاسس! تعمد ارتداء قناع الصرامة حين قال. "مش عاجبك اسم أبويا يا فرح؟

تفاجأت من نبرته وملامحه التي تبدلت، فباغتها رغبة مفاجئة بالبكاء، واندفعت قائلة بلهفة وشفاه مُرتجفة. "لا والله. مش كدا. أنا بس اتفاجئت من كلام ماما أمينة. مقصدتش حاجة. متزعلش مني، أنا مقصدتش أضايقك." بدت شهية، وهي تحاول مُراضاته، بينما شفاهها ترتجف، وهي تمنع عبراتها من الانهمار، فشعر في تلك اللحظة بأنه على وشك التهامها بالفعل، فاشتدت ملامحه ودكنت نظراته، بينما يديه احتوت خصرها بقوة، وقال من بين أنفاسه المحرورة.

"دي بقى تاني حالة بعشقها فيكِ. لما تبقي زي الطفلة اللي عاملة حاجة غلط وعايزة ترضيني. وبصراحة بقى، أنتِ في كل الأحوال عايزة تتاكلي." تبدل حالها من طفلة وديعة تريد مُراضاته، إلى أنثى مُثيرة تعرف كيف تستخدم سحرها في نيل مأربها، لذا امتدت يديها تلهو بأزرار بيجامته، وهي تقول بدلال. "يعني مش زعلان مني؟ كان مشغولًا بنثر عشقه فوق ملامحها، التي باتت محفورة في قلبه من فرط ولعه بها، فهمس بخشونة. "مقدرش أزعل منك."

انتزعت نفسها من بين ذراعيه، وهي تقول بلهفة. "يعني بجد مش هتخليني أسمي منصور ده يا سالم؟ لم يعد يحتمل جمرات الشوق أكثر، فقام باعتقال خصرها، ليرفعها عن الأرض، ويتقدم بها نحو مخدعهم، قائلًا بخشونة. "جننتي سالم."

لم يكد ينهي جملته، حتى انتزعت شفاهه الإجابة من بين شفاهها، فأخذ يمارس عليها طقوس العشق الأهوج، الذي لم يعد قلبه يتحمله أكثر، فقد أطاحت تلك المرأة بثباته، ضاربة بكل تعقله عرض الحائط، لتُطلق شياطين رغبته بها، التي تتضاعف كلما اقترب منها، فحين يظن أنه سيروي ظمأه منها، فإذا به يلهب لها أكثر، للحد الذي جعله يقول من بين أنفاسه الموقدة. "أنا امتى هشبع منك بقى؟

أنفاسها الهاربة ودقاتها الهادرة، وجسدها الذي ينتفض بين طيات صدره، كانا خير دليل بأن حالتها لا تقل عن حالته، ولكنها تدللت قائلة بلهاث. "أنا مشبعش مني أبدًا، فمتحاولش."

دلالها كان على قلبه أشهى من العسل، الذي أخذ يرتشفه من ثغرها التوتي، الذي ذاق الويلات من أفعاله الجنونية، التي لم يسلم منها أي ركن من أركان الغرفة، فقد أراد طبع آثار عشقهم الضاري على كل شيء حولهم، لتتشكل لوحة رائعة لرجل وامرأة هزمهم العشق، فكان هذا أعظم انتصار لهم في الحياة. *** "تصبح على خير يا روح ماما."

هدهدت طفلها، ووضعته في مخدعه، ثم لثمت جبينه الرهيف بقبلة دافئة تُنافي ذلك الصقيع الذي يُحيط بقلبها، ثم توجهت إلى الخارج، لتتوقف في منتصف الغرفة، تحاول قمع ذلك الألم الذي يتشعب بداخلها كلما سمعت اهتزاز هاتفها، ولكن سرعان ما تحول هذا الألم إلى غضب كبير، تجلى في نبرتها حين صاحت وهي تجيب. "انت يا حيوان عايز مني إيه؟ قولتلك مترنش عليا تاني، إيه مبتفهمش! قهقه «ناجي» بصخب، قبل أن يقول من بين ضحكاته. "عارفة المشكلة في إيه؟

إن ده طبع الستات كلها. يتمنعن وهن الراغبات." «جنة» بحنق. "إيه العبط ده؟ انت بتقول إيه كلام وخلاص! «ناجي» بتخابث. "للأسف يا جنة، أنتِ بريئة أوي لدرجة إنك استحالة هتعرفي تخدعيني. لو فعلًا مش عايزة تكلميني، كنتِ قولتي لسليم إني بضايقك. أو كنتِ قولتي حتى لأختك. بس أنتِ هتموتي وتسمعي إيه اللي عندي، لكن زي ما قولتلك، يتمنعن وهن الراغبات." كلماته كانت تُعرّي قلبها بطريقة استفزتها، لذا صاحت بغضب.

"انت حقير زي ما بيقولوا عنك. لا، دول مهما قالوا عنك مش هيقدروا يوصفوا حقارتك." "حقارتي! على فكرة يا جنة، أنا مهما بلغت حقارتي دي مش هبقى ربع حازم. بس أنا للأسف مكنش عندي إخوات يحبوني بجد لدرجة إنهم مهما غلطت يسامحوني ويحاولوا يقوموني! هكذا تحدث بحزن يُنافي ذلك السُم الذي يقطر من بين كلماته، التي عرفت طريقها إلى قلب جنة، التي انتفضت من مكانها وهي تقول باستفهام. "بتقول إيه؟ "اللي حصل. اومال أنتِ فاكرة إيه؟

سالم ولا سليم هيغضبوا على حازم أو هيكرهوه! هقولك على حاجة هتستغربيها. أنا نفسي، بالرغم من كل اللي صفت عمله فيا، إلا إني مقدرتش أأذيه." «جنة» بسخرية يشوبها الحنق. "وخطفك لبنته دا تسميه إيه؟ مش أذية بردو! "لو كنت هأذيه صح، كنت موتها في اليوم ده. وكنت أبقى انتقمت لنفسي من كل العذاب اللي شوفته وأنا بتخيل سهام معاه. بس أنا مقدرتش. وسالم وسليم بردو مش هيقدروا يقسوا على حازم، واللي يثبتلك كلامي ده إن سالم جوّز حازم للبنى."

صاعقة قوية أصابتها حين سمعت كلماته، هل حقًا حدث ذلك! أردف ناجي بخسة. "وطبعًا السيناريو الجاي معروف، سالم هيصرف على لبنى وأهلها ويكسر عينهم، عشان لما حبيب ماما يتأدب، دا أن حصل، يبقى يرجع يلاقي حياته ومراته وأهله وفلوسه وابنه. مستنيينه! شدد من كلمته حين ذكر صغيرها، فهبت من مكانها وهي تقول بصراخ. "اخرس. انت كداب. الكلام ده عمره ما هيحصل، والكلب ده عمره ما هيقرب من ابني." «ناجي» بتعاطف زائف.

"بصراحة أنتِ صعبانة عليا، بس ده اللي هيحصل. أنا قلت أنبهك وبس. ولو فعلًا عايزة تحفظي حق ابنك وتمنعيه عنه، يبقى مفيش حل غير إنه يتكتب باسم سليم. ولو إن سليم عمره ما يعمل في أخوه كدا." ودت لو تصرخ في وجهه قائلة: يكفي! فقد ضاق قلبها من كل ما يحدث معها. فقد سبق وطلبت منه هذا الأمر ورفض رفضًا قاطعًا، وقد كانت تتوقع ذلك، ولكن المروع في الأمر أن يكون رفضه بسبب ذلك الحقير. نفضت غضبها وكل ما يعتمل بداخلها من قهر، وصاحت بحدة.

"إياك تتصل بيا تاني. سامع؟ «ناجي» بهدوء. "مش أنا اللي هتصل. أنتِ اللي هتتصلي. لما متلاقيش حد جنبك يساعدك غيري، هتتصلي بيا. وقريب أوي هيحصل الكلام ده." أنهى كلماته وأغلق الهاتف، الذي ودت لو تحطمه مثلما تحطم قلبها إلى أشلاء، وهي تتخيل أن يكون حديث ذلك الحقير يحمل شيئًا من الصواب!

قطع سير أفكارها دلوفه إلى الغرفة، فقد غضب بشدة حين لم تنزل لاستقبال والدته، وقد تحججت «فرح» بأنها تنام باكرًا استعدادًا لجلستها في الغد، ولهذا لم يُفصح عن غضبه منها حين رآها مستيقظة، بل اكتفى بنظرة جوفاء قاسية تبعها تجاهل تام، أوقد شعلة الغضب بقلبها، فتوجهت بخطٍ غاضبة إلى المخدع، لتتسطح على ظهرها، تُمسك أحد الكتب تتظاهر بقراءته، بينما عينيها تتلقفان كل حركة تصدر منه، وبدأت شعلة الغضب بالتصاعد، وهي تراه يتمدد بجانبها ليعطيها ظهره دون أي حديث، فجن جنونها ولم تشعر بنفسها سوى وهي تصيح بغضب.

"اتفضل قوم من جنبي! تفاجأ من كلماتها التي جعلته يلتفت قائلًا باندهاش. "نعم! هبت من مكانها وهي تقول بانفعال. "اللي سمعته. شوف لك مكان تاني تنام فيه غير هنا." فاق الأمر حدود قدرته على الاحتمال، فهب من مكانه وهو يتوجه إليها قائلًا بغضب تبلور في عينيه التي تحولت إلى بركة من الدماء المحتقنة. "أنا ماسك نفسي عنك بالعافية. فأحسن لك متزوديش غضبي منك أكتر من كدا."

تلبستها شياطين الجحيم، فلم تعد تُبالي بشيء، فصاحت بنبرة تجاوزت حدود المسموح به. "ولو زودت هتعمل إيه؟ تجاهل استفزازها والتفت محاولًا إفشال مخطط الشيطان وعدم الشجار معها، فجاءه صوتها الذي علا أكثر حين قالت. "استنى عندك، أنا بكلمك. رد عليا." التفت محذرًا بلهجة خطيرة. "اسكتي يا جنة. واقصري الشر لحد كدا. أنا مش عايز أزعلك."

داخليًا كانت خائفة. تحتاج إلى عناق قوي يُحطم أضلعها، وربما قيود الخوف الذي يُكبل روحها، ولكن أبت نفسها استجداء قربه، فصرخت بكل ما يعتمل بداخلها من قهر. "إيه هتموتني ولا هتطلقني! ما خلاص مبقتش ملزم تشيل غلط غيرك. ماهو البيه طلع عايش. يشيل شيلته زي ما كان بيقول."

فجأة اظلم العالم من حولها، ولم تشعر بوجهها الذي استدار إلى الجهة الأخرى جراء تلك الصفعة المُدوية التي سقطت فوق خدها الأيمن، فتركت بصمات أصابعه لتُشكل أثرًا قويًا لن يُمحى بسهولة. كان ردًا قويًا لم يتوقعه، ولكن كانت كلماتها سهمًا مسمومًا نفذ إلى أعماق قلبه، فلم يشعر بيده التي ارتفعت لتهوى فوق خدها بتلك الطريقة!

تفرقت نظراته بين وجهها وكفه، وكأنه غير مصدق لما حدث، يرتج قلبه ألمًا عليها، وينتفض كبرياؤه وجعًا عليه، وهو يقف بالمنتصف لا يجرؤ على إبداء أي ردة فعل. لتخترق جموده قنبلتها المُدوية، حين قالت بقهر بعد أن تداركت صدمتها. "طلقني."

كان الأمر برمته كارثيًا. يشعر بأن في كابوس مُريع، وداخله يتوسل له بأن يستيقظ، نافضًا عنه كل هذا الوجع، ليجدها بين ذراعيه كما اعتاد. ولكن نظراتها المُحتقنة التي يشع منها الكره، وآثار إصبعه فوق خدها، توحي بأنها حقيقة مُريعة. "سمعتني. بقولك طلقني. أنا بكرهك."

لم يشعر بنفسه سوى وهو يعتقل شفتيها بخاصته، قاصدًا بتر تلك الكلمات التي كانت كطلقات تستقر في منتصف قلبه، الذي لا يحتمل فكرة ابتعادها عنه. أخذ يقبلها بقسوة، اختلطت بملوحة مياه عينيه، ويديه تحاولان احتواء ثورتها، وكأن جسده يتوسل إليها على طريقته بألا تفعل به ذلك، ولكن في نهاية الأمر، استطاعت الإفلات من بين براثنه، وهي تدفعه بكل ما تملك من قوة، وبيدها الأخرى تمحي أثر قبلته المُدمرة، وهي تصيح بقهر. "ابعد عني. بكرهك."

لم يعد يحتمل ما يحدث، لذا انتزع نفسه من أمامها، وأذنيه ترفض عبارات الكره التي أخذت ترددها بجنون، وقام بانتزاع ملابسه ليغادر الغرفة، وكأن شياطين العالم أجمع تُلاحقه. *** ما أن خطت أقدامها إلى داخل الغرفة، حتى تفاجأت بذلك الذي اقتحم المكان، مغلقًا الباب خلفها، فصاحت غاضبة. "طارق، انت اتجننت؟

لم تكد تُنهي جملتها، حتى وجدت يديه تمتد تُمسك رسغها بعنف، حتى كادت عظامها أن تتكسر بفعل قبضته الغير رحيمة، تلاها صوته القاسي حين أرعد قائلًا. "حصل إيه بينك وبين حازم؟ وصور إيه اللي ماسكها عليكِ؟ تقاذفت دقات قلبها ذعرًا من كلماته ومظهره المُريع، فأخذت ترتجف بين يديه، فقام بهزها بعنف، تجلى في نبرته وهو يقول. "انطقي. حصل بينك وبينه إيه؟

وكأن جميع حواسها توقفت عن العمل، إلا من تلك العبرات التي كانت تنهمر بغزارة من مقلتيها، فجن جنونه لصمتها، وقد نشب الألم حوافره بداخل قلبه، وهو يتخيل نظرات ذلك الحقير إليها ذلك اليوم، وتهديده الغير صريح لها، والذي جعلها ترضخ أمام هذا الاتهام البشع الذي قذفها به، وحين حاول معرفة الأمر منها، تهربت!

لم يكن يتخيل أن الأمر يُمكن أن يكون بذلك السوء، فقد شعر بأن رئتيه سوف تنفجر من شدة الغضب المُتأجج بداخله، والذي تعاظم حين قالت بتلعثم. "ا. انت... عر.رفت... من... منين؟ هزها بعنف، وداخله يود لو يحطم رأسها، فصاح بزئير. "هو ده اللي هامك؟ عرفت منين؟ انطقي. حصل بينك وبينه إيه؟ الحيوان ده قرب منك؟ جاوبيني، واعرفي إن وشرف أمي لو كذبتي عليا هدَفنك حية. سامعة."

إلى هنا ولم تعد تحتمل، فقد ضاقت ذرعًا بكل ما يحدث معها، فقامت بدفعه بقوة، لتُخلص نفسها من بين براثنه، وهي تقول بحدة. "سيبني. أنا مش هخاف منك، ولو مش عايزة أقولك مش هتجبرني." تبلور الجنون بعينيه، وامتدت يديه تقبض على خصلاتها، وهو يقول بصراخ. "هجبرك وأكسر دماغك. سألتك خمسين مرة بينك وبين الحيوان ده إيه، ومردتيش تجاوبي. اتاريكِ مخبية بلاوي. احكيلي حصل إيه بينك وبين الحيوان ده؟ صاحت من بين آلامها المتفرقة.

"محصلش. محصلش بيني وبينه حاجة." «طارق» بصراخ. "كذابة. اومال صور إيه اللي خايفة منها؟ انطقي، قولي." تآزر بها الوجع، وألمها ظلمه لها، وقلة حيلتها في إخباره حقيقة ما حدث، فصاحت بغضب. "خلاص اعتبرني كدابة وابعد عني. أنا قولتلك قبل كدا إحنا مفيش بينا أي حاجة ولا هيكون فيه. عايز مني إيه؟ امتدت يديه تقبض على عنقها، وصاح بكل ما يجيش بصدره من قهر.

"أنتِ أحقر بني آدمة قابلتها في حياتي. متستاهليش حبي ليكِ، ولا تستاهلي النار اللي في قلبي بسببك."

كانت يديه تقبض على عنقها، بينما وجهه يكاد يُلامس وجهها، فالتقطت أعينهم في عتاب صامت من جانب عينيها، وآخر قاسٍ من جانب عينيه، التي تخللتها خطوط حمراء بدت وكأنها قادمة من الجحيم، الذي كان أضعافه بقلبه، وهو يتخيل أن تجمعها علاقة مع رجل آخر. لا يحتمل تلك الفكرة المروعة التي تحرق روحه، بينما هي تتوارى خلف خداع واهٍ، وترفض قول الحقيقة، لذا همس بنبرة يشوبها التوسل، حين قال. "لآخر مرة بسألك. حصل إيه بينك وبين الكلب ده؟

وإيه موضوع الصور اللي بيهددك بيها دي؟ تُريد الصراخ بوجهه بأنها لا تستطيع الحديث. لا تقوى على سرد تلك الأحداث المُخزية، وترتعب من فكرة أن يُضاف عار آخر إلى صفحتها المُلطخة بالسواد. "سيبني وأنا هحكيلك." تركتها يديه على مضض، لتقوم بفرك عنقها بألم، وسط نظراته النافذة، لا تعرف بما تجيب، ولهذا لجأت للكذب، فقالت بارتباك. "أبدًا، كنت متخانقة مع أحمد، وروحت بار مع أصحابي، وهناك شربت وقعدت أرقص، وهو صورني وبهددني بالصور دي."

كانت نظراته غامضة للحد الذي أربكها، ولكن سرعان ما تفاجأت حين تبدلت نظراته إلى أخرى قاسية، وشابهتها نبرته حين قال. "أنتِ كذابة. كذابة وحقيرة." قال جملته، ثم هوى على خدها بصفعة مُدوية، جعلت رأسها يدور للجهة الأخرى، ثم توالت صفعات حديثه على قلبها، حين قال. "كنت منتظر إيه من بنت ناجي، غير إنها تبقى زيه! أنتِ أحقر واحدة شفتها في حياتي. كان ممكن أسامحك على كل حاجة، لو كنتِ إنسانة صادقة، بس أنتِ خاينة ورخيصة."

كانت العبرات تقطر من عينيه، تُنافي قسوة كلماته، التي انهالت فوق رأسها كطلقات نارية، أصابت قلبها في مقتل، فحين استمعت إلى باب الغرفة يُغلق، حتى خانتها قدماها، وسقطت تفترش الأرض أسفلها، بينما انطلق «طارق» كالريح، ليتقابل مع «سليم»، الذي كان هو الآخر كالمحموم، لا يرى أمامه، ليتوقف الاثنان أمام بعضهما البعض، فقال الأخير بقهر. "أنا عايز أمشي من هنا. عايز أروح مكان أنسى فيه اسمي." أجابه «طارق» بجفاء.

"وأنا كمان. عايز أنسى البيت ده باللي فيه. تعالى معايا." توجه الاثنان إلى سيارة «طارق»، الذي تولى القيادة، ليتوجه بهم إلى مكان معزول، ليتوقف بعد أن تعب من القيادة، وينظر أمامه قائلًا بقهر. "أنا أول مرة في حياتي أتمنى الموت النهاردة." أجابه «سليم» بمرارة. "تبقى بتحب." «طارق» بسخط. "الله يلعن الحب واللي اخترعوه. أنا كنت مرتاح. إيه اللي عملته في نفسي ده؟ «سليم» بأسى.

"مش بمزاجك. مهما حاولت تهرب من قلبك مش هتعرف. اسألني أنا. أنا عملت المستحيل عشان أهرب منها، ولقيت نفسي في النهاية راجع عندها. قلبي جابني عندها." رقت نبرته حين تابع بنبرة محشوة بالوجع. "قلبي مش عايز غيرها. عملت المستحيل عشانها، وبرضو مفيش فايدة." فجأة مد «طارق» له سيجارة لها رائحة غريبة، فناظره باستفهام، ليجيب الأخير بمرارة. "الحاجة الوحيدة اللي هتخليك تنسى."

لأول مرة في حياته، لم يُمانع بتجربة أي شيء في سبيل نسيان ذلك الوجع الهائل بصدره. لن يُمانع سلك أيًا من الدروب، لربما يقوده أحدها للنسيان، ولو كان الثمن حياته، فقد سئم العذاب والألم. انقضى الليل الطويل، ليأتي يومًا جديد يجني ثمار الأمس، ولكل منا ما غرسه، فمن يزرع الحنظل يجني مرارته.

تجهزت لكي تذهب إلى موعد جلستها المنتظرة، وبكل ثانية تنتظر دخوله من الباب حتى يذهب معها كما كان يفعل في السابق، وخاصةً وأن هذه الجلسات هي الأخيرة كما أخبرهم الطبيب، لذا كانت تتوقع أنه أبدًا لن يتركها وحيدة في مثل هذا اليوم، ولكن مرت الدقائق سريعة ولم يأتي، فأطلقت تنهيدة قوية من جوفها المُحترق بنيران الأسى، ولملمت أشياءها، وبداخلها شعور قوي بالوحشة والخوف. ناهيك عن تلك الحرب الضارية التي كانت فريسة لها منذ البارحة، جيوش الندم تتقاتل مع جيوش كبريائها الجريح، لما فعله بها، داخلها يلومها والآخر يؤازرها. ألا يكفي ما تمر به حتى تنقسم داخليًا، والأدهى من ذلك كونها لا تستطيع الاتكاء على كتفه لتشكو له مرارة ما تشعر به.

اهتز قلبها بعنف تزامنًا مع اهتزاز هاتفها، فتوجهت بخطٍ سريعة وقلب يتلهف لسماع صوته، فإذا بها تجد رقمًا غريبًا، فنشب الخوف مخالبه في قلبها، لتجيب بأيدٍ مُرتعشة. "الو." "كنت عارف إنك مش هتردي على رقمي، عشان كدا اتصلت من رقم غريب. عشان أعرفك إني معاكِ وفي صفك." أهتاج غضبها من ذلك الوقح، وصاحت بغضب. "انت مبتفهمش. أنا مش عايزة أكلمك، مترنش عليا تاني." «ناجي» بجفاء.

"مش هرن عليكِ تاني، أنتِ اللي هترني. أنا بس حبيت أقولك إن سليم باشا بايت ليلة امبارح في حضن مروة، خطيبته الأولانية، ولو مش مصدقاني هبعتلك عنوانها، وروحي شوفي بنفسك."

دارت الأرض أسفلها، وشعرت بأن الكون توقف من حولها، فلم تدري كيف تحركت ولا متى وصلت إلى العنوان المنشود، كل ما شعرت به هو طنين الجرس في أذنيها، وسرعان ما برقت عينيها حين وجدت «مروة» أمامها بثياب النوم، فدفعتها بقوة ودلفت إلى داخل المنزل، لتشعر بقبضة قوية تعتصر قلبها، حين لامست أنفها رائحته، لتقودها قدماها إلى حيث تشعر بوجوده، فإذا بأحدهم يغمس خنجرًا مسمومًا بداخل قلبها، حين وجدته يجلس على الفراش عاري الصدر…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...