في الليلة التي سبقت فُراقنا أخبرتني بأنني أعظم جائزة منحتها لك الحياة، حتى أنني السبب الوحيد لبقائك على قيدها. وأن قلبي في أمان معك مهما كلفك الأمر. ولكن نسيت أن تُخبرني بأنك رجلًا لا يهاب الموت ولا يخشى الفراق، رجلًا كان قادرًا على إنعاش قلبي في لحظاته الأخيرة، وبنفس اللحظة قادر على إنهاء حياتي التي لا تكتمل بدونه.
كان الفراق اختياري، أعلم، ولكنني كنت ضعيفة أمام الألم، هزيلة أمام الوجع. فخصمي الآن كان أشد ضراوة مما سبق، وكان قلبي يُسانده. حتى أنني احترت، من منا المخطئ؟ وأي الذنوب التي ندفع ثمنها الآن؟ أم أن هذا ذنبي لأنني آمنت لدنيا غادرة لم تكن عادلة يومًا معي؟
جل ما أعرفه أنني خسرت معركتي مع الحياة بعد أن تركتني في المنتصف ورحلت. ورغمًا عني وعن كل شيء، أعدك أن يكون حبي لك أبديًا تمامًا كفراقنا، ولو أمضيت الباقي من حياتي وأنا أبكيك وأبكي قلبي الذي سيظل ينزف عشقًا حتى الموت. *** أهلًا بسالم باشا الوزان. جفل الجميع من جملته ومعرفته بشخصية «سالم» الذي كان يتحكم بانفعالاته إلى حد كبير، ليقول بنبرة جافة: دا أنت باين عليك عارفني كويس؟ لم ينفك عن مفاجأتهم حين قال بنبرة واثقة:
عارفك فوق ما تتخيل، وبصراحة كنت مستني المقابلة دي من زمان. قال «سالم» بترقب: من زمان من امتى يعني؟ قال «هارون» بنبرة متسلية: من أول ما رجالتك دخلوا قصري! علقت الأنفاس بصدورهم جراء تلك القنبلة المدمرة التي ألقاها هذا الفتى بوجوههم التي انكمشت بصدمة، جراء قهقهات «سالم» التي اخترقت هذا الصمت الدائر بينهم. فأخذ «هارون» نصيبه من الصدمة حين سمع كلمات سالم الساخرة:
تعجبني، بحب أنا الناس اللي تجيب من الآخر، بدل ما نلف وندور على بعض بقى ووجع الدماغ دا. تجاهل «هارون» صدمته من حديث «سالم» الذي يوحي بأنه لم يتفاجأ بكونه يعلم بمراقبتهم للقصر، على عكس ذلك الثلاثي الذي كانت أفواههم مشدوهة وأجسادهم متصلبة بفعل صدمتهم التي تجلت بوضوح في نظراتهم التي تفرقت بين كلًا من «سالم» و«هارون»، الذي استعاد ثباته وجأشه قائلًا بسخرية: لا العفو، هو إحنا نقدر نوجع دماغ الباشا برضو!
شملته نظرات «سالم» المتفحصة لثوانٍ قبل أن تتبدل ملامحه، وكذلك نبرته حين قال بجفاء: كنت عايز تهرب منه ليه؟ قال «هارون»: ومين قالك إني عايز أهرب منه؟ قال «سالم» بفظاظة: لو مش عايز تهرب، ليه مخلصتش عليهم أو حتى كشفتهم؟ استمهل نفسه لثوانٍ قبل أن يقول بمراوغة، على الرغم من قساوة نظراته: وحد يقتل ولاد خاله بردو! لاح شبح ابتسامة ساخرة على شفاه «سالم» الذي قال بدهاء: صح، أنت صح. بس دا لما يكون متأكد فعلًا إنهم ولاد خاله!
تشابهت نبرته، وكذلك عينيه حين قال بقسوة: مانا هنا عشان أتأكد. قال «هارون»: وبعد ما تتأكد؟ لم يفلح في إخفاء فحيح الكراهية الذي تفشى في كلماته الساخرة حين قال: هاخدهم بالحضن. قال «سليم» بسخرية جافة: أو هتاخد تارك! هكذا تحدث «سليم» بسخرية جافة جعلت نظرات «هارون» تتعلق بملامحه بقسوة، سرعان ما تحولت لتهكم حين قال: حلو إنك عارف إن ليا تار معاكم. تدخل «طارق» باستنكار: معانا! صحح كلماته قائلًا: مع كل اللي آخر اسمه الوزان.
تدخل «سالم» الذي كان يراقب باهتمام كل ما يصدر من ذلك الغريب الذي يخفي الكثير والكثير: وعلى كدا ناجي الوزان من ضمن اللي ليهم تار معاك؟ خطت كلماته حقل ألغام مدفونًا بقلبه الذي اهتاج احتجاجًا على نوبة الألم التي عصفت به، فصاح بلهجة قاسية فاحت منها رائحة الألم: ميخصكش. تدخل «مروان» الصامت من البداية: اتكلم مع الكبير كويس ياض انت. ارتفعت أنظار «هارون» القاسية إلى ذلك الشاب الذي يناظره بأعين يلمع بها الغضب، الذي
انتقل إلى نبرته حين قال: كبير عليك انت واللي شبهك، أنا ماليش كبير. زمجر «مروان» بشراسة: كبير عليك وعلى اللي خلفك، ومعرفش يربيك. تدخل «طارق» مساندًا «لمروان»: وهو ناجي الوزان هيعرف يربي بردو يا مروان! اكتظت أوردته بالغضب، فكادت أن تنفجر عروق رقبته، يود الفتك بهم، ولكنه ذكر نفسه أنه مدرب على تحمل ما هو أقسى، لذلك قال بلهجة ساخرة تنافي ما يعتمل بداخله: ولما هو مبيعرفش يربي اتجوزت بنته ليه؟ أن كنت انت ولا هو؟
برقت عيني «طارق» وكذلك «مروان» جراء كلمات «هارون» الساخرة، وقبل أن تتاح لهما فرصة الرد، تدخل «سالم» قائلًا بلهجة تحمل الكثير في طياتها: أقولك أنا، عشان شيرين وسما تربية هِمت الوزان، وهِمت الوزان ست تتشال عالراس هي واللي منها. فكوه! لم يناقشه أحد، بل توجه «طارق» بصمت ليحل وثاق «هارون»، الذي تجاهل أسهم كلمات «سالم» ومعانيها، ومارس أقصى درجات ضبط النفس حين قال ساخرًا: قصدك اللي كان منها قبل ما ترميه! قال «سالم»
بنبرة قاطعة: هِمت الوزان عمرها ما ترمي اللي منها، واللي قالك كدا دا مُختل، وأظن إنك أكيد عارف كدا. أخذ يفرك يديه بتمهل، استغل كل ثانية به ليفكر جيدًا فيما هو قادم، فقاطع تفكيره «سالم» الذي قال بلهجة أقل حدة: لحد ما أتأكد إنك فعلًا ابن هِمت الوزان، هتفضل هنا. ومش محتاج أقولك إني هعرف أجيبك لو روحت فين، ومن مصلحتك تفضل هنا دا لو عايز تعرف راسك من رجليك، ومين عدوك من حبيبك. زمجر «هارون» بشراسة:
أنا عارف راسي من رجليا كويس، وعدوي هجيبه تحت رجلي حتى لو كان هو مين! قست نظرات «سالم» وشابهتها نبرته حين قال: هنشوف. توجه الجميع إلى خارج الغرفة، ومنها إلى خارج المكان بأكمله، بعد أن شدد «سالم» من حراسته جيدًا. وحين استقل الجميع السيارة، كان أول المتحدثين هو «مروان» الذي قال باستنكار: فهمني بقى إيه القصة دي؟ يعني أنت كنت عارف بوجود الواد دا ولا إيه؟ ناظره «سالم» بسخط قبل أن يقول بجفاء: ليه؟ بشم على ضهر إيدي!
قال «مروان» بعدم فهم: أومال إزاي متفاجئتش جوا لما قال إنه عارف إنهم كانوا بيراقبوا القصر! قال «سالم» بخشونة: أوعى تبين لخصمك إنه قادر يهزك أو يفاجئك، حتى لو حصل إيه. كدا تبقى بتساعده إنه يهزمك. تابع «سليم» موضحًا: مشفتوش اتصدَّم إزاي لما حس إن «سالم» ممكن يكون عارف إنه مكشفناش عن عمد. قال «مروان» بانبهار: تصدق عندك حق. الواد اتخض يا قلب أمه. التفت ناظرًا إلى «سالم» بأعين يلمع بها الإعجاب، الذي تجلى في نبرته حين قال:
ياخي دايمًا بتبهرني، أبوسك ولا أعمل إيه؟ تدخل «طارق» متهكمًا: وأنت أبهرتنا كلنا النهاردة لما شخطت فيه جوا. أضاف «سليم» ساخرًا: آه والله دخل فيه زي القطر، على الرغم إن الواد بغل طيب. قام «مروان» بتعديل ياقة قميصه بغرور، فاحت رائحته من بين كلماته: طبعًا يا ابني، أومال فاكرني إيه؟ دا حتة واد خيخة مياخدش في إيدي غلوة. قهقه الثلاث رجال على كلمات «مروان»، فأضاف «طارق» بسخرية: خيخة! دا قطم ضهري عشان أشيله من السرير للشباك.
قال «مروان» باندفاع: ماهو كان متكتف يا أهبل، يعني لو اتحزمت ورقصتله مش هيقدر يعمل فيا حاجة. تشدق «سالم» ساخرًا: قول كدا بقى، الحماسة خدتك عشان كان متكتف؟ قال «مروان» بمزاح: طبعًا، أومال أنا ممكن أضحي بنفسي وأحرم البشرية من جوهرة زيي مثلًا! تدخل «سليم» ممتعضًا: بمناسبة الجواهر، هنعمل إيه في البنت اللي جبناها معانا دي؟ قال «سالم» بتفكير: خلوها شوية، هنحتاجها بعدين. تحمحم «سليم» قبل أن يقول: طب بقولك إيه؟
إحنا محتاجين شوية حاجات ليها. قال «سالم» باستفهام: حاجات زي إيه؟ قال «سليم» بنفاذ صبر: هدوم. لما جبناها هنا مكنش معاها هدوم. صحح «طارق» كلماته قائلًا بسخرية: قصدك مكنتش لابسة هدوم! قال «سالم» بصدمة: نعم! تدخل «مروان» باندهاش: يعني إيه مكنتش لابسة هدوم دي؟ تولى «طارق» الإجابة بدلًا من «سليم» الذي بدا عليه الامتعاض: لما خطفناها كانت لسه خارجة من الحمام، فمكنش قدامي وقت أسبها تلبس. قال «مروان» باندفاع:
نهار أسود، جبتها ملط! قال «طارق» بسخط: لا يا خفيف، جبتها بالبورنس. قال «مروان» بصياح: اخس عليك وسايب الصاروخ! قصدي البت كدا من ساعة ما جيتوا. أوعى يا ابني أنت وهو، أنا رايح أوديلها هدوم. تدخل «سالم» بنفاذ صبر: اترزع يا ابني أنت. التفت إلى «طارق» ليضيف بجفاء: ابقى انزل أي محل اشتريلها فستان ولا حاجة. صاح «مروان» معترضًا: طارق! بقى مش لاقي إلا الذئب البشري دا اللي بعته عشان يوديلها هدوم!
دا لو لقاها لابسة هدوم هيقلعها أصلًا. لم يفلح «سالم» في قمع ضحكه خافتة تسللت إلى ملامحه قبل أن يقول بتحذير: أتلم يا مروان، واحترم نفسك. طارق إنسان منضبط وخلص خلاص بقى متجوز. تشدق ساخرًا: منضبط مين ومنيل مين؟ بيقولك مستنهاش تلبس ولفحها على كتفه وجه. دا مش بعيد تلاقيها حامل أصلًا. هاتولي شيرين بنت عمتي. تدخل «طارق» غاضبًا: بطل ياض أنت. إيه جاب سيرة شيرين؟ وبعدين حامل مين وزفت مين؟
هتجيبلي مصيبة، وأصلًا مش أنا اللي لفحتها يا خفيف. دا سليم. أنا بس ناولتهاله وهو اللي شالها وداها العربية. شهق «مروان» بصدمة كان لـ«سليم» نصيب الأسد منها، فصاح يعنف «طارق»: سليم مين يا ابني أنت؟ عايز تخلص من المصيبة تقوم تلبسهالي! أنا مالي، هو كان في وقت اعترض حتى؟! التفت «مروان» إلى «سليم» بنظرات تساقطت منها الشماتة التي تجلت في نبرته حين قال:
سلومة بيه، أكنك مغضب البت في أقصى الصعيد وعامل فيها شجيع السيما في بلاد الفرنچة! نهارك مش فايت. هاتولي جنة. فين جنة؟ برقت أعينهم جميعًا حين شاهدوا «سليم» الذي أخرج سلاحه وقام بشد اجزائه، قبل أن يمسك «مروان» من تلابيبه وهو يقول بهسيس مرعب: يمين بالله يا مروان الكلب لو جبت سيرة جنة ولا عقلك وزك تحكي قدامها أي حرف عن البت دي، هفجر نافوخك. سامع. قال «مروان» بذعر: سامع. أقولك. محدش هيودي الفستان للمزة غيرك. ***
كانت تبحث بعينيها عنه في كل الاتجاهات، إلى أن توقفت أمام باب غرفته علها تلمح طيفه. فمنذ قدومه قبل عشرة أيام بذلك الجرح الذي لم تعرف سببه للآن، وقلبها بات كطفل صغير يريد التعلق بعنقه أينما ذهب. تخشى عليه من الهواء، وتخشى الإفصاح عما يدور بخلدها حتى لا يعلم إلى أي مدى أصبح يتربع على عرش قلبها. "وبعدين بقى، معقول خرج من غير ما يقولي؟
لم تكد تُكمل جملتها حتى وجدت يدًا قوية تعانق خصرها لتجذبها للخلف، فإذا به يُدخلها أحد الغرف، والتي كانت غرفة «ريتال». فأخرجت شهقة قوية سرعان ما لقِمها بفمه، يُرمم ندوب الشوق التي انحفرت بقلبه، يروي ظمأ روحه من وجودها الذي افتقده طوال سفرته التي كانت طويلة على عاشق مثله.
فصل اقترابهم بصعوبة، إذعانًا لهوانها بين يديه، فقد كان على وشك إزهاق روحها دون إرادته، فقد انصاع ملبيًا رغبات كلًا من قلبه العاشق وجسده الراغب، وكادت أن تكون هي ضحية نهم كليهما. "طارق حرام عليك، كنت هتموتني. أنا بقيت أخاف منك." كانت أنفاسه اللاهبة عكس أنفاسها المضطربة، التي هدأت للحظات حين قال بصوت أجش: وحشتيني. هدأت نبرة الخوف في لهجتها قليلًا لتقول بخفوت: دي حجتك إنك قاسي معايا؟
رفع رأسه يطالعها بأعين يلمع بها العشق كشمس ساطعة في أوج الظهيرة: مش محتاج حجة عشان أروي روحي منك، بس أنتِ فعلًا وحشتيني. تنحى كل شيء أمام عشقه الجارف، وذابت حواسها في حضرة وجوده: أنت كمان وحشتني. مكنتش أتخيل إن بعدك يأثر فيا كدا. قال «طارق»: أنا بقى كنت متخيل. قلبك قالي إنه ميقدرش على بعديه. هكذا خاطبها بأعين يلمع بها المكر، ونبرة يفوح منها رائحة الكبر. فتغنجت قائلة:
ميقدرش على بعدك واحنا حبايب، أما غير كدا يقدر، ويقدر أوي كمان. قهقه بصخب على حديثها قائلًا باستسلام: لا، وعلى إيه خلينا حبايب. أصلًا إحنا منفعتش نكون غير حبايب، ولا إيه؟ كان المكر يُلون حدقتيه، فتجاهلت ضجيج مشاعرها تجاهه، وقالت بلهجة غلب عليها الحزن: انتوا كنتوا مسافرين عشان حاجة تخص بابا صح؟ بدأ الغضب يتفشى في أوردته حين سمعها تناديه بذلك اللفظ الذي ينافي حقارته، فقال بجفاء: انسيه يا شيرين. اعتبريه مات واندفن.
قالت «شيرين» بلهجة ملتاعة: بس هو مماتش ولا اندفن يا طارق. أجابها بأخرى حادة كنصل السكين: يبقى تموتيه جواكِ. تمحيه من حياتك. مفهوم؟ تعاظم الغضب بداخلها، فهتفت بحرقة: ولو أنا عملت كده هنرتاح؟ زمجر «طارق» غاضبًا: وإيه اللي هيريحك دلوقتي؟ كانت فرصة ذهبية لم يسعها إلا أن تستغلها لصالحها، فهتفت باندفاع: تجاوبني بصراحة. هو اللي عمل فيك كدا؟ باغتها إجابته الحادة ولهجته حين قال:
أيوا، هو اللي ضربني بالنار، وأنا كمان ضربته وكنت هموته مرة واتنين، وبسببك اتراجعت في آخر لحظة. قال جملته الأخيرة صارخًا، مما جعلها ترتعب من مظهره، فقد بدأ كوّحش ضخم بعروق نافرة وأعين جاحظة، جعلتها تشعر برغبة قوية في الهرب، وقد لبتها على الفور حين استدارت لمغادرة الغرفة بأقصى سرعة. *** لما أحببته؟ لم يسعني تجاوز هذا الاستفهام الذي هُزم قلبي أمامه. فكانت الإجابة رُغمًا عني وعن كل ما يقف أمامنا من عثرات:
لقد كان يُرمم بداخلي أشياء لم يكن مسؤولًا عن خرابها، فلم أستطع سوى أن أحبه. *** بعد أن أطعمت صغيرها ووضعته في فراشه، شعرت بالملل الذي جعلها تتوجه إلى حيث أرشدها قلبها، وانصاعت خلف بؤرة الحنين التي جذبتها إلى تلك الحيوانات الرائعة لتتمتع برؤيتها واسترجاع ذكرياتها الرائعة معه. فراقت لها تلك الفرسة الرائعة الجمال، فاقتربت منها إلى أن وقفت أمامها لتمد يديها بحنو تداعب فوق خصلاتها الرائعة وهي تقول بمداعبة:
عاملة إيه يا جميلة؟ صهلت الفرس بقوة، فارسمت ابتسامة رائعة على ملامح «جنة» التي لا تعلم لما انتابها شعور عارم بالهدوء والطمأنينة، التي تحولت إلى صدمة جعلت أنفاسها تعلق بصدرها حين سمعت كلماته الساخرة: إيه اللي مخرجك في الوقت دا؟ أوعي تكوني بتفكري تطيري لوحدك؟ لولا جملته الأخيرة، لظنت أنها واهمة وأصابتها حمى الشوق التي جعلتها تتخيل وجوده، ولكن لا، فهو هنا، وهذا هو السبب لتلك الطمأنينة التي غزت جسدها فجأة.
لكل ما تمتلك من ثبات، التفتت لتتقابل سمائها السوداء بخاصته الملبدة بعواصف وغيوم غاضبة. تجاهلتها عمدًا قبل أن تقول بجفاء: أنت هنا من امتى؟ باغتها كلماته التي تنافي ما تحمله من مشاعر مع لهجته القاسية حين قال: من وقت ما حسيتي بوجودي. قالت «جنة»: غريبة، أنا محستش إنك موجود خالص؟ قال «سليم»: كذابة وفاشلة في الموضوع دا أوي. تفشى الغضب في أوردتها، وكان خديها ساحته التي تخضبت، فبدت شهية رائعة لذلك الصائم عن العشق منذ رحيلها:
وياترى إيه اللي جابك؟ قال «سليم» بسخرية مريرة: بلاش أجي، ولا مفروض إني مجيش غير لما سيادتك تقوليلي تعالي. ماهو أنتِ اللي بتقرري دلوقتي. هكذا تحدث بسخرية مريرة، فأجابته بتهكم أغضبه: والله أنا بقرر عن نفسي واللي يخصني وبس. تشدق ساخرًا: آه، كملي البوقين بتوع الستات دول، أنا حرة في نفسي وبدور على راحتي والكلام دا، بس يا ترى يا جنة لقيتي راحتك بعيد عني؟ قال جملته الأخيرة بعتاب قاسٍ لم تخطئ فهمه، ولكنها
تجاهلته وهي تقول بجفاء: راحتي دي تخصني، وكل واحد يدور على اللي يخصه بعد كدا. قهقهات ساخرة اندلعت من جوفه، كانت أبعد ما تكون عن المرح، مما أثار استهجانها، خاصةً حين قال بنبرة تحوي الألم في طياتها: راحتك دي تقريبًا اللي مكنتيش بتلاقيها غير في حضني. دلوقتي بقت تخصني؟ قالت «جنة»: عايز إيه يا سليم؟
تجاهلت ما أشعلته كلماته في جوفها، وتحدثت بجمود يتنافى مع لوعة قلبها ونزيف الروح الذي لا يتوقف أبدًا، فهالها مظهره الغاضب وجمرتاه التي اشتعلت بنيران الجحيم الذي سكبته حروفه على مسامعها حين قال: عايز اللي ليا. مش بتقولي كل واحد يدور على اللي يخصه وبس! التزمت الجمود منهجًا في مواجهة رجل ينصهر الجليد في حضرته، وأمام عينيه: بس أنت ملكش حاجة هنا. ابتسامة ساخرة شوهت ملامحه حين أجابها مغلولًا: دا مين اللي قال كدا؟
ضمت شفتيها بالحديث، فقالت باختصار: أنا. نالت ابتسامته الساخرة منها، فأردفت بحنق: إيه مش من حقي أتحكم في حياتي وأمشيها زي ما أنا عايزة؟ اختصر أطنانًا من الوجع والعشق بجملة قاطعة: لا، مش من حقك. تجاهلت ثورة قلبها وسيل المشاعر الجارف الذي اكتنفها، وقالت ساخرة: واستنى إيه من سليم الوزان غير كدا؟ اختصر الخطوات الفاصلة بينهم، وحاصرها بنظرات تعانق بها الغضب والألم معًا، وسكب حروفه على مسامعها بنبرة خشنة:
طب اعرفي بقى إنك أنتِ وابنك وحياتك وابني اللي في بطنك، وحتى الهوا اللي بتتنفسيه ملك لسليم الوزان يا جنة. كان اعترافًا مروعًا بالحب، نُقشت حروفه فوق جدران قلبها، ولكن جملة واحدة كانت كافية لخطف جميع حواسها: ابني اللي في بطنك! لاحظ وقع كلماته عليها، فتابع بقسوة توازي قسوة يديه التي قبضت على رسغها بعنف: لو فاكرة إني معرفش إنك حامل، تبقي غلطانة. أنا مفيش حاجة معرفهاش. سؤال مرير عرف طريقه من بين شفتيها: عرفت إزاي؟
قال «سليم»: ميخصكيش. اندلعت الحروب بجوفها، فأطلقت العنان لنيرانها أن تحرقه حين قالت بصراخ: لا يخصني. وبعدين تعالي هنا. أنت مفكر إن كل حاجة هتتصلح لمجرد إني حامل؟ ضيق عينيه وقست لهجته حين قال: لا، مفيش حاجة هتتصلح لمجرد إنك حامل. كل حاجة هتتصلح لما تعقلي. صرخت بقهر فاض به قلبها: وحتى لو عقلت، هقدر أسامح؟ تشابهت عينيه مع نبرته الجامدة حين قال: اتعودتي تسامحيني، مش هتيجي عالمرة دي!
تحولت غيمات الحزن إلى ألسنة لهب مشتعلة، فأطلقت سهامها بغل: تصدق إنك بجح. أنا مشوفتش في حياتي حد كدا. أنت مش طبيعي. تجاهل ثورتها، على الرغم من أن كلماتها استقرت بمنتصف قلبه، وجاءت نبرته باردة حين قال: هعمل نفسي مسمعتش وهعتبر إن دي لحظة غضب. كلماته وضعتها على حافة الجنون، فنفضت يديها من يديه بعنف، وهدرت بصورة شبه هستيرية: هتعمل نفسك مسمعتش. لا أنا بقى هسمعك. أنا بكرهك. بكرهك يا سليم يا وزان. بكرهك.
دوي صراخها في المكان المعزول من حولهم، وأخذ يتردد في الأرجاء، وكأن قلبه لم يكن يكفيه ألمه من كلماتها، لتتردد بكل مكان حوله، فتكالب عليه الشعور وتآزر به الغضب الذي أظلمت به عيناه، فتقدم نحوها بخطى وئيدة تحمل شيئًا ما أخافها، و خاصةً حين قال بهسيس مرعب: حلو. أنا بقى هديك أسباب أكتر تستحق إنك تكرهيني كل الكره دا. هوى قلبها بين ضلوعها، وابت قدماها الحركة، بينما همست شفتيها بذعر ارتج له سائر جسدها: سليم. أنت هتعمل إيه؟
*** بعد مرور عشرة أيام، كانت الأمور على صفيح ساخن، ولكن بصمت. الجميع يترقب وينتظر دون أن يجرؤ أحد على الاستفهام أو السؤال، فالإجابة واضحة: لا شيء. زفر «سالم» بغضب تجلى في ملامحه المكفهرة، وعينيه اللتان أرسلت سهامًا محذرة للجميع بعدم الاقتراب. ولكن لم تكن تشملها تلك التحذيرات، فوحدها من تجرأت على اقتحام قلاعه السرية ودك حصونه المنيعة.
رفع رأسه حين سمع قفل الباب يدور، ليستكين صدره وتهدأ دقاته حين شاهدها تقترب منه بخطٍ هادئة ونظرات يعرفها جيدًا. فأطلق تنهيدة قوية علها تطفيء الحرائق المندلعة في جوفه، قبل أن يعيد أنظاره إلى الأوراق التي أمامه وهو يقول بجفاء: اعمليلي فنجان قهوة يا فرح. تقدمت منه لتقف خلف مقعده مباشرةً، وتمد كفوفها الحانية لتقوم بعمل مساج خفيف لأكتافه المشدودة كحال جسده بأكمله، وهي تقول بنبرة لينة: القهوة كتير كدا غلط عليك. قال «سالم»:
متفتيش يا فرح. القهوة مش غلط ولا حاجة. روحي اعمليلي فنجان قهوة خليني أفوق. على عكس المتوقع منها، فقد اقتربت لتُلثم عنقه بحنو تجلى في نبرتها حين قالت: لو عايز تفوق، أنا هفوقك يا روحي. لكن مفيش قهوة تاني. زفر بغضب، فتابعت تدليك عنقه بطريقة مثيرة، وهي تقول بهدوء: بساعدك على التركيز على فكرة. أجابها «سالم» بتهكم: كدا بتساعديني أركز، أومال لو عايزة تلغي عقلي خالص هتعملي إيه! قالت «فرح» بمزاح:
لما أكون عايزة أعمل كدا، هتعرف وقتها هعمل إيه. نجحت في إقحام البسمة على ملامحه المكفهرة التي لانت قليلًا بفضلها، فتابعت بحنو: بقالي من يوم ما طارق وسليم رجعوا وأنت حالك كدا. بدل ما تبقى مبسوط إنهم رجعوا بالسلامة. قال «سالم» بجفاء: ما هم رجعوا بكوارث معاهم. هما جايين فاضيين. قالت «فرح» بتصحيح: بس رجعوا، ودا المهم. فاكر من كام يوم كنت قلقان وخايف عليهم، جاي بعد ما رجعوا بدل ما تحمد ربنا تبقى متعصب كدا!
هدأت دواخله قليلًا قبل أن يقول بنبرة جافة: طبعًا الحمد لله. بس اللي جاي يقلق يا فرح، وخصوصًا إنه مليان ألغاز. دارت حول مقعده لتسكن في مكانها بجانب صدره وفوق قدميه، وهي تقول بنبرة متزنة: هتتحل. بالهدوء والحكمة هتتحل. مش هقولك احكيلي، بس هقولك اهدى عشان تعرف هتتصرف إزاي. صمت لثوانٍ، وعينيه تبحران فوق ملامحها بحب طغى فوق جميع هواجسه وتخبطاته، وبأنامل حانية قام بإرجاع إحدى خصلاتها إلى الخلف، قبل أن يقول بغموض:
فرح، تفتكري إيه رد فعل واحدة عرفت بعد حاجة وعشرين سنة إن ليها ابن؟ لوهلة انكمشت ملامحها بصدمة من فداحة استفهامه التي تعلم علم اليقين بأن خلفه الكثير، فقالت بترقب: كان مخطوف يعني؟ تابع لهوه بخصلاتها الحريرية وهو يقول بنفي: لا. متعرفش بوجوده من الأساس. قالت «فرح»: إزاي دا؟ هو في كدا؟ قال «سالم» بتفكير: تفتكري في كدا؟ انحبست الأنفاس في صدرها وهي تقول بترقب: مين الست دي يا سالم؟ قال «سالم» باختصار أدهشها: عمتي!
شهقة قوية خدشت جوفها حين وقعت كلماته فوق مسامعها وقوع الصاعقة التي جعلت فكها يتدلى للأسفل من فرط الصدمة، فلم يستطع تجاوز ذلك الإغراء الذي تحدى ثباته بشراسة، فاقترب يغترف من حسنها ما يكفيه لحجب كل تلك الأفكار التي تعصف برأسه، حتى كادت أن تنفجر لولا وجودها الذي أحسن استغلاله حتى يهدأ، ولكن أي هدوء حين تتيقظ رغبته العاتية بها، والتي يحركها عشقًا جارفًا سيطر على كلاهما للحظات، قبل أن يفصل اقترابهم ويقول بصوت أجش:
أحسن حاجة في الدنيا دي إنك موجودة. لم تفلح تلك المشاعر التي يثيرها داخلها في حجب فضولها الذي جعلها تقول بأنفاس مضطربة: أنا دايمًا موجودة. بس ياريت تستغل وجودي دا وتفهمني إيه اللي بتقوله دا؟ زفر بحنق قبل أن يقول بفظاظة: اللي سمعتيه. قالت «فرح» بحنق: متنقطنيش يا سالم. احتدت نبرته قبل أن يقول بنفاذ صبر: معنديش غير اللي قولته، وحتى دا كمان مشكوك فيه. حاولت جره إلى الحديث قائلة بهدوء ثمين لم تكن تتحلى به: طيب عرفت إزاي؟
متقوليش إن دي المهمة اللي كنت مكلف طارق وسليم بيها؟ قال «سالم» بخفاء: أنتِ اللي قولتي مش أنا. قالت «فرح» بحنق: وأنت اللي هتكمل. زفر بغضب وقص عليها ما حدث في تلك السفرة وذلك الشاب الذي من المفترض أنه الآن ابن عمتهم وذلك الحقير، ليختتم حديثه وهو يشير إلى تلك الأوراق التي تثبت صحة نسب ذلك الشاب إلى عمته. هبت «فرح» من مكانها وهي تقول بصدمة: انت بتقول إيه؟ بقى عمتك عندها ابن من ناجي؟ إزاي؟ هو دا معقول! خلفته امتى؟
أكيد مش ابنها! دي عمرها ما جابت سيرته ولا حتى قالت إن ليها ابن مخطوف ولا حتى ميت! عند هذه النقطة أضاء عقله بوميض من الذاكرة منذ أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، حين قامت عمته بوضع مولود، ولكنه توفي يوم ولادته، ولكنه كان فتاة وليس صبيًا! قال «سالم» بينما سبحت عينيه في بحر من الأفكار التي جعلت «فرح» تقترب منه قائلة باستفهام: ما يمكن مشافتهوش أصلًا عشان تحكي عنه! قال «سالم» وهو يسرد لقطات من الذاكرة البعيدة:
عمتي بعد ولادة سما خلفت بنت، ومفروض إنها اتولدت ميتة عشان كانت في السابع، والكلب دا سافر ليلة الولادة لما عرف إنها ماتت، وعمتي تعبت وجالها حمى من الزعل. شهقت «فرح» بصدمة خيمت على كلماتها حين قالت: انت بتقول إيه؟ أنا مش مصدقة نفسي. معقول يعمل كدا ويقهرها بالطريقة دي؟ طب لو كانت حجته معاها خلفة البنات، ماهي جابت الولد، إيه خلاه يخبيه عنها؟ اكتظت ملامحه بالغضب الذي انبعث من ملامحه حين قال:
عشان حقير وقذر. ناوي على الغدر من سنين. المشكلة دلوقتي، هتعرف عمتي والبنات إزاي بوجوده؟ دارت حول نفسها وهي تضع يدها فوق جبهتها وكأنها تعتصرها لإخراج أفكار وربما حلول لهذا المأزق، فاندفعت قائلة بقلة حيلة: المواجهة هي أسلم حل يا سالم. ملهاش مخرج غير كدا. قال «سالم» بحدة: الكلام دا لو كان الوضع طبيعي. إنما دا أفكاره مسممة من ناحيتها. متضمنيش بيفكر في إيه؟ قالت «فرح» بسخط:
ما هم سمعوه وهو بيقول مش هقتلها. يعني بالرغم من كل الكره اللي جواه، هو مش وحش. قال «سالم» بتعب: دي الحسنة الوحيدة اللي في الموضوع، واللي مخليني متطمن، وفي نفس الوقت فتحت أبواب الشك جوايا. قالت «فرح»: تقصد إيه؟ قال «سالم» بتفكير: أقصد إن في حاجة غلط. ناجي شيطان. شيرين عاشرته كام سنة وقدر يكرهها في الناس اللي اتربت معاهم عمرها كله. إزاي دا عايش معاه طول حياته وبيفكر كدا؟ استمهل نفسه يحاول جمع أفكاره قبل أن يتابع بجفاء:
كمان بيقوله أنقذتني عشان تاخد انتقامك. يعني من الواضح إنه عملية الإنقاذ اللي ضاحك بيها عليه تمت في وقت قريب، وإلا مكنش هيفكر فيه بالطريقة دي؟ قالت «فرح» بتفكير: تصدق عندك حق. هو واضح إنه شايل منه، وممكن يكون دا السبب إنه فكره سايبه السنين دي كلها ورجعه لما حب ينتقم منكوا. توقفت عن الحديث لثوانٍ، ثم هتفت بحماس: بقولك إيه؟ هو مش ممكن يكون عمل معاه زي ما عمل مع نجمة؟ قالت «فرح»:
أقصد ممكن يكون سابه عند حد من معارفه يربيه لحد ما ييجي الوقت اللي هيحتاجه فيه. لاحت بوادر الاقتناع على ملامحه من حديثها، ولكنه لم يقضِ على شكوكه كاملةً، فقال باستنكار: نجمة مكنتش تهمه يا فرح. دا رماها مع ناس على قدّهم بهدلوا البنت. إنما دا مهما كان ابنه وهو محتاجه. اندفعت قائلة باستفهام: طب بقولك إيه، أوصفلي شكله كدا؟ ضيق عينيه باستفهام كان خشنًا حين قال: يعني إيه؟ قالت «فرح» بتفسير:
يعني مثلًا شكله متبهدل، لكنته مثلًا بتوحي ببيئة معينة نشأ فيها. عندك نجمة لسه متأثرة بجو المكان اللي عاشت فيه، بالرغم من إنها بقالها كام شهر عايشة في بيت عمو صفوت. أكيد هو بردو في حاجة مميزة فيه بتدل على المكان اللي نشأ فيه، وإن كان عاش عمره كله مرفّه أو اتبهدل؟ أخذ يتذكر ملامحه وهيئته التي تدل على أنه خضع لتدريبات قاسية ولم يكن مرفّه بكل ما تحمل الكلمة:
هو ضخم كإنه قضى عمره كله بيتمرن. دا حتى أضخم من طارق. ملامحه خشنة، ولهجته فيها قسوة، متحسش إنه يا دوب عنده تلاته وعشرين سنة. واثق من نفسه، عنده ثبات انفعالي كبير، ذكي، وطبعًا واخد مكر ناجي، بس هو أذكى بكتير. هتفت «فرح» بحماس: هو دا! زي ما قولت، هو سابه عند حد يعرفه وكمان يعرف حكايته، وكان الوقت دا كله بيجهزه عشان يبقى شخص قوي ويقدر يواجهكوا وينتقم منكوا. قال «سالم» بخشونة:
ماشي، هوافقك. بس مين الراجل اللي هيكون قريب من ناجي بالدرجة دي؟ ممكن يكون حد من رجّالته؟ قالت «فرح» بتحفيز: موضوع رجّالته دا مش حاسه إنه صح. حل مستبعد، بس وارد. أنا حاسه إن اللي ربّاه حد تاني بعيد عن ناجي وعالمه.
أخذت الكلمات تتقاذف في عقله، تحاول أن تجد مخرجًا لتلك الأحجية التي كلما شعر بأنه وصل إلى حلها، يجد نفسه أمام اختبار آخر. ولكن فجأة توقف عقله عند نقطة ما جعلته يلتفت إلى الهاتف لإجراء مكالمة هاتفية، وحين أجاب الطرف الآخر، تحدث بغموض: عملت إيه معاها؟ لحظات من الصمت كان يستمع إلى الجانب الآخر من الهاتف، ليقول بقسوة: خليك محتفظ بيها شوية، يظهر إنها مخبية كتير.
قاطع حديثه دخول «سليم» إلى الغرفة، فقابلته «فرح» بأعين يلمع بها الغضب، وأشاحت بنظرها إلى الجهة الأخرى. فتجاهلها «سليم» الذي انتظر إلى أن انتهى «سالم» من مكالمته، ليقول باختصار: أنا مسافر. قال «سالم» بجفاء: على فين؟ قال «سليم»: الصعيد. عند صفوت. ما أن تفوه بجملته، حتى التفتت «فرح» تناظره بصدمة سرعان ما تحولت لشعور عارم بالفرحة التي لم تخفَ على «سالم» الذي قال بدهاء: ليه؟
تجاهل غضبه من استفهام «سالم» الذي كان يريد إرضاء حبيبته وهو غاضب منها وبشدة، فقال بجفاء: رايح أرجع مراتي. قال «سالم» بهدوء مثير للاستفزاز: وهي مراتك قالتلك إنها عايزة ترجع؟ غزت الدماء عينيه التي تحولت إلى بركة حمراء يموج بها الغضب كأمواج عاتية قادرة على الإطاحة بالجميع، لذلك آثر الاختفاء من المكان بأكمله، فألقى جملته بحدة وهو يتوجه إلى باب الغرفة: وهي الهانم كانت قالتلي إنها ماشية عشان تقولي إنها عايزة ترجع!
شيء ما داخلها أجبرها على التفوه بتلك الجملة الصاعقة: على فكرة الهانم حامل، ومش هتتحمل أي ضغط عصبي في الوقت دا. توقفت الدماء في أوردته، وطنت أذنيه حتى أنه ظن بأن ما سمعه كان مجرد تخيل منه، ولكن أي تخيُل يمكن أن يجعل قلبه يدق بصدره بتلك الطريقة، حتى أوشك على تحطيم ضلوعه، مما جعله يلتفت إلى «فرح» التي ما أن رأت ملامحه المشدوهة وصدره الذي يعلو ويهبط من فرط التأثر، حتى شعرت بأنها فعلت الصواب: بتقولي إيه؟ قالت «فرح» بجفاء:
اللي سمعته. ربنا بعتلك معجزة عشان تصلح كل اللي عملتوه أنت وهي، وياريت تستغلوها صح. لم يزد، فقد التهمت أذنيه كلمة "معجزة"، والتي كانت أمنيته التي لم يجرؤ على تمنيها ولو بينه وبين نفسه، ولكنها جاءت كغوث الأمطار على بقاع صدعتها عِجاف الفراق.
خروجه بتلك الطريقة كان إعلانًا صريحًا منه بأنه لم يجعل تلك المعجزة تذهب هباءً منثورًا، مما جعل شعورًا عارمًا بالسعادة يكتنفه، لم يمهلها الاستمتاع به حين جذبها من خصرها بغتة لتستقر بين ضلوعه التي كانت تخفق بعنف، تردد صداه على ظهرها الملاصق له، وجاء هسيسه الخشن كدغدغات أصابت سائر جسدها برعشة قوية تحمل من اللذة الكثير: شايفك بقيتي تدي أوامر وأنا موجود؟ اسمي دا إيه؟
كان يمرغ أنفه فوق عنقها بشغف قاتل اجتاح جسدها كفيضان ضارٍ أصاب سدًا هشًا فأسقطه، فقد كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط بين ذراعيه لتتمزز بنعيم قربه الدافئ، ولكنها استجمعت ثباتها كي تجيبه بدلال: بستغل سلطتي في مانع؟ كانت مثيرة دون حدود، تعزف بشفاهها ألحانًا مغرية لم يفلح في مقاومتها، فشدد من احتضانها حد الألم الذي آنت به ضلوعها في تلك اللحظة، ليقول بعبث أذاب أوصالها:
ما قولتلك قبل كدا أنتِ تقولي وأعملي اللي أنتِ عايزاه. جاءت نبرتها عابثة حين قالت: آهااا. دا أنت فوقتلي بقى. نقشت ملامحه لحنًا مغريًا على خصرها قبل أن يقول بهسيس خشن: لسه هفوقلك متقلقيش. أنا بسخن بس.
انفلتت منها ضحكة صاخبة خربشت ثباته الذي تلاشى أمام إغوائها، ليُديرها إليه مُلتهمًا ثغرها بقوة كانت تُخيفها سابقًا، والآن تُضرم نيران الشغف في سائر جسدها الذي يستجيب لقربه بسرعة البرق، فأصبحت تأخذ وتعطي بنهم لم تعد تخجل منه، وقد كان هذا أروع شعور عاشه معها، أن يشعر بلهفتها وتوقها لعشقه الذي كان ضاريًا للحد الذي جعله يغترف من حسنها بتلذذ أفقد كلًا منهما صوابه. *** بمزيج من الأسى، أنعي حكاية عشق لم يكتمل ولن ينتهي.
ونجاته هي درب من دروب المستحيل. عشقًا وُلد من رَحِم المعاناة، سُطرت حروفه بدماء القلوب، ارتوت جذوره بعبراتها، وأنجبت غصونه ثمار السعادة التي لم أجرؤ على تمنيها من الحياة يومًا. واليوم أنا قتلتها وبيدي نفذت حكم الإعدام بحق قلبي، وأنهيت كل شيء. وعذري البائس كان القصاص من ظلمات قدر لم يرحم ضعفي ولا وجعي يومًا. ***
بعد أن أطعمت صغيرها ووضعته في فراشه، شعرت بالملل الذي جعلها تتوجه إلى حيث أرشدها قلبها، وانصاعت خلف بؤرة الحنين التي جذبتها إلى تلك الحيوانات الرائعة لتتمتع برؤيتها واسترجاع ذكرياتها الرائعة معه. فراقت لها تلك الفرسة الرائعة الجمال، فاقتربت منها إلى أن وقفت أمامها لتمد يديها بحنو تداعب فوق خصلاتها الرائعة وهي تقول بمداعبة: عاملة إيه يا جميلة؟
صهلت الفرس بقوة، فارسمت ابتسامة رائعة على ملامح «جنة» التي لا تعلم لما انتابها شعور عارم بالهدوء والطمأنينة، التي تحولت إلى صدمة جعلت أنفاسها تعلق بصدرها حين سمعت كلماته الساخرة: إيه اللي مخرجك في الوقت دا؟ أوعي تكوني بتفكري تطيري لوحدك؟ لولا جملته الأخيرة، لظنت أنها واهمة وأصابتها حمى الشوق التي جعلتها تتخيل وجوده، ولكن لا، فهو هنا، وهذا هو السبب لتلك الطمأنينة التي غزت جسدها فجأة.
لكل ما تمتلك من ثبات، التفتت لتتقابل سمائها السوداء بخاصته الملبدة بعواصف وغيوم غاضبة. تجاهلتها عمدًا قبل أن تقول بجفاء: أنت هنا من امتى؟ باغتها كلماته التي تنافي ما تحمله من مشاعر مع لهجته القاسية حين قال: من وقت ما حسيتي بوجودي. قالت «جنة»: غريبة، أنا محستش إنك موجود خالص؟ قال «سليم»: كذابة وفاشلة في الموضوع دا أوي. تفشى الغضب في أوردتها، وكان خديها ساحته التي تخضبت، فبدت شهية رائعة لذلك الصائم عن العشق منذ رحيلها:
وياترى إيه اللي جابك؟ قال «سليم» بسخرية مريرة: بلاش أجي، ولا مفروض إني مجيش غير لما سيادتك تقوليلي تعالي. ماهو أنتِ اللي بتقرري دلوقتي. هكذا تحدث بسخرية مريرة، فأجابته بتهكم أغضبه: والله أنا بقرر عن نفسي واللي يخصني وبس. تشدق ساخرًا: آه، كملي البوقين بتوع الستات دول، أنا حرة في نفسي وبدور على راحتي والكلام دا، بس يا ترى يا جنة لقيتي راحتك بعيد عني؟ قال جملته الأخيرة بعتاب قاسٍ لم تخطئ فهمه، ولكنها
تجاهلته وهي تقول بجفاء: راحتي دي تخصني، وكل واحد يدور على اللي يخصه بعد كدا. قهقهات ساخرة اندلعت من جوفه، كانت أبعد ما تكون عن المرح، مما أثار استهجانها، خاصةً حين قال بنبرة تحوي الألم في طياتها: راحتك دي تقريبًا اللي مكنتيش بتلاقيها غير في حضني. دلوقتي بقت تخصني؟ قالت «جنة»: عايز إيه يا سليم؟
تجاهلت ما أشعلته كلماته في جوفها، وتحدثت بجمود يتنافى مع لوعة قلبها ونزيف الروح الذي لا يتوقف أبدًا، فهالها مظهره الغاضب وجمرتاه التي اشتعلت بنيران الجحيم الذي سكبته حروفه على مسامعها حين قال: عايز اللي ليا. مش بتقولي كل واحد يدور على اللي يخصه وبس! التزمت الجمود منهجًا في مواجهة رجل ينصهر الجليد في حضرته، وأمام عينيه: بس أنت ملكش حاجة هنا. ابتسامة ساخرة شوهت ملامحه حين أجابها مغلولًا: دا مين اللي قال كدا؟
ضمت شفتيها بالحديث، فقالت باختصار: أنا. نالت ابتسامته الساخرة منها، فأردفت بحنق: إيه مش من حقي أتحكم في حياتي وأمشيها زي ما أنا عايزة؟ اختصر أطنانًا من الوجع والعشق بجملة قاطعة: لا، مش من حقك. تجاهلت ثورة قلبها وسيل المشاعر الجارف الذي اكتنفها، وقالت ساخرة: واستنى إيه من سليم الوزان غير كدا؟ اختصر الخطوات الفاصلة بينهم، وحاصرها بنظرات تعانق بها الغضب والألم معًا، وسكب حروفه على مسامعها بنبرة خشنة:
طب اعرفي بقى إنك أنتِ وابنك وحياتك وابني اللي في بطنك، وحتى الهوا اللي بتتنفسيه ملك لسليم الوزان يا جنة. كان اعترافًا مروعًا بالحب، نُقشت حروفه فوق جدران قلبها، ولكن جملة واحدة كانت كافية لخطف جميع حواسها: ابني اللي في بطنك! لاحظ وقع كلماته عليها، فتابع بقسوة توازي قسوة يديه التي قبضت على رسغها بعنف: لو فاكرة إني معرفش إنك حامل، تبقي غلطانة. أنا مفيش حاجة معرفهاش. سؤال مرير عرف طريقه من بين شفتيها: عرفت إزاي؟
قال «سليم»: ميخصكيش. اندلعت الحروب بجوفها، فأطلقت العنان لنيرانها أن تحرقه حين قالت بصراخ: لا يخصني. وبعدين تعالي هنا. أنت مفكر إن كل حاجة هتتصلح لمجرد إني حامل؟ ضيق عينيه وقست لهجته حين قال: لا، مفيش حاجة هتتصلح لمجرد إنك حامل. كل حاجة هتتصلح لما تعقلي. صرخت بقهر فاض به قلبها: وحتى لو عقلت، هقدر أسامح؟ تشابهت عينيه مع نبرته الجامدة حين قال: اتعودتي تسامحيني، مش هتيجي عالمرة دي!
تحولت غيمات الحزن إلى ألسنة لهب مشتعلة، فأطلقت سهامها بغل: تصدق إنك بجح. أنا مشوفتش في حياتي حد كدا. أنت مش طبيعي. تجاهل ثورتها، على الرغم من أن كلماتها استقرت بمنتصف قلبه، وجاءت نبرته باردة حين قال: هعمل نفسي مسمعتش وهعتبر إن دي لحظة غضب. كلماته وضعتها على حافة الجنون، فنفضت يديها من يديه بعنف، وهدرت بصورة شبه هستيرية: هتعمل نفسك مسمعتش. لا أنا بقى هسمعك. أنا بكرهك. بكرهك يا سليم يا وزان. بكرهك.
دوي صراخها في المكان المعزول من حولهم، وأخذ يتردد في الأرجاء، وكأن قلبه لم يكن يكفيه ألمه من كلماتها، لتتردد بكل مكان حوله، فتكالب عليه الشعور وتآزر به الغضب الذي أظلمت به عيناه، فتقدم نحوها بخطى وئيدة تحمل شيئًا ما أخافها، و خاصةً حين قال بهسيس مرعب: حلو. أنا بقى هديك أسباب أكتر تستحق إنك تكرهيني كل الكره دا. هوى قلبها بين ضلوعها، وابت قدماها الحركة، بينما همست شفتيها بذعر ارتج له سائر جسدها: سليم. أنت هتعمل إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!