الفصل 4 | من 40 فصل

رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
67
كلمة
6,892
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

"هسيبك دلوقتي ترتاحي وبكرة إن شاء الله هاجي أطمن عليكي." هكذا تحدث، فقابلت كلماته ببسمة واهنة. وحين كاد أن يفتح باب الغرفة، لم تتمالك نفسها وهي تصيح قائلة: "الفويس اللي سمعته لفرح يوم فرحكوا كان بصوت حازم." هل يمكن لعدة حروف بسيطة أن تصبح طلقات نارية قادرة على انتزاع روح إنسان؟ تجمد بمكانه لثوانٍ يحاول التقاط أنفاسه الهاربة، قبل أن تأتيه كلماتها المحملة برذاذ الاعتذار:

"أنا آسفة يا سالم. مبقتش قادرة أتحمل كل اللي شيلّاه في قلبي. لو اتكتب لي عمر جديد، هيبقى بقلب نضيف مش شايل أي مرارة جواه." كان الصمت طابعه المميز الذي يكمن بين طياته شموخ وكبرياء، ولكن الآن كان صمته خزي وخذلان. أخيرًا، اتخذت قرار إخلاء سبيل كل تلك الأسرار المخفية كالعلقم في جوفها:

"حازم كمان اللي ولّع في المزرعة يوم فرحكوا، عشان مكنش عايز سليم يقرب من جنة. وهو اللي خلاني أقنع ماما تحط حبوب منع الحمل في العصير عشان تسقطها. مكنش عايزها تخلف ولد يورث فلوسه. وهو اللي خد فلوس الصفقة الألمانية. لما جنة ولدت، فكّر إنه ياخد أي حاجة من ورثه."

تناثرت أشواك الحقيقة بقلبه، مما جعله يُغمض عينيه وداخله يبتهل لخالقه أن يستيقظ من ذلك الكابوس قبل أن يقضي عليه. ولكنه لم يكن كابوسًا، بل واقع مرير دهس على ثباته وقوة تحمله حتى كاد أن يسقط في تلك اللحظة من فرط ذلك الثقل الذي لم تعد قواه تكفي لتحمله. أشفقت على ألمه، ولكن لم يكن هناك وقت للتراجع، لذا أكملت تجلده بسوط تلك الحقائق المريعة:

"هو اللي خطف محمود عشان يساوم جنة إنها تسيب سليم. وهو اللي هدد لبنى وأهلها إنها تغير أقوالها وتتهم عدي، لما عرف إنه اتجوز ساندي." صمتت لثوانٍ قبل أن تضيف بلهجة تتضور وجعًا: "حازم زي بابا بالظبط. نفس الأنانية. نفس الطباع السيئة. ماعندوش مشكلة إنه يأذي أي حد، المهم ياخد اللي هو عايزه." تعاظم الوجع حتى أسدل ستاره على ملامح وجهه وطمس بريق عينيه، ولهجته التي جاءت متحشرجة وكأنه كان يحاول انتزاع الحروف لتخرج من بين شفتيه:

"هو اللي حاول يقتل لبنى؟ التقمت عينيها ذلك التوسل الخفي بعينيه لإجابة قد تخفف من وطأة ألمه ولو قليلًا، فلم تبخل عليه بها: "لا. بابا اللي عمل كده، بس بطلب منه. أصلًا سبب هروب حازم كان لبنى دي. حكاية لبنى دي بابا اللي ملفقها، زي برضه ما جرّ حازم عشان يشرب مخدرات." سالم بجفاء أطل من عينيه أولًا: "عايز أعرف كل حاجة من البداية." أومأت برأسها قبل أن تسهب في سرد ما حدث:

"بابا سلط واحد ديلر على حازم وأصحابه عشان يجرهم للمخدرات، وبعد كده بدأ يجيب رجل حازم عنده في المنطقة الشعبية دي عشان يلبسه تهمة يكسر عينكوا بيها. ولما بدأ حازم يتردد على الولد ده في منطقته، شاف لبنى دي وحاول يقرب منها، رفضته. فبدأ يتعلق بيها ويروح للولد ده كتير، وهو لاحظ نظرات حازم ليها." صمتت لثوانٍ تسترد أنفاسها، محاولة تجاهل ذلك الألم الدامي في كتفها، ثم استطردت بتعب:

"ومن هنا بدأوا يرتبوا لكل حاجة. ويوم الحادثة شربوا حازم مخدرات وخمرا ومنشطات. وخطفوا البنت وقفلوا عليها هي وحازم في شقة عشان يعمل عملته. وطبعًا حازم لما فاق، لقي البنت غرقانة في دمها ونهار، وفكرها ماتت، وهما أكدوا عليه الاعتقاد ده. والولد الديلر ده قاله إنه عنده حد يسفره بره. وطبعًا حازم مكنش في عقل يفكر، كل اللي كان في دماغه إنه مرعوب منكم تعرفوا بعمله، ومرعوب لا يُقبض عليه بتهمة الاغتصاب والقتل. فوافق."

خرجت كلماته قاسية كملامحه في تلك اللحظة: "وطبعًا البيه كان مجهزله ورق سفره حتى قبل ما يحصل اللي حصل." أومأت بصمت: "فقد تشعب الخوف إلى داخلها من نظراته وملامحه التي كانت مرعبة. وكذلك جاءت لهجته حين أمرها قائلًا:" "كملي."

"بابا مكنش عايز انتقام عادي. كان عايز يدمركوا بمعنى الكلمة. وطبعًا موضوع حازم ده كفيل إنه يكسركم العمر كله. اتفق مع الدكتور إنه يديله حقنة هتخلي النبض ضعيف جدًا، وهو اللي خلى الدكتور يقولكم إنه مدمن، ودي كانت بداية انتقامه. وبعد ما خرج حازم من القبر، سفره على إيطاليا ومنها على ألمانيا." سالم بقسوة: "وعرف امتى إن أبوكي ورا كل ده؟

"بابا في الأول قابله في بار بعد ما سابه شهر يتلطم في كل حتة، لحد ما حازم كان بيفكر إنه ينتحر. وقتها ظهرله في البار، كان حازم بيشتغل هناك، يعني بينضف الحمامات." كانت تشاهد فكه الذي كان يطبق على الآخر بشدة، وعروق رقبته التي كانت بارزة للحد الذي يجعل من يراها يظن بأنها ستنفجر في أي لحظة، مما جعلها تبتلع ريقها بصعوبة وهي تكمل:

"بابا كان قاصد كده عشان أول ما حازم يشوفه يترمى تحت رجليه، وفعلاً ده اللي حصل. وأخده معاه على ألمانيا بعد ما حازم حكاله كل حاجة، وبابا طمنه إنه عمره ما هيقول أي حاجة لحد. وقبل ما لبنى تفوق بتلت أيام، سمع بابا وهو بيتكلم مع الواد الديلر ده وبيسأله على لبنى، فاقت ولا لسه. وقتها حازم اتجنن وقال لبابا إنه هينزل مصر ويحكيلكم على كل حاجة. فبابا حب يقرص ودنه، راح كلم دكتور يعرفه وكلفه إنه يفصل عنها الأجهزة. وكان في احتمالين، يا إما تموت ويبلغ عنه لأنه طبعًا كان مصوره جنبها يوم الحادثة. يا إما تفوق وتحكي إن حازم اللي اغتصبها، خصوصًا إن حازم لما دخل عليها الأوضة كانت فاقت وشافته."

أومأ برأسه فقد استشف ما حدث بعد ذلك، وقال ساخرًا بمرارة: "وطبعًا عشان يأكد تمثيليته، بعت الشرطة عندنا البيت؟ أكدت على كلماته قائلة: "فعلًا، وحازم وقتها مقدرش يرجع، بس اشترط عليه إنه يلبس التهمة لعدي عشان يفضل معاه، وبابا وافق. كان كل همه إن حازم يفضل معاه عشان يضرب ضربته الأخيرة لما يصدمكم بوجوده، وكمان كان قاصد يجننكم. وهو اللي أجبر أهل البنت إنهم يهربوا وهددهم إنه هيقتلها وإنه من طرفك!

أنهت كلماتها بوهن فقد تمكن منها الإعياء، مما جعله يكتفي بتلك الجرعة المسمومة التي سُكبت فوق مسامعه اليوم: "ارتاحي دلوقتي، وبعدين نكمل." "سليم. ممكن نتكلم شوية؟ هكذا تحدثت فرح التي شعرت بالشفقة على ألمه المرتسم بين طيات ملامحه والمنبثق من عينيه التي لأول مرة تراها منطفئة هكذا. "سامعك."

كانت نبرته جافة تشبه قلبه الذي تيبس من فرط اللوعة والاشتياق المرير لامرأة نفخت بقلبه الروح بعد أن كان شعوبًا لسنوات. امرأة أغرته بالجنة وأسكرته بنعيمها، فأصبحت أنفاسها هواؤه وعشقها يسري في عروقه مسرى الدماء، حتى ظن أن سرمدية بقاءها أمرًا غير قابل للنقاش، وإذا به ينال صفعة هجر قاسية سقطت على قلبه لتنتزع منه تلك الحياة التي بثته إياها ذات يوم.

"أنا حاسة بيك وبوجعك.. بس عارفة ومتأكدة إن جنة روحها فيك، وأنت كمان عارف دا." بشق الأنفس استطاع أن يتحكم في صراخه الذي إن أطلق له العنان سيحطم جدران ذلك المبنى، فأي حبيب هذا الذي يقتل محبوبه بتلك الطريقة؟ ولكنه اكتفى بإيماءة بسيطة قبل أن يقول بتهكم مرير: "عارف." شعرت بما تحويه كلماته، لذا شددت من كل حرف تتفوه به حين قالت بجفاء: "لازم تقدر موقفها يا سليم. جنة اتحطت في أسوأ وضع ممكن واحدة تتحط فيه؟ تبقى متجوزة اتنين.."

تلك الكلمة تدهس على قلبه دون رحمة. حروفها كالسم السريع المفعول الذي يذهب بتعقله إلى الجحيم. التفت بحدة لتقاطعه كلماتها القاسية حين قالت: "شفت انت مش قادر تتحملها إزاي؟ أومال هي تعمل إيه؟ جنة مش قادرة تبص في وشك يا سليم. مكسوفة ومرعوبة منك." استنكر حديثها قائلاً: "مرعوبة مني؟ "أيوه مرعوبة منك. افتكر كنت إزاي معاها قبل ما تعرف حقيقة اللي حصل. افتكر كنت بتعاملها إزاي وبتجرحها قد إيه؟ اندفع ينفي تلك الشبهات عن نفسه:

"وقتها أنا كنت متضايق من اللي عملته والفخ اللي وقعت نفسها فيه. كنت بقسى عليها من غضبي منها." صاحت بنفس لهجته: "ودلوقتي مش متضايق؟ مش ممكن تلومها؟ ماهو خيط الغلط لسه موصول. غضبك مش ممكن يخليك تقسى عليها؟ صمت لثوانٍ يتفهم حديثها ويعيد تلك الأسئلة على كلًا من عقله وقلبه، فاستمهل نفسه قبل أن يجيبها بقوة: "لا.. عمري ما هعمل معاها كده." انشرح قلبها لإجابته ورقت لهجتها وهي تقول:

"يبقى قولها كده. طمنها. عرفها إنك مش هتلوم ولا هتقسى عليها أبدًا. جنة محتاجة وجودك قوي يا سليم." كانت بوادر الاقتناع تلوح في الآفاق، ولكنها كانت تعلم بأن كبرياءه يمكن له أن يفسد الأمور، لذا خاطبت قلبه العاشق قائلة: "حتى لو زعلان منها، مش وقته. أنت ناسى إنها لسه بتاخد جلسات، وده من غير حاجة بيأثر عليها." نجحت في مبتغاها فقد صفت ملامحه قليلاً، وأومأ برأسه. وأضافت هي بابتسامة بسيطة:

"أنت أقرب واحد ليها في الدنيا دي. وأكتر حد بتحبه ومحتاجاه. ده حتى أنا اتركنت عالرف." ابتسامة هادئة سطعت في سماء عينيه، فحاول الهروب بها عن عينيها، فواصلت هجومها تعزز من ذخيرته أكثر: "أوعى تسيب حد يدخل بينك وبينها. أنتوا شفتوا العذاب ألوان عشان توصلوا لبعض. ومعتقدش هتقدروا تتحملوا تاني ولو ربع اللي اتحملتوه قبل كده." نجحت في مسعاها فقد لون التصميم ملامحه وزين نظراته ولهجته حين قال: "عندك حق.... "سليم.."

فاجأهم صوت سالم القاسي، فالتفت كلًا منهما إليه وقد هالها مظهره المرعب، ولكنها كانت أكثر من يعلمه، لذا هرولت إليه فقد شعرت أن تلك القسوة خلفها آلام عظيمة. احتوت ذراعه وعينيها تبحران فوق ملامحه باهتمام تجلى في نبرتها حين قالت: "أنت كويس؟ تجاهلها متعمدًا. فعينيها ولمساتها يغريانه بالانهيار باكيًا بين ذراعيها، ولكن التوقيت كان أكثر من خاطئ، لذا وجه حديثه إلى سليم قائلاً بجفاء: "اطمنت عالحاجة؟ زفر

بقوة قبل أن يقول باختصار: "لا." لم يكن بحاجة لسؤاله عن السبب، لذا قال بفظاظة: "هروح أطمن عليها." أوقفته يد فرح التي علمت أن الأمر جلل وتعظم الخوف بداخلها، فقالت بنبرة تحوي التوسل بين طياتها: "سالم.." باغتها حين قال بجفاء: "مش كويس يا فرح. مش كويس." شعر سليم بوضع شقيقه فقد كان أكثر من يعلمه، وعلى الرغم من تفشي الفضول بقلبه الذي فطن إلى أن هناك الكثير مما يجهله، ولكنه تجاهل كل شيء واقترب منه قائلاً بخشونة:

"هروح أطمن أنا عالحاجة. وأنت خد فرح وروح." لم يكد ينهي جملته حتى جاء رنين هاتف سالم، فقام بالتقاطه ليجيب بفظاظة: "فيه إيه؟ كان المتصل أحد الحراس الخاص بالفيلا الذي صاح بلهفة: "سالم بيه والدة حضرتك جتلها الأزمة وهي عند حازم بيه، وجبنا الإسعاف خدتها المستشفى وهو هنا مبهدل الدنيا عايز يروح وراها واحنا مانعينه." هاج كوحش كاسر: "ولسه فاكر تقولي دلوقتي؟

"يا باشا تليفونك كان مقفول وماكنش قدامي وقت، كنت عايز ألحق الحاجة زمانها دلوقتي وصلت المستشفى عندك." تمالك نفسه بمشقة وقال بقسوة: "اقفل عليه وإياك تخرجه أبدًا، حتى لو اضطريت تكتفه.. فاهم؟ "بس يا سالم بيه.." قاطعه سالم بزئير: "نفذ اللي قولته لك عليه ومش هحاسبك نفذته إزاي." كان إذنًا بتجاوز الخطوط الحمراء إن لزم الأمر، لذا قال الحارس بخضوع: "أوامرك يا سالم بيه." أغلق الهاتف، فهبت قائلة بخوف: "فيه إيه يا سالم؟

كذلك استفهم سليم الذي توقف إثر سماعه حديث سالم مع الحارس: "حصل إيه يا سالم؟ ابتلع جمراته الحارقة وأجابهم بعجالة قبل أن يتوجه إلى قسم الطوارئ: "الحاجة جتلها الأزمة والإسعاف جايبها وجاي." تلك آخر كلمات قالها قبل أن يغادرهم متوجهًا للأسفل، فهرولوا خلفه بخطْ متلهفة وقلوب مذعورة.

ذرفت من العبرات ما يكفيها لأعوام، ولكنها أبداً لم تكتفِ، فقد كانت كمن أراد تطهير قلبها من كل شيء. فقد جاءتها فرصتها على طبق من ذهب للتخلص من كل تلك الآثام والذنوب، لذلك عزمت ألا تضيعها من يدها.

شعرت بباب الغرفة يُفتح، فالتقمت عيناها ذلك الذي أطل عليها بجسده الضخم وحضوره الطاغي، فحاولت كتم أنفاسها وإغلاق جفونها عن رؤيته، ولكنها لم تستطع منع قلبها الذي تاق لرؤيته، فهاجت ضرباته حتى آلمها صدرها، ولكنها قمعت كل ما تشعر به داخلها وواصلت التمثيل بأنها نائمة. وكم كان هذا شاقًا وهي تشعر به يقف قبالتها وعينيه تطوفان على ملامحها التي اهتزت، وكذلك جسدها حين شعرت بأنامله تتجول بحرية على ذراعها وكأنه أراد إخبارها بأنها كاذبة فاشلة.

"أنصحك تبطلي تمثيل عشان متعبيش. أنا ناوي أفضل هنا طول الليل." ولدت شحنات اقترابه نيراناً هوجاء بداخلها، سرعان ما تحولت إلى غضب حارق جراء كلماته، فالتفتت بغضب تألم له جرحها، فخرجت آهة متألمة من شفتيها جعلته يقترب منها بلهفة لاقت صداها بقلبها، خاصةً حين قال باهتمام: "بالراحة.. فيه إيه؟ أهدي شوية." كان ألمها جلياً على ملامحها للحد الذي جعلها عاجزة عن الرد، فجاءت لمسته حانية على وجنتها وهو يقول بنبرته العابثة:

"حاسب على نفسك، ده أنت غالي." في تلك اللحظة كانت تود أن تلعنه، فهو يقف أمامها بكامل أسلحته وهي عزلاء وجريحة، وهناك خيانة تلوح بالآفاق من قلبها الوغد الذي يتأثر بقربه بطريقة كبيرة، جعلت لهجتها مرتجفة وهي تقول: "اخرج بره يا طارق." "مش هخرج." كان يتحدث بسلاسة استفزتها، فصاحت بغضب: "هو أنت مش شايف إن أنا تعبانة ومش حمل وجع أكتر من اللي أنا فيه." "ماهو وجعك ده اللي مخليني هنا."

استنكر عقلها حديثه على عكس قلبها الذي رضخ بإذعان لوجوده بجانبها على الرغم من جراحها النازفة: "أنت كنت السبب في جزء كبير أوي منه. عشان كده أخرج." شعرت بثقل السرير الذي تنام فوقه، فعلمت أنه جلس بجانبها، وسرعان ما شعرت بتيار كهربائي يضرب أنحاء جسدها حين احتوت كفوفه كفها بحنان، جعل العبرات تعرف طريقها إلى عينيها، وخاصةً حين أضاف بخشونة:

"أنا مكذبتش عليكِ في حرف واحد من اللي قولته. واتفاقي مع أمينة مكنش إني أوقعك في حبي. كان إني أراقبك وأمنعك لو لقيتك بتعملي حاجة غلط." التفتت إلى الجهة الأخرى وصاحت حانقة: "مش مصدقاك." "مش مهم." أثارتها كلمته البسيطة، فاعادت نظراتها إليه مرة أخرى لتقع أسيرة تلك الابتسامة الرائعة التي أضاءت ملامحه، وخاصةً حين أضاف بخفوت: "كلامك اللي هتقوليه دلوقتي كله مش مهم. مش هيأثر في حاجة من اللي جوايا أو اللي نويت عليه."

بللت حلقها الذي جف من نظراته المغوية وكلماته الغامضة، وقالت بنبرة متحشرجة: "وهو إيه بقى اللي نويت عليه؟ "إني أنسى كل اللي حصل وأبتدي معاكِ من دلوقتي. جاهزة نرمي كل حاجة ورا ضهرنا ونكمل المشوار سوا؟ "جاهزة يا طارق، أبدأ من جديد." لونت ابتسامة عريضة ملامحه، استنكرتها هي، فقد كانت كلماته عرضاً بالحياة لشخص على مشارف الموت، ولكن ندوب الغدر السابقة ما زال وجعها قائمًا، لذا جاءت كلماتها جافة حين أردفت:

"بس مش معاك. معنديش نية أبدأ معاك من جديد ولا أكمل معاك في مشوارك." لدهشتها لم تنمحي بسمته أو حتى تهتز نظراته، إنما أخذت أنامله تلهو فوق كفها بخفة، تجلت في نبرته حين قال: "عارفة أنا طول عمري مش محبوب في العيلة ليه؟ "ليه؟ أجابها يشدد على كل حرف يغادر شفاهه وتؤازره نظراته القوية تجاهها: "عشان أنا أكتر واحد بيعرف يحدد أهدافه صح وبيقدر إزاي يوصلها. ذوق، عافية، إجبار. كل الوسائل عندي متاحة ومفيش حاجة بتقف قدامي."

لن تنكر أبدًا ذلك الشعور بالبهجة الذي غزي قلبها جراء كلماته، ولكنها حاولت ارتداء قناع البرود أمام نظراته التي أذابت عظامها، فتابع بخشونة: "طبعًا كل الحاجات دي بالنسبالك عيوب، بس هقولك على ميزة حلوة أوي فيا. أنا شخص مبيقاوحش في الغلط ولا بيكسف إنه يعترف بيه. ولأول مرة هيعتذر عنه. أنا آسف.. سامحيني."

فاق الأمر حدود الروعة، فهذا الرجل الذي لا تفلح أي كلمات في سرد صفاته يجلس أمامها ويضع قلبه بين كفوفها، بل ويعتذر منها على خطأه الذي بناءً على ما حدث يُعد غير مقصود. ولكنه يعتذر لأجلها. تدفقت العبرات بغزارة من مقلتيها، فلأول مرة بحياتها تشعر بأن أحد يحارب لأجلها. يشعرها أنها شيء ثمين يخاف ضياعه. عبراتها عرت شعورها في تلك اللحظة، فانتزعت عينيها من بين براثن عينيه الصقرية وهي تقول بنبرة متحشرجة:

"أنا تعبانة وعايزة أنام." جاءت نبرته حانية وكأنها قبلة دافئة لجراح قلبها الدامية: "نامي وهتصحّي تلاقيني هنا.. جنبك." شدد من كلمته الأخيرة، فأخذت نفسًا عميقًا لأول مرة يحمل الراحة إلى صدرها، وأغمضت عينيها، بينما يداها مازالت عالقة بين كفوفه التي أخذت تمسدها بحنان إلى أن خلدت إلى النوم.

انتشر خبر إصابة أمينة بأزمة قلبية بين الجميع، فهرولوا إلى غرفة العناية المركزة التي نُقلت إليها، وقد كان الأمر مروعًا على الجميع، وكان أكثرهم تأثرًا سالم الذي اختلط بقلبه الخوف والغضب ليشكلوا شعورًا هائلًا جعل الجميع يتجنبون مواجهته أو الاقتراب منه، إلا هي. لم تستطع تركه فريسة لكل تلك الأحاسيس المروعة التي حتمًا ستنهيه، لذا اقتربت منه تتلمس بيدها الحانية ذراعه، التي رفعتها ووضعتها حول كتفها، وبيده الأخرى حاوطت خصره، واضعة رأسها فوق موضع نبضه، الذي كان الجنون حاله، فقد صح ظنها بأنه يعاني بقسوة مما يشعر به.

التقمتهم الأعين بنظرات مندهشة وأخرى مشفقة على فرح من رد فعل عنيف قد يصدر منه، فقد كان في أقصى درجات غضبه، ولكن لدهشتهم ودهشته أيضًا، وجد نفسه يقربها منه بقوة، وعينيه التي أخفضها لتشتبك معها في حوار صامت كان يحمل التوسل من جانبه بألا تتركه، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط أمامهم والانحناء أمام ألمه لأول مرة في حياته، ولكن وجودها أنقذه وقام بانتشاله من بحور الوجع الذي كان يقتات على روحه.

خرج الطبيب من الغرفة، فاندفع الجميع تجاهه، فأجاب على تساؤلاتهم بعملية: "مكدبش عليكوا، الحاجة حالتها غير مطمئنة بالمرة. صحيح الأزمة عدت، بس حالة القلب تعبانة ومافيش في إيدينا غير الدعاء. عن إذنكم." خيم الحزن على وجوههم، على الرغم من توافد عبارات الحمد على شفتيهم، فجاء صوته آمرًا: "يالا عشان تروحوا البيت. مش عايز حد هنا." قبل أن يدع المجال لأحد بالاعتراض، تدخل سليم قال مؤيدًا حديث شقيقه:

"قعدتنا هنا مالهاش لازوم. محدش في إيده حاجة يعملها." تحدث صفوت بعملية: "النهاردة اليوم كان متعب عالكل، والفجر أذن أصلًا. يالا يا همت أوصلكوا البيت ترتاحوا شوية، وبعدين تبقوا تيجوا تطمنوا عالـحاجة بالليل." تدخل مروان مضيفًا: "أنا كلمت الشركة وزودت عربيات الحراسة عالقصر، وهنسيب اللي بره هنا مع سالم وطارق. وهنروح إحنا نرتاح شوية، وبعدين هاجي أنا وسليم نبدلهم."

أومأ بصمت، فلم تعد له طاقة للحديث، فغادر الجميع إلا هي. فالتفت يناظرها، وحين أوشك على الحديث، سبقته قائلة بلهجة قاطعة: "متفكرش لحظة إني هسيبك." فاجأها حين امتدت يديه تقربها منه بقوة، تجلت في نبرته المتعبة حين قال: "متسبنيش." "مش هسيبك أبدًا يا عمري."

قالتها فرح بعشق كبير انبعث من عينيها وكفوفها التي حاوطت وجهه بحنو، فاخفض نظراته إلى بطنها المسطح، وامتدت يديه تتلمسها بحنان، ونظراته توحي وكأنه يشكو لصغيره وجع والده دون أن تفصح شفاهه عن أي شيء، فشعرت هي به وتآزر قلبها معه، ولأنها تعلم أنه لن يفصح عما يجول بداخله، حاولت تشتيت انتباهه قائلة بمشاكسة: "نحن هنا على فكرة. من دلوقتي مطنشني عشانه." لاحت ابتسامة بسيطة على ثغره، فأضافت بحنو:

"تعالى ننزل نشرب حاجة تحت وترتاح شوية من امبارح عالـحالة دي." لم يعارضها فلم يكن له طاقة لذلك، فتبعها متوجهًا إلى الأعلى، ولكن قبل أن يغادر، التفت إلى غرفة والدته وهو يلقي نظرة طويلة بها، وعينيه تتوسل بصمت ألا تغادره، فلا يملك طاقة لتحمل فراقها أبدًا.

فوجئ مروان بعمار الذي كان في المقهى الخاص بالمشفى، لا يعلم ما عليه فعله، ولا يطاوعه قلبه بالمغادرة وتركها خلفه حتى وهي آمنة مع أبويها، وفضل الجلوس هنا عله يلمح طيفها ويستطيع تصليح الأمور العالقة بينهم. "إيه ده؟ هو عم ذئاب الجبل دا لسه هنا؟ بيعمل إيه؟ أجابه سليم بسخرية: "معرفش ومش عايز أعرف." ناظره مروان بامتعاض تجلى في نبرته حين قال: "يا ابني افرد بوزك دا. بطل تشوه خلقتك أكتر وأكتر، مش كفاية علينا قرعتك دي."

تعاظم الحنق بداخله، فهدر بعنف: "أقسم بالله لو ما بطلت استظرافك ده، هكون مطبقلك وشك. أنا دمي محروق ومش طايق نفسي." لم يبدُ عليه التأثر بكلماته المتوعدة، بل تابع سخريته قائلاً: "يا بني آدم، شغل دماغك دي شوية. يا حبيبي دا ربنا ما ميز الإنسان عن الحيوان بالعقل. شغل عقلك ده هيصدّي والله." أوشك سليم على لكمه، فجاءهم صوت عمار الذي صاح من بعيد باستنكار: "خبر إيه؟ هتضربوا بعضيكوا ولا إيه؟ مروان بتهكم خافت:

"قابل يا عم. أهو شمّت فينا اللي يسوى واللي.. يسوى برضه عشان خاطر العيش والملح." تجاهل سليم حديثهم وقال بانفعال: "أنا ماشي عشان مرتكبش جناية." أوقفته يد مروان قائلاً بخفوت قبل أن يصل عمار إليهم: "يا ابني أنت عامل زي النار اللي لما مبتلاقيش حاجة تاكلها بتاكل نفسها." صاح سليم بنفاذ صبر: "عايز تقول إيه؟ أنجز." مروان بغموض: "خلي النار دي تحرق اللي يستحقها بدل ما تحرقك أنت." سليم بتعب:

"وأمي اللي راقدة بين الحياة والموت فوق دي؟ مروان باتزان: "يبقى دور عاللي هيطفيها يا سليم. جنة مراتك لوحدك. حقك. سيبك من كل كلامهم ده." انتشى قلبه بتلك الجملة كثيرًا، حتى أنه استطاع أن يأخذ نفسًا طويلًا ملأ صدره المكتظ بنيران الغضب، ولكنه تفاجأ بحديث عمار الذي جاء مستنكرًا: "وهو أنت عندك شك في الموضوع ده يا سليم؟

كان يتجاهل عمار وما يأتي خلفه، يريد استردادها واسترداد أنفاسه معها، قبل أن يلتفت لتلك العقبة القوية التي سيخلفها ظهور حازم، وقبل أن يتمكن من الحديث، جاءهم صوت سالم الصارم خلفهم: "أنت لسه هنا يا عمار؟ التفت الثلاثة لسالم الذي كان يتجه إليهم، وبجانبه فرح المتخوفة من مغبة هذا الحديث: "أيوه لسه أهنه يا سالم. عندك مشكلة في وجودي؟ سالم بجفاء: "مش هيبقى فيه مشكلة لو كان السبب مقنع." عمار بغضب بدأ يظهر على السطح:

"أنا هنا عشان بنات عمي وخطيبتي! تجاهل جملته الأولى بدهاء، وعلق على الأخيرة مستنكرًا: "خطيبتك! هي مين اللي خطيبتك؟ كان داخليًا يرتجف من رفضها لتلك العلاقة التي ألصقها بها عنوة، ولكنه قال بقوة: "نجمة." سالم بفظاظة: "وخطبتها امتى ومن مين؟ عمار بتوتر خفي: "قبل ما تنخطف. طلبت يدها." سالم بجفاء: "وقالتلك إيه؟ تنحنح قليلاً قبل أن يجيبه قائلاً: "قالت هتفكر." سالم بفظاظة: "طب لما تفكر وتقرر، هنبقى نبلغك."

كان مروان يقمع ضحكته بصعوبة، وكذلك سليم من مظهر عمار الذي يكاد يجن غيظًا، فلم يستطع مروان الصمت أكثر وأراد الثأر لنفسه قائلاً:

"آه هي تفكر. وسالم بما إنه البوص هنا هيفكر، وسليم ببوزه اللي يقطع الخميرة من البيت ده لازم يفكر. والبغل طارق بما إنه طب علينا زي القاضي المستعجل، فلازم برضه يفكر. إحنا عيلة بنحب نفكر. وإلا أنا بقى لازم أفكر تفكير لحد ما تضرب نفسك طلقتين إنك فكرت تناسبنا. ولا فاكر نفسك هتاخد النيزك من وسطنا كده برغيف عيش وحتة جبنة.. لا دا في تار بينا وطلاق تلاته هاخده."

لم يجبه عمار، فقد شعر بأنه على وشك ارتكاب جريمة، وقد أنقذهم قدوم صفوت الذي أخذ عمار ليتحدث معه، فيما انطلق سالم في طريقه إلى المقهى وسط صيحات فرح الغاضبة، ولكنه لم يتوقف سوى أمام الطاولة، فخاطبته بحنق: "دي شكرًا اللي بتقولهاله يا سالم؟ سالم بفظاظة: "صفوت شكره مرة وخلصنا." هتفت بسخرية: "كتر خيرك والله. أنا هروح أشكره واعتذر له على كلامكوا معاه." أوقفتها يداه التي امتدت تقبض على رسغها بعنف، وقال بتحذير: "إياكِ."

عاندته قائلة: "سالم." تمكن منه الغضب وفاح من لهجته حين قال: "هكسر دماغك لو خطيتي خطوة واحدة." لم تحتمل حديثه ولا لهجته، فالتفتت تنوي الجلوس بعيدة عنه، فجذبها من يدها لتجلس بقربه، وقال بنفاذ صبر: "اترزعي هنا جنبي وافردي وشك، أنا على أخري." لم تحتمل طريقته أكثر، فقالت بحدة: "أنا مبتعاملش بالطريقة دي على فكرة." "يبقى متجبرنيش أعاملك بيها." تعاظمت دهشتها، قالت باستنكار: "أنت مجنون؟ أنا عملت إيه دلوقتي؟ أجابها بفظاظة:

"أنتِ عارفة. واحمدي ربنا إني أصلاً بخليكِ تردي عليه السلام." تغيره الواضح جعل غضبها يهدأ قليلاً، ولكنها لم تمنعها من القول بحنق: "مستبد." فاجأها حين قال بغلظة: "أيوه مستبد. اعرفي كده أحسن لك عشان ترتاحي." تجاهلت منحنى الرد وأدارت وجهها إلى الجهة الأخرى، ثم قامت بلف ذراعيها حول كتفها تقيها من هذا البرد المحيط بهم، فتفاجئت به يحاوطها وهو يضع جاكته حولها، ثم قام بوضع قُبلة سطحية فوق رأسها، قبل أن يضيف بخشونة:

"أنتِ عارفة طبعي، اتأقلمي." لم تجبه وتمسكت بصمتها، فأطلق الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة، قبل أن يضيف بلهجة فظة: "وأنا بغير، فحاولي تتعودي." خففت كلماته من حدة الموقف، فالتفتت تناظره بابتسامة بسيطة لا توحي بالرضا، ولكنها توحي بتفهمها للأمر وما يمر به، لذا لم تطُل واستجابت ليديه التي مدها إليها، فقد كان يعلم بأنها لا تجيد الخضوع، ولكنها تفهمت دوافعه وما يمر به، وقد كان هذا أكثر من كافٍ لجعله يشعر بالامتنان نحوها.

بعد مرور يومين لم يحدث بهما جديد سوى استقرار حالة أمينة، فهدأ باله قليلاً وقرر أن يضع الأمور في نصابها الصحيح، لذا أمسك بهاتفه ليقرر الاتصال بسليم، الذي ما إن أجاب حتى قال بخشونة: "جنة في فندق (..) جناح (..) روح لها." سليم بسخرية: "كتر خيرك والله، لسه فاكر تقولي.. أنا عارف على فكرة." سالم بفظاظة: "عارف إنك عارف. وعارف برضه إنك مكنتش هتروح لها غير لما أقولك. جنة مراتك شرعًا وقانونًا، أنا اتأكدت بنفسي."

تجاهل ثورة قلبه الذي هاج فرحًا على الرغم من استنكاره لأي شيء آخر، ولكن كانت فرحته عارمة، حتى أنه كان أمام المصعد قاصدًا غرفتها، فقد كان يقضي ليله ونهاره ما بين المستشفى للاطمئنان على والدته والفندق ليكون بالقرب منها بانتظار ذلك الفرمان الذي أعاد الحياة لقلبه من جديد. دق باب الغرفة قبل أن يقول مخاطبًا أخيه بجفاء: "إنها مراتي، ده شيء مفروغ منه. مش شكيت فيه لحظة. أنا بس كنت مستني أشوف دماغها هتوديها لحد فين."

فطن سالم إلى ما يحدث، فقد كان يعلم بمكان شقيقه، فأغلق الهاتف ليتركه يعالج أموره بالطريقة التي يريدها، وكم كان يتوق إلى هذه الفرصة، فأعاد سؤاله أمامها بنبرة جافة تنافي عتاب نظراته التي اشتاقتها كثيرًا: "دماغك ودتك لحد فين يا جنة؟

كان شوقه متبادلًا، فبكل مرة يدق أحد باب غرفتها تتوسل إلى الله أن يكون هو الطارق، وكم كان يخيب أملها حين لم تجده، ولكن تلك المرة اخترق دعائها السماء السابعة وتحققت أمنيتها حين رأته، ولم تستطيع منع نفسها من الهمس بين طوفان العبرات التي أغرقت وجهها: "ودتني لحد عندك يا سليم." قالت جملتها واندفعت بين أحضانه كغريق عانق قشة نجاته الخاصة. "أخيرًا البيه عاود وافتكر إن له أهل.."

هكذا صاح عبد الحميد بغضب ما أن رأى عمار الذي دخل إلى باب البيت، ولكن استوقفته كلمات جده الغاضبة، فالتفت يناظره قائلاً بنفاذ صبر: "أهلًا يا جدي." "أهلًا أهلًا. كنت بتعمل إيه في مصر كل ده؟ عمار بملل: "كأنك متعرفش يا جدي؟ ملهاش لازمة الأسئلة دي." هدر عبد الحميد بغضب تجمهر أهل البيت على إثره: "عارف. وبقولك أهو لو نفذت اللي في دماغك دي، أنا اللي هكسرهالك.. سامع؟

أنهى جملته والتفت إلى ياسين الذي كان يقف أعلى الدرج وبجانبه حلا، وصاح بتحذير: "سامع يا دكتور؟ اللي مش هيخرج عن طوعي ومش هينفذ أوامري يتحمل ما يجراله." انقبض قلبها بعنف وتلاحقت أنفاسها، خاصةً حين خصها عبد الحميد بتلك النظرات القاتلة وكأنه يعنفها، ولكن جاءت كلمات عمار الغاضبة لتجعل جسدها يرتجف من فرط الرعب: "كلام إيه ده يا جدي اللي بتجوله؟ أنت عايزنا نسيب تارنا ويا الكلب ده؟ بعد ما مرمّغ شرفنا في الوحل؟ عبد الحميد

بصراخ هز أرجاء القصر: "اقفل خاشمك واعرف بتجول إيه.. بيتنا متعززة أهناك في دار جوزها، ولو فيه تار جوزها أولى بيه. وبعدين أنت ناسي إن بنتهم عندنا. خلاص موضوع التار ده اتجفل." لم يستطع تحمل حديث جده، فالتفت إلى ياسين يبغي المؤازرة: "سامع كلام جدك يا ياسين؟ عاجبك اللي عم بجوله ده؟ هنتخلوا عن تارنا عشان السنيورة مراتك؟ فجأة صوت ياسين القاطع الذي كان منصل سكين حاد على عنقها: "تارنا عمرنا ما نتخلى عنه عشان أي حد يا عمار."

ترجل من سيارته وهو ينظر إلى أحدهم قائلاً: "جاهزين؟ أومأ الرجال بصمت، فتوجه إلى الطابق السفلي وقام بفتح الباب، فوجد حازم ملقى على الأريكة مكبل اليدين والقدمين، وآثار الضرب بادية على ملامحه، فما أن رآه حتى صاح بانفعال: "سالم. تعالي شوف اللي الكلاب رجالتك عملوه فيا؟ سالم بجمود: "عملوا فيك إيه؟ حازم بانفعال: "ضربوني وكتفوني إزاي؟ سالم بسخرية: "غلطانين. مع إني كنت مدي لهم أوامر أكسر إيديك ورجليك."

صدمة حديث سالم، فشهق مستنكرًا: "أنت بتقول إيه يا سالم؟ تجاهل سؤاله وأضاف بتهكم: "بس يالا معلش، أنت عريس برضه، ومافيش عريس بيحضر كتب كتابه وهو مكسر." كادت روحه أن تغادره وهو يقول بارتباك: "عريس إيه؟ أنا مش فاهم حاجة." سالم باندهاش زائف: "معقول مش فاهم؟ ده أنت اللي قلت بعظمة لسانك." حازم بذعر: "قلت. قلت إيه؟ سالم بجفاء: "إنك رجعت وهتشيل شيلتك." ارتجف بدنه حتى كاد أن يتقيأ من فرط الذعر، فقال باكيًا: "تقصد إيه يا سالم؟

سالم بقسوة: "بصراحة أنت وفرت عليا كتير وحكمت على نفسك. وأنا جاي النهاردة أنفذ الحكم. يالا عشان هتكتب كتابك على لبنى دلوقتي." وقع حديث سالم كمسامعه وقع الصاعقة، فصاح كالمجنون: "لااااا. أنت بتقول إيه يا سالم. أنا مستحيل أعمل كده." سالم ببرود ثلجي: "ليه مستحيل؟ مش أنت اغتصبتها برضه زي ما عملت مع جنة؟ ولا الشيلة مش على هواك المرة دي عشان مش هتدوس في طريقك على حد؟ تجاهل ما يرمي إليه وصاح بنبرة محترقة:

"أنت مش فاهم حاجة يا سالم. مش فاهم! سالم بنفس بروده: "فهمني." حازم بقهر: "عشان مش أنا لوحدي اللي اغتصبتها. الكلب سعيد كان معايا." لم تتأثر ملامح سالم عدا عينيه التي قست وهو يحضر لدحر ما تبقي من كبريائه حين قال بتهكم: "آه سعيد. لا متقلقش، ماهو خد جزاءه. وعلى فكرة هو مستنيك بره. أصله هيبقى شاهد على جوازك من لبنى." يتبع..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...