تلاحقت الأنفس وتزاحمت بصدورهم فور تلقيهم تلك المفاجأة التي كانت كصاعقة برق جمدت ثنائي الوزان بأرضه لثوانٍ قبل أن يستفيق كلاهما على صوت "رأفت" القلق. "إيه يا رجالة متنحين كدا ليه؟ تبادل كُلًا من "طارق" و"سليم" نظرات مصدومة، سرعان ما تبدل حالها إلى غضب. تداركه "طارق" وتحولت نظراته إلى أخرى ذات مغزى، فباغت "سليم" "رافت" حين وضع الفتاة النائمة باحتضانه وهتف "طارق" قائلًا بلهجة بها طابع التصميم:
"خدها ع العربية، إحنا لسه ورانا شغل هنا." تلى كلماته صوت "ناجي" الصارخ: "انت اتجننت؟ بتملي شروطك عليا بعد ما أنقذتك من الشوارع ونضفتك بعد ما الهانم أمك رمتك." تشدق "هارون" ساخرًا: "أنقذتني عشان انتقملك منها ومن عيلتها صح؟ وصل الأمر إلى ما لا يحمد عقباه، فاقترب "ناجي" قائلًا بلهجة يشوبها الألم:
"لا مش صح. أنقذتك عشان يكون لي ضهر أسند عليه لما أكبر وأعجز. أنقذتك لما عرفت بالجريمة اللي عملتها المحترمة أمك. كل دا عشان تحرق قلبي عليك. جاي انت دلوقتي بتكمل اللي هي بدأته." كانت آخر جملة وقعت على آذان الرجال في الخارج، ليتحدث "سليم" وهم يتوجهان إلى الأعلى: "أنا عايز أعرف إنت ناوي على إيه؟ "طارق" بأعين يتطاير منها الشرر: "ناوي أدوقه حرقة القلب بتكون إزاي؟ اللمعت عيني "سليم" لوهلة تلاها كلماته المشبعة بحمية الغضب:
"أيًا كان اللي بتفكر فيه، إحنا لازم نفكر بالعقل. هنعمل إيه؟ مش فتونة يا طارق! زمجر "طارق" بوحشية: "على ما نفكر ونخطط، هيكون الرجالة اللي تحت دي فاقت والكلب دا هيعرف إننا كنا هنا. وحتة البت اللي معانا دي لا هتشفع ولا هتنفع." يعلم أنه الصواب على الرغم من صعوبته، لذا قال بحزم: "عايزين خطة في أقل من دقيقة." لمع وهج الاستمتاع بعيني "طارق" قبل أن يقول بغموض: "موجودة." *** "أنستونا وشرفتونا يا سالم بيه."
هكذا تحدثت "رضا" إلى "سالم" الجالس أمامها، وبجانبه "فرح" تشعر بتوتره الذي كان يحاول إخفاءه ببراعة، ولكن ليس عليها، لذا أرادت التخفيف عليه بأن تولت الحديث مع "رضا" والإجابة بود على كلماتها المرحبة، والتي كانت تخفي الكثير خلفها. هكذا شعرت "فرح"، ولكن جاءت كلمات "سالم" الجادة حين قال: "لبنى جهزت؟ ارتبكت المرأة كثيرًا وجاءت كلماتها متقطعة حين قالت: "لبنى... جاهزة... أقصد... لسه... يعني بتجهز." قاطعت تلعثمها "فرح"
التي قالت بود: "طب ممكن أدخل أطمن عليها وأشوف لو محتاجة مساعدة؟ لوهلة شعرت المرأة بالتردد، ولكن نظرات "فرح" المطمئنة جعلتها تومئ بصمت، فأخذتها إلى غرفة طفلتها. وبعد أن تركتها "رضا" على الباب، أدارت مقبضه ودلفت إلى الداخل وقلبها يؤلمها مقدمًا على حال تلك الصغيرة، فقد كانت تتوقع أن ترى لوحة سيئة لفتاة محطمة كحال تلك التي كانت تحتضر منذ أكثر من عام ونصف.
لم تكلف "لبنى" نفسها عناء الالتفات لرؤية الشخص القادم من الخارج، بل تابعت النظر بشرود إلى النافذة. لتقترب "فرح" منها وقد شعرت برغبة كبيرة في عناقها كمحاولة للتخفيف عنها ولو قليلًا، فقد كانت فتاة صغيرة الحجم، لازالت جدائل المراهقة تنبلج من بين خصلاتها تحكي رواية مأساوية عن طفولة اغتيلت على يد ذئاب لا تعرف للرحمة سبيل. "عاملة إيه يا لبنى؟
تنبهت حواسها إلى ذلك الصوت الهادئ الذي يتساقط الحنان من بين نبرته، مما جعلها تلتفت بصمت لتقع عينيها على "فرح" التي لونت ثغرها ابتسامة عذبة تسللت إلى قلب "لبنى" التي حاولت التظاهر بالجمود حين قالت مستفهمة: "إنتِ مين؟ "فرح" بهدوء: "أنا فرح مرات سالم." امتقع وجهها وشوهت معالمه سخرية مريرة تجلت في نبرتها حين قالت: "آآآه... البيه اللي جاي ياخدني عشان أخدمهم مقابل إنه ستر عليا وجوزني أخوه المجرم."
فزعت "فرح" للوهلة الأولى من كلمات "لبنى" التي تقطر ألمًا، ولكنها سرعان ما تجاهلت شعورها وقالت بحنو: "إنتِ عايزة تقعدي مع أهلك يا لبنى؟ كان استفهامًا ألقى بها في غياهب الحيرة، فهي لا تعلم بأي مكان تفضل البقاء أو أن كانت تريد البقاء بهذه الحياة من الأساس! ابتلعتها دوامة الصمت مطولًا، إلى أن قطعت "فرح" صمتها قائلة باستفهام: "طب أنتِ مرتاحة هنا؟ كلماتها أوقدت بركانها الخامد، فصاحت مستنكرة بقهر: "مرتاحة!
هو أنا ينفع أرتاح أصلًا! الكلمة دي خلاص أنا عمري ما هعرفها أبدًا! كانت ترى بها شقيقتها، ترى لوعتها وعذابها وقلة حيلتها، فاغرورقت عيناها بالدموع وتحشرجت نبرتها حين قالت: "أنا معرفكيش يا لبنى، بس أنا عايزة أساعدك." "لبنى" بسخرية: "عمرك ما هتعرفي، ولا جوزك اللي قاعد بره دا هيقدر يساعدني. فاكر لما ياخدني القصر بتاعكوا ويعيشني عيشة الغنية هنسى اللي حصلي؟ خرجت كلماتها تصرخ من فرط الأسى:
"أنا اتدمرت. كل حاجة فيا اتكسرت ميت حتة. الحاجة الوحيدة اللي بتتمناها الموت. لو يخلص عليا يبقى فعلًا بيساعدني ويبقى والله كتر خيره." كان الألم يتساقط من بين حروفها وعينيها ويتبلور بوضوح فوق معالمها وجسدها الذي يرتجف. فداهم "فرح" هاجس قوي بأن تلك الفتاة لم يحتضنها أحد منذ ذلك اليوم المشؤوم، لذا لم تتردد لثانية لتقترب منها وتقوم باحتضانها بقوة جعلت "لبنى" تتيبس بمكانها للحظات غير مدركة لما حدث للتو. هل يعانقها أحدهم؟
رغمًا عن صمت حروفها، عبر جسدها عن تأثره على طريقته، فصار يرتجف بين يدي "فرح" التي شددت من احتوائها أكثر، فصارت عبراتها تتقاذف كالمطر من بين مآقيها التي لم تجف يومًا ولم تجد من يمحيه أبدًا. مرت دقائق غير معلومة و"لبنى" تنتحب وتشكو عبراتها ما عجزت الحروف عن التفوه به، إلى أن هدأت قليلًا، فرفعت "فرح" رأسها تناظرها بأسى أدهش "لبنى" كثيرًا، وكذلك فعلت كلماتها حين قالت بنبرة مشجبة:
"في كل الظروف اللي مرت عليا في حياتي مكنتش بتمنى أكتر من حد يحضني ويقولي كل حاجة هتبقى كويسة. وعشان كدا بقولك متقلقيش، كل حاجة بإذن الله هتبقى كويسة." "لبنى" بشفاه مرتعشة: "إنتِ متعرفيش... قاطعها "فرح" بحرقة: "لا عارفة، وحاسة بيكِ وبوجعك، وعارفة إنك مش لاقية نفسك وسط أهلك، ودا وجع أكبر. هما مش فاهمين اللي جواكِ وعشان كدا مش قادرين يساعدوكي، ودا السبب اللي مخلي سالم عايزك تيجي معانا." ارتجف جسدها
وكذلك نبرتها حين قالت: "بس أنا إزاي... إزاي أروح عند ناس معرفهاش، وإزاي هيتقبلوني وأنا... هتقبلهم." تبدلت ملامح "فرح" ونظراتها لدى مرور شريط ذكرياتها مع شقيقتها حين انتقلوا للعيش هناك. خوفهم، قلقهم، ألمهم، وأخيرًا أراد الله أن تتبدل كل ذلك السوء. شددت "فرح" على يد "لبنى" بين كفوفها وهي تقول بلهجة مطمئنة يشوبها الغموض:
"الناس دي مش وحشة زي ما أنتِ متخيلة، بالعكس. يمكن تلاقي وسطهم اللي ملقتيهوش هنا، وصدقيني يا لبنى أنتِ حظك أحسن من حظ ناس كتير." قالت جملتها الأخيرة بلهجة مريرة لم تفهمها "لبنى" التي قالت بخفوت: "هقدر أرفع عيني فيهم؟ "فرح" بنبرة قوية: "لازم ترفعي عينيك، أنتِ مغلطتيش. أنتِ ضحية. أوعي تباني مكسورة قدام حد." همست بنبرة تتضور وجعًا: "أنا مش بس مكسورة، أنا متفتتة خمسين حتة، وعايشة وجعهم كلهم في نفس اللحظة." "فرح"
بلهجة حانية: "كل الوجع دا لازم تحطيله نهاية، وخليكي عارفة إنك مش لوحدك. كلنا حواليكِ." انكمشت ملامحها بحيرة: "كلكوا! كلكوا مين؟ "أنا وسالم، وجنة أختي. هتحبيها أوي لما تتعرفي عليها. حتى ماما الحاجة أمينة صدقيني هتلاقي في حضنها حنان الدنيا كله. هي تبان قاسية وجامدة بس والله طيبة وحنينة فوق ما تتخيلي. الحقيقة إن الناس كلها في البيت دا بقت طيبة أوي. عشان كدا بقولك حظك أحسن من حظ غيرك."
لم تفهم الكثير مما تحويه كلمات "فرح"، ولكنها بالنهاية لم تكن مخيرة، لذا أومأت بصمت. فتابعت "فرح" بحنو: "خليكِ عندك إيمان كبير في ربنا إنه عمره ما هيضيعك أبدًا، وأوعي تظلمي أنتِ كمان نفسك." بعد مرور أكثر من ربع ساعة، أطلت عليهم "فرح" بجانبها "لبنى" التي كانت هادئة كعادتها على الرغم من حزنها الواضح بعينيها، وهي تعانق والديها، ولكنها أرغمت نفسها على عدم الاستجابة لطوفان العبرات الذي يهدد جسورها بالانهيار في أي لحظة.
من ملامح "فرح" ونظراتها فطن إلى أن هناك الكثير خلف صمتها، لذا اكتفى بجملة واحدة كانت مطمئنة لذلك البرعم الرهيف الذي يتخبط بين رياح القدر القاسية: "أوعدك مش هتندمي إنك جيتي تعيشي وسطنا."
اكتفت بإيماءة بسيطة من رأسها، وانطلق "سالم" بسيارته قاصدًا قصرهم، وبعد وقت ليس بالكثير صف السيارة أمام باب القصر الداخلي، ثم التفت إلى "فرح" وأشار لها برأسه لتفهم ما يرمي إليه، فترجل تاركًا لها المجال في دعم تلك التي بدا الذعر على ملامحها. فالتفتت إليها "فرح" قائلة بلهجة يشوبها المرح: "لبنى. يلا عشان ننزل. الكل هيتجنن ويتعرف عليكِ."
لجأت إلى الصمت كعادتها، ولكن داخلها كان هناك شعور امتنان لتلك التي كانت تحاول التخفيف من وطأة الموقف. وما أن خطت بأقدامها أول خطوة إلى داخل القصر حتى تيبست أقدامها والتفتت تناظر "فرح" بذعر تجلى في ارتجافة شفاهها حين قالت: "إن... أنا... خا... خايفة." حاوطت "فرح" كتفيها بذراعيها وهي تقول بحنو:
"متخافيش. صدقيني الناس اللي جوا دول أطيب مما تتخيلي وهترتاحي معاهم لدرجة إنك هتحسي إنك وسط أهلك. وبعدين أنا هنا أختك الكبيرة، أوعي تخافي طول مانا موجودة. اتفقنا؟ تعاظم الشعور بداخلها حتى تناثر الدمع فوق وجنتيها بقلة حيلة، فامتدت أنامل "فرح" الحانية لتقوم بإزالته وهي تقول بلهجة محفزة: "لا مش عايزة دموع من أولها. إحنا قولنا إيه؟ أنتِ مغلطتيش. وبنت قوية، مفيش حاجة تقدر تهزمك، سامعة يا لبنى؟
تسلل شعور بالقوة إلى داخلها ولو كان خيطًا رفيعًا، ولكنه كان كافيًا لجعلها ترسم ابتسامة هادئة على شفتيها بعد أن عبأت صدرها بالهواء النقي لتخرجه بتؤدة وكأنها تطفيء حرائق الوجه الكامن بصدرها. "يا مساء الحلويات." جاءهم هذا الصوت العابث من الخلف ليخترق ذلك الشجن المحيط بهم، ففزعت "لبنى" حتى انتفض جسدها بجانب "فرح" التي رمقته بلوم قائلة بتقريع: "يا ابني خلي عندك نظر، خضيت البنت." "مروان" بمزاح:
"اخس عليا. بقى أنا خضيت القمر دا؟ لا بقى دا أنا لازم أصلح غلطتي فورًا." "فرح" بتهكم: "هتصلح إيه ولا إيه، إنت مصايبك كتير." تجاهل حديثها وتقدم إلى "لبنى" التي كانت تفرق نظراتها بينهم باندهاش، فتقدم منها "مروان" وهو ينظر لـ "فرح" بسخرية: "اركني أنتِ على جنب يا أم منصور دلوقتي. خلينا نتعرف ع القطة." اقترب من "لبنى" لـ يعرف نفسه بلهجة فاحت منها رائحة الغرور:
"محسوبك مروان الوزان. الرجل الثاني للعائلة بعد الباشا بتاعنا. يعني دراعه اليمين، وحافظ أسراره. أي سر كدا ولا كدا تجيلي على طول." أنهى كلماته غامزًا لـ يتفشى الخجل بوجنتي "لبنى"، فتابع "مروان" ناظرًا إلى "فرح" بتحدي: "سيبك من أي حد عامل سبع رجالة في بعض. القصر دا تحت حمايتي، ومش القصر بس دا العب دا كله تحت أمر العبد لله." لم تفلح "لبنى" في قمع ابتسامتها جراء كلمات "مروان" المازحة وتحديه المبطن مع "فرح"
التي قالت بمزاح: "معلش يا لبنى حظك السيء، خلاكِ تقابلي مروان أفندي أول واحد. لكن متقلقيش مش كلهم كدا." "مروان" بتهكم: "قصدك للأسف مش كلهم كدا. بصي يا بنتي العالم اللي جوا دول كلهم بؤساء كئيباء يجيبوا المرض. بما فيهم البت بتاعتي." قال جملته الأخيرة بخفوت، فاتسعت ابتسامة "لبنى"، فصاح بتهليل: "الله أكبر. أيوا كدا اضحكي، أنا بكره النكد قد ما بكره فرح بالظبط." "فرح" بصدمة: "بتكرهني يا مروان؟
"هش هش، مش فاضيلك. متعرفناش يا قمر؟ قال جملته الأخيرة بعينين ترتسم بهما العبث، فأجابته "لبنى" على استحياء: "أنا لبنى." "مروان" باستنكار: "لبنى! إيه الاسم اللي اتلغى مع الملك فاروق دا؟ تدخلت "فرح" تشاكسه: "أنا بس اللي بقولها يا لولو." "مروان" بتهكم: "لولو! إيه لولو دا؟ هي رقاصة؟ بصي يا حلو انت. أنا بيني وبينك هقولك يا لولي. عشان انت حلو وصغنن كدا." "فرح" بتهكم: "وليه بينك وبينها يا جبان؟ "مروان" بسلاسة:
"طبعًا جبان. اومال تسمعني بقولها يا لولي تفتكرني بخونها تقعد تعيط طول الليل والنهار نبص نلاقي البيت اتهد فوق دماغنا. يا بت دانا بضحي عشان خاطركوا." لأول مرة تتدخل "لبنى" في الحديث قائلة باستفهام: "هي مين دي؟ "مروان" بمزاح: "البت بتاعتي. النكدية اللي جيبالنا المرض كلنا من بؤسها. اللي كنت بقولك عليها من شوية."
لأول مرة منذ زمن تخرج ضحكاتها التي كانت تظن بأنها دُفنت بإحدى زوايا قلبها ولا مجال للشعور بمذاقها مرة أخرى، وهذا ما أثار دهشتها. "بتعملوا إيه عندكوا؟ كان هذا صوت "سما" التي أرسلها "سالم" لرؤية ما الذي آخرهم عن الدخول، فتفاجئت بثلاثتهم يقفون أمام باب القصر. وما أن رآها "مروان" حتى تمتم بتهكم: "أهي النكدية وصلت. قصدي سما حبيبتي وصلت." تقدمت "سما" لتزجره في كتفه وهي تقول بمزاح: "نكدية في عينك."
"تعالي سلمي على لبنى وبعدين هكحيلك قال عليكِ إيه؟ دا قطع فروتك." مدت "سما" يدها للفتاة بود: "أهلًا بيكِ يا لبنى. أنا سما." تمتمت "لبنى" بخفوت وهي تصافح "سما" التي قالت بوعيد وهي تنظر إلى "مروان": "من غير ما تقولي يا فرح عارفة لسانه اللي متبري منه." تدخل "مروان" بلامبالاة: "الصراحة يا سمسمتي أنا ممرمط سمعتك في الوحل قدام الناس كلها. اكسفيني بقى ووريني ضحكتك الحلوة دي على طول."
قال جملته الأخيرة بلهجة عابثة جعلت وجنتي "سما" تتضرّج بالدماء، وكذلك "لبنى"، فتدخلت "فرح" قائلة بتقريع: "أحرجت البت يا عم روميو." "مروان" بمزاح: "ما بلاش أنتِ." تجاهلته "فرح" ووجهت أنظارها لـ "لبنى" قائلة: "يلا عشان ندخل جوا الناس مستنيانا." أومأت بصمت وتوجهت بجانب "فرح" للداخل، وأقدامها تكاد تتلاشى من فرط التوتر، فوصلها صوت "مروان" المشجع: "اجمدي يا بنتي. حظك حلو أنا معاكِ." التفت إلى "سما" قائلاً باستفهام:
"بقولك يا سمسمه هي أمك جوا ولا إيه؟ "أيوا جوا." هتف "مروان" من بين أسنانه: "حظك أسود يا بنتي وأنا مش معاكِ." ***
بخطوات واهنة تقدمت لتفتح باب المنزل لرؤية ذلك المتطفل الذي يلح بالرنين وكأنه يعاند إرهاقها الذي كان يغريها بتجاهل هذا الضجيج، ولكنها بالنهاية أجبرت نفسها على التقدم إلى الباب لتفتحه، فتسمرت لثوان بمكانها حين شاهدت تلك المرأة والدة زوجها. ورغمًا عنها شعرت بخيط من الخوف يتسلل إلى قلبها، فحالها الآن لا يسمح بمواجهة عصفور صغير. "إيه هتسبيني واقفة على الباب كتير؟
تراجعت من أمامها وهي تتمتم باعتذار خفيض، إلى أن دلفت إلى منتصف الصالة الصغيرة، فلحقت بها بصمت لتتوقف أمامها وتبدأ حرب النظرات الصامتة من جانب تلك المرأة التي أرادت أن تترك أثرًا سيئًا في نفس تلك التي كانت ترتجف وكأن نسمة الهواء البسيطة قادرة على جرحها. "عارفة أنا جاية ليه يا ساندي؟ "ساندي" في محاولة منها لتجاهل خوفها الداخلي: "أهلًا بيكِ في أي وقت يا طنط. دا بيتك." قاطعتها "راندا" بجفاء:
"من غير خطب الترحيب اللي ملهاش لازمة دي. خلينا ندخل في الموضوع على طول." بللت حلقها الجاف وقالت بنبرة متحشرجة: "اتفضلي. سمعاكِ." "هكلمك بمنتهى الصراحة. أنا مش شايفة إنك الزوجة اللي تليق بابني الوحيد، وبكل أدب وهدوء عايزة تخرجي من حياته." تراشقت أسهم كلماتها في صدر "ساندي" التي من فرط الألم لم تفلح في قمع عبراتها التي تناثرت فوق خديها بغزارة. لتتابع "راندا" بلهجة أشد قسوة:
"أنا خايفة عليكِ. إنتِ عارفة عُدي أكتر مني وعارفة هو قد إيه عنيد، وقصتكوا بالنسباله رهان مع نفسه حالف يكسبه. جو إنه بيساعدك وبيقف جنبك دا جزء من تحديه لنفسه. إنتِ طبعًا فرحانة باللي بيعملوا عشانك، بس هتتوجعي أوي لما يزهق ويمل، ووقتها معرفش إذا كنتِ هتقدري تتغلبي على جرحك زي ما عملتي قبل كدا ولا هيموتك المرة دي." لوهلة تمنت الموت فعلًا، حتى أنها أغمضت عينيها تستجديه. ولكن فجأة ظهرت أمامها صورته وهو يهمس:
"إنتِ الحاجة الحلوة الوحيدة اللي خدتها من الحياة، أوعى تحرميني منها." تحاملت على وهنها وكان قلبها يؤازرها في ملحمتها الضارية، يذكرها بكلماته التي لثمت جراحها الدامية: "استسلمي، متعانديش قلبك وقلبي عشان مش هتقدري عليهم. أنا بدأت حياتي معاكِ ومش هنهيها غير الموت." فتحت عينيها لتتقابل بعيني "راندا" القاسية، فقد سلحتها كلماته ببعض القوة لتقف أمامها وتجابهها بنبرة مهتزة بعض الشيء:
"عُدي بيحبني وأنا بحبه، ومع احترامي ليكِ ولرأيك، بس مش هيفرق معانا في حاجة. عشان أنا وهو اخترنا نكمل سوى، وراضيين عن قرارنا دا جدًا." انقشعت غيمة الهدوء التي كانت تتوارى خلفها وصاحت بغضب: "راضيين إيه وزفت إيه؟ أنا ذنب ابني إيه يتحمل واحدة مشوهة زيك؟ يتحمل مسؤولية مريضة نفسية زيك ليه؟ عمل إيه في حياته؟ "حبني. حبني ودي حاجة عمرك ما هتقدري تغيريها."
هكذا قاطعتها "ساندي" بعد أن أشعلت فتيل الغضب بداخلها، لينتفض كبرياؤها غاضبًا ويتصدى لهذا الهجوم الغاشم لتلك السيدة التي تجردت من كل مشاعر الإنسانية، فهتفت بغل: "هغيرها وهخلص منك بأي طريقة." "ساندي" بتهكم: "وهتسبيه لمين لما تخلصي مني؟ "راندا" بعدم فهم: "تقصدي إيه؟ "ساندي" باحتقار: "يعني طول عمرك سيباهولي ومكنش بيفرق معاكِ وجوده من عدمه. دلوقتي لما تخلصي مني هتسبيه لمين؟
آه ماهو أنا نسيت أقولك إن طول عمري بالنسباله كل حاجة. عارفة دا حتى لما كان بيتعب ويمرض كنت بروح أنا أقعد جنبه. فكري كدا لما تخلصي مني هتقدري تاخدي من وقتك الثمين عشان تقعدي جنبه لما يتعب، ولا هتفضلي نفسك يفضفضلك لما يكون مخنوق أو متضايق؟ ولا هتقدري تطمنيه لما يكون قلقان قبل أي امتحان أو إنترفيو؟ لو هتقدري تخلي بالك منه أنا موافقة أسيبه."
تساقطت كلماتها كالمطارق فوق رأسها، حتى أنها شعرت بنسمات باردة تجتاح جسدها من فرط الحرج، فهي بالفعل لا تضمن أن تقطع وقتها الثمين لأجله أو لأجل أي إنسان آخر سوى نفسها! "نورتينا يا راندا هانم. أعتقد معاد طيارتك قرب." تفاجأ كليهما من صوت "عُدي" الماثل أمام باب الشقة، فلم تعرف "راندا" بماذا تجيبه، فأخذت تفرق نظراتها بين ولدها وبين "ساندي" التي لا تعلم متى جاء وهل استمع إلى حديثها مع والدته أم ماذا؟
فقد كان الغموض يلون حدقتيه ولم تهتز نظراته حين اقتربت منه والدته، وحين أرادت الحديث أوقفتها يديه التي وضعها أمامها لينهي الجدل قبل أن يبدأ، وبالفعل غادرت "راندا" تجر أذيال الخيبة خلفها. ليغلق "عُدي" باب الشقة خلفها، وإذا به يجد "ساندي" تندفع إلى غرفتها، فاقترب بخطٍ متلهفًا يستند على الباب المغلق يري د تحطيمه لـ ينتزعها من بين براثن الألم، ولكنه يخشى أن تلقي بوجهه كلمات والدته التي تجعله يكاد يجن من الغضب، لو لم تكن والدته لكانت تلقت منه أسوأ مصير يمكن أن تتخيله، ولكنه مكبل، غاضب، مشتاق، وأخيرًا عاشق. وكل حيلته لتجاوز كل تلك المشاعر الجارفة التي تكتنفه بشراسة، فأطلق زفرة حارة من جوفه وهو يرفع رأسه إلى الأعلى قائلًا
بلهجة موقدة: "يارب. أنا تعبت أوي." لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ بباب الغرفة يفتح و"ساندي" تقف أمامه بهيئتها المبعثرة وهي تقول بلوعة: "أنا مش موافقة أسيبك لأي حد. حتى لو كانت هي. أنا عايزك، ومش عايزة حاجة في الدنيا غيرك."
تيبس لثوان حين استمع لكلماتها التي لم يكن يتوقعها أبدًا، وخاصة بعد ما حدث مع والدته، ولكنه استجابة قلبه كانت أسرع من استيعاب قلبه، فقام بجذبها لتستقر بين ذراعيه يعانقها وكأنه يحتجزها بين قطبان ذراعيه يكبلها بأصفاد العشق الذي انتصر في النهاية. *** كان يتحامل على نفسه لحمل تلك الأثقال، وفي داخله صوت قوي يلح عليه بأنك لست هذا الشاب البائس الذي أصبحت عليه!
كان يراقب ذلك الجرير منذ أسبوع، يستمع إليه وهو يحدث زوجته في الهاتف ويدللها ويتلقى منها عبارات العشق التي تجعله أحيانًا يتوافق معها ويتفاخر بقوته، وأيضًا استمع إلى مكالمة معه مع والدته وكيف كان يحدثها باحترام وشوق، وهي تخبره بأنها اشتاقت له كثيرًا وبأنه سيأتي لها بما يقر عينيها به. وهنا بدأت الأسئلة تطن بعقله كالذباب: هل حقًا اشتاقته والدته أم أنه لم يترك لها ولو ذرة واحدة من الحب الذي يجعلها تشتاقه؟
هل يفتقده أشقائه أم لا يتذكره أحد من الأساس؟ كانت استفهامات لم يتوقع يومًا أن تتطرق إليها، ولكنها الآن تهاجمه بشراسة، وهو يقف عاجزًا عن الإجابة، أو لنقل يخجل من إجابات ستزيد من ألمه أكثر. كان يقضي معظم الوقت في التمرين لتلك المواجهة بينه وبين هذا الرجل الذي بقدر ما كان يبغضه بقدر ما كان يحقد عليه، فهو يمتلك كل شيء، أو بالأحرى يمتلك ما أضاعه هو بغبائه ذات يوم.
تكالب عليه الشعور وتعانق الألم برفقة الوحشة بصدره، ليشكل طوفان من العبرات المريرة التي تمتد مرارتها من القلب إلى الصدر، فأخذ يبكي ويبكي ويبكي حتى صار بكاؤه نهنهات لم يهتم حتى بقمعها. فتوجه إليه جرير بخطوات ثابتة ليجلس بجانبه بصمت دام لوقت طويل، إلى أن هدأت نهنهات حازم الذي قال بنبرة متحشرجة:
"عندك حق. أنا عالة على أهلي وإخواتي. أنا ماليش مكان وسطهم. لما دورت جوايا ملقتش حاجة واحدة حلوة يفتكروني بيها، أو تشفع لي عندهم." صمت يحاول قمع عبراته قبل أن يتابع بلهجة مشجبة:
"أنا كنت مفكر إني عايش حياتي بالطول والعرض ومستمتع بكل حاجة غلط عملتها، بس اكتشفت دلوقتي إن فيه حاجات أحلى وطعمها كان حلو أوي، بس أنا كنت غبي ومحستوش غير لما اتحرمت منها. أنا وحشني حضن ماما وأخواتي أوي. لمتنا على الأكل وهزارنا وضحكنا. كل الحاجات دي وحشتني. أنا كنت طايح في الدنيا بعمل كل حاجة غلط عشان أتمتع، واتارى إني كنت حارم نفسي من المتعة الحقيقية وسطهم." التفت يناظر جرير الصامت وهو يقول بحرقة:
"أنا مش بس غبي. أنا وحش، وقذر، وحيوان. أنا مسبتش ليا خيط واحد بس يربطني بيهم ويخليني يبقى ليا عين أدخل بيتنا. أنا حكمت على نفسي بالموت وأنا عايش. موت نفسي في نظرهم، وموت ناس تانية كل ذنبها أنا حبيتها ووثقت فيا." هب من مكانه وهو يدور حول نفسه قائلًا بضياع: "أنا حتى لو موت نفسي بجد هروح جهنم. طب أعمل إيه؟ أعمل إيه عشان أرجع الزمن لورا وأصلح كل جرائمي في حقهم؟ أعمل إيه عشان أرجع إنسان نضيف تاني؟
أعمل إيه عشان أقدر أترمي في حضن أمي زي أي واحد في الدنيا؟ سقط على الأرض بقوة وهو يبكي حتى شهدت رمال الصحراء على ندمه وألمه ولوعته، فهب جرير من مجلسه ليتقدم إليه يمد كفه بصمت، فرفع حازم رأسه يطالعه باستفهام، أجابه جرير بفظاظة: "هعرفك تبدأ منين." نصب عوده بصعوبة وتوجه خلف جرير الذي تفاجأ به يقوم بحمل سطل الماء وإغراقه به وهو يقول بغلظة: "نضف نفسك من الوسخ اللي لحق بيك وتطهر عشان تقدر تقابل ربنا وتترجاه يقبل توبتك."
ناظره حازم بصدمة وقطرات الماء تتساقط من خصلاته لتغرق جسده بالكامل، فتركه جرير لبضع دقائق ليقوم بجلب ملابس نظيفة ووضعها بجانبه حتى يرتديها، وقد كان كالمغيب أمامه، لا جدال، لا تراشق بالكلمات، لا شجار، فقط هدوء وانصياع من جانب حازم الذي كان يتمنى ولو دقيقة واحدة من الماضي تعيده إلى قلبه الطمأنينة.
فرش له جرير سجادة الصلاة بخيمته التي كانت نظيفة مرتبة على عكس خيمته، فالتفت يناظره بنظرات وكأنه تخبره بأن المكان بمن يسكنونه. "هتعرف تصلي ولا أعرفك؟ حازم بارتباك: "لا هعرف. كنت أحيانًا بصلي مع أخواتي." تركه جرير في خلوته مع الله وتوجه إلى الخارج وبداخله يدعو الله بأن ينير قلبه هذا الشاب ويخرجه من ظلماته. ***
الحنين هو زائر غير مرغوب فيه، عادة ما يأتي في الليل ليطرق أبواب قلوب ظنت أنها استطاعت لملمة أشلائها ليبعثرها من جديد. ماذا يفعل المشتاق إذا أهلكه الحنين؟ وأدمته لوعة الهوى؟
أخذت تنظر إلى السماء المتلألئة بالنجوم بأعين انطفأ بريقها، فعلى الرغم من أنها بدأت بجلسات العلاج النفسي وقد شعرت ببعض الهدوء النفسي، إلا أن غيابه اعترض طريق شفائها بقوة. كل الدقائق التي مرت بدونه حكايات حية لكونها شخصًا لا يكتمل إلا بوجوده. رغمًا عن ألمها وجراحها وجميع قراراتها بأن فراقهم أمرًا حتمي، إلا أنها تتألم وبشدة. تتقاتل الهواجس بصدرها وتجتاحها رغبة قوية في الاطمئنان عليه، ولكن كيف؟
كيف يمكنها أن تروي شوقها إليه وتطمئن قلبها الملتاع عنه دون أن يمس الأمر كبرياءها؟ وأيضًا شقيقتها التي لا تجيب على اتصالاتها، فقد كانت تشعر بالغضب منها وقررت أن تتركها لتستعيد سلامها النفسي بعيدًا عن كل شيء، هكذا كانت آخر رسالة نصية تلقتها منها.
حتى أن كلمات "سهام" المطمئنة لم تروي ظمأها ولم تهدئ من روعها، لذا وبـ لحظة جنون أمسكت هاتفها وقامت بالضغط على اسمه لتظهر لها صورته، ولأول مرة لم يجب عليها، بل لم يرن الهاتف من الأساس وكان خارج نطاق التغطية. التفتت تنوي التوجه إلى الخارج، فقد قررت أن تتحدث مع "سهام" لمعرفة ماذا يحدث معهم في تلك السفرة اللعينة.
أما في الأسفل، فكان "عمار" يجلس مع "نجمة" في غرفة الصالون، وقد لاحظ ارتباكها، فهو لم يخبرها بقدومه على غير العادة. "مالك يا ست البنات؟ مش على بعضك ليه أومال؟ تنحنحت "نجمة" قبل أن تقول بارتباك: "لأ. مفيش حاجة. مش على بعضي إزاي يعني؟ ماني زينة أهوة." "عمار" بغزل: "طبعًا زينة. دا إنتِ زينة البنات كلهم." زحف الخجل إلى وجنتيها فأخفضت رأسها خجلًا، ليتابع "عمار" بنبرة مشتاقة: "اتوحشتك چوي يا نچمتي." "نجمة" بخفوت:
"تسلم وتعيش." "عمار" بمزاح: "لا تسلم وتعيش دي تقوليها لام محمد وهي تجيب لك العيش الصبح، انما أنا تقولي لي وإني كمان اتوحشتك يا جلبي. مش أنا جلبي بردو؟ أخذت تتلفت في جميع الاتجاهات وهي تكاد تذوب خجلًا، جعل الكلمات تتلعثم فوق شفتيها حين قالت: "أيوا. يعني. أصل. إني. بصراحة. خجلانة منك." "نجمة إنتِ فين؟؟؟
لم يكد "عمار" يجيبها حتى توقفت الكلمات على شفتيه وهو يرى "جنة" التي اندفعت إلى داخل الغرفة لتبحث عن "نجمة"، وإذا بها تجد نفسها وجهًا لوجه مع "عمار" الذي هب من مكانه وهو يقول بصدمة: "چنة." هبت "نجمة" من مقعدها وهي تضرب على صدرها قائلة بعويل: "يا شندلتي." تفرقت نظرات "عمار" بين كلاً من "جنة" المزهولة و "نجمة" المرتاعبة، وقال باستفهام: "إنتِ من مِتى وإنتِ أهنه؟ وإني إزاي معرفش؟
قال سؤاله الأخير وهو يناظر "نجمة" بعدم فهم، فأخذت تتلفت الأخيرة بكل الاتجاهات ما عداه، فاندفعت "جنة" تقول بتلعثم: "أص... أصل... أصل أنا لسه... لسه جاية و... قاطعها "عمار" باستفهام: "وجاية لوحدك ولا معاكِ جوزك وفرح؟ تفاجأ ثلاثتهم من هذا الصوت الغاضب من خلفهم: "جايه لوحدها بعد ما البيه جوزها رماها هنا عند قرايبه وداير يتسرمح في البلاد." ***
كان الجميع يتبادل النظرات بصمت، فقط ابتسامات عادية، بعضها صادقة والأخرى مجاملة، فمزق ثوب الصمت كلمات "مروان" المازحة حين قال: "لا بس أنتِ محلوية يا عمتي. زي ما يكون بتحبي جديد." "همت" بسخط: "حبك برص. قل أعوذ برب الفلق. ربنا يكفيني شر عينك." "مروان" باندهاش: "همت. إنتِ بتخافي على نفسك من الحسد! يخربيت الثقة بالنفس." زجرته "سما" في كتفه وهي تقول بخفوت من بين أسنانها: "أتلم."
"لا بقولك إيه يا هانم هو أنا كل ما أتكلم كلمة هتزغرطيلي كدا! عايزة الناس تقول عليا مش مسيطر ولا إيه؟ همهمت "ريتال" بجانب "سما": "إيه دا هو بيشخط فيكِ يا سما؟ "مروان" بحنق: "وأنتِ مالك أنتِ يا شبر ونص؟ واحد وبيتكلم مع مراته تدخلي ليه؟ "طب إني مراتك بقى ريتال تدخل براحتها." التفت "مروان" إلى "سما" قائلاً بحدة مفتعلة: "خلاص يا ريتال ادخلي براحتك." قطع "سالم" مزاحهم حين قال بفظاظة:
"بطل هري في الفاضي، وقوم شوفلك حاجة مفيدة اعملها." التفت إلى "لبنى" الجالسة بين "فرح" و "سما" وقال بلهجة ودودة بعض الشيء: "نورتي البيت. اطلعي أوضتك عشان ترتاحي. متخليش الواد دا يقلبلك دماغك."
أومأت "لبنى" بلطف، فهي تعرفت على الجميع ماعدا "أمينة" التي أخبروها بأنها تعاني من صداع فذهبت للنوم مبكرًا، ولكن الجميع عاملوها بلطف، ولدهشتها لم تشعر بأنها غريبة عنهم، فقد حاوطتها الفتيات، حتى أن "سما" و"ريتال" تبرعوا لأخذها إلى غرفتها بعد أن توجه "سالم" إلى غرفة مكتبه وتبعته "فرح" التي ما أن أغلقت الباب خلفها حتى قالت من دون أي مقدمات: "هو أنا ينفع أخطفك؟ رفع رأسه من الهاتف وقال بخشونة محببة إليها كثيرًا:
"إنتِ تعملي اللي أنتِ عايزاه." تقدمت منه بغنج انتشت له عينيه التي كانت ترمقانها بشغف لن تخطئ في فهمه، فتابعت دلالها قائلة: "نفسي تبقى ليا لوحدي بعيد عن كل المشاكل والمسؤوليات اللي مبتخلصش دي."
نسي أو تناسى معها كل ما يثقل كاهله، فدكنت عينيه وهي تتلكأ في النظر إليها، وكأنه يتشرب مفاتنها بدايةً من وجهها مرورًا بجسدها الذي جعله الحمل يبدو أنثويًا أكثر، إلى فستانها الذي يصل لما بعد ركبتيها كاشفًا عن سيقانها الملفوفة بإغراء، فـ تحشرجت نبرته حين قال: "طب قربي."
اقتربت تُلبي احتياجه إليها، فعينيه تلجأن إليها للهرب من كل شيء، فما أن اقتربت منه حتى اعتقلتها ذراعيه لتتربع فوق ساقيه براحة، ويداها تحيطان بعنقه، بينما أنامله تلتف بقوة حول خصرها لـ تلصقها به، ليتسنى له التنعم بمطالعة حسنها عن قرب، لتُشفي أوجاعه ويهدأ ضجيج أفكاره. "تعرفي إنك علاج فعال لكل أنواع التعب." لونت ثغرها ابتسامة رائعة قبل أن تقول بخفوت:
"طب تعرف إنت إن نفسي آخدك في مكان بعيد ميكونش فيه غيري أنا وأنت وحبنا، وقتها هعرف أعالجك صح." استنشق رائحتها ليهدأ ضجيج نبضاته ويتحول عزفها إلى آخر مثير بقربها، فاقترب يريح رأسه فوق صدرها وهو يقول بنبرة متعبة: "خليني في حضنك شوية." "خليك على طول." أخذت أناملها تعزف ألحان عاشقة بين خصلات شعره البني الذي دائمًا ما تغريها بالعبث بها، ولكنه الآن يريد أن يهدأ وستعطيه ما يريد وأكثر. "قلقان من إيه يا حبيبي؟ لم يرفع
رأسه بل أجابها باختصار: "طارق وسليم." "مالهم؟ "رميتهم في النار بإيديا. بس مكنش في قدامي حل تاني. الكل لازم يجازف." لثمت جبينه بقبلة دافئة وهي تقول بحنو: "بس أنا واثقة إنك مأمنهم في وسط النار دي كويس أوي. عمرك ما هتضحي بيهم." زفر بقوة قبل أن يرفع رأسه يناظرها بضياع قلما ظهر عليه: "حصل. مأمنهم كويس. بس حاسس إن فيه حاجة ناقصة. مفروض كانوا خلصوا من بدري بس لحد الآن مفيش خبر وصلني."
كانت لهجته يشوبها التوتر، لذا احتوت وجهه بكفوفها وهي تقول بلهجة مطمئنة: "انت عملت اللي عليك وربنا عمره ما هيتخلى عنهم أبدًا، كمان انت عارف إن طارق وسليم رجالة وقدها. خليك واثق فيهم زي ما هما كمان واثقين فيك." أومأ بصمت فتابعت بهدوء: "اللي معاه ربنا ميخافش أبدًا يا سالم. مش دا كلامك ولا إيه؟ أنا بردو اللي هقولك." دفن رأسه بين حنايا عنقها وهو يقول بتعب: "قولي يا فرح. اتكلمي. عايز أسمعك. كلامك بيريحني."
"بحبك يا سالم، وواثقة في ربنا وبعدين فيك، وعارفة إنك مش هتجازف بأي حد فيهم إلا لو كنت عامل حساب كل حاجة، وهما كمان عارفين كدا. بس انت اللي اتعودت تبقى في وش المدفع في كل حاجة وديمًا معاهم وواقف في ضهرهم، ودا غلط." رفع رأسه يناظرها باستفهام، فتابعت بنبرة عاشقة: "عشان عملت من سالم الوزان أسطورة مش هتتكرر تاني ولا هييجي شبهها حتى." صمتت لثوان تتشرب حلاوة ابتسامته الرائعة التي أضاءت معالمه قبل أن تتابع بدلال:
"سيب الناس تاكل عيش جنبك بقى يا باشا." عض على شفتيه وعينيه تلتهماها التهامًا، بينما قست أنامله فوق خصرها قبل أن يقول بخشونة: "جننتي الباشا."
أنهى كلماته واندفع يرتوي من رمق ريقها العذب، دافنًا جميع هواجسه، مطلقًا العنان لجيوش شوقه بتسيد الموقف، لتسحبه هي بعيدًا عن كل العام القلق التي تتفجر بقلبه مع مرور الوقت، تُلثم بحنانها اللامتناهي آثار الخوف المحفورة بقلبه، تعانقه بذراعي أم تحتوي صغيرها وتحميه من بطش العالم، بينما شفاهها تعزف على خاصته نغمًا من الشغف الخاص بين عاشق وامرأته، تقابل قسوته وعنفه باللين والرحمة التي تجمع بين رجل وزوجته، فكانت له كل ما يشتهي ويحتاج ليستكين ويرسو بسفينته الضالة فوق شاطئ صدرها الرحب.
*** دفع باب الغرفة بعنف ليرتد إلى الخلف مُحدثًا صوتًا عاليًا ضاع وسط زمجرته الغاضبة: "اللعنة عليك و عليها وعلى تلك العائلة الحقيرة." توقف لثوان لكي يسترد أنفاسه ويحاول إخماد نيران غضبه، ليتفاجأ بيد قوية تطوقه من الخلف وأخرى تُكمم فاهه، ليسقط في دوامة سوداء ابتلعته. فقام طارق بحمل جسده الضخم فوق كتفه ليتدلى نصفه الأعلى حتى وصل إلى ركبتي طارق الذي هتف بحنق: "الله يخربيتك بغل." همس سليم بخفوت:
"بقولك إيه الزفت دا تحت مش هنعرف ننزل بيه كدا مليون في المية هنتكشف." طارق وهو يجاهد لحمل ذلك الجسد الضخم: "إحنا كدا كدا هنتكشف في خلال عشر دقايق لو مخرجناش الحيوان دا أكيد هيطلع للبِت بتاعته." "طب والحل؟ طافت عيني طارق أرجاء الغرفة حتى سقطت فوق النافذة، فلمعت عينيه بوميض النصر وقال بعجالة: "هحدفه من الشباك." سليم بصدمة: "إيه؟ "مفيش وقت تتصدم. نط عشان تستلقاه مني. مفيش وقت."
كانت المسافة الفاصلة بين النافذة والأرض ليست كبيرة، ولكنها أيضًا ليست بالقليلة لكي لا تحدث إصابات، ولكن في نهاية الأمر رضخ سليم لخطته، فهي المجال الوحيد أمامهم للظفر بما جاؤا لأجله. وبالفعل قام سليم بالقفز من النافذة لـ يتلقاه رأفت من الأسفل، وعلى الرغم من أنها كانت سقطة قوية، ولكن الوقت لم يكن يسمح له حتى بالشعور بالألم ليعطي الإشارة لطارق الذي قام بتعديل وضع ذلك الضخم ليسقط دون أن يتسبب له الأمر بخسائر فادحة.
اعتدل طارق بجسده يتهيأ للقفز هو الآخر، وإذا به يتسمر بمكانه حين استمع إلى ذلك الصوت الآتي من خلفه: "مكانك." يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!