داهمتها جملته لتستقر كـ طلق ناري اخترق منتصف قلبها الذي ارتج داخلها حين استمعت إلى جملته التي اختطفت الحياة من وجهها ليبدو شاحبًا، مبهوتًا، ساكنًا. لتمتد يديه تُحيط بخصرها يقربها منه بحنو، لامس كلماته حين قال: "يعني أول ما خلاص ابتديت ادخل جنتك عايزة تجيبيلي عزول ياخد مكاني فيها!
كان مزاحًا ذو مذاق قاس على قلبها الذي استنكر كلماته، ولكن من شدة الألم لم تقو على الاعتراض. بدأ وجهها كساحة حرب لم يعرف أيًا من خصومها الانتصار يومًا، لذا قام بسحب أكبر قدر كافٍ من أكسجينها الدافيء داخل صدره قبل أن يقول بلهجة خشنة: "مش هينفع يا جنة. مش هينفع دلوقتي خالص. جسمك مش هيتحمل." زئير الوجع بداخلها انتفض لتُجيبه بحدة أجفلته: "وانت مالك؟ معلش أنا اشتكتلك! "مش هستناكِ تشتكي." قاطعته بـ قسوة مُطعمة بالألم:
"وانت تستناني ليه؟ في حين انك عادي تاخد قرار انك تقتلني وتقتل جزء مني بمنتهى الهدوء! ابتلع وقع كلماتها بداخل قلبه قبل أن يقول بهدوء: "أنا ممكن أموت روحي لو طلبتي يا جنة. لكن مش هتحمل عليكِ الهوى، وقراري دا مش من دماغي، ولا بإيدي ولا بإيديك بردو." ضاقت ذرعًا بكل تلك التناقضات المُـشبعة بالأسى، فنزعت نفسها من بين يديه وهي تصيح باعتراض: "يعني إيه مش بإيدي ولا بإيدك؟ فهمني."
جذبتها يديه لتُعيدها إلى مكانها بين طيات صدره، فيما أخذت أنامله تُمسد عضلات ظهرها المتشنج وهو يُجيبها بنبرة تحمل الكثير من الطُمأنينة: "مينفعش يحصل حمل بعد ما تخلصي رحلة الكيماوي غير لما يمر على الأقل ست شهور، ودا كلام الدكتور نفسه. أنا اتواصلت معاه لحد ما نروح ويشوف الحالة، بس بنسبة كبيرة لازم البيبي ينزل لإنه هيكون مشوه."
يموت الإنسان في حياته مرتين. مرة حين يأتيه الأجل، وآخرى حين يتعلق قلبه بحبال الأمل، وإذا بها شواظ من نار تكوي ثم تقتل. سقطت الكلمات فوق ساحة قلبها كالأسهم المشتعلة التي سرت كهشيم في أوردتها، لتفر العبرات من مُقلتيها هاربة من ثقل الوجع الذي كان أضعافه بقلبه. فشدد من عناقها وهو يقول بنبرة مُهتزة: "قولي الحمدلله يا جنة. قولي الحمدلله الذي لا يُحمد على مكروه سواه." خرجت حروفها مُهتزة مُتألمة راضية:
"الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه." تنهيدة حارقة خرجت من جوفها وهي تستند على ساحة صدره الواسع الذي احتوى آلامها وعبراتها طوال الساعة المنصرمة، إلى أن هدأت غيومها وهي بين يديه فوق مخدعهما مستكينة، ولكنها برغم الألم راضية. رفعت رأسها تناظره لتصطدم بجمرتيه المُشتعلتين، وكأن غيومه هي الأخرى ذرفت كثيرًا من الوجع، ولكنها لم تشعر به. فهمست باسمه بنبرة مُتحشرجة: "سليم." شعرت بأنامله تُمسد بطنها المسطحة بحنو،
لامس كلماته حين قال: "أصعب حاجة على الراجل في الدنيا أنه يحس بالعجز قدام اللي بيحبها، وأنا حسيت الإحساس دا معاكِ مرتين. مرة لما طلبتي مني أجيبلك حقك منه، والنهاردة وأنا شايف وجعك وعاجز إني أخفف عنك." بارود كلماته تفجر في قلبها الذي انتفض لتهب جالسة نصف جلسة وهي تستند فوق صدره قائلة بنبرة مُوقدة:
"أوعى تقول كدا تاني. انت مش فاهم حاجة. انت لو مش موجود وبتتنفس أنا كان زماني ميتة. ميتة بالحيا يا سليم. مجرد جسم عايش يتألم وبس." مدت أناملها تُلامس شعيرات ذقنه الغزيرة وهي تقول بصدق كان كشعاع نور اخترق ظلمته فأضاءها: "انت الوحيد اللي بتفرح قلبي بتخليه يحس أنه عايش. لو كنت سمعت الكلام دا من الدكتور وانت مش جنبي كنت هقع من شدة الوجع. لكن وجودك هو اللي سندني." جذبها لتستقر فوق موضع صدره، واضعًا قبلة دافئة فوق
جبهتها قبل أن يقول بخشونة: "إحنا مننفعش من غير بعض. دي الحكمة اللي دايمًا بطلع بيها من كل اللي بيحصلنا." استكانت على صدره، واستكان بين ضفاف عشقها كليهما يتألم، ولكن غفوة العشق الذي جذبهما كانت كالبلسم الذي تطيب به الجراح. "دوا إيه اللي بتاخديه دا؟ كان هذا صوت "طارق" الخشن الذي اخترق سكونها، فانتفض جسدها مُرتعبًا لتلتفت إليه غاضبة: "في حد يخض حد كدا؟ مش تكح!
حدتها أغضبته، ولكن ذبول عينيها وبهوت ملامحها كانوا سببًا في تراجعه عن غضبه، ليقترب منها بجسده الضخم يحصرها بينه وبين طاولة المطبخ ليقول بنبرة شغوفة: "سلامتك من الخضة. لو أعرف إن الجميل هيتخض كدا كنت خبيته في حضني."
ارتج قلبها لكلماته رُغم ثقل أوجاعه، فأخذت تناظره بعينين تشكوان الألم صمتًا، فلم تجد من الحروف ما يُمكن أن يُعبر عنه، ولكنه كان أكثر من يشعر بها. لذا احتوت كفوفه كفها الذي أغلقتْه على حبة دواء لمعالجة الاكتئاب الذي ظنت أنها هجرته وهجرها، ولكنه الآن يُعيد هجومه السابق بطريقة أشرس. فعادت لها نوبات الصداع مُجددًا، فلجأت إليه عله يُريحها. "دوا إيه دا يا شيرين؟ لم تستطع الكذب، فصارحته بملل: "مهديء اتعودت أخده زمان."
تراقص شبح الغضب في نظراته لثوانٍ قبل أن يحتل محله العبث الذي تجلى في نبرته وهو يقول: "مهديء! وهو أنا قصرت معاكِ في حاجة يا بنتي؟ ابتسامة خافتة لوّنت ثغرها، ثم قامت بجذب يدها من بين يديه وهي تقول بنبرة جافة: "مصدعة، وعايزة أنام يا طارق." لم يُفلت يدها، إنما شدد من قبضته فوقها وهو يقول بنبرة ساخرة: "ودا اللي هينيمك يا روح طارق؟ "سيب إيدي." لم يستجب لها، إنما اخترقها بنظراته ويديه تلامسان ملامحها بحنو، وبلهجة
يطفو عليها الإعجاب تحدث: "عارفة كل ما بقرب منك أكتر بتأكد إنك طفلة. حد بريء معندوش أي خبرة في أي حاجة. كل ثانية بتمر عليا جنبك بتثبتلي إني اخترت صح." كلمات ليست كأي كلمات، إنما هي رذاذ مطر حانية احتوت تصدعات قلبها وروحها التي اهترأت بسبب ماضٍ مُشين وحاضرٍ أليم ومستقبلٍ تظنه جحيم، كونها تحمل اسم ذلك الرجل كأب. وكأنه طبيب بارع أتقن تشخيص المرض وقام بمداواته، لتنهمر مياه عينيها بغزارة وتنفلت الكلمات من بين
شفاهها مجروحة كحال قلبها: "أنا كنت وحشة أووي يا طارق. كل الناس اللي هنا دي اتأذت بسببي. بس أقسم بالله غصب عني. كنت فاكرة إنه على حق وأنهم على باطل. كان نفسي يرضى عني وياخدني في حضنه. كان نفسي أقدر أرفع راسي قدامهم. والله يا طارق ما كنت أقصد أأذي حد."
كان انهيارها لأمرًا جلل على قلبٍ لم يعرف للعشق سبيلًا سوى على يديها، لذا احتضنها بقوة وهو يُهددها كطفلٍ صغيرٍ يرتجف بين ذراعي أبيه، وكم كانت تتوق لذلك الإحساس الذي حاربت لأجله في الماضي وضحّت بالغالي والنفيس، ولكنها لم تجنِ سوى الخزي والألم. "تفتكري لو انتِ وحشة كان ربنا هيعرفك حقيقته؟ لو انتِ كنتِ وحشة كان ربنا هيحنن قلوب الكل عليكِ بالشكل دا؟ رفعت عينيها تستجدي الصدق في نظراته، فكان لها ما أرادت، فتهدلت
أكتافها وهي تقول بحرقة: "أنا مش قادرة أستوعب كل اللي بيحصل دا. بقى بعد السنين دي كلها يطلعلنا أخ. لا وايه؟ دا كاره ماما ومفكر إنها رمته. مش كفاية كل العذاب اللي شافته بسببه، كمان لسه مكمل في تعذيبها! هو دا يرضي ربنا؟ "ربنا كبير يا شيرين و يمكن دا يكون عوض عمتي بعد كل العذاب اللي شافته معاه." "عوض إيه يا طارق! دا مش طايقها وفاكر إنها رمته. تقولي عوض." "مهمتنا إننا نعرفه الحقيقة عشان يقدر يحكم صح."
"انت كنت عارف بوجوده قبل ما ييجي هنا؟ لا يعرف كيف الهرب من ذلك الاستفهام الذي كان يحمل همه كثيرًا، وها هو الآن يصطدم به: "أيوا كنت عارف." شهقت بصدمة: "كنت و عارف ومقولتليش يا طارق؟ "مش كل حاجة ينفع تتقال يا شيرين. أنتِ شوفتي بعينك الوضع كان لازم نتأكد الأول قبل ما نقول كل حاجة." "واتأكدتوا؟ "أتأكدنا." "في إيه كمان معرفوش؟ هكذا استفهمت بجفاء قوبل بالغضب من جهته حين قال:
"مفيش حاجة متعرفيهاش، وبعدين تعالي هنا. أنتِ توهتيني عالموضوع الأساسي. متاخديش الزفت دا تاني. سامعة ولا مش سامعة؟ "على أساس إني باخده دلع! أنا باخده عشان أرتاح من كل اللي أنا فيه دا." باغتها استفهامه الذي افتعل عاصفة هوجاء بين حنايا صدرها: "وحضني كان قصر معاكِ في حاجة يا هانم؟ برقت عينيها وتفشى الخجل في أوردتها حتى ترك بصماته فوق وجنتيها، لتخفض رأسها وهي تتمتم بتلعثم: "أنا. يعني. محبتش أضايقك بهمومي."
بدأت أنامله بالعزف فوق خصرها فيما غازلتها حروفه حين قال: "مش قولتلك إني كل ما بقرب منك بتأكد إنك بريئة وطفلة مبتعرفيش تستغلي مواهبك لصالحك أبدًا ولا تستعملي صلاحياتك."
أنهى كلماته بغمزة عابثة دغدغت مشاعرها، فهربت الحروف من فوق شفتيها تأثرًا بحديثه الذي أضرم نيرانًا أخرى داخل قلبها الذي اجتاحه شعور عارم من الذنب تجاهه وتجاه تلك النظرة التي يراها بها، وكشخص في موقفها، إما أن تربح الجولة كاملةً أو تخسر بشرف. لذا نظفت حلقها قبل أن تقول بنبرة جريحة: "في حاجة مهمة لازم تعرفها قبل ما تقرر إني فعلًا حد بريء ولا لا؟ تنبهت جميع حواسه لحديثها وظهر الاهتمام بنظراته قبل أن يقول بلهجة ثابتة:
"أيًا كان اللي هعرفه أنا نظرتي فيكِ مش هتتغير." كان يخشى من الذي أضرم نيران القلق بجوفه، لذا اختار أن يبثها الأمان الذي تفتقده في تلك اللحظة حتى ينجو كلاهما من ما هو آتٍ، وقد شعرت هي به وبمحاولته في بثها ما يحتاج إليه كليهما، لذا تحلت بفضيلة الشجاعة قبل أن تقول بنبرة هادئة: "لما كنت في ألمانيا حصلت مشكلة بيني وبين أحمد وروحت عند بابا وهو مكنش موجود وحازم كان لسه هناك واستغل موقفي وخدرني وصورني معاه صور مش كويسة."
كانت تطوف بداخل غرفتها وهي هائمة بمشاعر جديدة كُليًا عليها. لأول مرة بحياتها ترى رجلًا مثله. رجلًا كامل الرجولة وذو عنفوان وشكيمة، فظ، قوي، مُسيطر، ولكن يكمن خلف ألسنة اللهب المُطلة من عينيه حنان كبير لامسته في نظراته إلى تلك المرأة الحامل.
كلماته لازالت تتردد في أذنها. نظراته إليها وإلى الجميع انطبعت داخلها. وعوده لتلك المرأة ووالده "هارون"، وعنفوانه في التعامل معه، وتلك الهيبة التي تُحيط به تجعل الجميع يخشونه. كل تلك الصفات الرائعة التي اجتمعت به ألهبت مشاعرها وحركت غرائزها بصورة لم تعتدها من قبل. تلك النظرة الخاصة التي حدجها بها زعزعت شيئًا ما لطالما كان مدفونًا بين طيات صدرها. أيعقل أن يدق قلبها عشقًا؟
لم تعرف العشق يومًا وهي بصحبة ذلك المسخ، بل لم تعرف معنى أن تذوب المرأة بين ذراعي رجلها، فقد كان الأمر حلمًا أكبر من حدود خيالها. فهي منذ أن وقعت أسيرة له وهي قد نست كل ما يخص أحلام المراهقة وحتى عنفوان الشباب. ولكن بنظرة واحدة إلى ذلك الرجل كانت كالتيار الكهربائي الذي أيقظ جميع حواسها دفعة واحدة، فطرح استفهام مثير في عقلها: "كيف يُمكن للمرأة أن تشعر وهي بين ذراعي رجل مثله؟
انتشى قلبها من مجرد التخيل وتعالت دقاته لتنتابها رغبة قوية لخلق فرصةً لها معه ولو كلفها ذلك الكثير. طرق على باب الغرفة أخرجها من خضم تخيلاتها، لتتقدم وهي تفتحه بهدوء، فوجدت إحدى الخادمات تقول بلهجة أجنبية ركيكة: "السيد يريدك في الأسفل."
فهمت أنه يريدها، فارتسمت ابتسامة هادئة على ملامحها، فقد أرادها في نفس التوقيت الذي كانت تفكر فيه في كيفية امتلاكه، واعتبرتها ضربة حظ، لذا أومأت برأسها وأغلقت الباب تنظر إلى جمالها في المرآة والذي كان مُشعًا رغم بساطة ذلك البنطال وتلك الكنزة الباهتة، وقد قررت أنها ستحاول استغلال كل ما تملك لـ تجلبه إليها في أقرب فرصة.
كانت تحمل قدح القهوة التي كانت تتفنن في تحضيرها له كأي شيء تفعله معه. دائمًا ما تجعل كل شيء منها مميزًا يترك بصمة واضحة وعلامة جيدة بداخله، لذا بالرغم من ذلك الألم في ظهرها إلا أنها تحاملت على نفسها وأعدتها له لتتوجه رأسًا إلى غرفة مكتبه. فإذا بها تجد تلك الفتاة تقف بمنتصف البهو تتلفت حولها وكأنها تبحث عن شخص ما، فبادرتها "فرح" القول بلهجة جامدة: "هل تبحثين عن شيء؟
التفتت "جوهرة" إلى ذلك الصوت الآتي من خلفها، فإذا بها تجد تلك المرأة الحامل التي تُعد الآن غريمتها، فيبدو أنها زوجة فارسها النبيل، فشملتها بنظرة كلية لم تُعجب "فرح"، ولكنها لم تُعلق، إنما انتظرت حتى تُجيبها "جوهرة" التي قالت بنبرة هادئة مُترفعة: "أراد السيد سالم رؤيتي، ولا أعرف أين أجده، هل يُمكن أن تُرشديني إليه؟
اختلفت نبرتها حين نطقت اسمه، أو هكذا ظنت "فرح"، ولكن لا تعلم لما تولد بداخلها شعور بعدم الراحة لتلك الفتاة التي تبدو نظراتها كبحرٍ أزرق عميق يُشعرك بالرهبة، ولكن بنهاية الأمر حسمت أفكارها وتحدثت بترفع: "تعالي خلفي."
تقدمتها "فرح" بحركة مقصودة لتدلف إلى غرفة المكتب التي كانت خالية إلا من "مروان" و "سالم" الذي رقت نظراته وهو يراها تتقدم إليه حاملةً أكثر ما يحتاجه في تلك اللحظة، فتقبل منها القهوة بابتسامة هادئة قابلتها بأخرى دافئة تُشبه لهجتها حين قالت: "شفتني وأنا طيبة وجايبالك القهوة لحد عندك." لاح العشق في سماء عينيه لوهلة قبل أن يتبدل للجمود الذي تنافى مع لهجته العابثة حين قال: "لا شفتك وأنتِ زي القمر وبتسمعي الكلام."
انتشى القلب بكلماته التي عززت من غرورها كثيرًا، وخصوصًا بوجود تلك الحسناء التي كانت تُتابع ما يحدث بترقب تخفيه جيدًا عن الأعين، ولكن للقلوب بصيرة لا تُخطئ أبدًا. "تفضلي بالجلوس."
هكذا تحدث "سالم" بفظاظة وهو يُناظرها بجمود استلذت به كثيرًا، فملامحه الخشنة ونبرته الفظة وعينيه الجامدة كانا مثالًا للرجل المثير الذي تتمناه الكثير من الفتيات، لذا أطاعته وهي تتمتم بعبارات شكر مختصرة، ليبدأ "سالم" الحديث فور أن غادرت "فرح" التي شعرت بأنه من اللائق أن تغادر حتى ولو كان قلبها يقرضها من الداخل للمكوث معه وعدم تركه مع تلك الفتاة، ولكن وجود "مروان" هدّأ من روعها كثيرًا، على الرغم من أن ذلك الوغد أراد استفزازها حين
قال بجانب أذنها وهي تغادر: "متخافيش يا أم منصور معاهم محرم." زجره بحنق، فتابع بتسلية: "الكبير في أمانتي. الصاروخ يخصني أنا. حطي في بطنك بطيخة صيفي." لم تُعره أي انتباه على الرغم من أنها غضبت من وصفه لتلك الفتاة بأنها جميلة، ولكنها في نهاية الأمر غادرت مرفوعة الرأس، ليبدأ "سالم" الحديث قائلًا بجدية:
"لم أحب الطريقة التي جلبناكِ بها من ألمانيا، ولكنك تعرفين لدينا نزاعات مع سيدك، وأنتِ بدون قصدٍ اقحمتِ بها، لذلك اعذريني." كانت هائمة بداخلها من هيئته ورجولته الفظة وطريقته الخشنة في الحديث، حتى في الاعتذار يبدو رائعًا، لم تمس هيبته أبدًا، وقد كان هذا يروقها كثيرًا، ولكنها كانت تُتقن إخفاء جميع شعورها خلف ذلك البحر الأزرق الهادئ في عينيها، لتقول بلهجةٍ يشوبها الانزعاج:
"أقدر لك اعتذارك كثيرًا، ولكن ما الفائدة منه وأنا الآن بلا أي شيء. لا مال ولا مسكن ولا أوراق، وسيدي يرقد هناك بين الحياة والموت." يعلم أنها امرأة لعوب، ذلك الهدوء القابع خلف زرقتها الداكنة لم يُريحه أبدًا، ولكنه قرر أن يصل معها إلى أقصى ما يُمكنه الوصول، لذا قال بخشونة: "كل ما ذكرته يُمكن تأمينه عدا حياة سيدك فهي ليست بذات قيمة حتى أنظر لها." أعجبها حديثه فقالت بنبرةٍ رفيعة جذابة:
"إذن سأنظر لها أنا، وسأطلب منك الإفراج عن هارون وإرجاعنا إلى بلدنا في أقرب وقت." "بإمكاني إعادتك الآن لو أردتي، ولكن هارون ليس زائرًا لكي يعود، إنه ولأول مرةٍ بموطنه الأصلي، لذا اخرجيه من حساباتك." "انت تتحدث عن كونه بجانب والدته التي ضحت به وهي رضيع. حبًا بالله أنت رجلٌ ذكي، كيف تتوقع منه أن يتقبلها؟ أو حتى يشعر تجاهها بأي مشاعر؟ "هذا ليس من شأنك." أجفلتها جملته لثوانٍ، فتابعت السير على خطتها
باحترافية وهي تقول بسخط: "بلى أنه من شأني، فأنا من عاشرت هارون لسنوات وأكثر شخص يعرفه، وهو صديقي، لذا فأنا يحق لي أن أقف أمامك الآن وأخبرك بأن تُطلق سراحنا." تأكدت شكوكه حولها ووصل إلى مبتغاه معها، لذا رقّق من لهجته قليلًا حين قال: "إذن إن كنتِ صديقته وأكثر من يعرفه، فهذا يعني أنكِ في بيتك، وإلى أن يصل هارون إلى معرفة الحقيقة ويختار في أي جهةٍ عليه الانضمام، أنتِ ضيفتنا، ما رأيك؟
كان النرد في صالحها وحسمت جولتها الأولى لتترسم مكانها في ذلك البيت بجانبه، فانتابتها سعادة قوية خبأتها جيدًا في جوفها قبل أن تقول بنبرةٍ يغلب عليها الانزعاج: "وهل وضعت أمامي أي خيار آخر؟ "أنا لا أطرح الخيارات يا جوهرة. أنا أختصرها في طريق واحد يصل بي حيثما أريد." رائع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هكذا رددت بداخلها وهي تناظره بعينين تلتمع بهما بريق الإعجاب الذي سرعان ما أطفأته وهي تقول بحنقٍ مفتعل:
"كلاكما أنت والسيد ناجي تملكان تلك العجرفة، ولكني سأتغاضى عنها مقابل البقاء بجانب هارون ومساندته. وهذا لا يعني أنني سأكون شخصًا متساهلًا مع أي خطأ بحقي أو بحقه." شملتها عينيه بنظرةٍ أوقدت حمية الرغبة بقلبها التي تضاعفت حين قال بفظاظة: "يُعجبني كون هارون يمتلك شخصًا مثلك بجانبه." "أشكرك. هل يمكن أن أخرج الآن؟ "تفضلي." التفتت تنوي المغادرة، ولكن لم يُفُتها نظرات "مروان" التي يتساقط منها الإعجاب الذي تجلى في
نبرته حين قال ما أن غادرت: "بقى البت دي مطولة معانا؟ يخربيتك يا سما. طلقها قرب بنت الفقرية. أنا كدا اتأكدت إنها بومة." "ليه أن شاء الله؟ بقى بتقارن سما بالبنت دي؟ "ليه أهبل! مفيش وجه مقارنة أصلًا." "قول لنفسك، هو في زي بنت عمتك!
"الحمد لله إن مفيش، وبعدين دي مقارنة غير عادلة، زي بالظبط لما تقارن بين كفر الشيخ وشرم الشيخ كدا. الاتنين عندهم شيخ آه بس الأول شيخ جامع والتاني شيخ منصّر، وأنا بما إني فلاتي فـ هختار شيخ المنصّر." "تصدق حلال اللي بتعمله فيك عمتك." "ماهو ربنا خدلي حقي ورضاني. شوف سبحان الله عشان أنا نيتي طيبة ربنا بعتلي هارون يخلص تاري وجوهرة تطفي ناري. والله فعلاً الأعمال بالنيات." ناظره "سالم" بحنقٍ تراجع على إثره "مروان"
الذي قال بتملق: "بس سيبك انت، سنترتها. البت يا قلب أمها مكنتش عارفة تروح فين منك؟ بس انت ليه يا كبير هتقعدها معانا؟ بتكافئنا يعني ولا إيه؟ قال جملته الأخيرة باستفهام جعل "سالم" يقول بنفاذ صبر: "بكافئك على إيه على لسانك اللي عايز أقطعه! البت دي ضيفة هنا، إياك حد يقربلها وخصوصًا انت. خلينا نشوف آخرتها إيه مع ناجي وأشكاله اللي شبهه دي." "لا شبهه إيه. بقى لهطة القشطة دي شبهه؟ سما اللي طلعت شبهه مناخيرها كبيرة زيه."
لم يستطع منع ضحكة انفلتت منه إثر كلمات "مروان" العابثة، ليصيح الأخير مازحًا: "شوفت أهو انت بتضحك تبقى شبهه. حسرة عليا وعلى بختي الأسود." زجره "سالم" قائلًا: "أتلم يا مروان، وخلي بالك من سما، هي محتاجالك الفترة دي." "آه مانا واخد بالي، طلعت أطمن عليها قفلت الباب في وشي. قال إيه عمتي نايمة. طب ماهو دا المطلوب إنها تبقى نايمة عشان أعرف أواسيها. هواسيها إزاي وعمتي صاحية! تفهم "سالم" سخطه فقال بتعقّل:
"سما أقرب واحدة لعمتك، ودا مخليها عايزة تخفف عنها بأي طريقة عشان كدا هتلاقيها رخمت عليك، لكن هي محتاجالك." "مانا عارف، وخصوصًا إن العبد لله حنين، بس هي اللي غشيمة. هو أنا اللي خبيت البغل دا وداريته عنهم؟ "يا ابني افهم، هي بتحاول تفهم وتستوعب اللي حصل." "اشمعنى طارق داير يطبطب ويحضن ويفهم ويستوعب مفيش أوكرة حتى اتقفلت في وشه! ولا أنا مكتوب على وشي حزين، الدنيا حزين الآخرة! ضاق ذرعًا بعناده فهتف غاضبًا:
"سما غير شيرين، ويالا من هنا صدعتني." ما أن خرج "مروان" حتى أعلن الهاتف عن اتصالٍ كام من "صفوت" الذي ما أن أجاب "سالم" حتى صاح غاضبًا: "انت بتستهبل يا سالم، إزاي تسهل له الدنيا عشان يهرب؟ افرض مكنش جه القصر كان هيطير منك؟ "مكنش هيغيب عن عيني وهو عارف الكلام دا. كنت محتاج أعرف هيتصرف إزاي وتفكيره هيوديه فين؟ "بس كانت مجازفة يا سالم، وانت شفت همت واللي حصلها."
"الخيرة فيما اختاره الله يا صفوت. ربنا أراد إنها تعرف عشان مبقاش ينفع حاجة. خلي اللعب على المكشوف." "طب أنت ناوي على إيه؟ "مش ناوي. هبقى رد فعل المرة دي." "بمعنى؟ "إحنا قدام احتمالين. يا إما ناجي قاصد إن كل اللي حصل دا يحصل. يا إما إننا فاجئناه، وموضوع إنه في العناية المركزة دا مش داخل دماغي. طارق عارف كان بيضرب فين بالظبط." "يعني تفتكر هو قاصد يزرعه جوانا؟
"وارد. كل شيء وارد. بس خلينا معاه لحد الآخر. هو ساكت وأنا ظاهريًا ساكت، لكن هـ أستغل الهدية اللي بعتهالي سواء بقصده أو لا. لحد ما كل واحد يضرب ضربته الأخيرة." تفاجأ "صفوت" من حديث "سالم" الذي يحمل حقدًا واضحًا، فاتبع معه منحنى الهدوء قائلًا: "تقصد إيه إنك هتستغل هديته؟ "الواد دا هو اللي هاخد بيه تار أخويا اللي ضيع مستقبله، وحرمنا وحرم أمي منه." "مُصرين بردو تمشوا؟ طب ما تقعدوا معانا كمان يومين."
هكذا تحدثت "حلا" بحزن إلى "سليم" الذي ما أن انتهى الغداء حتى عجل بـ مغادرتهم لكي يعود إلى القاهرة مرة أخرى، فالأوضاع هُناك مُحتدمة، هكذا أخبره "مروان" ليقرر بأنه عليه العودة في أسرع وقت. "حبيبتي يا حلا، صدقيني ورايا شغل كتير. بس إن شاء الله الدنيا تظبط كدا وهجيب ماما والعيلة كلها ونيجي نزوركم." تدخل "ياسين" يحتضن كتفيها وهو يقول بهدوء:
"والله يا سليم إحنا كان المفروض هنيجي نزور الحاجة أمينة بس حمل حلا كتفنا. غلط على البيبي السفر في الأول كدا." "ولا يهمك أنا عارف. إن شاء الله لما تشد حيلها شوية تيجوا تقعدوا معانا يومين." هكذا تحدث "سليم" فأجابه "ياسين" الذي كان يُتابع ملامح "جنة" الذابلة: "إن شاء الله. أنتِ كويسة يا جنة؟ حاولت أن تشحذ بعضًا من قواها لترسم ابتسامة باهتة على ملامحها قبل أن تقول بهدوء: "كويسة يا ياسين. الحمد لله."
اقتربت "تهاني" تعانقها بقوة وهي تقول بجانب أذنيها: "إن شاء الله دايمًا كويسة يا بتي. خلي بالك من نفسك ومن محمود." "حاضر يا طنط. متقلقيش." تقدمت "حلا" لتُمسك بيد "جنة" تجذبها إلى ركنٍ مُنعزل وهي تقول بمرح: "عن إذنكم هنقول شوية كلام بنات على ما تشربوا القهوة." لم تُمهلهم الوقت إذ جذبت "جنة" إلى الشرفة الخارجية للقصر لتُجلسها على أحد الأرائك وهي تقول بتحذير: "قوليلي مالك فيكِ إيه؟
وإياكِ تخبي عليا. وشك متغير ولونك مخطوف وعينيكِ فيها دموع. سليم عملك حاجة؟ لم تستطع مقاومة طوفان العبرات التي تدحرجت فوق خديها كصخورٍ مُدببة تترك آثارًا مؤلمة لا يُمكن محوها، فشُهقت "حلا" بصدمة، وسرعان ما جذبتها إلى أحضانها وهي تقول بتأثر: "أنا قولت فيكِ حاجة؟ مالك يا جنة احكيلي. فيكِ إيه؟ مين زعلك كدا؟ تعالت شهقاتها حتى بدت تؤلم صدرها الذي كان يعلو ويهبط من فرط الوجع الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
"أنا حامل، والبيبي لازم ينزل." شهقت "حلا" بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت: "إيه؟ بيبي إيه اللي ينزل؟ "الدكتور قال لسليم إنه مينفعش حمل في الوقت دا وأن البيبي هيكون مشوه بنسبة كبيرة عشان جرعات الكيماوي اللي أخدتها." تعاظم الأسى بصدرها على تلك المسكينة التي لا تنفك الحياة تُحاصرها بأزماتٍ وعواقب تفوق طاقتها وسنوات عمرها، ولكنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام حزنها، لذا قالت بنبرة هادئة: "طب وأنتِ زعلانة ليه يا هبلة؟
دا أنتِ حقك تفرحي." انتزعت "جنة" نفسها من بين يدي حلا وهي تقول بصدمة: "أفرح! بقولك هنزل ابني يا حلا تقوليلي أفرح! "أيوا تفرحي. عشان حملك دلوقتي يعتبر معجزة ربنا بعتهالك عشان يقولك إنك تقدري تحملي. مش كنتِ مرعوبة لما عرفتي بموضوع الكانسر لتكوني مش هتعرفي تحملي تاني؟ شوفتي ربنا بقى وجماله. بعتلك حتة معجزة صغيرة تقولي يا جنة أنتِ تقدري تحملي. حتى لو هتضطري إنك تنزليه وتصبري شوية بإذن الله ربنا هيكرمك."
أضاءت تلك الفكرة عقلها وارتج قلبها من فرط الرهبة التي سرعان ما تحولت لابتسامة بلهاء أسعدت قلب "حلا" كثيرًا، والتي قالت بحماس: "كنتِ خايفة وأهو ربنا طمنك. عارفة إن الموضوع صعب بس معلش، كل دي ابتلاءات عشان ربنا يشوفنا ناس مؤمنة وهنصبر ولا لأ؟
وأنتِ تستحقي كل خير ودايمًا افتكري إن في كل كرب مريتي بيه كان ربنا بينزل اليسر مع العسر. من بين حدوتة حازم ووجعها خرجتي بسليم ومحمود اللي لولاه مكنتيش عرفتي بتعبك واتعالجتي منه وهو لسه في أوله. شوفتي بقى ربنا رحمته واسعة إزاي؟ تساقط الدمع من عينيها تباعًا مع كلماتها حين قالت بقلبٍ راضٍ ونفسٍ هادئة: "ونعم بالله. عندك حق. الحمد لله أنا أقدر أخلف تاني. دا المهم. أنتِ عندك حق يا حلا." عانقتها "حلا" بحنو
تجلى في نبرتها وهي تقول: "أنتِ طيبة أوي يا جنة واتظلمتي كتير. بس ربنا كبير والله وهيبعتلك فرح الدنيا كله." شددت من عناقها وهي تقول بأمل: "إن شاء الله." رفعت "حلا" رأسها وهي تناظرها بعينين يخفيان الكثير مما جعل "جنة" تقول باستفهام: "في إيه؟ حساكِ عايزة تقولي حاجة ومترددة؟ تحمحمت "حلا" قبل أن تقول بخفوت: "هو. هو أنتِ هتروحي مع سليم البيت؟ "يعني إيه هروح مع سليم البيت؟ أومال هروح فين؟
هكذا تحدثت "جنة" باندهاش قابلته "حلا" بالتردد لتحثها "جنة" على الحديث قائلة: "في إيه يا حلا؟ مخبية عني إيه؟ أنتِ نسخة من مروان وبيبان عليكِ. احكي." زفرت "حلا" قبل أن تقول حديثها دفعة واحدة: "طب هو أنتِ استعديتي عشان تقابلي لبنى؟ مر الاسم على عقلها دون أن يترك أثرًا، لهذا قالت باستفهام: "لبنى مين؟ لم يكن هناك مفر من إخبارها، لذا سحبت قدرًا كبيرًا من الأكسجين داخل رئتيها قبل أن تقول:
"لبنى البنت اللي حازم اغتصبها قبل ما يسافر جت عشان تعيش في القصر معاكوا! شهقة قوية خرجت من جوفها قبل أن تهب من مكانها وهي تقول بصدمة: "إيه؟؟؟ "جنة مش يالا اتأخرنا." هكذا تحدث "سليم" يحثها على النهوض، فلم يفته ملامحها المصدومة، ولكنها سرعان ما استعادت جأشها وهي تلتفت إلى "حلا" قائلة بجمود: "نبقى نكمل كلامنا في الفون."
أومأت "حلا" بصمت، فيما اندفعت لتبادل السلامات مع الجميع لتتوجه معه إلى السيارة لتبدأ رحلة العودة الهادئة، وحين لاحت معالم مدينة القاهرة التفتت إليه قائلة بهدوء: "ينفع منروحش البيت على طول؟ كان يشعر بأنه هناك شيء خلف هدوئها هذا، ولكنه أرجحه إلى أن الأمر بسبب الحمل، لذا قال بحنو: "حابة تروحي فين؟ "ممكن تروح أي فندق. يومين بس، وبالمرة نروح للدكتور ونشوف هنعمل إيه؟
لم يُجادلها، إنما استجاب لذلك النداء المطل من عينيها لكي يحتوي بعثرتها التي اهتدت فوق ساحة صدره الدافئ، ليضع قبلة حانية فوق جبهتها بينما عينيه مازالت على الطريق أمامه وهو يُفكر كيف يُمكنه أن يخبرها بكل ما فاتها دون أن يُشير إلى الماضي بآلامه.
سبعة أيام بلياليها لم يُفارق مصحفه، وكأن هناك خيطًا خفيًا يربطه بتلك الحروف التي تخترق غياهب صدره، لوقد نورًا وسكينة وهدوءًا نفسيًا لم يختبره مُسبقًا، فقد كان كمن تاه بصحراء الحياة القاحلة وضاع بين رمالها الصفراء، نزل حتى ظن أنه هالك، ليأتيه ذلك الضوء الملائكي ليرشده إلى واحة سلام جعلته يرى صحراءه جنانًا خضراء يمرح بها، وهو يؤدي عمله بجد ومحبة بعد رحلة تمارين شاقة، ثم ينزوي في صومعته يقرأ ويتفقه في تلك الكتب التي لا يعلم من أين أتى بها ذلك الرجل الذي كان مدينًا له بحياته التي أصبحت الآن شيئًا ذا قيمة.
"صدق الله العظيم. فتح الله عليك يا شيخ حازم." هكذا تحدث "جرير" بصوته الخشن، وهو لأول مرةٍ يبتسم بابتهاج لكونه يرى "حازم" الذي استعاد إنسانيته من جديد واتخذ مساره الصحيح في هذه الحياة، فقد راهن نفسه على نجاحه في مسعاه معه، والآن لاحت بوادر النصر على الرغم من أن الاختبار الحقيقي لم يأتِ بعد. "صباح الخير. شيخ إيه يا عم، أنا لسه بقول يا هادي." "طب يالا عشان الغدا عليك النهاردة." "يعني إيه؟ متقوليش هتخليني أطبخلك!
"ليه حد قالك إني عايز أنتحر! قوم يالا انت اللي هتجبلنا الأكل." نصب عوده وهو يتقدم منه قائلًا بعدم فهم: "يا عم فهمني تقصد إيه؟ هروح أشتريلك الأكل يعني؟ "هو انت حيلتك حاجة؟ هكذا تحدث "جرير" ساخرًا، فشاركه "حازم" المزاح قائلًا: "على أساس إن المحلات مقطعة بعضها حوالينا! دا إحنا في المنفى دا من الله إننا مموتناش من الجوع." "بتتريق مش عاجبك! احمد ربنا غيرك مش لاقي اللقمة."
لامست جملته شيئًا ما داخل قلبه حين تذكر موقفًا مع "سليم" حين أراد أن يشتري سيارة جديدة ولم يمضِ على شراء سيارته السابقة ستة أشهر: "عربية إيه اللي تغيرها يا ابني! دي عربيتك مكملتش ست شهور. حرام عليك ربنا يحاسبنا! تذمر "حازم" قائلًا: "يحاسبنا على إيه؟ هو انت بتأفور ليه؟ ما كل الناس بتغير عربياتها على طول جت عليا يعني! "يا ابني حرام دا تبذير. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين." صاح "حازم" ساخطًا:
"يا عم تف من بقك. هتشيطني عشان عايز أغير عربيتي! تبذير إيه دا انت بخيل وجلدة، واقفلي عالواحدة وبتديني بالقطارة. أنا بعد كدا هتعامل مع سالم. ماليش كلام معاك." برقت عيني "سليم" من كلماته التي تحمل بهتانًا كبيرًا في حقه: "أنا بخيل وباديلك بالقطارة! تصدق إنك إنسان جشع. دا انت بتاخد مصروف في الشهر قد اللي أسرة كاملة بتصرفه في تلت شهور وبرضو مش عاجبك. احمد ربنا في غيرك مش لاقي اللضى."
"وأنا مالي ومالهم. ذنب أمي إيه أدفع تمن إن في ناس مش لاقية. كل واحد وظروفه، وأنا ابن الوزان يعني أصرف براحتي. اعتبره من حقي في أبويا." كان الجشع يتساقط من بين نبرته ونظراته، فتأثر "سليم" كثيرًا من رؤية شقيقه لتلك الدرجة من الجشع، لذا قال بخيبة أمل: "بكرة تندم لما النعمة تزول من وشك. وقتها هتعرف إن الله حق." أخفض "حازم" رأسه ولسان حاله يهتف بحرقة: "عرفت إن الله حق يا سليم. عرفت."
سرعان ما زوى ما بين حاجبيه وهو يتذكر كلمات والدته المُوبخة التي قالتها لـ "سليم" إثر ما حدث: "في إيه يا سليم؟ بتزعق لأخوك وتزعله ليه؟ ما براحته. إيه يعني أما يغير عربيته في السنة مرة ولا اتنين! "يا ماما أنتِ كدا بتبوظيه! غلط. دا تبذير ربنا ميرضاش بكدا أبدًا." "انت اللي هتعرفني ربنا يا سليم! وياريت ربنا بيقولك تقف قدام أمك تزعق بالشكل دا! "يا أمي... قاطعته بحزم:
"ملكش دعوة بيه، وأوعى بعد كدا تمنع عنه أي فلوس يطلبها، وإلا هتزعل مني. حازم يركب أحسن عربية في أصحابه، هو ابن أي حد دا ابن منصور الوزان." أطلق تنهيدة قوية قبل أن يرتفع برأسه لمطالعة "جرير" الذي تفهم ما يمر بداخله، فلجأ للصمت الذي قطعه "حازم" قائلًا بنبرةٍ مُتحشرجة: "الحمد لله على كل حاجة." "يالا. عشان هعلمك تصطاد النهاردة." "نصطاد سمك؟
خرج الاستفهام مندفعًا من بين شفتيه مما جعل قهقهة قوية تخرج من فم "جرير" الذي صاح بصوتٍ جهوري: "يا ابني مكنوش يؤدبوك زمان ويريحونا من غبائك. غزلان يا خفيف." انتابه الحرج الذي سيطر على لهجته حين قال: "يا عم طلعت غصب عني مانا معرفش غيره بيصطادوه." "طب قدامي. قدامي يا خويا خلينا نشوف قرفتك هتبقى إيه؟ "لا بلاش تراهن أنا فقر طول عمري، وإلا مكنتش قابلتك."
"صفوت بيه. الست اللي قولتلي أجمع معلومات عنها تبقى مرات مجرم سابق كنت انت بتحقق في قضيته اسمه جندي الرفاعي. اللي مات محروق في السجن." تلقى صفوت تلك المعلومات بصدمة، بينما أخذ يتذكر تلك القضية التي قضى بها أكثر من ثلاث سنوات ليتم القبض على أحد كبار تجار المخدرات في البلاد، وحين حالفه الحظ و قام بالقبض عليه توفي بعد سجنه في أسوأ ظروف قد يتوقعها أحد.
لا يعلم لما أخذه عقله إلى تلك القضية ليسترجع تفاصيلها التي فقد كان بها الكثير من الأحداث المشينة، فهو لا يزال يتذكر ذلك التحقيق الذي أجراه منذ أكثر من تسعة عشر عامًا. عودة لوقتٍ سابق. "ما تجيب من الآخر يا جندي، وتقول مين اللي مشغلك؟ لم ترهبه معالم الرجل الذي يرتسم بهم الإجرام، ولا تلك النظرات المرعبة التي تطل من عينيه، ونبرته القاسية حين قال: "إحنا بنشتغل لحسابنا يا بيه. قولتلك الكلام دا قبل كدا." زفر "صفوت" حانقًا
قبل أن يقول بجفاء: "كل الكميات دي لحسابكوا! فاكرني مختوم على قفايا ياله؟ شبح ابتسامة ساخرة لونت ملامحه بطريقة استفزت "صفوت" الذي برقت عينيه حين تمتم جندي بتهكم: "لسه واخد بالك دلوقتي! زمجر "صفوت" بشراسة: "بتقول إيه ياله؟ علي صوتك يا روح أمك." ابتلع جمر الإهانة وهو يرتفع برأسه يناظره بعينين لونتهما السخرية: "بقول حاميها حراميها." برقت عيني "صفوت" بغضب جحيمي واقترب يمسكه من تلابيبه وهو يزمجر بوحشية:
"تقصد إيه ابن الكلب؟ حاول التحدث وهو يُجاهد لالتقاط أنفاسه بصعوبة: "انت. عا. عارف. كل. حاجة، و عامل. نفسك. مش. مش فاهم. عشان اسم العيلة."
انسل من بين يدي "صفوت" الذي أصابه الجمود لكلماته الغامضة والتي فتحت أبواب الجحيم في عقله، فقد كان يشتبه بمصادر أموال شقيقه ولكنه لم يكن يمسك عليه شيئًا، ولكن الآن دق هذا الوغد نواقيس الشك بعقله. ولكن قاطع تفكيره رنين هاتفه الذي جعله يتقدم ليُجيب بجفاء في حديث دام لعدة دقائق، أنهه وهو يرتفع برأسه يُطالع "جندي" بجمود تجلى في نبرته حين قال: "ابنك نقلوه المستشفى امبارح الفجر، وحالته خطر. لسه بردو مُصر تخبي؟
اعمل خير حتى يقعد لك في ابنك يمكن ربنا يشفيه." اهتز الرجل بدرجة كبيرة، ولكنّه أخفى ما ينتابه من ذعر خلف قناع من الجمود تجلى في نبرته حين قال: "لو له عمر هيعيش سواء عملت خير أو شر." زفر "صفوت" حانقًا ثم صاح مناديًا لذلك العسكري ليأخذه إلى الحبس، ولكن قبل أن يُغادر تحدث "صفوت" بنبرة ذات مغزى: "فكر من هنا للصبح. أنا بايت هنا النهاردة. لو غيرت رأيك عرفني." تعلقت نظرات "جندي" بـ "صفوت" لثوانٍ قبل أن يُغادر بصمت.
أخذ "صفوت" يتذكر تلك الليلة في منتصفها حين جاءه أحد العساكر يُخبره بأن المسجون بالأسفل يُريد التحدث إليه، وبالفعل أرسل في طلبه ليقول المدعو "جندي" بلهجةٍ يشوبها الألم: "مش هفتح بقي بحرف إلا لو شفت ابني! بدأ الهواء النقي بالدخول إلى رئتيه ليقول بخشونة: "موافق. بكرة زي دلوقتي هتشوفه." "ولو فرض مَستنَاش لبكرة؟ "لو مكتوبلك تشوفه هتشوفه، وبعدين هو خروجك من هنا سهل؟ "مش خايف أهرب؟ "لا. أنا وانت عارفين إنك مش هتعمل كدا."
لم ينسى ذلك اليوم المقيت حين ساعده لرؤية طفله الذي توفي بعدها بثلاث ساعات، فلم يكن يعرف كيف يُخبره أو أن كان عليه إخباره من الأساس، ولكنه أرجأ هذا الأمر إلى حين معرفة كل شيء منه، ليتفاجأ بـ إنذار حريق ضرب الحجز في الأسفل، وحينها توفي الجميع ومن بينهم جندي! "ياترى سيادة النائب فاضيلي شوية؟
هكذا تحدثت "فرح" وهي تدخل إلى غرفة المكتب لتجده يقوم بتحضير حقيبته للمغادرة، وحين رآها توقف عن فعل كل شيء وامتدت يديه ترحبان بها في دعوة صريحة لاقترابها، وهو يقول بخشونة: "سيادة النائب لو وراه الدنيا كلها يسبها عشان خاطرك." اقتربت تحاوط عنقه بدلال، بينما عاتبته نبرتها حين قالت: "جيت متأخر امبارح ومصحيتنيش، وقمت من جنبي الصبح من غير ما تصحيني. كدا عندك غرامة تأخير امبارح وحضور وانصراف النهاردة."
دغدغت خصرها أنامله فيما غازلتها نبرته حين قال: "وأنا بقول من امبارح ومزاجي وحش ليه؟ "ليه؟ استفهمت بدلال كان رائعًا كروعة كلماته حين قال: "عشان مخدتش جرعة المهدئ بتاعي امبارح ولا حليت بالفراولة بتاعتي النهاردة." "لا دا كدا خطر على صحتك. تعالى هنا." اقتربت تعانقه بحنو كان في أمس الحاجة إليه، لتقتلع من قلبه أشواك القلق الذي تعلم كم يؤرقه ويشغل تفكيره، فكانت لحظات هادئة أدت مفعولها جيدًا، فرفع رأسه يُطالعها
بحب تجلى في نبرته حين قال: "ربنا يخليكِ ليا." "ويخليك ليا. قولي مفيش جديد؟ عاد الغضب يلوح بسماء عينيه ويتجلى بنبرته حين قال: "لسه. محتاجين أي طرف خيط نبتدي منه." "طب ما تتكلم معاه." هكذا تحدثت بهدوء ليُجيبها بفظاظة: "عشان أثبتله إنه نجح في إنه يلخبطلنا كل تفكيرنا." "طب بص. إحنا نمسك الحكاية من الأول، وأكيد هتلاقي حاجة توصلنا لطرف خيط. بس الأول نرتب أوراقنا." "رتبي." شرعت في ترتيب أفكارها أولًا قبل أن تقول بعملية:
"أولًا الولد دا مترباش مع ناجي، ولا اتربى في بره مصر. يبقى معناه إنه اتربى هنا، واتربى تربية زي بتوع الجيش والشرطة كدا، ودا طبعًا باين على جسمه وعلى ثباته الانفعالي." أومأ برأسه ليحثها على الحديث، فتابعت بتعقّل: "وطبعًا ناجي كون إنه هو أخده وخباه العمر دا كله يبقى غالي عليه، وخصوصًا إنه وريثه الوحيد. يبقى أكيد هيسيبه عند حد محل ثقة مش أي حد والسلام." بدأت بطرق أبواب موصدة داخل عقله الذي يأخذ يعمل في جميع الاتجاهات،
لتتابع قائلة بحماس: "كدا يبقى إحنا بندور على حد من الماضي. حد كان قريب من ناجي زمان. من تلاتة وعشرين سنة وأكيد أكتر، والفترة دي هو كان عايش معاكوا، فأكيد كان له حد قريب منه تعرفوه؟ افتكر كدا." لا يزال على حالته الصامتة يُفكر في حديثها ويتذكر أفعال ذلك الرجل، فلم يكن له أصدقاء من وسطهم أو أقربائهم، فقد كان مكروهًا من الجميع، لم يكن يرى معه أحد كثيرًا، فكل من يصادقهم كانوا يشبهونه ولم يتطرق أحد منهم في التعرف إليهم.
زفر بقلة حيلة وتبلور الغضب بعينيه، فاقتربت منه تجذبه من يده وهي تقول بحماس: "كدا مينفعش. قوم تعالى معايا." زوى ما بين حاجبيه وهو يقول باستفهام: "في إيه؟ وخداني على فين؟ "هقولك على الحل السحري اللي بستخدمه لكل مشاكلي بس فيك مين يحفظ السر." اندهش كثيرًا من حديثها، ولكن راقت له كلماتها وطريقتها، فترك نفسه لها لتقوده حيثما تشاء، فإذا بها تجذبه إلى السيارة وهي تقول بهدوء: "يالا. اتفضل ورانا مشوار صغير."
تقود قلبه بمنتهى الاحترافية التي تجعله يتلقى الأوامر منها لأول مرة بحياته عن طيب خاطر، ولكنها كانت امرأته التي خُلقت منه واكتمل بها، لذا طاوعها دون حديث لتقوده إلى أحد محلات بيع ألعاب الأطفال، وإذا بها تشتري الكثير من الألعاب إلى أن امتلأت السيارة بهم، فلأول مرة يتحدث قائلًا بخشونة: "أنا ساكت مش راضي أسألك. بس أنتِ أكيد عندك تفسير." "طبعًا عندي. يالا بينا."
بعد عشرين دقيقة توقفت السيارة أمام مبنى كبير للأيتام، فترجلت "فرح" لتخاطب الحارس الذي بدا وكأنه يعرفها، فقد كان رجلاً في أواخر الخمسينات يبتسم لها بود وبشاشة مما جعل بسمة حانية ترتسم على ملامحه وهي تتقدم منه قائلة بلهجة رقيقة: "لما بتضيق بيا بفرح غيري وبستنى نصيبي من الفرحة دي من ربنا."
قادته إلى الداخل ليرتج قلبه من مظهر الأطفال الصغار وهم فرحون للغاية بتلك الهدايا البسيطة وهي بينهم كالفراشة تنشر الفرح بكل مكان، فتضاعف عشقه لها، خاصةً حين اقتربت تقول بتأثر: "فرحتهم متتوصفش إزاي؟ أنا بحس إن قلبي طاير وهو شايفهم فرحانين كدا." احتوتها عينيه ويديه حين قربها لتقف بجانبه وهو يقول بنبرةٍ عاشقة: "دانا اللي قلبي طاير عشان اخترتك من بين كل ستات الدنيا." التفتت تناظره بحنو وهي تقول بلهجة هادئة:
"الصدقة دي عبادة عظيمة أوي، أنا لما بتضيق بيا الدنيا بنزل أمشي في الشارع أدور على أي حد محتاج وأساعده. عارف بترفع البلاء، وسبب من أسباب البركة، وبتضيع الخنقة وبتشرح القلب، دوا لكل مرض مالوش علاج. بتطهر المال، وبتؤمّن الإنسان من الخوف. بتطفي غضب ربنا. الصدقة دي حقيقي من أروع العبادات اللي ربنا أنعم علينا بيها. المفروض إننا نستغل النعمة دي."
كانت كلماتها مهيبة على الرغم من أنه يعلمها جيدًا، ولكنه كان يحب أن يستمع إليها كثيرًا، وكعادته معها يأسره حديثها ويستحوذ على جميع حواسه، فأجابها بحنو: "كل كلامك جميل طبعًا بس صدقيني أنا بطلع حق ربنا من كل قرش بيدخل جيبي." قاطعته بقوة:
"عارفة، وعارفة إن في ناس مخصوص بتعمل الموضوع دا. بس صدقيني إنك تنزل من بيتك عشان تعمل كدا بنفسك دي ثوابها عظيم، ونتائجها أعظم. إحنا بنصلي ونصوم ونصدق لينا إحنا. ربنا مش محتاج دا إحنا اللي محتاجينه، وعشان كدا إن شاء الله لينا مشوار زي دا كل شهر على الأقل ننزل بنفسنا ندي ربنا حقه." كلماتها أضرمت الدفء بين حنايا صدره الذي عاهد ربه صامتًا على أن يكون هذا الأمر منهجًا له في العبادة طوال حياته، ولكنه اكتفى قائلًا بخشونة:
"بإذن الله طول ما ربنا مطول في عمري هنعمل كدا سوا." "ربنا ما يحرمنا منك أبدًا و يطولنا في عمرك و يديمك نعمة في حياتنا." احتواها بحنو، وبعد نصف ساعة كانت السيارة تصف في فناء القصر، ليتقابل الثنائي العاشق وجهًا لوجه مع "مروان" العابس الذي قال بتهكم: "جوز الكناريا راجعين منين كدا عالصبح؟ "مجبتش معاك دفتر الحضور والانصراف عشان نمضيه بالمرة؟ "إيه دا إيه دا؟ أنتِ بتقلشي؟ حد قالك إن دمك خفيف؟
لا يا ست حلوتهم أنا بس اللي بقلش هنا، وكمان مش رايقلك." "كل دا ومش رايق! ويا ترى مالك؟ قالب وشك ليه؟ "والله كفاية الخلق اللي معاشرينها اللي تسد النفس دي." هكذا تحدث "مروان" حانقًا، فأجابته "فرح" بسخرية: "تقريبًا كدا مروان متنفضله و واخد استمارة ستة، ودا اللي مزعله." صاح "مروان" بحنق: "ياريت متنفضلي وبس. دانا شايل الطين والسخام على دماغ أمي ولا أكني أنا اللي خبيت المحروس. أنا مالي. راجل خاين وعيل واطي. دخلي أنا إيه؟
غادرهم "سالم" الذي أتاه اتصال هاتفي فتوجه إلى غرفة المكتب، فيما قالت "فرح" باستفهام: "أيوا فعلًا انت دخلك إيه؟
"قولي للبومة اللي فوق دي. كل شوية لو سمحت سيبني عشان عايزة أقعد مع ماما، ولما ماما تنام لو سمحت سيبني عشان متضايقة وعايزة أنام، ولما أقرص عليها في الكلام ألاقي الهانم تقولي ما انت لو مش زي ناجي الوزان كان زمانك قولتلي من أول ما عرفت بوجود هارون. يا بنتي دي أسرار. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش فيه فايدة. حمارة قاعدة تهزلي في راسي وبس." صاحت "فرح" بتأثر: "لا غلطانة سما. طب وبعدين هتعمل إيه؟ "هعمل إيه؟
شايفة مناخيري حمرا إزاي؟ قفلت الباب على مناخيري! قال إيه هي لسه هتقيم العلاقة إذا كنت انفع راجل أحلامها ولا هتبقى همت الوزان جديدة! شهقت "فرح" بصدمة سرعان ما تحولت إلى تعبيرات مُحذرة وهي تشاهد تلك التي تهبط الدرج، فيما هو يُتابع الحديث قائلًا بحنق: "قال أنا ناجي الوزان جديد! دا الشيطان بيقعد متربع قدامه ويقوله يا أبيه. دا راضع سم فئران. يرضيك تشبهني بيه؟ ناهيك عن إنه مناخيره قد الكوز. هل ينفع تشبهني بيه؟
تحمحمت "فرح" وهي تحاول تحذيره، فيما الآخر وكأنه لا يرى شيئًا سوى غضبه الذي جعله يقول بسخط: "قصيرة ومدورة ومتكلمتش. مش مبطلة عياط ليل نهار ومنكدة على أمي ومتكلمتش. الكل داير يحب في البيت دا وأنا ابن البطة السودا. فين الدلع، فين الحنية، فين الحب، فين جوهرة؟ شهقت "فرح" بفزع حين رأت تبدل معالم "سما" التي استشاطت ما أن سمعت كلمته الأخيرة، فصاحت بعنف: "آه قول كدا بقى. مش كفاية عمايلك! كمان بتعاكس ست هانم!
عشان تعرف إنك زيه. كلكم زي بعض دم واحد وطينة واحدة." نوبة ذعر اجتاحته حين سمع كلماتها، ولكنه سيطر عليها وهو يتلفت حوله قائلًا بأذنٍ تترقب السمع: "أم منصور أنتِ سامعة الصوت اللي أنا سمعته؟ كظمت ضحكتها بصعوبة وهي تقول: "تقريبًا مصدر الصوت وراك! صاحت "سما" بنبرةٍ رفيعة غاضبة: "أنا وراك. رد عليا." تجاهلها عمدًا وهو يقول بسخرية: "إيه دا مين داس على عروسته؟ في صوت عروسته. تفتكري جاي منين؟
لم تفلح "فرح" في قمع ضحكاتها مما جعل "سما" تستشيط غضبًا، فصاحت باندفاع: "بقى أنا عروسته! طيب انت بقى اللي جبت النهاية. طلقني! صمت مطبق سيطر على الجميع حين ترددت صدى كلماتها في الأجواء، وتسلطت الأعين فوق "مروان" الذي بدأ جامدًا بدرجةٍ مخيفة دامت لثوانٍ، ثم خرجت كلماته جامدة حين قال: "هو أنا لا سمح الله كنت اتجوزتك عشان أطلقك! "نعم! يعني إيه دا؟
"يعني لا بد أن أدخل بها. أطلق يعني اتجوز الأول. إنما اتجوز صُلَيْطِي وأطلق مُلَيْطِي دا على جثتي يا بنت همت." تراجعت "سما" للخلف مذعورة من مظهره الذي جعلها تصيح بخوف: "انت عبيط ولا إيه؟ كلام إيه اللي بتقوله دا؟ أخذ يتقدم منها وهو يقول بنبرةٍ يتبلور بها الجنون: "عبيط! أنا فعلًا كنت عبيط. هو اللي يتجوزك يبقى إيه؟ يا إما أهبل يا إما عبيط، وأنا بقى هطلع الاتنين على أهلك النهاردة." "اعقل يا مروان! صاح وهو يهرول خلفها:
"لا بد أن أدخل بهااااا."
أخذت وضع المراقبة منذ ذلك اليوم، وها هي الآن تقف أعلى الدرج تنظر بترقب لتلك التي ترددت ضحكاتها في الأرجاء غافلة عن أعينٍ تتحين الفرص للغدر، فما أن توجهت "فرح" إلى غرفة الجلوس حتى هبطت الدرج لتتوجه إلى غرفة المكتب تطرق الباب بنغمةٍ خاصة تُشبهها كثيرًا، فأذن لها "سالم" بالدخول، لتتوقف عيناه على تلك التي كانت ترتدي تنورة قصيرة تصل إلى أعلى ركبتيها، وفوقها قميص قطني بفتحة دائرية عند الصدر ذو أكمام طويلة يجمع ما بين الاحتشام والأغراء، فلم يُعجبه ذلك الأمر، فهو أشبه بدس السُم في العسل، ولكنه تجاهل ما يدور بداخله حين وجدها تتقدم وعلى فمها ابتسامة مُنمقة يعلوها
نظرات غير مريحة بالمرة: "هل بإمكاني أن آخذ من وقتك قليلًا؟ نظر إلى ساعته بعجالة قبل أن يقول بفظاظة: "ماذا تُريدين؟ تروقها فظاظته وتجاهله لجماله المُشع، فهذا يعني أنه صعب المنال، وقد كان هذا شيئًا بالجديد عليها في عالم الرجال، لذا قالت بنبرةٍ جذابة: "أُريد رؤية هارون. أعلم أنك رجلٌ لا يرجع في كلمته وقد أمرت بتأديبه، ولكن ألا تُشفق عليه؟ ألا ينتابك الفضول لمعرفة ما يحمله بقلبه بسبب تلك المرأة؟
"تلك المرأة هي والدته، وأي تُرهات أخبره بها سيدك الأحمق لا تُعطيه الحق في إهانتها." هكذا تحدث بنبرةٍ قاطعة قابلتها بأخرى مستنكرة: "الأمر يتعدى كونها ترهات. لقد كانت حياته صعبة بين أولئك المجرمين، ألا تعرف كيف تربى هارون؟ خطت طوعًا إلى تلك النقطة، ولكنها حاولت جعل الأمر يبدو عفويًا، الأمر الذي تنافى مع تلك النظرة التي أطلت من عينها لوهلةٍ والتقمتها عينيه الخبيرة، لذا قال بفظاظة:
"لا أعرف ولا أريد أن أعرف شيئًا. إنه ابن عدوي، ولن أُشفِق على ما حدث أو سيحدث معه." صمت لثوانٍ قبل أن يقول بسخرية: "بالمناسبة. سيدك لا يزال في غيبوبته، ولا أظنه حين يستفيق سيكون سعيدًا حين يعلم بأنك تجلسين هنا تُفشين أسراره." احتارت في ذلك الرجل كثيرًا. ألا يريد معرفة كل شيء عن "هارون" ليُساعد عمته؟ أم أنه يعرف كل شيء من الأساس ويقطع عليها الطرق؟ هل سيؤذي "هارون" بالفعل؟ أم سيساعده؟
تباين الشعور في نظراتها التي بدت ضائعة قبل أن تقول باستفهام: "انت تُحيرني كثيرًا." لاح شبح ابتسامة جانبية على فمه قبل أن يقول بخشونة: "لما؟ "لا أقدر على النفاذ إلى عقلك." "لا تجهدي نفسك، فتلك الأمنية يستحيل حدوثها." هكذا خاطبها بفظاظة قابلتها بنبرةٍ جذابة بها لمحة من الجرأة: "ماذا لو كنت امرأة لا تؤمن بـ المستحيل! "هذا يعني أنكِ امرأة تحب المخاطرة." "يُسعدني أن تُلاحظ ذلك."
رفع رأسه يُطالعها بنظراتٍ غامضة قبل أن يقول بنبرةٍ جافة: "المرأة التي تحب المخاطرة لابد وأن تكون على قدر كافٍ من الذكاء، لذا أثبتي ذلك." "ماذا تريد؟ هكذا خرجت الكلمات من فمها باندفاع ليُجيبها بجمود: "سأخبرك حين أريد شيئًا."
لم يتسن لها الحديث، فقد فتحت كلماته أبواب الأمل بداخل صدرها، وحين أوشكت على إجابته استمعت إلى قفل الباب يدور ودخول "فرح" التي اشتعلت شرارة الغيرة بقلبها حين رأت تلك المرأة تجلس مع زوجها، ولكنها حاولت كظم غيظها وهي تقول بنبرةٍ يشوبها التكبر: "بحث الخدم عنكِ كثيرًا ليعلموكِ بأن إفطارك اليوم سيكون مع هارون." التفتت "جوهرة" متصنعة الأسف حين قالت: "آه. اعتذر لم أعلمهم بمكاني."
"إذن لا تكرري الخطأ مرة أخرى. هيا لكي لا تتأخري، فنحن نحب الالتزام في هذا المنزل." كانت كلماتها تحمل معانٍ أخرى وتحذيرات لم تخطئ في فهمها، وقد كان هذا يزيد من لذة الأمر كثيرًا، لذا أومأت برأسها وهي تتوجه بخيلاء إلى الخارج، وما أن خرجت حتى التفتت "فرح" قائلة بلهجةٍ حاولت أن تصبغها بالجدية: "مفروض كمان نص ساعة تكون في الشركة. عشان عندك اجتماع مع الشركة (... ياريت متكونش ناسي."
ابتسم بهدوء على مظهرها وقد أيقن بأنها غاضبة، فحاول إخماد ثورتها قبل أن تبدأ حين قال بخشونة: "حتى لو نسيت أنتِ موجودة، ودي حاجة مطمناني." لاح شبح ابتسامة راضية على ملامحها قبل أن ترتدي قناع الجدية وهي تقول بهدوء: "اطمن أوي أنا دايمًا موجودة." لم يكد يُجيبها حين اندلعت صرخات هلع من الخارج، ليهرول وخلفه "فرح" لمعرفة ماذا يحدث، ليتفاجأ الجميع بـ "مجاهد" الذي صاح مذعورًا: "الحقوا ست همت الخيل دهس عليها في الإسطبل."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!