الفصل 21 | من 40 فصل

رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
24
كلمة
6,300
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

برقت عيناه من شدة الصدمة التي سرعان ما تجاوزها قائلًا بجفاء: _يعني إيه مش بنته؟ زفر سليم بغضب يشوبه الاشمئزاز: _يعني أكيد ما فيش حد هيرافق بنته!

عاوده شعور الصدمة من جديد، فأراح جسده فوق أحد المقاعد وهو يفرك عينيه بغضب. فهالها مظهره وهرولت تحاول التخفيف من حدة غضبه وتعبئه البادي على ملامحه، فوقفت خلف مقعده وامتدت أناملها الحانية تسكب الهدوء فوق أكتافه القوية عن طريق تدليكهم برفق. كان به مفعول السحر على قلبه الذي سكن بقربها. فأطلق نفسًا قويًا قبل أن يقطع كلمات سليم الممتعضة عن سفرتهم التي ضاعت هباءً:

_بطل هري واسمعني. ناجي أكيد مخبي حاجة مهمة في القصر ده. مش معقول هيعمل كل ده عشان يلعب بينا. هو مش ساحر. لم يكد سليم أن يجيبه حتى تدخل طارق الذي أخذ الهاتف منه وهو يزمجر غاضبًا: _بص يا سالم أنا مش هرجع غير ورقبة ناجي في إيدي، يا رقبته بجد، يا الحاجة اللي هتجيب رقبته الأرض. وأنا واثق إن الحاجة دي موجودة في القصر ده. سالم بتحفيز: _تعجبني، وما تقلقش كل حاجة متأمنة كويس. أنت بس حاول تعرف أي حاجة عن البنت دي. طارق مقاطعًا

بحنق: _البنت دي متفرقلوش رجالتنا. لما دخلت القصر عشان تعمل صيانة للغاز، سمعوا صوته بيضربها وبيشتمها. دي مش أكتر من واحدة مرافقها. سالم باندفاع: _حلو. يبقى حل اللغز عندها. هي الوحيدة اللي تعرف ناجي مخبي إيه في القصر ده. استنشق أكبر قدر من الهواء قبل أن يقول بصرامة: _هعرف. لازم هعرف يا سالم. ولو حكمت هخطفها زي ما كنا مقررين ونبقى نقررها بطريقتنا. سالم بفظاظة: _ده أضعف الإيمان يا طارق، وآخر حل هنلجأ له لو ضاقت بينا.

اختتم محادثته مع طارق، فاقتربت تحتوي رأسه بين ذراعيها. وقد وصلها ما يمر من ضغوطات وأزمات لا أحد منهم يعرف عنها شيء. ولأول مرة تشعر بأنها تريد أن تخبأه بين طيات صدرها الخافق باسمه لكي تحميه من كل ما قد يعكر صفو سماء عينيه. تبدلت الأمور وأصبحت هي من تريد أن تفرض حمايتها حوله. فلا طاقة لها باحتمال ولو دقيقة واحدة بدونه.

رغمًا عنها كانت تشد من احتواءه. فشعر بخوفها الكبير عليه، فأخذت يديه تخففان من ذعرها بطبطبة حانية فوق ظهرها وكلمات رقيقة كان لها صدى كبير بداخلها: _أوعي تخافي أبدًا. أنا بعمل كل ده عشانكوا. عشان تعيشوا الدنيا اللي تستاهلوا تعيشوها. كانت يديه تمسدان ذلك البروز البسيط في بطنها وكأنه يخاطب صغيره مثلما يخاطبها. فمدت يدها تحتوي كفه الخشن وهي تقول بلهجة تقطر عشقًا: _حضنك هو دنيتنا يا سالم. إنك تبقى وسطنا ده بالدنيا بحالها.

جذبتها كفوفه الحانية لتستقر جالسة بين ذراعيه، ناظرًا إلى غابتها الزيتونية التي وقع أسيرًا لها من الوهلة الأولى، وقال بلهجة حانية تخصها وحدها: _أكتر حاجة حبيتها فيكِ إنك قوية، شجاعة. حسيتك ضهر ممكن أتسند عليه. أميل مهما أميل هيشيلني. صمت لثوانٍ يرتوي من دفء عينيها التي تضج بلوعة العشق، وتابع بينما أنامله تلهو بخصلاتها الحريرية: _مش عايزك تميلي أبدًا واوعي أشوف في عنيكِ نظرة ضعف واحدة. أنتِ ميليقش بيكِ دا.

سحب أكبر قدر كافي من أكسجينها الدافئ قبل أن يتابع بلهجة يغلب عليها الإعجاب الذي يعانقه عشقًا كبير لم يحاول إخفاءه: _أنتِ اتخلقتي عشان تكوني ملكة. ما فيش حاجة في الدنيا تهزها. ارتج قلبها إثر حديثه العاشق الذي جعل عظامها تذوب من فرط التأثر. فقامت باحتواء عنقه بذراعيها وعينيها ترسلان سهام العشق إلى قلبه الموشوم بعشقها: _ملكة على عرش الوزان. قالتها بدلال تعلم أنه يروق له كثيرًا، فأجابها بلهجة موقدة: _ملكة على عرش قلبي.

لثمت جبينه بقبلة دافئة تشبه دفء نبرتها حين قالت: _متزعلش لو الدنيا ممشيتش زي ما أنت مرتبلها، لأنها بتكون مشيت حسب ترتيب ربنا وده أحسن في كل الأحوال. احتوت كلماتها نفسه المبعثرة وأسكنت ضجيج أفكاره، فأجابها بهدوء تجلى في سماء عينيه التي صفت كثيرًا: _الحمد لله على كل حاجة. ربنا مش هيضيعنا أبدًا.

طرقات بسيطة على باب الغرفة اخترقت عزلتها وجعلتها تترك الكتاب بيدها لتتوجه إلى ملاقاته، مع مراعاة رسم الجمود على ملامحها حتى تصفعه بحقيقة عدم رغبتها في أي تواصل معه. فشلت مخططاتها حين فتحت الباب لتتفاجأ بعدم وجوده، إنما صندوق كبير يقبع أمام باب غرفتها. فخربش الفضول عقلها ليجعلها تنحني لتحمله وتضعه على الطاولة أمامها. فلفت انتباهها تلك الورقة الصغيرة التي التقطتها لرؤية ماذا بها:

_قدامك بالظبط عشرين دقيقة تلبسي الفستان وتخرجي، وإلا هتلاقيني داخل لابسهولك بنفسي وأنا بصراحة هموت وأعمل كده. اهتاجت مشاعرها وعلى وجيب قلبها الذي كان بداخله برعم أخضر صغير بدأ ينبت على استحياء، ليعيد وصالها مع الحياة من جديد.

ارتسمت ابتسامة بسيطة فوق شفتيها، سرعان ما محتها حين شاهدت ذلك الرداء الرائع الذي كان لونه كلون السماء، مطرز بلؤلؤات صغيرة منثورة بعشوائية فوق تلك القماشة الصغيرة التي تحيط بالكتفين، لينسدل بضيق على الخصر وما أسفله إلى أن ينتهي بدوران كبير يتوسطه فتحة طويلة تبرز ساقيها من الفخذ.

أخذت تدور به أمام المرآة وهي لا تصدق شدة بهاءه وجمال قصته التي كان يشوهها تلك الندوب فوق جسدها الظاهر من الفستان. فأخذت نبضاتها تتسارع وأنفاسها تتناحر بصدرها. أخذت تتراجع إلى الخلف وكأنها تهرب من المرآة التي تظهر بوضوح مدى السوء الذي بها. وحين التفتت إلى الجهة الأخرى وقعت أسيرة ليدين بقدر حنوهما بقدر شدة تمسكهما بها.

شهقة مكتومة خرجت من بين شفتيها حين وجدت نفسها وجهًا لوجه معه، ونظراته العميقة كانت تغازلها بطريقة دغدغت مشاعرها وأنسيتها حزنها الذي عجز أمام كلماته العاشقة: _لما شفت الفستان ده عجبني، بس لما شوفته عليكِ جنني. زي ما يكون متفصل عشان يليق بجمالك. عند ذكره أمر جمالها المشوه تغلغل الألم إلى داخلها وتململت بين يديه وهي تقول بحزن: _سيبني. أنت بتضحك عليا. شدد من احتوائها وهو يقول بلهجة موقدة:

_مقدرش أسيبك ولا أضحك عليكِ. ليه بتقولي كده؟ تعاظم الألم بقلبها إثر كلماته وظنت بأنه يسخر منها، فخرجت منها صرخة غاضبة وهي تقول بحرقة: _بقول إيه؟ بقول إنك بتشوف، و أكيد شايف القرف ده. جمال إيه اللي بتتكلم عنه؟ كل التشويه ده وجاي تقولي جمال. بتتريق عليا. قست عيناه ويديه التي لازالت تحتوي خصرها بالرغم من محاولتها الفكاك من بين قبضته، فهتف بنبرة حادة بعض الشيء: _بطلي فرك القطط ده عشان آخرته هتيجي على دماغك.

هدأت لثوانٍ تحاول أن تفهم ما يرمي إليه، فتابع بلهجة شغوفة أذابت أوصالها: _تشويه إيه اللي بتتكلمي عليه؟ امتدت أنامله تحتوي وجهها الذي اختفت منه معظم ندوبه وهو يقول بهسيس خشن: _العينين اللي قادرة تسحر أي حد وتجيبه على جدور رقبته دي مشوهة! الخدود اللي زي الورد دي مشوهة! الشفايف اللي طارحة فراولة هموت وأقطفها دي مشوهة؟

أخذت يديه تتجول على جسدها بحركات هادئة على نحو مثير، مما جعل عينيه تظلمان برغبة عاتية. فجاء صوته مبحوحًا حين أردف قائلًا: _عود البطل اللي مجنن أمي وملففني حوالين نفسي ده مشوه! يخربيت كده. ده أنا مبنمش الليل بسببه، وتقوليلي بتتريق! تعاظمت دقاتها حتى أوشكت على تحطيم ضلوعها من فرط التأثر بكلماته التي أوقعتها في أسره. فهربت الحروف من بين شفتيها، ليتابع هو بلهجة لا مبالية: _إيه يعني شوية الخدوش دي اللي مضيقاكِ؟

اديني بس يومين وأنا أضيعهملك. كان العبث يلون نظراته ويقطر من بين كلماته، وخاصةً حين قال جملته الأخيرة التي نبهتها أنها على وشك الوقوع في فخ هواه. فأخذت تتوسل إلى جسدها الانسلاخ عنه، ولكنه أبى الانصياع لها. فتجلت حيرتها في سماء عينيها الجميلتين. فشدد من احتوائها يقربها منه وهي هادئة تمامًا بين يديه، حتى شعرت بأنفاسه الدافئة خلف أذنيها التي أطربتها كلماته حين قال:

_قدامك خمس دقايق تكملي لبس وتطلعي، وإلا ممكن أكلك كلك على بعضك بالحاجات اللي مش عاجباك دي. زفرة قوية خرجت من بين شفاهها حين سمعت صوت باب الغرفة يُغلق، فسقطت جالسة على مخدعها والعبرات تنهمر من عينيها بغزارة تؤازر دقات قلبها الجنونية تأثرًا بوجوده الذي بقدر ما يروق لها بقدر ما يضاعف خوفها. فأخذت تهذي من بين شهقاتها: _يارب. أنا خايفة. أنا خايفة أوي يارب. يارب. وكأنه شعر بمدى خوفها وتخبطها، فجاءها صوته المازح من الخارج:

_ساندي انجزي. جايبلك فيلم جامد لبروس ويلز وجهزت كل حاجة، فاضل الفشار بس. لو مخرجتيش في خلال خمس دقايق هخليكِ أنتِ اللي تعمليه، وقد أعذر من أنذر.

ضحكة خافتة خرجت من جوف الوجع الكامن بصدرها حين أخذتها كلماته المازحة إلى منحنى آخر بعيد كل البعد عن ذلك الخطر. فشعرت بالهدوء الذي بدأ يتسلل إلى داخلها. فهبت من مكانها تكفكف عبراتها تريد الخروج لمعرفة ما يقوم بإعداده. وبالفعل، قبل أن تنتهي مدة الخمس دقائق خرجت من الغرفة لتتجمد بمكانها حين رأت كل تلك الزينة الرائعة التي تملأ الصالة وصورها منذ أن كانت طفلة التي تتعلق بخيط رفيع يجوب المكان من أوله لآخره. وبين كل صورة عدد سنوات عمرها إلى أن وصل إلى رقم أربعة وعشرون، فلم يكن هناك صورة. فتفاجأت به يقف خلفها ويديه تطوقان

خصرها وهو يقول بمزاح: _اضحكي الصورة تطلع حلوة. غافلتها ضحكة جذابة ولونت ثغرها ليستطيع التقاط صورة جميلة لها برفقته ليضيفها إلى عيد ميلادها القادم. جاء صوته الجذاب خلف أذنها حين قال: _كل سنة وأنتِ منورة حياتي بوجودك. كان جمال ما يحدث يفوق قدرتها على الاستيعاب، فهمست بخفوت: _أنت بتعمل في نفسك ليه كده؟ بتعافر وبتفحت في صخر لا عمره هيتأثر ولا هيلين. قست أنامله فوق خصرها وهو يقول بعبث: _صخر إيه بس يا ملبن أنت؟

تجاهلت تأثير كلماته عليها وقالت تجادله: _عدي أرجوك اسمعني. أنت كده بتظلم نفسك. أنا عمري ما هقدر أرجع طبيعية تاني. أوقفتها عن الاسترسال في الحديث تلك القبضة التي قست على خصرها بقوة توازي قوة نبرته حين قال: _أنتِ بتاعتي، مراتي، حبيبتي، أنتِ اللي اخترت أكمل حياتي معاها. وده أحسن قرار خدته في حياتي ومش ندمان ولا هندم عمري عليه. _عدي.. قاطعه بنبرة قاطعة:

_أنا مش بطالبك بأي حاجة، وبقولك هستناك لحد ما تيجي بنفسك تترمي في حضني. وقتها مش هتخرجي منه أبدًا. استهل نفسه لثوانٍ قبل أن تنتقل كفوفه إلى وجهها تحتويه بحنان تجلى في نبرته حين قال: _استسلمي. متعانديش قلبك وقلبي عشان مش هتقدري عليهم. أنا بدأت حياتي معاكِ ومش هينهيها غير الموت. غلفت نظراته طبقة كريستالية من العبرات واهتزت نبرته حين أردف قائلًا:

_أنتِ الحاجة الحلوة الوحيدة اللي خدتها من الحياة. أوعي تحرميني منك. كفاية إني أكون موجود في نفس المكان اللي أنتِ فيه. جذبها قلبها جرًا ليُلقي بها بين ذراعيه. ولأول مرة تختار هي بدلًا أن يجبرها. فقد كانت فعلتها تلك إقرارًا منها بأنها باقية معه، وقد كان هذا أعظم انتصار حققه بحياته. فأخذ يدور بها وهو يهتف بنبرة يخالطها البكاء: _بحبك. بحبك. بحبككككك. _داخل الأوليمبيات حضرتك ولا حاجة؟

هكذا تحدث حازم بتهكم وهو يرى جرير الذي كان يقوم بتمرينات رياضية. فأدهشه الأمر لوهلة، أخذته لمقارنة غير عادلة بذلك الثلاثيني ذو الجسد المعضل والقوة المفرطة، وهو الشاب العشرينى الذي كان جسده واهنًا كمن أنهكه المرض. _وهو الإنسان لازمه سبب عشان يهتم بصحته؟ هكذا تحدث جرير بتهكم أغضب حازم الذي شعر بالدونية في نظراته، فهتف محاولًا استفزازه: _مش القصد بس، سنك وشغلك مش لائق معاهم الجو ده بصراحة! قهقه جرير بصخب قبل

أن يقول بنبرة ذات مغزى: _الشغل مش عيب. العيب إن الإنسان ميبقاش له شغلانة. يعني مثلًا لما حد ييجي يسألني بتشتغل إيه وأقوله راعي غنم، أحسن من لما حد يسألني شغال إيه معرفش أرد عليه. وهرد أقول إيه؟ عاطل وعالة على غيري. انتفخت أوداجه غضبًا من كلمات جرير التي كان بها إهانة مباشرة إليه، فما كاد أن يجيبه حتى تابع الآخر وقال بإزدراء:

_أما بالنسبة لسني فأنا تقريبًا أكبر منك بعشر سنين، لكن اللي يشوفني ويشوفك هيقولي بوسة وحطه جنب الحيط. أنهى كلماته بقهقهات صاخبة جعلت جسد حازم يرتجف غضبًا لم يستطع التعبير عنه سوى بتلك الكلمات الهوجاء التي خرجت منفعلة حين قال: _اخرس. أنا أفرمك بإيد واحدة. أنا بس عشان قايم من عيا. لكن اتفرج عليا لما أشد حيلي هعمل فيك إيه؟

تفاجأ حين قام جرير بإلقاء قفاز بلاستيكي كان يرتديه ليقع أمامه مباشرةً. فقبض حازم جبينه ليقترب جرير منه وهو يقول بكلمات متوعدة: _بيقولك زمان لما كانوا الفرسان يحبوا يتبارزوا كان واحد بيرمي الخوذة قدام خصمه، ودي دعوة فيها تحدي كبير. وبما إنك لسه بتقاوح وشايف نفسك راجل يبقى قاتلني. وكأن أحدهم ضربه بصاعق كهربائي حين سمع كلمات جرير الذي تابع قائلًا بجفاء:

_قدامك شهرين من النهاردة. تشد حيلك وتستعيد صحتك عشان ميبقاش ليك حجة. وكرم مني هسيبك تتمرن معايا، و خلينا نشوف بقى مين هيفرم التاني؟ ذلك الوغد الماكر وضعه بين شقي الرحى. دفعه عن عمد إلى داخل هذا التحدي الغبي مستخدمًا كلماته الهوجاء التي ألقاها في لحظة غضب ليثأر لكبريائه، والآن لا مجال له للرفض. ضيق عينيه لثوانٍ كان يحسم قراره، الذي بالرغم من صعوبته ولكنه وجدها فرصة لاستعادة بعض من نفسه الضائعة:

_وأنا موافق. ولو هزمتك همشي من هنا. هكذا تحدث حازم بصرامة قابلتها صرامة جرير حين قال: _موافق. _وبعدهالك يا بت بطني؟ هتفضلي قاعدة حاطة إيدك على خدك كده كتير؟ هكذا تحدثت رضا، والدة لبنى، بسخط من حالة ابنتها التي لا تبارح غرفتها حدادًا على ما مرت به ولم تستطع تجاوزه. لذا قالت بخفوت: _أنا تعبانة وعايزة أنام. لو سمحتي اخرجي واقفلي الباب وراكِ.

_بقولك إيه يا بت، أنت اتعدلي. خلاص كل حاجة اتحلت والراجل كتر خيره جابلك حقك من عين أخوه. اتظبطي بقى وعيشي حياتك. ارتفعت أنظارها المتألمة إلى والدتها التي كان ما حدث بالنسبة إلى بساطة تفكيرها وجهلها أكثر من كل لشفاء تلك الجروح العالقة بقلبها، والتي لم تجد شخصًا واحد ممن يحيطون بها يمكنها أن تشكوها إليه. _ماما أرجوكي أنا تعبانة أوي ومش طايقة أتكلم مع حد. ممكن تسبيني بقى أرتاح شوية؟ لم تستطع منع

صرخاتها التي ملأت الغرفة: _بقولك إيه؟ إحنا اتمرمطنا وشفنا الذل بسببك. سيبنا بيتنا وحارتنا وأهلنا وجينا هنا عشان نحافظ على مشاعرك وعشان تنسي، إنما كده أنتِ لا بتنسي ولا بتعيشي ولا مخليانا ننسى ولا نعيش. حرام عليكِ بقى. إلى هنا ولم تستطع منع نفسها من الصراخ قائلة: _أنا اللي حرام عليا ولا انتوا؟

محدش فيكوا حاسس بيا. محدش عارف النار اللي جوايا ولا مقدر العذاب اللي شوفته. مش قادرة أنسى. مش قادرة وانتوا مبتساعدونيش إني أنسى. ارحموني بقى. ارحموني. ناظرتها رضا بألم حاولت إخفاءه قدر الإمكان قبل أن تقول بجفاء مفتعل: _يبقى تروحي تعيشي وسط الناس اللي بقيتي منهم، وتسبينا عشان نعرف نعيش. برقت عينيها من شدة الصدمة وفغرت فاهها جراء كلمات والدتها القاسية، والتي اقتربت قائلة بنبرة مهتزة:

_أنا هكلم سالم بيه عشان ييجي ياخدك تعيشي هناك زي ما طلب منك قبل كده. همست بقهر: _ماما! رضا بقسوة زائفة: _كفاية بقى أنتِ كده هتموتي وتموتينا. اللي حصل حصل. لازم تعيشي حياتك زي باقي الناس. هتفت باستنكار: _أعيش في بيت اللي قتلني ودمر حياتي. _مبقاش بيته وهو مش عايش فيه. ده بيتك أنتِ، ودي حياتك أنتِ، ولازم تعيشيها وتخرجي بقى من القرف ده.

أنهت كلماتها وتوجهت للخارج بخطوات ثابتة، سرعان ما انهارت بأحضان زوجها ليحتويها ويشاركها البكاء لدقائق قبل أن يقول بمواساة: _متعمليش في نفسك كده. أنتِ عملتي كده عشان تساعديها. أومأت رضا بحزن: _ياريت بس مندمنش بعد كده. محمد بثقة: _أنا واثق في ربنا إنه بإذن الله عمره ما هيضيعنا. سالم الوزان ده راجل محترم وهيقدر يساعدها. يلا كلميه وقوليله إنك نفذتي اللي قالك عليه. أطاعته حتى جاءها صوت سالم الهادئ حين قال بصدق:

_بنتك واحدة منا وهتبقى وسط أهلها وعيلتها، وبإذن الله في وقت قليل هتلاقي تطور كبير في حالتها. أنا بنفسي هتأكد من ده. _ربنا يبارك لك يا سالم بيه. مش عارفة من غيرك كنا هنعمل إيه؟ سالم بصرامة: _أنا معملتش حاجة يا حاجة. ده حق بنتك ولازم تاخده. ولازم تعرفي إن القصر مفتوح لكوا في أي وقت تيجوا لـ لبنى. هي ليها في البيت زينا كلنا. أنا هاجي النهاردة بالليل آخدها أنا وفرح مراتي. _ربنا يبارك لك يا ابني. هنستناك إن شاء الله.

أغلقت الهاتف وهي تقول بنبرة متألمة: _يارب. يارب احفظ لي بنتي وأعفي عنها ومتضرنيش فيها أبدًا يارب. _في إيه يا مروان؟ مين الناس دي؟ هنا تحدثت شيرين باستفهام وهي ترى هؤلاء العمال يحملون أثاثًا جديدًا ويصعدون للأعلى. فأجابها مروان بملل: _في ضيف جديد جاي يعيش معانا في القصر. معرفتيش ولا إيه؟ شيرين باستفهام: _لا معرفتش. ضيف مين؟ مروان بتهكم: _إحدى ضحايا الذئب البشري بتاعنا. لبنى البنت اللي… قاطعته شيرين بتفهم:

_فهمت. طب مين اللي قرر كده؟ _سالم هيكون مين يعني؟ أمي؟ شيرين بسخط: _ما تبطل رخامة ياض أنت. مالك في إيه؟ مروان بتهكم: _هيكون في إيه؟ كل سنة نلاقي ضحية جديدة للمعلم، ويروح الغلبان التاني يردم وراه ويجيبها تعيش معانا هنا. أنا خايف يطلع عنده عيال في الجامعة واحنا منعرفش. ابتسامة سخرية لونت ملامح شيرين التي قالت بأسى: _الله يكون في عون سالم يا مروان. حازم ده ابتلاء صعب. هيعيش عمره كله يصلح وراه. أنا أكتر واحدة حاسة بيه.

مروان بتهكم: _ليه يا أمينة يا رزق؟ مالك يا أختي؟ ما أنتِ زي الضربة أهو وخدتي الواد الحليوة اللي فينا. وردة العيلة عايزة إيه تاني؟ هتنهبي؟ رغمًا عنها ابتسمت إثر كلماته، فتابع بمزاح: _أيوا كده اضحكي، يا شيخة الدهان شقق من نكدك أنتِ وأختك. إلا صحيح هي فين؟ _قاعدة مع ريتال في الجنينة. صاح مروان بذعر: _قاعدة مع ريتال! قلب أمك يا ريتال. زمانها وقفت نموها من كتر الكآبة؟ أما أروح ألحق البت اللي حيلتنا.

تركها وتوجه إلى الحديقة فوجد الفتاتين يجلسان على الأرجوحة و ريتال تمسك الهاتف تلعب أحد الألعاب، وبجانبها سما تحاول تعلم اللعب، لتقول ريتال بحنق: _سما يا حبيبتي، أنتِ اتعديتي من غباء عمو مروان؟ وصل حديثهم إلى مروان الذي تمتم بصدمة: _آه يا بنت الكلب يا ريتال، دي بتسيحلي قدام البت. أجابتها سما باعتراض: _عيب على فكرة بقى، عمو مروان غبي؟ ريتال باستفهام: _هو أنتِ بتسألي بجد؟

ده منبع الغباء وكمان نصاب جدًا. قعدت شهر أعلمه اللعبة دي وفي الآخر معرفش، وكل مرة يقولي هنلعب على عشرين جنيه وأغلبه ويرجع في كلامه يقولي حرام. والمرة الوحيدة اللي سيبته يكسب صمم ياخد مني العشرين جنيه. سما بصدمة: _أنتِ بتتكلمي بجد يا ريتال؟ ريتال بتأكيد: _آه والله يا سما. عارفة كمان هددني لو قولت لجدو مش هيوديني الملاهي تاني. شهقت سما بذهول: _هو مروان بيروح معاكِ الملاهي؟ ريتال بتأكيد:

_أيوااا بيلعب أكتر مني، وبيجيبلي الآيس كريم وياكله، والفشار وياكله، وأنا بسكت عشان هو عمي بس. تدخل مروان مصعوقًا: _آه يا كلب البحر. بقى بتسيحيلي قدام البت بتاعتي؟ ده أنتِ يومك أسود النهاردة. هبت الفتاتين من فوق الأرجوحة إثر هجوم مروان المُباغت الذي تابع بصياح: _ده أنا كنت خايف عليكِ من بؤسها طلعتي حقنة وأنا معرفش. ده أنا هوأدك. بقى أنا باكل منك الآيس كريم والفشار! ريتال بجرأة:

_أيوا بتاكله مني، وبتستغلني وكل شوية تقولي تعالي أجيبلك آيس كريم وأصدقك، اتاريك بتروح عشان تعاكس البنت اللي واقفة في المحل. تدخلت سما بحدة: _الكلام ده صحيح يا مروان؟ خبت لهجته قليلًا قبل أن يقول محاولًا تهدئة غضبها: _سما يا حبيبتي، في حكمة بتقولك احترس من كل من اقترب من الأرض، ودي مش باينة من الأرض يبقى تصدقيها؟ شهقت ريتال قائلة: _أنت كمان بتتنمر عليا؟ كل الصفات السيئة دي في شخص واحد يا للهول! مروان بحنق:

_يا الهول إيه يا بت، أنتِ نسيتي أصلك ده أبوكي عبدة موته. يخربيتك هتتسببي في طلاقي. نهارك أسود. التفتت ريتال إلى سما قائلة: _أيوا يا سما طلقيه. ده طلع فيه حاجات كتير وحشة. أنتِ لسه عالبر. مروان باندهاش: _لسه عالبر! نهارك مش فايت. أنتِ بتتفرجي على رضوى الشربيني يا بت ولا إيه؟ وبعدين إيه طلقيه دي؟ العصمة في إيدي يا ماما. نظرت ريتال لـ سما قائلة باستفهام: _صحيح الكلام ده يا سما؟ أومأت سما بصمت وسط ذهولها من هذا الثنائي.

فتابعت ريتال بامتعاض: _إزاي تعملي كده؟ إزاي تسيبيها في إيده؟ ده ممكن يضيعها في أي مكان، ده غير مسؤول. إلى هنا واندفع مروان خلفها وهو يقول بصياح: _غير مسئول! أنا فعلًا غير مسئول على اللي هعمله في أهلك النهاردة، وربنا لهوريكِ. حين كان على وشك القبض على ريتال الهاربة توقفت سيارة سالم أمام القصر، فهرولت الفتاة إلى فرح وهي تقول بلهفة: _انطي فرح. الحقيني. تلقفتها يد فرح التي حالت دون سقوطها فقالت بلهفة:

_في إيه يا ريتا مالك يا حبيبتي؟ ريتال من بين أنفاس لاهثة: _عمو مروان بيجري ورايا. طلعت مروان بسخط قائلة: _مش عيب لما واحد طوله مترين زيك يجري ورا طفلة مش جايه ربع متر؟ هتكبر إمتى؟ مروان بحنق موجهًا حديثه إلى سالم: _عاجبك اللي بتقوله ده يا كبير؟ أجابه سالم بفظاظة: _أي حاجة فرح بتقولها بتعجبني. امتقعت ملامح مروان الذي شاهد نظرات فرح المتشفية وهي تتأبط ذراع سالم وبجانبها تلك القردة الصغيرة التي شيعته بنظرات متشفية.

فصاح بحنق: _حسبي الله ونعم الوكيل في الستات. _صفوت حبيبي. سرحان في إيه؟ هكذا تحدثت سهام بجانب صفوت الذي كان غارقًا في أفكاره ليجعله حديثها ينتبه إلى وجودها. فامتدت يديه تحتوي خصرها بحنو تجلى في نبرته حين قال: _واقفة هنا من بدري؟ _يعني من شوية. _و متكلمتيش ليه؟ سهام بعشق ارتسم بعينيها وتخلل إلى نبرتها حين قالت: _كنت بملي عيني من ملامحك. أصلك واحشني.

قربها منه واضعًا قبلة دافئة بجانب عنقها قبل أن يرتفع برأسه يناظر عينيها التي لازالت تأسر. _تعرفي إني أنا كمان لسه قلبي ما ارتواش منك. _عارفة، وحاسة بيك. بس اللي متعرفهوش إني لسه مش مصدقة نفسي إني جوا حضنك. لثم شفاهها بقبلة دافئة قبل أن يقول بعشق: _هتصدقي لما آخدك بعيد ونعيشلنا كام يوم كده لوحدنا عشان نتأكد إننا خلاص بقينا مع بعض. زفر بقوة قبل أن يكمل: _اطمن بس عالولاد ونخلص من القرف ده وأفوقلك يا حلو أنت.

قال جملته الأخيرة بعبث جعل محصول التفاح الشهي ينبت فوق خديها. وسرعان ما تذكرت أمرًا فقالت بخفوت: _لسه بردو ما فيش جديد. جنة هتتجنن على سليم بالرغم من زعلها منه إلا أنها هتموت من القلق. _كلنا قلقانين يا سهام بس مقدمناش حاجة غير نصبر. وعلى فكرة هو كمان هيتجنن عليها. دا كل شوية يسأل عنها ويقولي متقولش لحد لما زهقني. دي فرصة عشان يعرفوا قيمة بعض، ويحترموا نفسهم. سهام بتمني: _ربنا يرجعهم سالمين يارب وينصرهم. آمن على

دعائها بقلب يتوسل خالقه: _آمين يارب العالمين.

كان الأمر أشبه بالأفلام البوليسية، فقد كان الرجال يحاوطون المكان من جميع الجهات في انتظار الأمر بالتسلل إلى الداخل للحصول على مبتغاهم. بينما كان رأفت، ذلك الرجل المكلف بالدخول إلى البيت لمساعدة ادريانو، الرجل الذي يعتني بالحديقة، والذي لحسن حظهم كان يبحث عن أحد يساعده في الاعتناء بالحديقة، خاصةً بعد إصابته إثر لدغة أفعى جعلته يتعب لفترة. وقد كان كل شيء يسير حسب ما خطط له. فتسلل رأفت إلى الداخل بعدما وضع قطرات المخدر

في العصير. وما أن سقط في نومته حتى تسلل إلى الداخل فوجد تلك الفتاة التي من المفترض أنها ابنة ذلك الوغد ترتدي ملابس مثيرة تبرز أكثر مما تخفي، وتقترب من أحد الرجال الذي رآه من قبل في هذا القصر ولم يتعرف إلى هويته ولم يستطع السؤال حتى لا يثير الشكوك. وقام بإرسال الإذن بالتسلل إلى الداخل بعدما اطمأن بأن جميع الحرس في الجهة الخلفية نيام. وانتظر إلى أن يأتيه الدعم. فسمع

بعض مقتطفات من حديثهم: _يبدو عليك التعب. لما لا ترتاح قليلًا؟ أجابها الشاب باحتقار: _أن اغربي عن وجهي حتى أستطيع أن أفعل. لم يردعها احتقاره وواصلت التقدم نحوه قائلة بدلال: _ماذا لو سمحت لي بأن أنال هذا الشرف؟ أجابها الرجل بتهكم لم يخلو من الاحتقار: _لا أحب تلك الخدمات التي تقدم بتلك الطريقة المبتذلة، كما أنني لا أضاجع العاهرات. انتفضت الفتاة صارخة بغضب: _أيها الحقير ماذا تظن نفسك؟

لم تكد تنهي جملتها حتى وجدت كفه الغليظ يقبض على عنقها بقوة كادت أن تنتزع منها روحها، كما كانت لهجته تفعل حين قال: _أن تجرأ لسانك القذر علي مرة أخرى ستكون الثمن هي حياتك أيتها الساقطة. جاءهم صوت عابث من الخلف: _ماذا تفعل يا ولد؟ هل هكذا تعامل النساء الجميلات؟ تقدم ناجي إلى وسط الغرفة، فترك رقبتها على مضض وهو يقول بتهكم:

_عاهرتك لا تكتفي بك وأنا لا يروقني اللحم الرخيص، لذا أبعدها عني حتى لا أشويها على الفحم وألقي بها لكلابي. قهقه ناجي بصخب يتنافى مع قسوة نظراته وهو يوجهها إلى الفتاة التي امتقع لونها حين رأته، ثم قال بنبرة صارمة: _إلى الأعلى. طاوعته الفتاة وهرولت إلى الأعلى، فتوجه ناجي إلى غرفته الخاصة وهو يأمر هذا الرجل الغامض بفظاظة: _هيا إلى الداخل. أريد الحديث معك بأمر هام.

ها قد حانت الفرصة، وقام رأفت بإرسال كلمة السر المتفق عليها ليتسلل كلًا من طارق وسليم إلى الداخل. فقال الأخير بصوتًا خفيض: _إيه الدنيا؟ رأفت بهمس: _دخل هو والشاب اللي كنت قولتلك عليه، شكله غريب كده وقفلوا عليهم في أوضة المكتب، وتقريبًا ما فيش حد جوه غير البنت. تدخل طارق بهسيس مرعب: _أنا هطلع أجيبها وأنتوا غطوا ضهري. وماركوس زمانه على وصول. أول ما نخرج من هنا هينزلنا مصر على طول. رافت بقلق: _مين ماركوس ده؟ طارق بغموض:

_واحد صاحبي هنا، شغال مع مافيا الشرق الأوسط وعارف هيعمل إيه. متقلقش. تدخل سليم قائلًا: _طب يلا مفيش وقت. أنا هطلع أراقبلك الدور اللي فوق ورأفت هيراقب من هنا، وأي اشتباك الرجالة بره مستنيين الإشارة عشان يدخلوا.

توجه طارق إلى الأعلى وقام بفتح الباب بهدوء تام بعد ما أخبره رأفت عن غرفة الفتاة. فلم يجد أحد، ولكن استمع إلى صوت المياه قادم من دورة المياه، فتوجه ليأخذ مكانه. وما هي إلا دقائق حتى خرجت الفتاة تلف جسدها بالمنشفة لتتفاجأ بيد تكمم فاهها من الخلف. فلم تستطع حتى إخراج أنفاسها ليتخلل إلى أنفها رائحة المخدر الذي جعلها تذهب إلى غفوة طويلة. ليقوم طارق بحملها والتوجه إلى الأسفل، يقابله سليم الذي كان يريد الاستماع إلى ما يحدث في غرفة المكتب. ولكن خاب أمله. فما أن رأى طارق يخرج بالفتاة حتى تلقاها منه وتوجها إلى المطبخ ليغادرا المكان بأكمله. ولكن جاء ذلك الصراخ

ليتجمد الجميع بمكانه: _انتقامك هتاخده بالطريقة اللي تعجبني، واعرف إن مهما كانت همت الوزان شيطان مش هقتلها. مش هقتل أمي مهما حصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...