نشيج صامت، عبرات بكماء، جسد ساكن وروح مذبوحة تبغي النجاة، ولكن أي نجاة حين ينشب الانتقام مخالبه في أعماق النفوس؟ فيتبدل قوس قزح إلى رمادي، وذلك الصفاء إلى غيوم تهدد بإنفجارات مروعة. "أنا نازل، ورايا شغل في الشركة.. أتمنى لما أرجع تكوني هديتي." هكذا تحدث بنبرة، رغم جفاءها إلا أن الحزن كان متشعبًا بداخلها، على عكس نبرتها حين قالت ساخرة: "أتمنى!
زفرة قوية أحرقت جوفه، كما أحرق الحزن قلبه، الذي بالرغم من كل شيء قاده إليها بخطى وئيدة، ليلثم جبينها الدافئ باعتذار صامت، نثرته شفاهه كتعبير عن ذلك الحزن المرير الذي يجيش بداخله، وكان أضعفه بداخلها، لذا أغمضت عينيها تستشعر قربه، الذي هو أحب ما يشتهي قلبها، الذي يود الصراخ طالبًا منه عدم المغادرة، ولكنها تفاجأت بعد لحظات بباب الغرفة يُغلق إعلانًا عن رحيله.
كظمت غيظ قلبها وألمه، وقامت لتتوجه إلى المرحاض كي تخلع عنها كل هذا الوجع، فوقفت أسفل المِسحاح بملابسها، لينهمر شلال المياه فوقها، وتمتزج معه بحور الدمع المنبثق من عينيها، لتتشكل صورة مريعة لامرأة خاضت مع الحياة معارك ضارية، وحين أوشكت على الظفر بجولتها الأخيرة، انتهى الوقت! "طب أنت كدا هتبقى متشتت يا حبيبي ما بين القاهرة وإسماعيلية؟ هكذا تحدثت فرح وهي تساعد سالم في ارتداء معطفه، فاستدار مُلثمًا خدها
الأيمن وهو يقول بخشونة: "موضوع الانتخابات ده مفيش فيه رجعة، مضطرين نتحمل لحد ما نشوف هترسي على إيه." كانت عينيها تتابعه بفخر يتخلله إعجاب كبير. "هترسي إني هبقى مرات سيادة النائب إن شاء الله." قال سالم بخبث: "شامم ريحة استغلال نفوذ من دلوقتي." تدللت وهي تقف على أطراف أصابعها لتحوي عنقه بين ذراعيها، وتصبح على مقربة منه حتى تعانقت أنفاسهم. "تعرف من الحاجات اللي بتعجبني فيك إنك لماح."
عانقت ذراعيه خصرها، بينما أخذت أنامله تعزف بعبث فوق ظهرها، وهو يقول بصوت أجش: "لماح وبس؟ لكم تهوى تلك النظرات الشغوفة التي تعدها بجنته، التي باتت إدمانها وترياق الحياة بعينيها. "هو أنا قلتلك قبل كده إنك أجمل راجل شافته عيني! هالك لا محالة أمام امرأة تحوي فتنة العالم أجمع بعينيها، ونبيذ العشق بين شفتيها، ودفء العالم بين طيات ذراعيها. "عايز أسمع كل اللي اتقال واللي متقالش." همست بخفوت. "طب ومشوار إسماعيلية؟ "يتأجل!
تدللت قائلة: "والانتخابات؟ تماوجت نظراته حتى دكنت، وهي تتوقف أمام ضفتي التوت خاصتها، ليقول بخفوت وهو يلامسهم بتمزز من فرط نعومتهما: "تتأجل. كل حاجة في الدنيا تتأجل إلا انتِ... تغنجت قائلة بابتسامة مغوية: "وهو ده المطلوب إثباته."
ما أن أنهت كلماته حتى اقتنص تلك الثمار الشهية من فوق شفتيها الناعمتين، وأخذ يتمزز بطعمهم الرائع، بينما يديه تعزفان بشغف فوق ساحة جسدها البض، وهي تبادله تأخذ وتعطي بنهم أفقده صوابه للحظات، قطعها شعور بالخوف تسلل إلى قلبه، الذي لا يزال يتذكر ليلتهم العاصفة وما تلاها من دمار، ليقطع قبلتهم وهو يحويها بضمة قوية، اتبعها قائلاً بخشونة أذابتها: "خلتيني بين نارين يا فرح. أعمل فيكِ إيه؟ همست بحنو: "سلامتك يا قلب فرح."
رفع رأسه يناظرها بحنق وهو يزمجر معترضًا: "وبعدين يعني؟ تعلم أنها تلهو فوق أوتار صبره الذي لا ينفذ إلا معها، لذا ابتسمت قائلة بدلال: "لأ بقولك إيه، هتتعصب عليا هزعل وأنا الزعل خطر عليا." هتف بتذمر: "والله أنتِ اللي خطر عليا." ابتسمت بحب وهي تعانق يديه ليتوجها للأسفل، فإذا به يلاحظ الخروج العاصف لسليم من باب المنزل وسط صيحات مروان. "أسلومه؟ أنت يا ابني؟ لم يجبه سليم، فوجه حديثه إلى ريتال قائلاً باندهاش:
"ماله ده مابيردش ليه؟ يكونش عشان شعره طول شوية محدش مالي عينه؟ ردت ريتال باستنكار: "أو يمكن يكون مش فاضي أو متضايق مثلاً يا عمو! ناظرها مروان بسخط تجلى في نبرته حين قال: "وأنتِ بقى عينوكي محامي عن كل اللي في البيت؟ أنتِ مالك أنتِ أصلاً؟ "عامل دوشة ليه عالصبح؟ كان هذا صوت سالم الفظ وهو يتدلى من أعلى الدرج وبجانبه فرح تتأبط ذراعه، فالتفت مروان يناظرهم وهو يقول بنبرة ساخطة خفيضة: "شوف البت لازقة فيه إزاي؟
عاملة زي القُرادة بالظبط." قالت ريتال بخفوت: "وأنت مالك يا عمو مش مراته! "طب اسكتي. اسكتي." انطلق ليقابل سالم عند أسفل الدرج وهو يقول بتهليل: "الله أكبر؟ ده صباح الفل والورد والياسمين على الكبير بتاعنا." قام بنزع يد فرح من يده وهو يقول بفظاظة: "إيدك بس من هنا معلش." تابع وهو ينظر إلى سالم بفخر تجلى بنبرته وهو يصيح: "إيه يا ابني الحلاوة دي؟ والله أنت خسارة في البلد دي. تعالى أما أرقيك." قال سالم بامتعاض: "مروان، قصر."
قال مروان بصياح: "والله أبداً لازم أرقيك. هو إحنا عندنا كام سالم الوزان؟ وبصراحة العين وحشة وخصوصاً الخضرة المدورة اللي لسه مستوتش دي." كان يتحدث وهو ينظر إلى فرح التي كان الغيظ يأكلها من أفعاله الغير مبررة، ولكنها فضلت الصمت وإرسال سهام نظراتها المستفزة، ليتوجه الجميع إلى طاولة الإفطار. فتابع مروان حديثه قائلاً: "إيه الشياكة والحلاوة دي بس؟ عليا النعمة برنس. حلوة البدلة دي." خرجت الكلمات محملة بفخر يتخلله العشق
الذي أطل من عينيه حين قال: "ذوق فرح." قال مروان بصراخ أجفلهم جميعاً: "وحشة. الصراحة تقرف. عندك بدل أحلى. اتفضل غيرها." قال سالم بحدة: "نعم! تدخلت فرح تتغزل بسالم قاصدة إغاظة مروان: "البدلة حلوة عشان أنت لابسها يا روحي. أنت اللي محليها أصلاً." لا تفلح ريتال في قمع ضحكاتها، ثم قالت بتشفي: "كده أنتي فرح واحد وعمو مروان صفر." قال مروان بسخط: "أيوه اضحكي عليه. اضحكي عليه." قال سالم بفظاظة: "أنا مش فاضي للعب العيال ده."
التفت موجهاً حديثه لفرح: "فرح مش هوصيكِ. أنتِ عارفة هتعملي إيه؟ قالت فرح بحنو مطمئن لقلبه: "متقلقش يا حبيبي." استنكر مروان ما يحدث قائلاً: "إيه ده معلش؟ هو في أسرار بينكوا أنا معرفهاش؟ قالت فرح بتشفي: "طبعاً في. أومال هيبقى أسراره معاك أنت مثلاً! قال مروان بتهكم: "طبعاً أسراره معايا." قالت فرح بسخرية: "كان زمان وجبر."
مشاكساتهم أضافت جوًا مرحًا للمكان، خاصةً وأن جميع الوجوه مغبرة إلا من سما التي كانت تبتسم على مشاكساته، فجاءها صوت همت الممتعض: "بقى ده المعتوه اللي عايزة تكملي حياتك معاه؟! أجابتها سما بخفوت ولهجة تحمل من الحب الكثير: "والله يا ماما ده عسل أوي." "عسل أسود." هكذا تحدثت همت بحنق ونبرة مرتفعة قليلاً، فجاءها صوت مروان الممتعض حين قال: "هو أنتِ كل حاجة عندك سودا؟ حتى العسل! ده حزن إيه ده اللي حط عليك ده يا مروان؟
قالت همت بحدة: "بتقول حاجة يا مروان؟ قال مروان بلهفة: "لأ يا حبيبتي، ده أنا بقول إن اللون الأسود لون جميل. وميحبهوش غير العظماء. اللي زيك كدا! "آه أنا بحسب! قال مروان بتملق: "لأ تحسبي إيه؟ هو أنا أقدر؟ ده أنتِ لو بتحبي الأسود أسخمطلك وشي هباب عشان خاطرك." قالت همت بسخرية: "لأ وعلى إيه؟ هو أنت ناقص تشويه في منظرك؟
تعالت الضحكات، ومن بينهم ضحكات شيرين المجلجلة، وقهقهات كلًا من طارق وهمت المتشفية، وشاركتهم أيضاً ريتال، فناظرهم مروان بسخط وهو يقول: "عجبتكوا أوي؟ والله ما فيكوا صاحب يتصاحب! ماليش غير البت جنة هي اللي حبيبتي." طافت أنظاره على الطاولة ولم يجدها، فقال باستفهام: "أومال هي فين؟ منزلتش ليه؟ لم يُمهلهم الوقت للرد، بل قال بسخط موجهاً حديثه لفرح: "ما تقومي تشوفي أختك بدل ما أنتِ لازقة فيه كدا! زجره سالم قائلاً:
"اظبط نفسك بدل ما أظبطك." لا تعلم لما انتابها شعور قوي بالقلق على شقيقتها، لذا التفتت تناظره قائلة بهدوء: "هقوم أطمن على جنة وأشوفها اتأخرت ليه؟ قال سالم بصرامة: "افطري الأول عشان تاخدي دواكِ. وبعد كده اعملي اللي أنتِ عايزاه."
أوشكت على الاعتراض، فاوقفتها نظرته الصارمة، فلجأت للصمت إلى أن انتهى وقت الإفطار، وتوجه سالم برفقة كلاً من مروان وطارق إلى غرفة المكتب، وتوجهت هي رأساً إلى غرفة جنة، التي كانت تجلس أمام المرآة ترتدي ثوب الاستحمام، وخصلاتها تتناثر منها قطرات المياه، كما تناثرت قطرات الألم من عينيها، التي كان احمرارها يوازي جمرات مشتعلة بنيران الجحيم التي أُلقيت به! "الجميلة سرحانة في إيه كدا؟
استفاقت من شرودها على كلمات فرح المداعبة، فحاولت محو معالم حزنها، قبل اغتصاب ابتسامة واهنة على ملامحها الشاحبة، وهي تقول: "فرح، صباح الخير." "صباح الورد والفل والياسمين. عاملة إيه النهارده؟ هكذا استفهمت فرح بحنو، وقد شعرت بخطب ما في نظرات شقيقتها، ولكنها لم تفصح عن مكنوناتها. "الحمد لله تمام. أنتِ عاملة إيه؟ منزلتيش الفطار ولا إيه؟ "لأ نزلت وفطرت وخدت دوايا وجيت أشوفك منزلتيش تفطري ليه؟ أجابتها
وهي تعيد لملمة خصلاتها: "لسه صاحية ويدوب خدت شاور وكنت هنزل." هربت من أسر نظرات شقيقتها، متوجهة إلى داخل غرفة الملابس وهي تقول: "ثواني هغير هدومي وأجي ننزل سوا."
استراحت فرح على الفراش خلفها، وهي تحاول نفض تلك الأحاسيس المخيفة التي تنتابها من حين لآخر، وتحاول قمع رغبتها بفتح ذلك الأمر الشائك مع شقيقتها، التي خرجت بعد وقت ليس بكثير مرتدية فستان قطني باللون الأزرق القاتم، وهو ليس من ضمن قائمة ألوانها المفضلة، لطالما كانت تحب الألوان المبهجة التي تشعرها بالحياة. "مزاجك مش حلو ولا إيه؟
هكذا استفهمت فرح، فغزى الاضطراب قلب جنة، التي لم تكن تريد الخوض في أي حديث قد يؤدي بها إلى انهيار آخر. "لأ ليه بتقولي كدا؟ قالت فرح بنبرة ذات مغزى: "أصل اللون الكحلي مش أحسن حاجة بالنسبةالك؟ ابتسمت جنة بمرارة خالطت نبرتها حين قالت: "أنتِ لسه فاكرة يا فرح؟ خلاص بقت كل الألوان شبه بعضها." خطت فرح إلى حيث تقف، وقامت بإمساك رسغها لتُديرها إليها وهي تقول بحنو: "بتهربي من إيه يا جنة؟ وبتداري عيونك مني ليه؟
بشق الأنفس استطاعت اغتصاب تلك البسمة، واستجداء بعضاً من ثباتها، وهي تقول: "بهرب إيه بس؟ أنتِ مالك النهاردة؟ "أنتِ اللي مالك يا جنة؟ عينيكِ فيها دموع كتير، على الرغم إن الحمار ده معناه إنك عيطتي كتير أوي. حصل إيه لكل ده؟ هل تجرؤ على الحديث دون أن تصرخ حتى تهتز أرجاء هذا المكان؟ هل تستطيع احتمال ثقل كلماتها وذرف وجعها وقلة حيلتها أمام رغبتها العاتية في الانتقام ممن قام بتدمير حياتها؟ "مفيش حاجة يا فرح."
"أنا بس شديت مع سليم شوية." باغتها استفهام فرح الصادم: "بخصوص حازم؟ امتقع لونها جراء استفهام فرح، التي تكهنت بما حدث، ولكنها لم تدرك مدى فداحته ولا تأثيره على جنة، التي استدارت تحاول انتزاع أنفاسها الغاضبة قبل أن تقول مغلولة: "متجيبيش سيرة الحيوان ده قدامي." "ينفع نقعد نتكلم شوية؟ عاندت قائلة: "مفيش كلام نقوله يا فرح." قالت فرح بإصرار: "لأ في يا جنة، وفي كتير لازم يتقال." التفتت بحدة، اجفلت فرح، التي هالها حديث
شقيقتها حين صرخت بحدة: "مش عايز أتكلم عن الزفت ده. مش عايزة أسمع اسمه. ولا حاجة تفكرني بيه." قالت فرح بتعقل: "ياريت تكوني نسياه فعلاً يا جنة، وقتها مش هيكون في كلام يتقال فعلاً." قالت جنة بسخرية مريرة: "هو النسيان سهل أوي كدا؟ قالت فرح بهدوء: "لأ. بالعكس ده صعب. بس مش مستحيل. دي نعمة ربنا أنعم علينا بيها عشان بيحبنا." قالت جنة بانكسار: "واللي مش عارف ينسى يبقى ربنا مابيحبوش!
اقتربت فرح خطوتين تحاول احتواء ذلك الألم الهائل الذي يقطر من عيني شقيقتها. "لأ طبعاً. ربنا نِعَم كتيرة علينا يا جنة. وبقى وحشين لو معترفناش بنِعَم ربنا علينا. عشان وقتها ربنا هيغضب علينا." تاهت الأحرف من شفتيها، واحتارت كيف تصيغ معاناتها، فدارت رأسها إلى الجهة الأخرى بيأس، احتضنته كفوف فرح الحانية التي حوت وجهها، لتُديرها إليها وهي تقول: "رامية نفسك في بحور نار ومستنية منها تعوم يا جنة! استنكرت بقهر:
"أنا اللي رميت نفسي يا فرح؟ قالت فرح بتصحيح: "ربنا اختبرك يا جنة. ولما صبرتي كافئك. يبقى تيجي تعترضي وتسيبى نفسك للشيطان يشوه كل الحلو اللي حواليكِ؟ اندفعت بلهفة: "لأ طبعاً أنا والله بحمد ربنا كتير على كل حاجة حصلتلي خير أو شر. حتى مرضي أنا راضية بيه وبكل اللي يجيني منه. بس... صمتت لثوانٍ غير قادرة على سرد ما بجوفها من أوجاع، ثم قالت بلهجة محشوة بالألم:
"مش قادرة أتخيل إنه ممكن يعيش ويت هنى بحياته بعد كل اللي عمله فيا وفي غيري؟ مش قادرة أتخيل إنه ممكن يشوف ابني عادي كدا ويقوله يا بابا؟ مش قادرة أتقبل فكرة إن نفسه يكون موجود في مكان أنا فيه." قالت جملتها الأخيرة بصراخ ارتج له قلب فرح، التي احتوتها بعناق قوي، لعلها تقذف بعض الطمأنينة في قلبها، قبل أن تقول بحنو: "اهدي يا حبيبتي. مفيش حاجة من دي هتحصل." انتزعت نفسها من بين أحضان فرح وهي تقول بحنق من بين الدمع
المتدفق بغزارة من مقلتيها: "لأ هيحصل يا فرح وتشوفي. أنتِ مفكراهم هيعملوا إيه؟ ده أخوهم. آخرهم هيبهدلوه شوية وخلاص. عمرهم ما يقدروا يأذوه ولا يعاقبوه العقاب اللي يستحقه." قالت فرح باستفهام: "وإيه العقاب اللي يستحقه في نظرك؟ صرخت بكل ما يعتمل بداخلها من قهر: "الموووت! هالها مظهر شقيقتها ومدى القهر والحقد الذي يتساقط من بين كلماتها، وتبرزه نظراتها بقوة، فحاولت امتصاص وجعها قدر الإمكان، حين قالت:
"وهو النفي مش موت يا جنة؟ في طرق كتير للموت. غير اللي في دماغك. وعلى فكرة أنا اللي بأكدلك إن حازم مش هيرجع البيت ده تاني. ولا هيعيش فيه زي أي حد هنا." صرخت بقهر: "وإيه اللي يضمن كلامك ده؟ قالت فرح بقوة: "أنا يا جنة أضمنهولك. أنا مبقولش كلام وخلاص. أنا عارفة بقولك إيه." قالت جنة بسخرية: "طبعاً سالم قالك كده عشان يثبتك! قالت فرح بحدة أخرستها:
"جنة. بلاش تغلطي عشان مترجعيش تندمي. سالم مش عيل صغير ولا عمره هيقولي كده. بس أنا عارفة جوزي كويس. سالم راجل وراجل عارف ربنا ومنصف. ومستحيل يضيع حق حد. وأنتِ بالنسباله مش حد." استمهلت نفسها لثوانٍ قبل أن تضيف: "أنتِ مرات أخوه وأنتِ عارفة سليم بالنسباله إيه؟ وبنت اتظلمت وأنتِ شفتي بعينيك عمل إيه عشانك قبل أي حاجة. وفي المقام الأول أنتِ أختي وبنتي، وهو عارف إن أي حاجة تمسني تمسه."
أعادت كلمات فرح بعض النور إلى ظلمة قلبها، ولكن أبت شياطين الجحيم الصمت، فإذا بها تقول جفاء: "وتفتكري يا فرح لو خيروه سالم بينك وبين حازم بكل أخطاءه هيختار مين فيكوا؟ إلى هنا وفطنت فرح إن هناك أشياء خفية تحدث مع شقيقتها لتجعلها تصل إلى كل المنعطفات الخطرة، ولكنها أجابتها ببراعة: "ومين قالك إني ممكن أحط نفسي في مقارنة زي دي؟ صمتت لثوانٍ قبل أن يصل إلى عقلها هاجس خطير جعل وميض الغضب يتراقص في مقلتيها، فجاءت
نبرتها قوية حين قالت: "اللي سالم وسليم فيه ده ابتلاء ربنا يكفينا شره. أنا دُقت ناره لما عرفت في المستشفى إنك مدام مش آنسة يوم الحادث. وعارفة قد إيه طعمه مُر. وبشفق عليهم منه." حاولت مقاطعتها، فاوقفتها يد فرح الحازمة، وكذلك كلماتها حين قالت بجفاء: "وبعدين لما أبقى عارفة نقطة ضعف جوزي وأدوس عليه أبقى أنا كدا ظالمة. وربنا ميرضاش بالظلم يا جنة." قالت جنة بقهر: "واللي حصل معايا يا فرح مش ظُلم! قالت فرح بقوة:
"ظُلم. يتحاسب عليه اللي اتسبب فيه. مش ناس ملهاش ذنب! ناس وقفت جنبنا واحتوتنا وطبطبت على وجعنا. ناس ربنا بعتها لينا عشان يقولنا إن بعد الصبر جبر. وبعد الظلمة نور." كانت تعلم أن الحديث لا يدور حول سالم من الأساس، وقد تكالبت عليها أوجاعها للحد الذي جعلها تتراجع لتسقط فوق السرير بتعب تجلى في زفرة حادة مزقت جوفها، كما فعلت كلماتها حين قالت:
"أنا وجعته أوي يا فرح. قولت كلام صعب مكنتش أتخيل أقوله. ضغطت على نقطة ضعفه بكل قوتي. أنا حسيت عينيه بتترجاني أسكت ومسكتش." تناثر الألم من مقلتيها حد التدافع، لتتحول موجة بكائها إلى نحيب، فعلا صوتها وهي تقول من بين عويلها: "أنا دوست على نقطة ضعفه بكل قوتي. مرحمتهوش. ولا رحمت قلبي اللي كان بيترجاني أجري أترمى في حضنه."
لن ينج الغريق ما لم يجد تلك القشة التي تنقذه، والتي تمثلت في عناق فرح القوي، وهي تحاول تهدئة جنة التي تنتفض حزناً وقهرًا، تساقط من بين حروفها وهي تضيف: "غصب عني يا فرح. جوايا نار قايدة. كل ما أتخيل السنين تمر ويجمعني بيه أو بابني مكان أحس بنار جوايا. مقدرش يشاركني في ابني بعد ما كان عايز يقتله وهو في بطني. مقدرش أحس إن سليم بيحبه أو شايله أي مشاعر جواه." حاولت فرح تهدئتها قائلة:
"اهدي يا جنة وبطلي عياط. كل حاجة هتتحل واللي بتفكري فيه ده مش هيحصل." صاحت بقهر: "ده كلب يا فرح. ميستاهلش يعيش. أنا بكرهه. بكرهه. ربنا يحرق قلبه زي ما حرق حياتي وحولها لجحيم. يارب يدوق كل وجع اتوجعته وكل قهرة اتقهرتها." كانت كلماتها أسهم نارية تخرج من عمق قلب أصبح الجحيم مسكنه، فأخذت فرح تربت على ظهرها بلطف وهي تقول بلوعة: "اصبري واحتسبي يا جنة. كله عند ربنا واللي عند ربنا مبيروحش صدقيني." رددت جنة بأسى:
"حسبي الله ونعم الوكيل." "الصفقة دي هنسبها لمعتز الهلالي." هكذا تحدث سالم، فهب مروان معارضاً: "بتقول إيه يا كبير؟ ليه نسبهالهم؟ شاطره اعتراضه طارق ولكن على طريقته: "متتقولش إن دي قصاد موضوع الانتخابات عشان إحنا مش محتاجين نعمل ده! قال سالم بفظاظة: "إحنا فعلاً مش مضطرين نعمل ده. بس فيه حاجة اسمها ذكاء في التعامل مع الناس." صمت لثوانٍ قبل أن يقوم بفك شيفرات حديثه: "تقدر تقولي الصفقة دي هتجبلنا كام؟
ولا الفلوس اللي هتيجي منها هتغنينا؟ قال طارق بتفكير: "يعني. بس الموضوع مش موضوع فلوس." قال سالم بجفاء: "كويس إنك قلت كده. الناس دي مش محتاجة الصفقة دي ولا إحنا محتاجينها. بس محتاجين نكسب بعض أو على الأقل منبقاش أعداء." قال مروان بتفكير: "هو أنا حاسس إني فاهمك بس مش مترجم." قال سالم بفظاظة:
"إحنا دخلنا الانتخابات من غير ما تقول لحد ودي كانت في ملعبهم، والناس طلعوا محترمين وولاد أصول. يبقى لما هما يجوا يدخلوا المناقصة دي قدامنا نطلع إحنا برضه زيهم ولاد أصول ونسبهالهم و نبقى كده كسبنا بدل الفلوس عيلة زي الهلالية لو مش هنحتاجهم هنأمن مكرهم." قال مروان بتهليل: "اللهم صلي على النبي. دماغ ألماس عليا النعمة. أنا موافق على الموضوع ده." قال طارق بسخرية: "على أساس إنك بتفهم أوي؟ تجاهل مروان كلماته وأردف بسخرية:
"ويا حبذا بقى لو وطدنا علاقتنا معاهم بالنسب. في عندهم حتة بت عبيطة وبكدش كده كنت بشوفها بتجري ورا عربية الرش. ممكن نجوزها لطارق." ألم يفلح سالم في قمع ضحكاته من حديث مروان، أما عن طارق، فلون السخط عالمه وتجلى في نبرته حين قال: "وأنت متتجوزهاش أنت ليه؟ قال مروان بشماتة لم يخفيها: "لأ يا غالي أنا متجوز. الدور والباقي عليك سنجل بائس. ولا أقول هيمان في بحر العشق المالح لما جتك هتنشف إن شاء الله."
تراقصت أبخرة الغضب أمام عيني طارق، ولكن فجأة لمع عقله بفكرة رائعة جعلته يلتفت إلى سالم قائلاً باندفاع: "بقولك إيه يا سالم أنا قررت أتزوج! لم تتغير معالم سالم، بل تشابهت مع جمود لهجته حين قال: "وإيه كمان؟ قال طارق بجدية: "مابهزرش. أنا فعلاً عايز أتزوج." قال سالم بفظاظة: "فين الهزار في كلامي؟ مش مفروض كلامك له تكملة؟ ولا عايز أتزوج وأقطم عار كدا." تحمحم طارق بخفوت، قبل أن يقول بخشونة:
"آه طبعاً له تكملة. أنا عايز أتزوج شيرين." تدخل مروان بسخرية: "شيرين عبد الوهاب؟ لأ رجعت لحسام حبيب معلش. خدلك لفة وارجع تاني تكون خلعته ولا حاجة." قال طارق بحدة: "اتلم يا ده بدل ما ألخبطلك معالم وشك." قال مروان ببراءة: "يا ابني مش بعرفك. أومال أسيبك على عماك." قال طارق بسخط: "عمايا إيه يا متخلف أنت؟ عايز أتزوج شيرين بنت عمتك." قال مروان بتحسر:
"لأ أنت أكرملك تستنى لما شيرين تخلع حسام عشان عمتك قافلة على بناتها زي الكماشة ومش هتطول صباع من واحدة فيهم." صمت لثوانٍ قبل أن يندفع في الحديث دون أن يعي ما يقوله: "وكمان أنا ضارب بينكوا إسفين ميخرش المية يعني استحالة هتبص في خلقتك تاني." زمجر طارق بشراسة: "ما أنت عشان حيوان ولسانك عايز قطعه." أوشك مروان على الحديث، فتدخل سالم قائلاً بصرامة: "بطل هري يا مروان. ركز معايا يا طارق. شيرين موافقة على اللي أنت بتقوله ده؟
أجاب مروان بدلاً عنه: "ولا عارفة ولا عايزة تعرف شكله أصلاً." زفر طارق بحدة، قبل أن يقول بغلظة: "متعرفش. لسه مفاتحتهاش." قال سالم بحزم ليُنهي النقاش في الأمر: "يبقى تأجل الكلام في الموضوع ده لحد ما تعرف رأيها. وبالمناسبة خليك حذر في التعامل معاها عشان هتلاقيني في وشك." لم يعجبه الحديث، فزمجر غاضباً: "سالم أنت كده بتقطع عليا كل الطرق." قال سالم بغلظة: "لأ بختصرها لك في طريق واحد مفيش غيره وأنت مُجبر تلتزم بيه."
زفر بحنق، فهو يعلم بأنه مُحق في حديثه، ولكن ما حيلته أمام كل تلك العوائق التي تضعها في طريقه! "طب أنا أتحمل إزاي تكوني قدامي كده من غير ما أحضنك كل شوية؟ هكذا تحدث ياسين وهو يحويها بنظراته العاشقة، فتململت في مقعدها بجانبه في السيارة وهي تقول بتذمر: "ياسين عشان خاطري. نفسي أعمل ليا أصحاب بجد. أنا هنا لوحدي خالص." قال ياسين بلوم: "لوحدك! وأنا مش مالي عينك ولا حاجة؟ اقتربت تلامس وجنته بدلال تجلى
في نبرتها حين قالت هامسة: "ياسينو يا حبيبي أنت مالي عيني وقلبي. ومفيش حد يتقارن بيك أصلاً." ارتج قلبه لحديثها ودلالها، ولكنه استنكر ذلك اللقب الذي أطلقته عليه، لذا قال بتبرم: "شوفي مش أنا كنت معترض إنك تعملي نفسك متعرفينيش. بعد ياسينو دي إياكِ تقولي لحد إنك مراتي. هتفضحنا في البلد. قال ياسينو قال." تعالت قهقهاتها من حديثه وقالت بمزاح: "ليه هو ياسينو وحش؟ قال ياسين بتهكم: "وحش!
طب جربي تقولي ياسينو دي قدام جدي احتمال يجيله ذبحة صدرية لو سمعها. يلا قدامي." تدلى من السيارة وهي بجانبه على اتفاق بأن يفترقا على مشارف بوابات الجامعة، فتركها على مضض بعد إلحاح كبير منها، فزفر بحنق تجلى في نبرته حين قال: "أنتِ غير منطقية وأنا موافق بس عشان مزعلكيش، بس الوضع ده مش هيستمر كتير. اعملي حسابك." قالت حلا بلهفة: "حاضر. والله أوعدك."
لم تفلح لهفتها ولا لهجتها الرقيقة من التخفيف من غضبه، ولكنه تركها على مضض بعد أن شدد عليها قائلاً: "متخرجيش من الجامعة غير لما أكلمك أقولك إني مستنيكِ بره. اتفقنا ولا لأ؟ "حاضر اتفقنا." واصل تنبيهاته إذ قال آمراً: "ومفيش أي اختلاط بأي شباب. اللي ييجي يقولك نتعرف، أخرمي عينه وناديني أخرم العين التانية. سامعة؟ قالت حلا بلهفة: "حاضر سامعة. والله سامعة." قال ياسين بوقاحة: "طب فرصة وأنتِ مسالمة كدا ما تجيبي بوسة." شهقت
من وقاحته وقالت تؤنبه: "ياسين. أنت اتجننت؟ إحنا في الشارع! قال ياسين بامتعاض: "مانا معذور بردو. مسمعتش منك حاضر دي من يوم ما اتجوزتك. جاية تقوليها في نص الشارع! يلا ياختي." قالت حلا بيأس من أفعاله: "مجنون والله مجنون." "جهزت العربية؟ صحح مروان جملة سالم قائلاً: "جهزت العربيات! إحنا مش هنروح معاك يا كبير ولا إيه؟ قال سالم بملل: "هتروحوا معايا تعملوا إيه يا مروان؟ هجيب الحاجة وأجي على هنا. مش مستاهلة زحمة في الفاضي."
قال مروان باستنكار: "إيه زحمة في الفاضي! ليه هي أي حد؟ دي الحاجة أمينة على سن ورمح. قليل لو ما جبنالها زفة من المستشفى لحد هنا." تدخل طارق بسخط: "أنت متخلف يا ابني؟ قال مروان بنفاذ صبر: "ده تقدير يا جاهل. روح اجري شوف شادية الهبلة بتسأل عليك... قصدي شادية الهلالي." "اللهم طولك يا روح."
لم يكن ينتبه لحديثهم، فكانت عيناه تراقب فرح، التي كانت ملامحها لا تُفسر وتتنافى مع بريقها قبل الصعود لرؤية جنة، وها هي قد بدأت إحدى الأزمات المؤجلة في الصعود على السطح. زفر بقوة قبل أن يرسل إليها غمزة فحواها ماذا يحدث، فتلقت إيماءة من رأسها بمعنى لا مجال للحديث، فزفر بتعب قبل أن يقول بجفاء: "سليم زمانه سبقني على المستشفى هحصله على هناك وأنتم استنونا هنا." قال مروان بصياح: "طب والزفة؟ ده أنا كنت ناوي أجيب مزمار!
صاح طارق بنفاذ صبر: "أنت واثق في الحيوان ده إزاي يمسكلك الحملة الانتخابية بتاعتك؟ قال سالم بجفاء: "والله أنا خايف ألاقيه بيلف بحمار في البلد وبيقولهم انتخبوا سالم الوزان! "فيك إيه يا سليم؟ عينيك مطفية ليه؟ هكذا استفهمت أمينة بهدوء وهي ترى ذلك الظلام الذي يُغلف نظراته ويعكس ذلك الحزن الدفين بأعماق قلبه، والذي تجاهله وهو يقول بمزاح: "الحاجة أمينة بتفوق عليا ولا إيه؟ مالها عينيا؟ اكتفت بكلمة واحدة تحوي الكثير بداخلها:
"مبتلمعش." مع كل هذا الألم الذي تستشعره روحه، هل يمكن لعينيه ألا تنطفئ! "قرب مني يا سليم." هكذا تحدثت قبل أن تُتيح له الفرصة للحديث، فتقدم منها بخطى وئيدة، وكأنه يحارب الانهزام، بين ذراعي والدته التي احتوت كفوفه بين يديها وهي تقول بحنو: "طول عمرك حقاني يا سليم، واللي بيختار طريق الحق لازم يتعب." احتار من مغزى كلماتها، فتبلورت حيرته، فر نظراته، فانتزعته من بئر هواجسه قائلة:
"أنا عارفة كل حاجة مخبيها في قلبك يا سليم. وحاسة بالنار اللي جواك." لا يقوى على الهرب، ولا يستطيع إطلاق العنان لكلماته، شفقة ورأفة بحال تلك الأم المكلومة، والتي لا تفلح في أخفاء وجعها عن أعينهم، وحتى لو أخفته جسدها لا يتحمله. "نار إيه يا أمي! مفيش أي حاجة من اللي بتقوليه ده. أنا بس قلقان بسبب إن جلسة علاج جنة قربت، وأنتِ عارفة هي بتتعب قد إيه فيها."
تأثر قلبها بمحاولته للهرب من هذا الحديث الشائك، رأفة بها، ولكن لم يكن هناك مفر من المواجهة، لذا قالت بهدوء: "اللي تاعب جنة مش جلساتها. سبب تعب جنة كلنا عارفينه. عشان كده بقولك اللي بيختار طريق الحق بيتعب." إلى هنا لم يعد يستطيع التحمل، فصاح كنمر جريح: "والحل؟ هفضل أتعب لحد إمتى؟ هفضل أشيل ذنب مش ذنبي لحد إمتى؟ قالت أمينة بأسى: "ده ابتلاء يا ابني، ومنملكش إلا الصبر عليه."
"صابر. صابر وبقول يارب. ومش معترض. بس مش قادر أعمل حاجة. حاسس إني متكتف. حاسس إني عاجز يا أمي قصاد وجعها ووجعي وواجبي تجاه عيلتي." صمت لثوانٍ قبل أن يقول بقهر لم يفلح في إخفائه: "أنا مش مطفي وبس. أنا بموت بالبطيء." كان الألم أبلغ من أن تعبر عنه، لذا اختارت تجاوزه، وبشق الأنفس استطاعت إخراج حديثها بتلك النبرة القوية: "وليه تسمح لنفسك إنها توصل بيك لكده؟ "ومطلوب مني أعمل إيه؟
"تصبر. وتدي لنفسك وليها وقت تستوعبوا اللي حصل. و خليك عارف ومتأكد إن جنة اللي هي فيه ده شيء عابر جاي نتيجة صدمتها." قال سليم بغضب مُروع: "اشمعنى دلوقتي؟ ليه ساكتة كل ده؟ قالت أمينة بتفكير: "يمكن كانت بتقاوم؟ صمتت لثوانٍ قبل أن تضيف بغموض: "أو يمكن يكون حصل حاجة حركت النار اللي جواها دي وخلتها تشعلل تاني! توقف سليم لبرهة يزن كلمات والدته، والتي جعلت حوافر القلق تنشب مخالبها في عقله، ولكنه تداركها وقال باستفهام:
"هي جنة كلمتك؟ يعني أقصد بتتكلمي بناءً على إيه؟ قالت أمينة بصدق: "مش محتاجة إن جنة تكلمني يا سليم. بس أنا كنت متوقعة إن رد فعلها هيظهر في أي وقت. ولما شوفتك النهاردة عرفت إنها بدأت تعبر عن اللي جواها." زفر بيأس تجلى في نبرته حين قال: "والحل يا أمي؟ قالت أمينة بتعقل يُنافي لوعتها من الداخل:
"بالهداوة يا سليم. كل شيء بييجي بالهداوة. وأنت بتحبها وهي روحها فيك، يبقى نصبر على بعض، وأوعى تسمع لكلامها، هي أصلاً مش عارفة بتقول إيه؟ متأخدش كل حاجة على قلبك. طاطي للريح يا سليم. ده مش ضعف منك، بالعكس ده ذكاء. عدي بحياتك لبر الأمان معاها وصدقني مش هتندم." لا يعلم كيف يجيبها، حتى أنه لأول مرة بحياته يتمنى الهرب. الهرب من كل ذلك الشعور المقيت الذي يتآمر على روحه فيُمزقها إلى أشلاء.
كانت السماء صافية مزينة بنجومها المتلألئة، التي تحاكي في روعتها عينيها الجميلة، وخصلاتها السوداء كليل طويل حالك السواد، الذي كانت ترى به مستقبلها، على الرغم من أنها تحيا في كنف والداها الحقيقيين، ولكن هناك الكثير من التخبطات بداخلها تجعلها فريسة للكآبة المضنية، التي تحجب عنها رؤية كل ما يحيط بها من جمال. وفجأة أطلت صورته من قرص القمر، الذي يتوسط السماء الآن، فأخذت تتذكر ما حدث منذ يومين حين كان مع والدها بمكتبه.
عودة لوقت سابق "انت بتقول إيه يا صفوت بيه؟ قال صفوت بجمود: "اللي سمعته يا عمار." هب عمار من مكانه وهو يقول بغضب: "ده أنت قاصد اللي بتقوله! بقى أنا عمار عمران حفيد الحاج عبد الحميد عمران أشتغل حداكوا في بيت الحمير! صحح صفوت كلماته بهدوء مثير للأعصاب: "اسمه اسطبل خيل." قال عمار بصراخ: "وهي تفرق! قال صفوت بتحذير: "صوتك يا عمار! وبعدين ماهي بنت الوزان وأنت شغلتها في الزريبة عندكوا! قال عمار بحدة:
"مكنتش لسه بنت الوزان، ولا كنت حبيتها. وبعدين أنت لو مفكر إنك كده بتنجم مني فلاه. مش هيحصل. وخليني أفكرك إن لولاي مكنتش عرفت إنها بنتك من الأساس." كانت محاولة جيدة منه بتذكيره بأن له اليد العليا في اكتشاف هذا السر، ولكنه أبى الاعتراف بذلك وقال بجفاء: "صح أنت عندك حق. بس أنا بقى حر في شروطي للي هيتجوز بنتي. لازم أتأكد إنه شاريها." تبدلت نظراته إلى أخرى غامضة، وهو يقول بتحذير: "يعني ده آخر كلام عندك؟ قال صفوت باختصار:
"أيوا." صاح عمار بزئير أرعد الجميع: "يبقى متلومش غير نفسك." قال صفوت بحدة: "أنت بتهددني؟ قال عمار مصححاً: "لأ بعرفك." قال صفوت بسخرية: "بتعرفني إيه إن شاء الله؟ ناوي تعمل إيه؟ "هخطفها. إني هخطفها." لم يُمهله الوقت للحديث، بل اندفع للخارج أمامهم جميعاً وهو يصيح كالثور:
"بصي يا بت الحلال إني دخلت البيت من بابه والباب اتجفل في وشي. أنا كده عداني العيب يا وزانين. عداني العيب يا سالم يا وزان. لما أبقى أخطفها ميبقاش حد يلومني." كان سالم يقمع ضحكاته بصعوبة على مظهر عمار وكلماته، وقد فطن إلى أن صفوت قد أثقل العيار قليلاً، لذا قال بتسلية: "وماله يا عمار؟ وأنت برضه متلومناش على رد فعلنا." كلماته كانت وقوداً لنيران عمار الهوجاء، فصاح الأخير بجنون:
"وماله وخليها حرب على الكل. ومبجاش عمار عمران إن ما خدتك يا نجمة من خشم السبع." داخلياً تراقص قلبها فرحاً إثر كلماته التي توحي بمدى عشقه لها، ولكنها شعرت بالخجل يغمرها وهي ترى نظراتهم المستمتعة بما يحدث حولهم، فصاحت بتلعثم: "إيه الحديت الماسخ ده؟ خشم إيه وسبع إيه؟ فاكرني قطة ولا إيه؟ قال عمار باستنكار: "قطة فرخة ولا حتى بجرة هتجوزك يعني هتجوزك." اغتاظت من تشبيهاته النكراء، فهتفت باستنكار: "بجرة! بيجول إيه البغل ده؟
همست فرح بجانب أذن سالم: "سالم أنا هولد قبل أواني مش قادرة أمسك نفسي هموت من الضحك." قال سالم محذراً: "اظبطي نفسك وإياكِ تضحكي." جاءهم صوت صفوت من الخارج، والذي بدا مستمتعاً بمظهر عمار الأقرب للجنون: "بقرة؟ أهي عشان بقرة دي في اختبار تاني لازم تمر بيه، أومال تقول على بنتي بقرة وأسكتلك! قال عمار بسخرية: "اختبار تاني؟ آه وماله! والمرّة دي إيه بقى يكونش عايزني أوكلك الطير ولا حاجة؟ قال صفوت بتسلية:
"لأ الطيور دي أنت هتجيبها جاهزة عالطبخ على طول مش فاضيين نربي." "كَمَان! وإيه بقى الاختبار اللي أنا أساساً مش ناوي أعمله ده! قال صفوت بهدوء مستفز، قاصداً تذكيره بمعاناتها السابقة بسببه: "عايز ابني أوضتين ورا البيت نربي فيهم معزتين، وبصراحة مستخسر أجيب بني وانت موجود. إيه رأيك تيجي تبدأ فيهم من بكرة؟ تذكر حين كانت تعمل في البناء بعد ذلك الاتهام المروع الذي قذفها به، لذلك تجاهل ما يحدث واقترب من صفوت قائلاً
بتصميم ونبرة جافة: "أنا واعي للي بتعمله زين. بس أكده أنت مش بتاخد تارك ولا بتعوض بنتك على اللي حصل. فكر في كلامي زين واعرف إن مبسبش حاجة رايدها لو على جثتي." التفت يُناظرها بعشق يتنافى مع لهجته القوية حين قال: "وأني رايدها." عودة للوقت الحالي كلما تذكرت تلك الكلمة، يرتج قلبها تأثراً بها، ويضرب بتحذيرات عقلها عرض الحائط، فتجد نفسها أمام حقيقة قوية لا غبار عليها، أنها واقعة بعشقه لحد النخاع.
كانت تستند على الحاجز الحديدي لشرفة الغرفة، تعطي ظهرها للخلف، وفجأة شعرت بشيء مدبب يخترق جسدها من الخلف ووووو
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!