كان الوجع أبلغ من أن تصفه حروف واهية، حتى أن قواه العقلية لم تستطع استيعاب ما يحدث للحظات حين أتاه صوتها المرتعب وهي تقول: "في ضرب نار بره يا سالم، وعربيات كسرت بوابة المزرعة ودخلت ونزل منها ناس مسلحين." لم يُخلق في هذا الكون ما هو أصعب من القهر الذي كان يمزق قلبه في تلك اللحظة، خوفًا عليها، وهو الذي لم يكن يعرف الخوف طوال حياته. والآن فقدماه لم تعد تحمله من فرط هيمنة ذلك الشعور المروع عليه.
"اهدي يا فرح واسمعيني كويس، خدي سما وانزلوا مكتبي، اقفلوا عليكوا بالمفتاح لحد ما أجيلك. يالا بسرعة." أطلق زفرة قوية من جوفه المحترق ألمًا، فتهدجت كلماته حين أضاف بلهجة محرورة: "متخافيش، أنا معاكِ." كانت محاولة منه أن يبثها الأمان والقوة، التي تتنافى مع ذلك الضعف الذي جعله يستند بيديه على الحائط خلفه. فجاءه صوتها المرتجف ذعرًا: "حا.. حاضر." توجهت بخطى مرتجفة إلى الخارج، فوجدت سما التي كانت تهرول من غرفتها قائلة بذعر:
"في إيه يا فرح؟ فرح بأنفاس متلاحقة: "مفيش وقت، يالا بسرعة على مكتب سالم." هرولت الفتاتان إلى الأسفل، وعند بلوغهما درجات السلم السفلية، تعاظم الفزع بقلوبهم حين شاهدوا انعكاس خيالات أولئك المسلحين على باب القصر وهم على وشك فتحه. فتوقفت فرح وقد شعرت بدنو النهاية، فهمست إليه عبر الهاتف بنبرة فاقدة لكل معالم الحياة: "خلاص يا سالم." هوى قلبه بين قدميه من فرط الرعب حين سمع همسها، فلم يستطع التحمل وصرخ
حتى تقطعت أحباله الصوتية: "فرح! لحظات اخترقتها أصوات أعيرة نارية، شعر بها تجتاح قلبه وهو يهرول كالمجنون بين أروقة المشفى، وخلفه كلا من طارق ومروان وسليم ليصعدوا إلى السيارات وينطلقوا، وخلفهم سيارات الحراسة بأمر من سليم، الذي كان يخشى في تلك اللحظة أن يفقد شقيقه الذي لأول مرة يراه بتلك الحالة. فقد كان ينطلق بأقصى سرعة يمتلكها، فأصبحت السيارة كالوحش ينهب الطريق، كالوحش الذعر الذي يلتهم قلبه الآن.
"تعالي يا فرح بسرعة هنا." انتزعها صوت سما، كما فعلت يداها. فبمجرد أن كاد أولئك الرجال أن يقتحموا باب المزرعة، حتى اخترقت جماجمهم طلقات نارية جعلت دماءهم تتناثر على زجاج الباب بطريقة اقشعر لها بدن فرح، التي انصاعت إلى يد سما لتجذبها إلى غرفة المكتب وأغلقته. بينما هو لم ينفك عن ندائها عبر الهاتف إلى أن أتاه صوتها المرتجف: "إحنا في المكتب يا سالم."
خرج زفيره على هيئة حمم بركانية أحرقت قلبه الملتاع، فجاء صوته جافًا متحشرجًا وهو يقول: "بسرعة روحي عند الجدار اللي ورا الخزنة، في تابلوه ارفعيه، هتلاقي زرار اضغطي عليه." بأقدام مرتعشة توجهت لتفعل ما أمرها به، وما أن ضغطت على ذلك الزر حتى دوى صوت إغلاق قوي، فشهقت مرتعبة وهي تقول بلهفة: "هو إيه ده يا سالم؟ أجابها بلهجة متحشرجة:
"ده سمارت لوك، هيقفل الباب والشبابيك ومحدش هيقدر يدخل غير ببصمة إيدي أو الرمز بتاعه، حتى الرصاص مبيأثرش فيه. بس تحسبًا بردو خليكوا تحت المكتب على ما أجيلك." سحب نفسًا قويًا حتى يستطيع إخراج كلماته الموقدة: "متخافيش. أوعي تخافي يا فرح، مش هسيب حاجة وحشة تحصلك أبدًا." تسرب إلى داخلها شعور قوي من الطمأنينة إثر كلماته، فصمتت أذنيها عن تلك الطلقات التي تدوي في الخارج، وقالت بخفوت: "متتأخرش عليا."
حروف بسيطة كانت كوقود لنيرانه المستعرة داخل قلبه، فدعس على دواسة البنزين بأقصى قوته ليضاعف من سرعة السيارة التي كادت أن تحلق عاليًا من فرط سرعتها. *** تآزر بها الوجع حتى جعلها طريحة الفراش، لا تقوى على حمل جسدها من فرط الوهن، فأخذت تسكب ألمها بين أحضان وسادتها التي كانت ترتشف عبراتها الجريحة في مواساة صامتة عما يجول بصدرها من أوجاع.
لا قوة لها على مواجهة قدرها المظلم الذي يأبى أن تحيا بسلام، فما حدث ليس بالشيء الهين، ولا يستطيع أي عقل بشري أن يستوعبه. فمن بين جميع الرجال، وقعت في عشق ذلك الرجل الذي يفصل بينها وبينه بحر من الدماء والثأر. وبعد أن تجاوزا بشق الأنفس تلك الحقائق المروعة والحروب الدامية، حتى تحققت المعجزات وعاد شقيقها من الموت. هل هذا بشيء يُصدق؟ هل ما يحدث حقيقي أم أنها في كابوس مريع؟
نعم، كانت حزينة على فقدان شقيقها، ولكنها بدأت بالتأقلم على ألم فراقه. ولكن الآن، ماذا عليها أن تفعل؟ أن تعيش هانئة بين أحضانه وهي تعلم بأنه في ليلة من الليالي سيأتي ويداه ملطختان بدماء شقيقها؟ أم عليها هدم سعادتها والارتماء بين أحضان الشقاء الذي كان نتيجة حتمية لانفصالها عنه؟
تعالت شهقاتها تعبيرًا عن عجزها عن الاختيار، على الرغم من أنها تعلم أخطاء شقيقها القاتلة، ولكن من منا يملك زمام قلبه، الذي حتى جراح أحبته لا تفلح في جعله يكرههم.
وضعت يدها فوق فمها تكمم شهقاتها، ما أن سمعت قفل الباب يدور، فحاولت التمثيل بأنها نائمة. ما أن لامست أنفها رائحته، وتعظم اضطراب قلبها مع كل خطوة كان يخطوها تجاهها، لتشعر بصاعق كهربائي يضرب أنحاء جسدها حين شعرت به يطوق خصرها من الخلف في عناق دافئ، كان كلاهما بحاجة إليه. استنشق أكبر قدر من رائحتها بداخله، والتي كانت يتخللها رائحة عبراتها التي حاوطت قلبه بغمامة من الألم، فقام بدفن رأسه في عنقها وهو يقول بنبرة متحشرجة:
"حقك عليا." كان يجاهد الكثير والكثير بداخله، وقد تجلى ذلك في تلك الأنفاس الحارقة التي كانت تلهب عنقها من الخلف، وكذلك صدره الذي كان يتأجج صعودًا وهبوطًا جراء ما يكبته من غضب بداخله، وقد أخافها هذا كثيرًا، لذا تجاهلت منحنى الرد، ليتابع هو بنبرة موقدة: "مقدرش استغني عنك. كل كلامي كان من غضبي." شدد من عناقها أكثر وهو يضيف بنبرة متحشرجة: "مقدرش تبعدي عني لحظة واحدة. بلاش تواجهيني بضعفي قدامك. بلاش تستغليه ضدي."
اشتدت وتيرة نحيبها، وودت لو أطلقت العنان لصرخاتها التي تنحر قلبها من الداخل. ودت لو أخبرته بملء صوتها بأن لا أحد في هذا العالم أضعف منها الآن، ولكنها كانت خائفة للحد الذي جعلها تتمسك بالصمت خوفًا من مغبة الحديث. فقط أطاعت توسلات قلبها حين التفتت تعانقه بقوة توحي بمدى ألمها، فبادلها العناق بأقوى منه وهو يقول بصوت أجش: "كفاية دموع بقي وبصيلي."
أنهى كلماته وهو يضع أنامله أسفل ذقنها ليرفع رأسها إليه، وقد كانت الغرفة مظلمة إلا من شعاع نور بسيط لم يفلح في إبراز مظاهر الألم والبكاء على وجهها، ولكنه شعر بها، فقام بتفريق قبلاته بين عينيها في اعتذار صامت، اختتمه قائلًا بشجب: "لازم تعرفي إني عمري ما هفرط فيكِ أبدًا." أخيرًا خرج صوتها متحشرجًا من فرط البكاء: "متكذبش عليا يا ياسين. انت عمرك ما هتتراجع عن اللي في دماغك. ولو نفذته تبقي بتنفذ فيا حكم الإعدام."
يعلم مقدار صدق كلماتها، وقد آلمه حتى انفطر قلبه، فتابعت بتوسل لم يعهده منها مسبقًا: "وحياة أغلى حاجة عندك متعملش فيا كده. أنا عارفة إنه غلط وغلطه كبير، بس في سليم في النص، ولا هو ولا سالم هيسيبوا حق جنة، أنا واثقة." أنهت كلماتها بسيل من العبرات التي تردد صداها بقلبه الذي وقع أمام ضعفها، فشدد من احتضانها بكل ما أوتي من عشق تجاوز حدود الكلمات. فهمست شفتاها فوق صدره: "ياسين." زفر بقوة وقال مرغمًا: "حاضر يا حلا." ***
مرت حوافر الانتظار على قلبها الذي كان يرتعب كلما ازدادت أصوات القتال في الخارج. فمن فرط صخبها ظنت أنها ستبقى عالقة هنا للأبد، ولكن بعد مرور وقت لا تعلم ماهيته، توقف إطلاق النار فجأة. وجعلها ذلك تشعر بالسوء، فقد شعرت باقتراب أقدام من باب غرفة المكتب، وقد كان هذا يشير إلى أمرين: أولهما أن أولئك المسلحين قضوا على الحراسة في الخارج وجاء دورهم، أو العكس. وهنا همست بقلب مرتعب: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
دعاء سيدنا يونس وهو في جوف الحوت، لطالما كان هذا نداء استغاثتها ما أن تقع في مأزق، ولم يُرد نداءها يومًا. فبعد لحظات جاءهم الغيث حين شعرت بباب الغرفة يفتح، وصوته المُحبب إلى قلبها، وخاصةً في هذه اللحظة: "فرح." اندفعت من أسفل المكتب بلهفة، فإذا به تراه أمامها، فتساقطت عبراتها كتعبير عن الخلاص، وقادتها قدماها لتهرول إليه وهي تصرخ بانفعال: "سالم."
التقطتها يديه ليقوم بغرسها داخل أحضانه، غير مصدق أنها بين يديه سالمة. فكان طوق ذراعيه حولها مؤلمًا لعظامها التي بدأت تئن تحت سطوة عناقه الضاري. فهمست بألم: "سالم.. بالراحة." كان هذا العناق تعبيرًا منه عن خوفه وشوقه وعشقه، فلم يكن يفلح في صياغة الكلمات لوصف ما يعتمل بداخله، ولكن أفعاله كانت تتولى هذه المهمة. فلم يكن يشعر بقوته التي لم تحتملها، ليأتي همسها المتألم كتحذير جعله يتركها على الفور وهو يقول بلهفة:
"حقك عليا. مقصدش أوجعك... انتِ كويسة صح؟ قال جملته الأخيرة ويداه تتفحصان جسدها بلهفة تجلت في نبرته التي لم تعهدها منه. فاقتربت تحتوي وجهه بين كفوفها بحب انساب من بين شفتيها: "ماتخافش يا حبيبي، أنا كويسة."
لم تروِ كلماتها ظمأه، فقام بوضع يديه أسفل رقبتها ليقربها منه، وهو ينهل من رحيق قربها بضراوة كانت أكثر من محببة إليها، مما جعل سما تضع يدها على وجهها بخجل وهي تخرج من الباب لتفسح لهم المجال للانفراد ببعضهم. فما أن خطت إلى خارج الغرفة حتى تفاجأت بمروان الذي اقترب منها يحتضنها بلهفة تجلت في نبرته حين قال: "سما، أنتِ كويسة؟
تلاحقت ضربات قلبها من اقترابه منها بتلك الطريقة، والتي كانت المرة الأولى التي يأخذها بين ذراعيه، فتورد خداها بقوة أسرت جميع حواسه. حين ابتعد ليطمئن عليها، فامتدت يديه تبعد خصلات شعرها إلى ما خلف أذنها وهو يقول بخفوت: "إيه يا عم الكسوف ده كله؟ دا حضن يعني. أومال لو بوستك هتعملي إيه؟ شهقت بخجل وتراجعت للخلف، فإذا به يرى سالم الذي كان يعطيه ظهره، ففطن إلى ما يحدث، فقال بنبرة ساخرة: "إيه يا جماعة مش كدا؟
خدشتوا حياء البت... ما أن أنهى كلمته حتى تفاجأ بسالم الذي قام بركل الباب بقدمه ليغلقه في وجهه، حتى يستطيع التنعم بقربها أكثر، بينما هي الأخرى كانت تشدد من عناقه حتى تهدأ من روع قلبها الذي لا يأمن سوى بوجوده. فصل اقترابهم، ولكن يديه ظلت تحاصرها وتحكم تطويق خصرها في عناق صامت يتخلله دقات قلوبهم التي كانت تضرب بجنون. فكانت هي أول من تحدثت بأنفاس متهدجة: "كنت هموت من الخوف يا سالم."
زفر بقوة محاولًا أن يخرج معه ذلك الشعور المؤلم الذي يجيش بصدره، قبل أن يجيبها بنبرة متحشرجة: "أوعي تقولي كدا تاني. طول ما أنا جنبك، أوعي تخافي." لثم جبينها بقبلة دافئة قبل أن يتابع بخشونة: "عمري ما هسيب حاجة وحشة تحصلك أبدًا." رفعت رأسها وهي تناظره بشغف، تريد أن ترتوي من بحر عشقه أكثر: "خوفت عليا يا سالم؟ خيم الألم على ملامحه وهو يسترجع شعوره منذ ساعات، ثم أجابها بنبرة خشنة:
"عمري ما عرفت الخوف في حياتي غير النهاردة." سحب قدر كبير من أريجها المحبب إلى داخله، قبل أن يضيف بلهجة مشجبة: "لما قولتيلي خلاص يا سالم، حسيت إن قلبي اتشق نصين." لم تحتمل الألم في صوته وملامحه، فأرادت محوها قائلة بغرور زائف: "اعترف يالا إنك بتحبني ومتقدرش تعيش من غيري." راقت لها بسمتها الجميلة، وأعجبه غرورها ومحاولتها لتهدئته، فقال يشاكسها: "بعترف." اغتاظت من سخافة إجابته، فقد أرادت انتزاع إجابة مشتعلة من بين شفتيه،
فصاحت بحنق: "أنا قولتلك قبل كده إنك رخـم." "قولتي." بسمة رائعة أضاءت ملامحه وهو يجيبها باختصار، قاصدًا استفزازها أكثر، فهتفت مغلولة: "وبارد." ردد كلماتها ساخرًا: "وبارد." صاحت بصوت أكثر انفعالًا: "ومستفز كمان." يروق له انفعالها كثيرًا، مما جعله يقول ببرود ثلجي: "كل ده قولتيـه قبل كده. دوري على حاجة جديدة تضيفيها." كظمت حنقها منه وهي تقول بسخرية: "بس كده، انت تؤمر."
باغتها يديه التي جذبتها من خصرها لتقربها منه، وكذلك غزله المبطن وهو يقول بخشونة: "ده انت اللي تؤمر." لم تفلح في قمع ضحكتها التي أضاءت ملامحها جراء كلماته غير المتوقعة، والتي كانت لها القدرة على إذابة بقايا الخوف العالق بثنايا قلبها، ولكنها قالت بتمنع: "متحاولش عشان أنا لسه مخصماك." ضيق عينيه بخبث تجلى في كلماته الماكرة: "مكنتيش كده من خمس دقايق. لو نسيتي تعالي أفكرك." كان يشير إلى قبلته، فتجاهلت
تورد خديها وقالت مبررة: "ده كان رد فعل طبيعي بعد الخوف اللي كنت فيه." سالم بفظاظة: "محسيتش كده. بس ماشي، مش هتفرق." فرح بانفعال: "يعني إيه مش هتفرق دي؟ سالم بملل: "أنا شامم ريحة هرمونات، ودا مش وقته خالص على فكرة." أوشكت على إجابته، ولكن جاء الطرق على الباب ليوقفها، فقام سالم بفتحه، فإذا به يجد مروان الذي وضع إحدى يديه فوق عينيه وهو يقول بسخرية: "حد خالع راسه؟ التفت سالم يناظرها بحنق تجلى في نبرته وهو يقول:
"شايفه العاهات اللي مجبر أتعامل معاها؟ عرفتي ليه بقولك مش وقت هرموناتك." تدخل مروان قائلاً بجدية مفتعلة: "إيه مالها هرموناتك يا فرح؟ أوعى يكون مزعلك؟ لا، كله إلا ده." سالم بجفاء: "وانت مالك ومال هرموناتها يا بغل. امشي من قدامي." مروان بلهفة: "حاضر يا برنس." ثم التفت إلى فرح قائلاً بحدة: "ما تظبطي أنتِ وهرموناتك دي يا ستي، ناقصين دلع إحنا."
قال جملته ثم هرول إلى الخارج ما أن رأى ملامح سالم المتجهمة، فاندلعت ضحكة رائعة من بين شفتيها، جعلته يكظم غيظه وهو يقول: "ضحكتك أوي كلمته؟ فرح بدلال: "طبعًا، هو أصلاً مروان كله على بعضه سكر وبيضحكني." اندلع صوت مروان من الخارج وهو يقول بانفعال: "الله يخربيت مروان وسنينه يا ستي، سبيني في حالي، ده أيده مرزبة."
تجاهل حديث ذلك الوغد، وأخذت نظراته تبحران فوق ملامحها التي تناظره بتحدٍ، يعلم أنها تود إغضابه، ولكنه بالفعل شعر بالغضب، فقام بالعض على شفتيه وهو يقول بوعيد: "هربيكي، بس الصبر." تورّد خدها من كلماته ومعانيها المبطنة، فاخفضت رأسها خجلًا، وقام هو بجذبها إلى أحضانه، يريد أن يشعر بها بجانب قلبه، عل وجودها يخدر أوجاعه ولو قليلًا.
في الخارج، كان سليم يجلس بغرفة الصالون، وطارق الذي كان يقف ممسكًا بهاتفه يطمئن على حال شيرين. فاقترب مروان من سليم يحاول انتشاله من بحر أوجاعه قائلًا: "بقولك إيه؟ هو أنا المفروض أعمل إيه مع سما في الموقف ده؟ التفت سليم يناظره بحنق، فلم يكن ينقصه سوى أن يعطي نصائح في الحب لذلك المعتوه، ألا يكفيه ما يمر به؟ فأجابه هادرًا بغضب: "اخفي من وشي." مروان بامتعاض: "تصدق، أنت صح. هي دي أشكال آخد رأيها بردو؟
كان سليم يوشك على لكمه، ولكن أوقفه صوت سالم الصارم حين قال: "يالا عشان هننزل القاهرة دلوقتي. خلينا نتجمع كلنا في مكان واحد بدل ما نشتت الحراسة." أومأ الجميع، فتدخل طارق مقترحًا: "طب أنا هخلع، وانتوا ابقوا تعالوا ورايا." سالم بفظاظة: "مينفعش، هنمشي كلنا سوا." لوى فمه قائلًا بامتعاض: "سالم، متقوليش إنك خايف عليا والأفلام دي." نظر سليم إلى ساعته وهو يقول بجفاء:
"كلها نص ساعة، البنات هيلموا حاجتهم وهنمشي. اقعد بقي متقرفناش." أوشك على الحديث، فاوقفـته كلمات سالم الحازمة: "مفيش نقاش، ومفيش حد هيمشي لوحده." تدخل مروان ساخرًا: "ما انتوا مش عارفين. أصل البيه بيحب جديد.. وعايز يروح يطمن على المزّة." زمجر طارق بحنق: "لم لسانك يا واد بدل ما أقطعهولك." التفت إليه سالم وهو يقول بفظاظة: "هنشوف الموضوع ده بعدين." زفر طارق بحنق، مما جعل ابتسامة مستفزة على ملامحه، قبل أن يقول بتهكم:
"اقعد اقعد. أحسن تروحيلها تحدفك ببتاعت الكلوكوز تفتح نافوخك." لمعت عينا سالم بابتسامة، بينما تعاظم الحنق بداخل طارق، الذي قال مغلولًا: "ليك يوم. اتك على الصبر بس."
صمتت الأحاديث الشفوية، وبدأت أحاديث العيون، فالجميع كان يتساءل بصمت عن القادم، ولا يجرؤ أحد على التفوه بما يجول بخاطره. فلم يعد يحتمل مروان ذلك الصمت أكثر، وقام بالخروج تزامنًا مع اهتزاز هاتفه. وما أن رأى المتصل، حتى تعاظم الغضب بداخله، فأخذ ينفثه على هيئة زفير قوي لم يفلح في تهدئة نيران صدره. فمنذ أن رآه حيًا أمامه، حتى بدأت عقارب الخوف تلدغ قلبه دون رحمة، لم تفلح محاولاته في إخمادها أو إبعاد سمومها عن عقله، مهما حاول السخرية التي كانت سلاحه الوحيد في مواجهة أزماته. ولكن تلك المرة كان الأمر أصعب بكثير، وهو لم يعد يحتمل، لذا أخذ ينهب درجات السلم متوجهًا إليها، لكي ينهي هذا الصراع اللعين لمرة واحدة وإلى الأبد.
وصل إلى غرفتها، فقام بدق الباب، وما هي إلا ثوانٍ حتى وجدها تقف أمامه، فألقى بكلماته دفعة واحدة ودون أي مقدمات: "حازم لسه عايش." شهقة قوية شقت جوفها حين ألقى بقنبلته المدوية، والتي جعلتها تتراجع خطوتين إلى الخلف، قبل أن تتمالك نفسها وهي تقول بأنفاس مقطوعة: "مروان، أنت بتقول إيه؟ أنت بتهزر صح؟ "شكلي شكل واحد بيهزر؟ نبرته الحادة وملامحه المتجهمة كانتا خير دليل على حديثه، فصاحت بصدمة: "إزاي حصل ده؟ إزاي؟
هو فيه حد بيصحى من الموت؟ تحاهل ضجيج قلبه ووخزات الألم التي تفشت بجسده، وقال باختصار: "كان مع أبوكي، ومنعرفش لسه ده حصل إزاي." وضعت يدها فوق جبهتها وأخذت أنفاسها تتلاحق، قبل أن تقول بنبرة حزينة: "طب جنة عرفت اللي حصل ده؟ أومأ بصمت، فصاحت بتأثر: "يا عيني يا ربي، الله يكون في عونها، كدا بقت مرات اتنين." بترت جملتها وهي تشهق كمن تذكر شيئًا، فصاحت باندفاع: "طب وسليم؟ سليم هيعمل إيه؟ ده ممكن يموت فيها؟
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الاتنين دول مش مكتوبلهم يفرحوا أبدًا؟ إيه اللي بيحصل ده بس ياربي؟ تحمحم بخشونة محاولًا تهدئة نبضاته الثائرة وهو يقول بترقب: "هو ده بس اللي أنتِ شايلة همه؟ فاجأته إجابتها القوية حين قالت: "أيوا، هو ده بس. وأوعى تحط في دماغك حاجة تانية غير كده." تنفس الصعداء إثر كلماتها التي أعادت الحياة لقلبه مرة أخرى، فصاح بحبور: "الله يحرقك يا شيخة." نهرته بغضب: "بطل طوله لسان." مروان بسخرية:
"أنتِ بتكشريلي يا بنت همت؟ "مش عاجبك." مروان بتودد: "عاجبني ونص. أنا أقدر." أنهى كلماته وأخذها بين ذراعيه ليؤكد لنفسه حقيقة ما يحدث، فهمست بخجل: "مروان." همس بخفوت: "هش. اسكتي. خليكي في حضني شوية." انصاعت لمشاعرها الجارفة نحوه، واستكانت بين ذراعي عشقه تنشد الراحة والأمان الذي تبلور في كلماته حين تراجع لينظر إلى داخل عينيها وهو يقول بقوة:
"أنا مش هطلقك يا سما. أيًا كانت ظروف جوازنا، بس أنا لما مضيت على القسيمة دي مكنتش ناوي أطلقك." ارتج قلبها من فرط المشاعر التي بثتها كلماته في جوفها، فهمست بخفوت: "ليه؟ "عشان بحبك. أنا مبعرفش أكذب ولا أخبي. أنا فعلًا بحبك وعايز آخد فرصتي معاكِ. موافقة؟ هكذا تحدث بنبرة قوية تصاحبهما نظرات عاشقة انصاعت لسحرها، فهمست قائلة: "موافقة." مروان بمزاح: "ولا مش موافقة. كفاية أنا موافق." ابتسمت على كلماته وقالت وهي تـلكزه
في كتفه: "رخـم أوي." مروان بسخرية: "آه صحيح، بمناسبة الرخامة، شيرين انضربت بالنار." شهقت بفزع اندفع من بين شفتيها: "يا نهار أسود، حصل إزاي ده؟ لابد لها من أن تعلم الحقيقة، لذا قال بجفاء: "أبوكي. كان عايز يهرب، فضرب رصاصة جت فيها. بس متقلقيش، هي كويسة." انهارت في البكاء، فاقترب منها يحتضنها بين ذراعيه لكي تهدأ، وهو يقول: "تعالي النهاردة في حضني، تعالي." تراجعت للخلف وهي تقول بنبرة متحشرجة:
"جهز حاجتي بسرعة عشان أروح أطمن عليها." لم يعارضها، إنما أفسح لها المجال لتكمل حزم حقائبها، وهو يقول بامتعاض: "ياريتها كانت ماتت، كنت فضلت حاضن للصبح." ***
بعد نصف ساعة، كان الجميع يستقل السيارات في طريقهم إلى محافظة القاهرة. وقد كانت تجلس في المقعد المجاور لمقعده، وعيناها تراقـبانه بحزن على ذلك الجبل الصامد الذي يستند عليه الجميع، وكأنه حجر صلب لا يشعر ولا يحزن ولا يتألم، بينما كانت الوحيدة التي رأت داخله وكيف يحترق بصمت دون أن يجد من يستند عليه. "بتبصيلي كده ليه؟ هكذا استفهام سالم، فامتدت يديه تتلمسان جانب وجهه بإعجاب صريح تضمنته كلماتها حين قالت: "معجبة."
لاح شبح ابتسامة على شفتيه، ولم يجبها، فأردفت بخفوت: "تعرف إن أول مرة في حياتي أحس بالفخر زي ما أنا حاسة دلوقتي؟ انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال: "ليه؟ "عشان أنا مراتك." لم يجبها، إنما التقط أنامله التي تتلمس وجهه بحنان تسرب إلى وحشة قلبه، فاستكانت، وقام بوضع قبلات صغيرة على يديها، بينما كانت عيناه مسلطة على الطريق أمامه. فتابعت بحب فاض به القلب وطغى: "بإذن الله كل حاجة هتبقى كويسة."
زفرة قوية خرجت من جوفه، جعلتها تدرك مدى معاناته، قبل أن يقول بنبرة مشجبة: "تفتكري؟ اقتربت تضع قبلة دافئة على كتفه، ثم تراجعت إلى مكانها مرة أخرى، قبل أن تجيبه بثقة: "طبعًا، بس أنت قول يارب." "يارب." خرجت حروفه مشبعة بالتوسل الذي لا يظهر إلا لخالقه، ثم قام بمد يده ليجذبها لترتاح بين أحضانه ويرتاح هو بوجودها، بينما يداه الأخرى على المقود وعيناه ما زالت مسلطة على الطريق أمامه. *** "صفوت.. ممكن أتكلم معاك؟
هكذا تحدثت سهام بخفوت وهي تنظر إلى صفوت الذي كان يعطيها ظهره ولم يبالي بحديثها. ف قامت بالالتفاف لتقف أمامه، فتفاجئت من ملامحه الجامدة وعينيه القاسية، وهي تطالعها لأول مرة بتلك الطريقة التي أفزعتها، خاصةً حين أتاها صوته الفظ: "مبقاش بينا أي كلام." أخذت تتلفت يمينًا ويسارًا وهي تحاول قمع فيضان العبرات الذي يهدد بالانفجار في أي لحظة، حتى خرجت لهجتها متحشرجة وهي تقول:
"أنا مكذبتش عليك في حاجة يا صفوت، كل حاجة كنت عارفها." قاطعتها صفعة قوية من يديه جعلت رأسها يدور إلى الجهة الأخرى، وبنفس قوة الصفعة جاءت قبضته على خصلاتها ليجذبها إليه بعنف، تجلى في نبرته حين قال: "ولما طلبتي مني الطلاق وروحتيله، مكنتيش بتكذبي عليا؟ كان شفتيه ترتجف من فرط الغضب المستعر الذي يجيش بصدره، فهمست بألم من بين أوجاعها: "عملت كده عشان بنتي." "بنتك! ولا عشان وحشك حبيب القلب."
كان استفهامًا يمزق قلبه الذي يتلظى بنيران الجوى والغيرة، فحاولت التملص من بين يديه وهي تهتف بغضب: "اخرس وأوعى تقول حرف واحد. أنا اتجوزتك عشرين سنة مشوفتوش فيها ولا مرة واحدة ولا حتى فكرت." كان يعلم صدق قولها، ولكنها الغيرة والألم الذي جعلها تنتفض من بين يديه وهي تتابع بكبرياء وشموخ:
"بالرغم من إننا أطلقنا وانتهينا، بس أنا جيلتك عشان أعتذر عن اللي حصل مني وإني روحتله عشان عارفة ده جرحك قد إيه، بس أنا عملت كده عشان بنتي. ولو رجع بيا الزمن هعمل كده تاني." "يبقى تمشي وترجعي تاني عند بنتك." هكذا تحدث بقسوة، فقابلتها بتحدٍ أضفى نيرانًا أخرى فوق بركانه المشتعل: "أنا فعلًا همشي. والألم اللي أديتهولي ده تمنه غالي أوي يا صفوت، خليك فاكر."
أنهت كلماتها وتوجهت إلى داخل الغرفة، فلم تجد لا أمينة ولا نجمة، التي كانت تهرول إلى خارج المشفى تصاحبها عبراتها التي لم تفارقها منذ أن وعـت على هذه الحياة التي أمطرتها بصفعات متتالية، كل واحدة كانت أشد وأقسى من سابقتها، وآخرهم أنها تنتمي إلى تلك العائلة الكبيرة، وأن من خطفها وألقى بها في هذا العذاب كان عمها!
جدار بشري صلب اصطدمت به، جعلها توشك على السقوط، لولا يد قوية أحكمت تطويق خصرها، تمنعها من الارتطام بالأرض الصلبة، ثم اخترقت قلبها نبرة جافة تعرفها كثيرًا، ولكن تلك المرة يشوبها لهفة قوية: "وه. نچمة. أنتِ كويسه؟ رفعت رأسها تطالعه بصدمة، كانت أضعافها بقلبه الذي اهتز من ملامحها الباكية، فصاح باهتمام: "حوصول إيه؟ حد زعلك ولا إيه؟ بنبرة مرتجفة أجابته: "لاه.. مفيش حاجة. إني كنت عايزة أشم شوية هوا."
كان يعلم أنها تكذب، ولكنها لم ترد الضغط عليها أكثر، لذا قال مقترحًا: "طب إيه رأيك نروحوا نشربوا أي حاجة في الكافتيريا؟ لم تجد مفرًا للهروب منه، وأيضًا كانت خائفة، وهو الشخص الوحيد الذي لا تخشى من وجوده حولها، لذا ذهبت معه دون أن تدري أن هناك من يحترق ذعرًا من هاجس فقدانها مرة أخرى. "صفوت ألحقني يا صفوت." التفت صفوت إلى سهام المرتعبة، فاقترب يحاوط كتفيها بلهفة تجلت في نبرته حين قال: "في إيه يا سهام؟
"نجمة مش لقياها، مش في الأوضة." صُدِم من حديثها، ولكنها لم ترد بث الذعر في قلبها أكثر، فقد كان يرتعب هو الآخر، ولكن جاءت كلماته مطمئنة: "اهدي يا سهام. هتلاقيها هنا ولا هنا، ولا ممكن تكون في الكافتيريا بتشرب حاجة." أخذت تهز رأسها يمينًا ويسارًا وهي تقول بانهيار: "وهي تعرف حاجة إيه هنا يا صفوت؟ بنتي اتخطفت، بنتي ضاعت مني تاني يا صفوت." أنهت كلماتها وارتخت أقدامها لتقع بين أحضانه مغشية عليها. ***
خطت بأقدامها إلى داخل ذلك الطابق السفلي للقصر الكبير، وبداخل جسدها شيء ممزق مهترئ بفعل الوجع الكامن بداخلها، يُسمى بالقلب! أخذت يديها تتلمس الحائط إلى أن وقفت تنظر إلى ذلك النائم على الأريكة بأعين انبثق منها الخزي، على هيئة عبرات غزيرة من بين نهنهات متقطعة، جعلت حازم يهب من مكانه بصدمة، سرعان ما تحولت لشعور عارم بالضيق والحرج. فها قد حانت المواجهة التي كان يخشاها.
أخذت أمينة تتقدم منه بخطٍ سلحفية، ونظرات غاضبة جريحة معاتبة، إلى أن توقفت أمامه مباشرةً. وما أن هم بالحديث، قاطعًا هذا الصمت غير المريح، حتى هوت بيدها فوق خده بصفعة قوية لم يكن يتوقعها. "عملنا فيك إيه عشان تعمل فينا كده؟ كان استفهامًا لا يقوى على إجابته، لذا حاول المناص منها وهو يلتفت إلى الجهة الأخرى، لتقود يدها بجذبه من ذراعه بقوة، تجلت في نبرتها حين صاحت: "بكلمك رد عليا.. عملنا فيك إيه؟ عملت أنا فيك إيه؟
تحرق قلبي عليك كده ليه وأنت عايش؟ قالت جملتها الأخيرة بصراخ هز أرجاء المكان، فحاول أن يهدئ من روعها خوفًا على حالة قلبها: "اهدي يا ماما شوية. اهدي، قلبك مش هيستحمل." صاحت مستنكرة بمرارة: "قلبي! قلبي اتحرق بسببك. لسه جاي تفكر في قلبي؟ مفكرتش في ليه وأنت بتكذب علينا وبتمثل إنك ميت؟ مفكرتش في قلبي ليه وأنا بدفنك تحت التراب بإيديا؟ انفجرت في نوبة عويل، دوى صداها في أنحاء المكان حولهم، فحاول امتصاص غضبها قائلًا:
"ياما أنا اتضحك عليا. أنا اتلفق لي مصيبة وماكنش قدامي غير إني أعمل كده. كان لازم أهرب، وإلا كنت هروح في ستين داهية وأنتوا معايا." شهقت أمينة متفاجئة من حديثه الذي مر على قلبها بشاحنة ضخمة، جعلت حوافر القلق تنشب بداخلها، فقالت بذعر: "تق. تقصد إيه؟ لم يكن يعلم كيف يخبرها، ولا يعلم مدى معرفتها بالأمر، لذا توقفت الكلمات على أعتاب شفتيه، لتأتيه النجدة من استنتاجها غير المتوقع: "تقصد موضوع جنة؟ "آه. آه أقصد جنة."
هكذا صاح بلهفة، فزجرته باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت: "إزاي جالك قلب تعمل في بنات الناس كده؟ مصعبتش عليك البنت اليتيمة دي تعمل فيها كده؟ بنت زي الوردة تضيع مستقبلها. مفكرتش في اختك؟ حد يعمل فيها كده؟ اخفض رأسه بخزي أمام هجمات كلماتها التي لم يجد لها مبررًا واحدًا، سوى أنه حقير، فلجأ للصمت ولذرف عبرات الندم، علها تطهره من تلك الآثام والخطايا، فجاءه صوتها الصارخ ليصم آذانه:
"أنت إيه يا خي شيطان. الله ينتقم منك. الله يلعن البطن اللي شالتك. الله ينتقم منك. ياريتني موت قبل ما خلفتك." بترت كلماتها هذا الألم الجسيم الذي شعرت به أيسر صدرها، فحال بينها وبين تنفسها، فخارت قواها لتسقط بين يدي حازم، الذي صاح بصراخ اهتزت له أرجاء القصر: "ماما." *** "نجمة."
صوتًا في الخلف جعلها ترتجف للحد الذي جعل الكوب يهتز من بين يديها، وبريق ذلك السائل الدافئ على ملابسها، فاشتعل مكان إصابته. فهبت من مكانها حتى كادت أن تقع، فامسكها عمار بلهفة وهو يقول: "حاسبي. أكده حرجتي نفسك وكتي هتوجعي."
جذبت نفسها من يده وهي تتراجع إلى الخلف، ما أن وصل إليها صفوت الذي انخلع قلبه وهو يراها، كادت أن تسقط. فأخذت تتراجع إلى الخلف وهي تفرق نظراتها بينه وبين عمار، الذي أشفق على خوفها الذي يود لو يفعل المستحيل ليمحيه، فقال بنبرة متحشرجة: "متخافيش. محدش فينا هيقدر يزعلك ولا ييجي جارك. إحنا هنا عشان نحميكي." همست بحرقة: "بعدوا عني." تحدث صفوت بلوعة: "أنتِ خايفة مني يا نجمة؟
أومأت بالإيجاب، بينما تساقطت عبراتها بصمت ينافي عويل قلبها الضائع في أروقة الحياة دون أي هدى. "أنا أبوكي يا نجمة، اوعي تخافي مني." همست بخفوت: "إني عايزة أروح." صفوت بابتسامة مطمئنة: "هنروح كلنا، متقلقيش." أجابته باعتراض: "لا، أنا عايزة أروح عند أهلي اللي أنا أعرفهم." أجابها صفوت بحرقة، بينما غلفت عينيه طبقة كرستالية من العبرات:
"إحنا أهلك يا نجمة. أنا أبوكي اللي عشت محروم منك ستاشر سنة. حقك عليا. والله فراقك ما كان بإيدي. أنا دورت عليكِ في كل مكان. أنا مفيش ليلة نمتها مرتاح وأنت بعيد عني. أنا وأمك اتعذبنا أوي من غيرك." أمطرته عيناها ألمًا فاض بالقلب حتى طغى ولم يعد يحتمل، فأردف صفوت بتوسل: "تعالي في حضني، تعالي في حضن أبوكي، ومتخافيش يا بنتي."
لا تعرف ماذا دهاها، كانت على وشك الرفض، ولكن شيئًا ما جذبها لتلقي بنفسها بين أحضان هذا الرجل الذي احتوائها بقوة، وكأنها كنزه الثمين، وقد كان هذا أول عناق حقيقي تتلقاه في حياتها. *** وصل الجميع إلى المشفى، فكان أول من قابلهم همت التي قالت بحبور: "شيرين فاقت."
ابتهج الجميع، وهرولت سما تحتضنها فرحًا، ولكن كان هو شعوره مختلفًا، يشبه شخصًا محتجزًا في أعماق المياه الدامسة، يحبس أنفاسه حتى أوشك على الهلاك، والآن فقط استطاع أن يطفو على سطح المياه، مطلقًا نفسًا قويًا خرج من أعماق صدره الذي اخترقه سهمًا مشتعلًا حين سمع كلمات همت المحرجة: "سالم. بصراحة شيرين طلبت تشوفك أول ما تيجي ضروري." تجاهلت تلك الغصة بقلبها وهي تشعر بيده تشدد من قبضته عليها، قبل أن يلتفت ناظرًا
إلى عمته وهو يقول بجفاء: "خلي بالك من فرح، وديها أوضة ماما ترتاح لحد ما أرجع لها." "من عيني يا سالم." هكذا أجابته همت بلهفة، فالتفت يتطلع إليها بنظرات خاصة مطمئنة، فتحت دربًا للراحة والسكينة ليستوطنوا قلبها، قبل أن يقول بخشونة: "ارتاحي لحد ما أجيلك. مش هتأخر عليكِ."
أومأت بصمت، بينما ارتسم على ثغرها ابتسامة بسيطة كان بحاجة إليها، قبل أن يلتفت قاصدًا غرفة شيرين، التي ما أن أطل من الباب حتى دعته للدخول، فقام بجذب أحد الكراسي ليجلس بجانبها وهو يقول باهتمام: "عاملة إيه دلوقتي؟ "الحمد لله." هكذا تحدثت بخفوت لكي لا يزداد ألمها أكثر، فقال بنبرة خشنة: "حمد الله على سلامتك." "الله يسلمك.. ينفع أتكلم معاك شوية؟ هكذا استفهمت بخفوت، فأجابها بهدوء:
"ينفع، بس لما صحتك تتحسن. هنتكلم. هنتكلم كتير أوي يا شيرين." أغمضت عينيها بخزي، فقد كانت لهجته توحي بمدى غضبه منها، أو لنقل عتابه لها. فحاولت تجاوز ذلك وقالت بتوسل: "أرجوك يا سالم تسمعني وتديني فرصة أشرحلك." بتر توسلها بلهجته القاطعة حين قال: "قولت بعدين يا شيرين. لما تبقي كويسة هنتكلم." أذعنت لأوامره، ولكن داخلها شيء ينذر بالسوء لا تستطيع تجاوزه. "هسيبك دلوقتي ترتاحي، وبكرة إن شاء الله هاجي أطمن عليكِ."
هكذا تحدث، فقابلت كلماته ببسمة واهنة، وحين كاد أن يفتح باب الغرفة، لم تتمالك نفسها وهي تصيح قائلة: "الفويس اللي سمعته لفرح يوم فرحكم كان بصوت حازم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!