الفصل 26 | من 40 فصل

رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
21
كلمة
8,019
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

قُدت حروف الألم بشواظٍ مُشتعِلة فوق جُدران القلوب. تروي فجيعة نعامةٍ هلِكت برائتها وتناثرت دمائها بين أروقة الدروب. فالعشق كان إثمها، والشجو بات عُقبها، والقهر مارس فُحشة كسافحٍ لا رادع له، ظالمٍ لا يهوب. لا البوح يقدر أن يفِ، والصمت لم يكُن وفي، والدمع طوفانه سخي لا تكفه فيض الصبوب. تُرى هل من سبيل لـ نجاتنا؟ وثوب الروح أضحى هالكًا بُليت خيوطه ولفقتها إجثام الندوب!

أم أن الشِقاق بات رفيقنا برحلةٍ تأبى الفناء وهي غارقة بـين أوحال الذنوب؟ بالله أُناشدك يا قلبٌ ما أذلني سواه ألم يحِن الوقت كي تهجر العشق وأن تتوب؟ -علقت الأنفاس بالصدور للحظة وتعُلقت الأعين مُلتحفة بنسيج الدهشة التي أفقدتهم النُطق جميعًا، فكانت وجوههم و كأنها قُدت من حجر.

وكم كان هذا مُرضيًا لذلك الفتى الذي بلغ مبلغ الرجال قبل أوانه وتجرع الحقد مغموسًا في قبح النذالة حتى اكتفى القلب وفاض وقرر أن يُدير لعبة الكبار على طريقته. "ايه يا رجالة الوزان مش هترحبوا بيا ولا ايه؟ هكذا تحدث «هارون» باستمتاع. تجاهله «سالم» الذي قست عينيه واحتدمت ملامحه، ولكن جاءت نبرته فظة كالعادة. "تعالى ورايا."

ذلك الرجل الفظ يُثير بداخله نوازع الغضب، وخاصةً حين يطلق أوامره واجبة التنفيذ كأسهم لا تُخطيء أهدافها أبدًا. لذا أضرم نيران التحدي بينهم حين قال بجفاء: "مش لما نتعرف على باقي أعضاء العيلة الكريمة الأول يا ابن خالي؟ "خاله! كان هذا صوت «همت» التي انضمت للجميع في الخارج لمعرفة سبب تلك الجلبة.

فلتفت أنظارها ذلك الشاب الضخم الذي يمتلك عينين تُشبه الذئاب في حدتها، وارتجف بدنها كُليًا حين رأته، وخلفه تلك الفتاة الشقراء التي تُطالع بترقب ما يحدُث. ولكن ما أثار ريبتها تلك الكلمة التي اخترقت سمعها، فهتفت مُستنكرة ونظراتها تتفرق بين «سالم» والغريب الذي لم يكُن أبًدًا غريب، بل كان أقرب من الوريد ذات يوم قبل أن تنتزعه يد الغدر لتفصل بينهم هوة ساحقة مُدججة بلظى الجحيم.

"معقول همت هانم الوزان بجلالة قدرها جاية تستقبلني؟ دانا حظي النهاردة من السما! سُرعان ما بدأ الجميع باستعادة وعيهم، ولكن كان عدم الفهم يُشكل علامات استفهام في نظراتهم. ماعدا الرجال الثلاثة وبجانبهم «فرح» التي اقتربت من زوجها لتُعيد له بعضًا من هدوءه الذي كان يُجاهد بالسيطرة عليه. وقد كانت مُحاولة دعم صامته منها لاقت صدى طيب الأثر لذلك الذي استعاد شكيمته وهو يقول بصوت جاف صارم لا يقبل الجدال:

"ورايا عشان تاخد ضيافتك. أن كنت فعلًا عايز تتكرم! حملت لهجته تهديدًا واضحًا انطبع في عيني كُلًا من «طارق» و«مروان» الذي اقترب لا إراديًا من «هِمت» في إعلان صريح منه أنها تحت حمايته. لتندفع «شيرين» من خلفهم وهي تقول بتوجس: "مين دا؟ وفي ايه بيحصل هنا؟ "شيرين! ادخلي على جوا." هكذا زجرها «طارق» بصرامة أشعلت شرارة الغضب بداخل «هارون» الذي استقرت نظراته على شقيقته التي لا تعرف بهويته.

ولكن سرعان ما تنبهت جميع حواسه حين سمع صوت «همت» الذي يتخلله الحيرة: "ايه يا طارق؟ ما تقولولنا ايه اللي بيحصل؟ نازعته رغبة عاتية بغرس بارود حقيقته بمنتصف قلبها. ولأول مرة يضعف أمام أهوائه، فاقترب منها خطوتين حتى اشتبكت أعينهم في حديث صامت قطعه صوته الباتر حين قال بنبرة عميقة تعانق بها كُلًا من التشفي والاستمتاع: "أنا هارون ناجي الوزان! أيعقل أن تكن عدة حروف بسيطة قادرة على سحق جسد بأكمله خلف طيات معانيها؟

للوهلة الأولى بدت غير مُستوعبة لما سمعته أُذناها، ولكن بعد ذلك تربعت الجملة كـ طلق ناري يعرف طريقه إلى الوتين. فشعرت بـ انعزالها عن الواقع لثوان قبل أن يمُر شريط ذكرياتها الأسود أمام عينيها بلمح البصر لتبتلع جمر الأسى وهي تقول بنبرة هادئة أذهلت الجميع: "هارون ناجي الوزان! يااااه. هو ناجي كان عنده ابن وأنا معرفش! تساقط لهيب الوجع من بين عينيها وهي تقول بابتسامة واهنة ونبرة حاولت التماسك قدر الإمكان:

"وياترى بقى انت ابن مين فيهم؟ معلش. أصله كان بيخوني مع كتير." بأعماق القلوب دائمًا ما تكُن هُناك بؤر روحانيه تستشعر مدى الصدق، وإن كثُر الضباب وغامت الرؤيه. ولكنه أختار أن يقمع تلك البؤرة وانصاع خلف استفهام مُلح طرأ على عقله: أيُمكن ألا تعرف الأم صغيرها؟ خلف هذا الاستفهام قست ملامحه أكثر وأسودت نظراته، فأجفله قولها المُهتز حين قالت: "بس انت ملكش ذنب. انت بردو أخو بناتي."

بللت حلقها وحاولت اللحاق بأنفاسها الثائرة وهي تُضيف بشفاه ترتجف وحروف مُبعثرة: "انت ابن فاطمة؟ ولا نرجس؟ ولا هناء؟ صمتت وهي تومئ برأسها وتتلفت يمينًا ويسارًا، وعلى شفتيها ابتسامة واهنة تحمل آثار الخزي كما لهجتها حين قالت: "أنا عرفاهم كلهم. اعرفهم واحدة واحدة. حفظاهم." بتر صوت القلب وكُممت فاهه لتعلو راية الأنتقام في تلك اللحظة وهو يُجيبها قائلًا بنبرة جافة مُتحجرة:

"للأسف أنا مش ابن ولا واحدة فيهم. أنا ابن الست الوحيدة اللي متمنتش اكون ابنها! لم يكُن هُناك بُدًا من نزع الستار عن الحقيقة، فقد جاءت مشيئة الله لتحسم جدل عقله. لذا أطلق عبارات التحذير قبل إضرام النيران: "هارون يبقى ابنك أنتِ وناجي يا عمتي." هكذا تحدث «سالم» واضعًا سيف الحقيقة الباتر فوق عنقها.

فبرقت عينيها للحظات غيبتها عن الواقع كل تلك الشهقات المصدومة والعبارات المُستنكرة التي قطعتها كلماته التي تحمل من الأسى ما يُذيب أعتى القلوب: "لا. مسميش ابنها. اسمي كبش الفداء. القربان اللي قدمته همت هانم الوزان للشيطان عشان تفضل عايشه في مملكتها للأبد. معلش يا سالم بيه أنا بحب اكون دقيق في كلامي." وجه جملته الأخيرة إلى «سالم» بنبرة ساخرة وأعين تتلوى بلظى الجحيم مما جعل الأخير يُطلق صفير انتهاء تلك الجولة:

"قولت اللي جيت عشانه. بعد كدا انت اللي هتسمع." "يسمع ايه؟ هو في ايه؟ اللي انا بسمعه دا حقيقي؟ انتوا ساكتين ليه؟ كان هذا صوت «شيرين» التي اجتاحتها نوبة جنونية من فرط الصدمة. وشاطرتها «سما» الجنون حين قالت ساخطة: "هو انتوا مش وراكوا إلا احنا. كل شويه حد ييجي يتسلى علينا؟ هنفضل نتأذي لحد امتى بسببه؟ ارحمونا بقى." تدخل «مروان» يحاول تهدئتها: "اهدي يا سما عشان تعرفي الحقيقة كلها." "حقيقة ايه يا مروان؟

كان هذا أول شيء يصدر منها ليُثبت أنها ما تزال على قيد الحياة التي انتزعت منها كل ماهو جميل سابقًا. والآن تُعيده بأقسى الطرق وأشرسها. التفتت إلى ذلك الجسد الضخم والتحمت أعينهم معًا للحظات قبل أن تقول بنبرة هادئة: "انت يا ابني بتقول ايه؟ أم مين؟ وقربان ايه؟ أنا مش فاهمه حاجه. معلش أنا ست كبيرة ويمكن عقلي مبقاش يشتغل زي الأول. احكيلي الراجل دا عمل فيك ايه؟ ماهو أصله أذينا كلنا مش انت لوحدك."

كانت نبرتها هادئة يشوبها الارتجاف بفعل صدرها الذي كان يعلو ويهبط بجنون يوازي جنون أنفاسها. وعبراتها المُنسدلة تحفر خطوط الوجع فوق معالمها، فبدت لوحة حية لشخص يُجاهد للهروب من شياطين الحقيقة التي إن طالتها ستُجهز حتمًا عليها. "اللي سمعتيه و بتحاولي تنكريه بينك وبين نفسك عشان تفلتي من ذنبك أو يمكن عشان تحاولي تنقذي صورتك البشعة قدامهم." اندفعت الكلمات من شفتيه كالأعيرة النارية التي وجب إيقافها في الحال.

لذا وما أن أنهى جملته حتى تفاجيء بتلك اليد التي سحبته من ياقة قميصه ليلتفت إلى الجهة الأخرى، وإذا بلكمة قوية اصطدمت بأنفه. فكان وقعها عنيفًا حد تدافُع الدماء بغزارة لم يلتفت لها «سالم» الذي صاح بصوتًا جهوري أرعد الجميع: "كنت عايز أكرمك يا ابن عمتي بس الظاهر إنك لازم لك رباية من أول وجديد." شهقات متتالية تلاها صوت «فرح» التي اقتربت منه بلهفة: "سالم." تجاهل ذلك الضجيج ووجه حديثه إلى «طارق» آمرًا:

"الواد دا يتربط جنب الخيل زيه زيهم لحد ما ننضفه من جينات ناجي." بلمح البصر كان «طارق» يُكبل ذلك الذي أوشك على الانقضاض على «سالم» ليقول الأخير بنبرة غليظة قادرة على بث الرُعب في النفوس: "وبعدها نبقى نعمله احتفال يليق بيه، وبينا." زمجر «هارون» بشراسة: "متقلقش يا سالم يا وزان. اللي يليق بيكوا ده عندي أنا، وقريب أوي هعرفكوا كلكوا مقامكوا."

لم يُقاوم وإنما ترك «طارق» ليقوده بسلاسة كانت مُدهشة للجميع ممن لم ينتبهوا على تلك التي ترتجف في الزاوية. ليأتيهم صوت «سالم» الصارم حين قال: "خدي الضيفة يا فرح ووديها على أوضة تليق بيها، وتتعامل أحسن معاملة. ماهي بردو تخصنا." قال جملته الأخيرة بنبرة فظة مُرعبة تحمل الكثير من المعاني.

فلم تجد بُدًا من إطاعته، ولكن فجأة تسمر الجميع حين شاهدوا تلك التي افترشت الأرض غائبة عن الوعي الذي كانت تُجاهده منذ أن سمعت تلك القنبلة التي لم يتسع عقلها لأستيعابها ولم يحتمل جسدها كل ذلك الضغط. فسقطت بين يدي «مروان» الذي حال دون ارتطام رأسها في الأرض وصُرخ مُجفلًا: "عمتي.." "ماما.. همت.. عمتو.." كل تلك الصرخات اندلعت من أفواه الجميع رعبًا على امرأة أغتيل قلبها ذات يوم على يد جبان.

ظنت أن بإمكانها أن تصنع منه رجلاً يستحق ودها، لم تكُن تعلم بأنها قدمت قلبها قربانًا لـ شياطين الجحيم التي تلاعبت بمصيرها وأسقطتها في بؤرة الأسى الذي لون حياتها بظلام دامس تاهت عنه شمس الأمل. بعد مرور نصف ساعة غادر الطبيب الي أخبرهم بأنها تُعاني من صدمة عصبية ووصف لها عقار مُهدئ حتى تتجاوز تلك المرحلة بسلام مع وصايا قوية بعدم تعرضها لأي ضغط عصبي. "ممكن أفهم ايه اللي بيحصل دا؟ يعني ايه دا اخونا؟ ويعني ايه ضحية؟

أنا مش فاهمه حاجه خالص! هكذا تحدثت «سما» بنبرة يتساقط منها القهر كما تساقط الدمع من مآقيها على كل تلك الكوارث التي تحدُث معهم لتُضفي المزيد من اللوعة والأسى على حياتهم. ولكن كان هناك من يشاطرهم الألم أضعاف. فجاء مجرورًا من قلبه ليحتوي وجعها بين جنبات صدره في عناق دافيء حنون يُشبه لهجته حين قال: "قبل اي حاجة لازم تهدي. مينفعش تنهاري بالشكل دا. مش هتحمل." كانت كلماته تحمل طابع التوسل الذي لامس قلبها المكلوم.

فخر بين ذراعيه يذرف شكواه بأسى. ليتدخل «سالم» حاسمًا الأمر بنبرة جامدة حين قال: "هارون يبقى اخوكوا شقيقكوا." "ازاي؟ دا تقريبًا اللي يشوفه يقول اكبر مني! طرأ هذا الاستفهام بنبرة مقهورة كانت لـ «شيرين» التي حاوطتها يد «طارق» الحانية ليقول مُهدئًا: "اهدي عشان تسمعي وتقدري تفهمي." تابع «سالم» سرد الحقائق بأعين يتراقص بهم الغضب ونبرة يشوبها الجمود:

"من فترة طويلة واحنا حاطينه تحت المراقبة لحد ما قدرنا نعرف أن في حاجة مهمة مخبيها في قصره في ألمانيا، والحاجه دي كنا فاكرينها بنته الغير شرعية من ست أجنبية." تعالت الشهقات من فم الجميع واندفعت «أمينة» باستنكار: "يا ساتر يارب أعوذ بالله. بقى كمان له بنت غير شرعية؟ "دا اللي كنا مفكرينه لحد ما عرفنا بوجود هارون." اندفعت «فرح» لتفكيك قطع الأحجيه بسلاسة:

"كانوا مفكرين أن البنت اللي جت معاه دي هي بنته اللي مخبيها لكن طلع دا تمويه عامله، وابنه فعلا هو هارون.." صمتت لثوان وقد لمع وميض قوي بعقلها وسرعان ما رفعت رأسها تُطالع «سالم» بنظرات ذات مغزى لتُتابع بتفكير: "طب انتوا لسه عارفين موضوع بنته دا من كام شهر لما لاحظتوا تحركاته المُبهمة. معنى كدا أنه مكنش عايش معاه قبل كدا." اندفع «مروان» قائلًا بإعجاب:

"تصدقي صح. إحنا فعلًا ملاحظناش أي حركة غير طبيعية في تصرفاته غير من وقت قريب. زي ما يكون قاصد يعرفنا أنه مخبي سر." تدخل «سالم» موجهًا حديثه إلى «شيرين»: "تعرفي حاجة عن القصر بتاعه اللي في مقاطعة… بما إنك كنتِ عايشة هناك؟ صمتت لثوان تحاول الرجوع بالذكرى إلى البعيد لتقول بضياع: "معرفش حاجة عنه أوي. مكنش بيحكيلي غير اللي عايزني أعرفه. لكن كان له دايمًا تحركات غامضة أنا معرفهاش ومكنش سامحلي أسأله."

أومأ «سالم» بكدر قبل أن يُتابع بجفاء: "بعد ولادة سما عمتي حملت وولدت بنت وقالوا إنها ميتة. البنت دي تبقى هارون. طبقًا التقارير اللي وصلت لنا والتحاليل اللي عملناها هو فعلًا اخوكم، وده كل اللي نعرفه لحد دلوقتي." "يعني دا ابني؟ دا فعلًا ضنايا؟ كان هذا الاستفهام المُشبع بالأسى والحرقة لـ «همت» التي لم تفلح المُهدئات في إخماد ثورة قلبها المُلتاع.

لتقف على أعتاب غرفتها تستمع إلى حديثهم المرير الذي انفطر له فؤادها حد تقاذف الدمع من مآقيها وهوان أقدامها التي جعلتها تتربع على الأرض أسفلها. فاندفعت الفتيات إليها ليُحاوطنها بحب وتعاطف كان له نصيب كبير في قلب «سالم» الذي اقترب بخطٍ حمل طابع اللهفة وجاءت لهجته مُشعجة حنونة: "ايه يا همت يا وزان؟ فين الجبروت والقوة اللي كنتِ معروفة بيهم؟ طلع عندك ابن بعد السنين دي كلها. مفروض تفرحي. واجع قلبي كدا ليه؟

مش كفاية حرقتك السنين اللي فاتت دي كلها؟ بتكملي عاللي باقي منك." "مبقاش باقي مني حاجة يا سالم؟ قلبي قايد نار. وكأن حد خبى فيه جمرة لا قادرة أطفيها ولا قادر أمحيها. بقى كل السنين دي وأنا عايشة بكسرتي وقهرة قلبي، هو في إيده مية اللي تطفي ناري وحايشها عني؟ ارتفعت بعينيها تُناظر ذلك الجدار الفولاذي الذي أعماه الغضب، ولكن الثبات دربه الوحيد. فتابعت بلهجة محشوة بالوجع:

"هان عليه حسرة قلبي يوم ما جابولي حتة لحمة حمرا وحطوها في إيدي وقالولي بنتك ماتت! دانا كنت ببكي من قلبي قبل عنيا. طب ليه؟ طب مانا مش بور، طب مانا مش ناقصة زي ما كان بيصورلي دايمًا. ليه عمل فيا كدا؟ ارتفعت أنظارها إلى الجميع تتفرق بينهم بضياع وأسًى شاب لهجتها حين قالت بشفاه ترتجف ألمًا: "دا وصلني لمرحلة إني أخاف أبص لـ ولاد اخويا لأحسدهم. خد ضنايا مني. وحرق قلبي عليه وحرق قلبه بكذبه وافتراه عليا. طب أنا عملت في ايه؟

رفعت رأسها إلى «أمينة» تقول بنبرة محفوفة بالألم: "أمينة. أنتِ كنتِ شاهد على كل حاجة. أنا كنت وحشة؟ أنا أذيته؟ أنا محبتش غيره في حياتي." بترت شهقاتها الكلمات من على شفتيها، فأخذت ترتجف بقلب ينفطر ألمًا. فاقترب «سالم» يحتوي رأسها بين ذراعيه وهو يقول بقلب يحترق كمدًا: "العيب مش فيكِ. هو اللي حقير وكان عايز ياخد كل حاجة وينتقم مننا عشان كنا مراية لفشله."

خرجت منها آهة حارقة لا تسمن ولا تغني من جوع، فقد فاض الألم في قلبها للحد الذي جعلها تقول بشفاه مُرتجفة: "يا حسرة قلبي على شبابي اللي ضاع وبناتي اللي اداسوا بالرجلين، وابني اللي أتيتِم وأنا على وش الدنيا." غيب الألم عقلها، فأخذت تلطم خديها بعنف ارتج له قلوب الحاضرين. ليحكم «سالم» الإمساك بكفوفها وهو يقول بقلبٍ مُلتاع ولهجة محرورة:

"حقك دين في رقبتي يا عمتي، ورحمة أبويا ما هسيبه، وهرجعلك ابنك تاني حضنك وهدوقه حرقة قلبك أضعاف. بس متعمليش في نفسك كدا." كانت قلوب الفتيات تحترق ألمًا لم يفلح شيء في مداواته، خاصةً وأن تلك المُسجاة أرضًا والدتهم. لذا اقتربن منها يحاوطنها بنحيب صامت أدمى قلوب الجميع حولهن. فكان المشهد أكبر من قدرته على الاحتمال، خاصةً مع كل تلك النيران المُندلعة بجوفه حقدًا على ذلك المسخ الذي حول حياتهم إلى جحيم.

لذا غادر المكان بأكمله متوجهًا إلى غرفة مكتبه غافلًا عن تلك التي قادها قلبها إليه هلعًا من غضب لم تره منه قط. وما أن دلفت إلى غرفة مكتبه حتى تسمرت في مكانها ذلك المقعد الذي شاهدته يطير في الهواء ليسقط فوق النافذة محطمًا إياها إلى أشلاء. "سالم." همست بذعر حقيقي يجوب قلبها منه وعليه، فقد خابرت اليوم إحدى حالته النادرة التي توحي بأنه شيطان قدم من الجحيم الذي كان يُلون حدقتيه في تلك اللحظة.

بصدر يعلو ويهبط من فرط الأنفعال وملامح وجه مكفهرة حد الفزع الذي جمدها بمكانها لثوان قبل أن تخطو إليه بقلب لهيف يبغي سحبه من بؤرة الجنون التي تكاد تُطيح به في تلك اللحظة: "اهدئ يا سالم. اهدئ يا حبيبي." لم تتبدل معالمه إنما كانت تزداد قتامة وتضيق عينيه بوعيد مُفزع جعل عقلها ينهار. فصرخت بملء صوتها: "سااااالم."

أعاده صُراخها من عالمه الأسود إلى حيث يقفان، وقد تبدلت الرؤية أمامه ما أن رأى ارتجافها وذعرها الذي جعل أسنانها تصطك. ليحاول تنظيم أنفاسه قبل أن يقول بنبرة خشنة مقيتة: "اهدي. أنا كويس. مفيش حاجة." زاد ارتجافها وانهارت العبرات كصخور مُدببة تنشب حوافها فوق خديها. ليقترب هو بهدوء يحاوطها بذراعيه، فتفاجيء بها تعانقه بقوة لم يعهدها منها. وجاءت كلماتها لتصدمه حين قالت: "فوق يا سالم. ارجوك فوق. كل حاجة هتتحل بس متعملش كدا."

حاول تهدئتها قائلًا بنبرة خشنة: "اهدي يا فرح." همست بحروف مُبعثرة من فرط ارتجافها: "حاسة قلبي هيقف من الخوف." كانت كلماتها كـ قنبلة نووية تفجرت بقلبه الذي لان حد اللهفة التي تجلت في نبرته حين قال: "هش. بعد الشر عنك. متقوليش كدا تاني." «فرح» بتلعثم من بين عبراتها: "انت ممكن تضيع مني في لحظة. انت من شوية بس كان ممكن تبقى مجرم. أنا مش هتحمل كدا. انت مشوفتش نفسك كنت عامل ازاي؟

ارتفعت بانظارها وكفوفها الحانية لتحتوي وجهه بين يديها وهي تقول بشفاة مُرتجفة: "انت مش كدا. انت مش مجرم. انت سالم الوزان اللي مفيش حد يقدر يقف قدامه. طول عمرك حاكم كل حاجة بعقلك مش هتيجي دلوقتي تتخلى عنه. أرجوك يا سالم. أوعى أشوفك كدا تاني. إحنا محتاجينك. ابنك محتاجك وأنا هموت من غيرك."

كان حنانها وكلماتها ومدى إحساسها الذي وصله كإسفنجة سريعة الإمتصاص أخذت جميع ما علق بصدره من غضب ليحل محله هدوء وسكينة بعد أن أعادت كلماتها إليه رشده. ليزفر بقوة نافضًا آخر ذرة جنون كانت تتملك منه وهو يضع رأسها بجوار قلبه الخافق بعنف قبل أن يقول بخشونة: "متخافيش. أنا كويس. مفيش حاجة من دي هتحصل. كانت لحظة شيطان وراحت لحالها." شددت من احتوائها لخصره حتى آلمتها أوتارها وصُبغت لهجتها بالهدوء حين قالت:

"استغفر ربنا، وأنا واثقة إن ليها حل. صدقني إن شاء الله ليها حل. عمتو همت قوية، وهي بس أول ما تفوق من الصدمة هتفرح." رفعت رأسها تغمره بالأمل النابع من نظراتها ولهجتها حين قالت: "آه هتفرح. عندها ابن بعد السنين دي كلها. هيكون عوض ليها عن كل العذاب دا. يبقى لازم تفرح. بس كل حاجة بتاخد وقت، وانت سيد العاقلين وعارف إن مفيش حاجة بتيجي خبط لزق كدا. مش دا كلامك؟ سيب الناس تستوعب الصدمة، وبعد كدا كل حاجة هتتحل إن شاء الله."

على الرغم من بعثرة كلماتها إلا أنها حملت رائحة السلام إلى قلبه الذي رق على حالها. فقربها منه بغتة محاولًا إضفاء العبث في نظراته ولهجته حين قال: "طب ما تجمدي بقى خلاص في ايه؟ معرفش إن قلبك ضعيف كدا." «فرح» بلوعة: "قلبي كان هيقف وأنا متخيلة إنك لو قدامك ناجي كنت قتلته. لا مش هخسرك. مش هقدر. حط الموضوع دا في دماغك، وافهمه كويس يا ابن الوزان." ترقرقت رخات المطر على قلبًا فاض به الوجع وطغى.

لتأتي امرأة بنكهة الجنة ترتشف عبق آلامه وثقل أحماله لتُضفي السلام على حروب ومعارك يخوضها منذ سنوات. وتُبدل بلمح البصر رمادية عالمه إلى ألوانًا زاهية تُشبه خضرة عينيها التي سكن الفؤاد بعمقها واهتدى: "ابن الوزان بيعشقك يا فرح." إجابتها كانت مُدمرة مُباغته كـ فيضان ضرب سدًا قويًا فأسقطه كما أسقطته أسيرًا بين شفاهها.

ترتشف عشقه من خمر ريقه العذب وكفوفها أسفل رقبته تقربه أكثر وأكثر حتى لا يفصلهما شيء ولو كان نسمة هواء دخيلة على التحامهم الذي لم يدم طويلًا. فقد كانت قبلة خاطفة عذبة تؤكد حقوقها به وسطوتها على قلبه وتحمل تحذيرًا صريحًا بعدم تفريطها بما هو ملكٍ لها. -"عملت ايه يا عمار في اللي طلبته منك؟ هكذا تحدث «صفوت» فشَرع «عمار» في الإجابة بسلاسة:

"الراجل ده مالوش في حاجة واصل. من بيته لشغله ومن شغله لبيته. لكن المرة الحية اللي عندك دي هي اللي وراها الجرار كله." "ازاي؟ «عمار» بتفكير: "يعني جاعدة اهنه وسايبة دارها وعيالها ليه؟ الچيران لما سألناهم قالوا إن شوكتها جوية عليه، وإنه يوم العاركة كان راجع من شغله وجايب عجل وحاجات كتير لولاده دا اللي هما قالوه. ازاي هيكون ضربها وعمل كل ده فيها وليه؟ «صفوت» بسخرية:

"كنت واثق من كدا أول يوم جت فيه. مرتحتلهاش ولا حسيت إن نجمة بتطمن معاها. بس المشكلة هنا إننا لازم نعرف إيه مصلحتها من ورا خدمة ناجي. فلوس مثلاً؟ «عمار» بنفي: "لاه. أنا جلبي حاسس إن في حاجة أكبر، ومتأكد إن الراجل ده ميعرفش باللي هي بتعمله، وخصوصي إنها كانت جايه من عند أهلها جبل ما ييجي بكام ساعة. حاسس إن في إنه في الموضوع." «صفوت» باستفهام: "هما أهلها دول من عندكوا ولا منين؟ «عمار» بنفي:

"لا دي من الغجر وكانت متجوزة راجل تاني من العرباوية وكانت عايشة في الجبيلة بتاعته جبل لما ينحبس." اندفع «صفوت» قائلًا بلهفة: "لحظة واحدة. عيد اللي قولته كدا تاني. مين اللي من الغجر، وعرب إيه اللي هي كانت متجوزة منهم؟ «عمار» بتفسير:

"الولية دي كانت من الغجر اللي بيلفوا في الموالد، ولافت على حد من البدو واتجوزها وراحت تعيش معاه اهناك في الجبيلة بتاعته بس الراجل جوزها ده كان ليه في تجارة المخدرات، واتقبض عليه ومات في السجن معرفش إيه اللي رماها علينا واتزوجت الجنايني بعدها." أخذت الاستفهامات تطن برأسه كالذباب تتقاذفه الأفكار، يشعر بأن هُناك أشياء كثيرة كانت تُحاك خلف ظهورهم.

لا يعلم لما قام بربط الأحداث مع بعضها البعض ليتوقف فجأة عقله عن العمل حين دلف «سليم» من باب الغرفة قائلًا بمرح: "أهلا يا عمار ازيك." صافحه «عمار» بود يشوبه العتب حين قال: "أهلا يا وزان عاش من شافك يا راجل. بقى أجده تاجي لحد اهنه ومتزورناش لا انت ولا جنة؟ «سليم» بمُزاح: "خلاص يا عمار ما انت عارف اللي فيها، وبعدين إحنا لسه هنا. هجيب جنة ونيجي نشوف الحاج عبد الحميد ونشوف حلا والجماعة كلهم." "يبجى الغدا عندنا النهاردة."

هكذا اقترح «عمار» بود فوافقه «سليم» بدون نقاش. ليلفت انتباهه «صفوت» الغائب كليًا عن حديثهم، فحاول «سليم» لفت انتباهه قائلًا: "ايه يا سيادة اللوا فينك؟ مش معانا ولا ايه؟ «صفوت» بشرود: "لا أنا معاكوا. صباح الخير، كنتوا بتقولوا ايه؟ تمتم «عمار» مازحًا: "ياريت تفضل تايه كدا كتير خليني أعرف أشم نفسي شوية." ابتسم «سليم» على كلماته قبل أن يلتفت قائلًا لـ «صفوت»:

"أنا هروح أنا وجنة نتغدى مع الجماعة عشان على بالليل هنسافر إن شاء الله." "و مستعجلين على ايه؟ مش هتجعدوا معانا كام يوم؟ هكذا تحدث «عمار» باستنكار فأجابه «سليم» بقلة حيلة: "الوضع مش مظبوط يا عمار، ولازم نكون كلنا متواجدين ومصحصحين الفترة دي." «عمار» بمؤازرة: "الله يكون في العون. أنا رجبتي سدادة لو احتجتوني في أي وقت أنا في ضهركوا." «سليم» بامتنان: "راجل يا عمار، وقد الناس كلها." التفت إلى «صفوت» قائلًا:

"طب هنمشي احنا بقى ونتقابل بالليل تمام؟ «صفوت» بشرود: "ماشي يا سليم. مفيش مشكلة." -"بص بقى انت ليك حق تزعل أيوا. لكن أنا ليا حق إني أحتفظ بشوية أسرار تخص عيلتي وخصوصًا إني مش متطفلة ولا باجي أسألك عن حاجة تخص أهلك كدا ولا لا؟ هكذا تحدثت «حلا» بانفعال بعد أن اقتحمت غرفة المكتب بعد علمها بأنه متواجد وحده هناك. فقد خاصمها منذ يومين حين استفهم عن هوية «لبنى» فاختارت أغبى عُذر يُمكن أن يُقنع رجل مثله.

"دي. دي واحدة قريبتنا، وحصلتلها حادثة فإحنا جبناها نعيش معانا. عطف يعني." غضب يومها وأعطاها نظرة تحمل اللوم والخيبة معًا قبل أن يقول بسخرية: "لما تحبي تكدبي عليا دوري على حجة مقنعة عشان ما أنامش عيل صغير قدامك." مر يومان وهو لا يزال يتجنبها حتى قرضها الشوق من الداخل ولم يعُد قلبها يطيق مُر هجره. وقد شعر بقرب انهيارها لذا نصب عوده يقترب منها وهو يقول بلهجة شائكة أرسلت ذبذبات خافتة إلى سائر أوصالها:

"لا مبتسأليش. بس لو سألتي يا هجاوبك يا مش هجاوبك. إنما أضحك عليكِ وأستغباكِ دا أسميه ايه؟ احتقنت وجنتاها بدماء الخجل، فهو مُحق ولكن لا حيلة لها أمام اندفاعها وغبائها الذي جعلها تتفوه بتلك الترهات. لذا رفعت رأسها وهي تقول بلهجة حاولت إضفاء الثبات عليها: "سميه إني اتلخبطت وانت بتستجوبني زي القطر ومعرفتش أرد عليك أقولك إيه." بهتت ملامحه من كلماتها فصاح باستنكار: "مين دا اللي بيستجوبك زي القطر؟

دا هو سؤال واحد مفيش غيره." «حلا» باندفاع: "أيوا ما هو انت كنت بتبصلي بعينيك اللي بتلخبطني دي وبتخليني مش عارفة أنا بقول إيه." ضيق نظراته فقد ألهبت كلماتها العفوية جمر الشوق بقلبه. فاقترب منها بخطٍ وئيدة ونظرات داكنة جعلتها تفطن إلى فداحة ما تفوهت به. ولكن حواء بداخلها استخدمت كل ذرة دهاء لديها لتُخفض بصرها بحزن مُفتعل بات يعرف ملامحه جيدًا. فتوقف بعد أن أصبحت أسيرة بجسده الصلب والجدار خلفها، وقال بنبرة خطرة:

"بقى عنيا بتلخبطك؟ أومأت برأسها بوداعة أهلكت حواسه. ولو كان يعلم كل العلم بأنها مُخادعة، ولكن لم يحرم نفسه لذة الاندماج معها في لعبتها حين قال بلهجة شغوفة: "و بتخليكِ مش عارفة بتقولي ايه؟ أومأت للمرة الثانية بصمت تلاه صرخة خافتة حين قست أنامله على خصرها وهو يقول بنبرة خطرة: "غلطانين. عايزين يتعلموا الأدب. مفروض بعد كدا أغبيهم عشان سيادتك تعرفي تستغفليني كويس."

إن كان يظن نفسه قادرًا على أن يُفاجئها فهي دائمًا ما تبهره. حين قالت بلطافة أودت قلبه في قاع الجحيم: "لا أوعى تعمل كدا. حتى لو بيوتروني أنا بحبهم أوي، وخلاص سامحتهم." دام صمت مطبق من جانب ذلك الذي تصنم أمام طريقتها في قلب الأمور ليُصبح هو بدلًا من المُتدعي للمُتدعى عليه. ليصل بالنهاية الأمر إلى خروج ضحكة مدوية من جوفه لم يستطع ردعها إثر مظهرها ومدى البراءة التي تدعيها.

فقام بعناق خصرها ليجعل أقدامها تتأرجح في الهواء كما تتأرجح دقات قلبه الهادرة عشقًا لها. فقامت لاحتواء رقبته وهي تناظره بهدوء يحمل استفهامًا مُثيرًا: "هل تستطيع مجابتي؟ "أعمل فيكي ايه؟ «حلا» بدلال جعل عظامه تأن من فرط التأثر: "هاتلي بطيخ نفسي فيه." برقت عينيه من كلماتها وقال باندهاش: "هو الحمل ليه قالب معاكِ بكل الممنوعات كدا؟ تبلور الحماس بنظراتها حين صاحت بلهفة: "ممنوعات. الله. تصدق فكرة."

صمتت لثوان قبل أن تُطلق استفهامًا مُريعًا نال من ثباته بقوة: "ياسين هو انت ليه مبتشربش حشيش؟ "هاه." تدلى فكه من فرط الصدمة من استفهامها الذي لم يتخيله بحياته. لتقترب هي بكل ما تملك من رقة وتزين أسفل شفاهه بقبلة دافئة قبل أن ترفع رأسها وتقول برقة: "كدا أنا صالحتك الدور عليك تصالحني، وطبعًا انت عرفت دلوقتي أنا نفسي في ايه." بقى واقفًا كالصنم ينظر إليها لتمر بجانبه وهي تتوجه إلى باب الغرفة قبل أن تلتفت قائلة بمرح:

"وخلي بالك مش هقبل بأي بديل." أنهت كلماتها واندفعت إلى الخارج لتتركه يحدق بالفراغ كالأبله. -"البنات فين؟ هكذا تحدث «مروان» إلى «أمينة» التي كانت تجر أقدامها لتصل إلى الأريكة. فهب «مروان» يُساعدها لتربت على يديه قائلة بتعب: "نايمين في حضن امهم. يا حبايبي مش قادرين يسبوها." زفر «طارق» بحرقة تجلت في نبرته حين قال: "ربنا يستر عليها وميجرالهاش حاجة." «أمينة» بأسى:

"طول عمرها حمالة أسية. أنا كنت ساعات بسأل نفسي هي ازاي قادرة تقف على رجليها بعد كل اللي شافته؟ اتاري اللي جاي أشد وأصعب." استنكر حديثهم وذلك الألم الكبير الناتج عنه، فهتف بحنق: "كفاية بقى. همت قوية، وهتقدر تعدي كل حاجة وهتبقى زي الفل. دي العفاريت والجن بيخافوا منها ياستي." «أمينة» بشفقة: "جن إيه وعفاريت إيه يا مروان قصاد عمايل الشيطان اللي كانت متجوزاه."

كان الألم يزحف إلى قلبه رغماً عنه وتحترق روحه حزناً عليها، ولكنه حاول نفض كل ما يعتريه وهو يقول بتهكم: "الصراحة هي حظها أسود راجل ابن كلب وعيل ابن ستين كلب. مفيش غير سمسمتي هي اللي في البيعة." رغمًا عنه خرجت كلماته غاضبة: "ومالها شيرين إن شاء الله؟ مش عاجباك ولا حاجة؟ «مروان» بسخرية:

"لا. حلوة وبسمسم يا خويا. ماهي كانت قارفة أمنا بردو بسببه. كل واحد من عياله يلفله لفة وياخد دوره وإحنا نستلقى كل قفا أنقح من التاني ومنقدرش نقول جاي حتى." زمجر «طارق» محذرًا: "متهلفطش في الكلام. شيرين ضحيته زيها وزي عمتي بالظبط. شيرين قلبها طول عمره أبيض ومن جواها نضيفة." «مروان» بسخرية: "هو أنا قولتلك جربانة! ماهي حلوة من بره ومن جوا بت بيضا وعنيها ملونة وشعرها أصفر أكيد قلبها أخضر شبه الخساية يعني."

قام «طارق» بقذف أحد الوسائد في وجهه، فاعتدل «مروان» مستندًا عليها براحة وهو يقول بامتنان: "الله يباركلك والله كنت محتاج أقعد وأتجعص كدا عشان أعرف أفكر صح." تدخلت «أمينة» بسخرية: "وياترى فكرت في إيه يا خويا بعد ما اتجعصت؟ «مروان» بجدية: "أتأكدت مليون في المية إن البغل اللي اسمه هارون دا ابن عمتي." «طارق» باستفهام: "اشمعنا؟ "غشيم زيها." «أمينة» بحنق: "تصدق إنك عيل جزمة."

"والله ما بهزر تحسيه قطر كدا. لما وقفوا قدام بعض تحسيه ابنها. هو بس اللي حلوف شوية لكن الملامح، نظرة العين، وحتى لما بتشفطر ببقها كدا وهي بتهزقني شبهها بالظبط." أجابته «أمينة» بحماس: "تصدق يا واد يا مروان عندك حق. دا شببها فعلا." «مروان» بحماس: "وخدي دي مني. الواد دا مش وحش. بغض النظر عن البكابورت اللي طفح في وشنا من شوية. بس الواد دا شارب المُر كاسات أنا قلبي حاسس." زفر «طارق» بحنق وهو يتمتم ساخطًا:

"مش كان ناقصنا غير سي هارون دا كمان! «مروان» بسخرية: "لا وشوف الرخامة اسمه هارون! «أمينة» باستفهام: "وأنت الاسم يفرق معاك أوي يعني؟ تشدق ساخرًا: "أيوا مش هيبقى خال العيال، وبعدين أنا هنتظر إيه من واحد اسمه ناجي هيسمي هيثم مثلاً! صمت لثوان قبل أن يتمتم بسخرية: "الحمد لله إن جدي مسبهوش يسمي سما. كام زمانه سماها نازك. كان زمان فضيحتي بقت بجلاجل." نهرته «أمينة» بغضب: "بطل ياد انت يا أبو لسانين." «مروان» ساخطًا:

"أنا غلطان إني قاعد معاكوا هروح أشوف الكبير زمان فرح كلت ودانه وهي مدخنة من غير حاجة. يارب أروح ألاقيه بلعها وريحنا." -كان يحتضن كفوفها بحُب بينما يُتابع حديثه مع «عمار» في الجهة الأخرى. إلى أن وصلت السيارة إلى قصر جدها الذي كان يستقبلهم بحفاوة شديدة. وما أن رآها حتى أخذها بين ذراعيه في ترحيب كبير: "يا أهلًا بالغالية. اتوحشتك يا بت الغالي." "انت كمان وحشتني أوي يا جدو."

قام بتقبيل جبينها قبل أن يلتقط الطفل من بين يديها يناظره بحنو واضعًا قبله بسيطة فوق جبهته. ليلفت مُرحبًا ب«سليم» بحفاوة: "نورتنا يا سليم." "نورك يا حاج عبد الحميد." تبادل الجميع السلامات قبل أن يتقدمهم كُلًا من «عبد الحميد» و«عمار» للداخل. لـ تستقبلهم «حلا» بفرح لا حدود له فأخذت تتعلق برقبة «سليم» كالطفلة وهي تصيح بفرح: "سليييم. وحشتني اوي اوي. مش مصدقة اني شيفاك بجد." «سليم» بحنو:

"انتُ كمان وحشاني أوي. عارف إننا مقصرين في حقك." وضعت يدها تمنعه من الاسترسال في الحديث قائلة بحنو: "الله يكون في عونكوا يا حبيبي. مفيش أي تقصير. أنا بكلم ماما على طول وبطمن عليكوا." قبل جبينها بعرفان قبل أن يأتيهم صوت «جنة» المازح: "شيلي ايدك من على رقبة جوزي لو سمحتي. أنا بغير." قهقه الجميع على مزاحها فاندفعت «حلا» تُعانقها بقوة وهي تقول بشوق: "لو مكنتش وحشاني مكنتش سبت رقبته على فكرة."

تبادل الجميع السلامات وأخذت «حلا» تُغدق «محمود» بقبلات مُشتاقة قبل أن تقول بحب: "ياه لو أجيب بيبي قمر زيك كدا. دانا مش هبطل آكل فيه." "ربنا يستر عليك يا محمود عمتك الحمل جاي معاها بالاكل احتمال لو جاعت تاكلك يا ابني." كان هذا صوت «ياسين» الذي كان قادمًا لتوه للترحيب بهم فقهقه الجميع على كلماته. فاندفعت «حلا» قائلة بتخابُث: "لا مانا قررت أغير اهتماماتي. همتك بقى معايا."

"وه يعني إيه يا حلا هتغيري نشاطك. هتاكلي بني آدمين بعد كدا ولا إيه؟ كان هذا استفهام «تهاني» فتعالت القهقهات حولهم. لتندفع «جنة» قائلة بمُزاح: "براحتك يا حلا لو يلزمك كتف ياسين خديه. كله فدا البيبي." "أصيلة يا بنت عمي." هكذا أجاب «ياسين» بمُزاح فتدخل «عبد الحميد» قائلًا بفخر: "ولا يغلى عليكِ و على حفيدي أي حاجة يا حلا كتف كتف دوسي ولا يهمك أني في ضهرك."

أعجبها دلال جدها ل«حلا» وفرحته بحملها واندلعت رغبة قوية في التنعم بذلك الدلال هي الأخرى والذي حُرِمت منه في حملها الأول. لذا اندفعت قائلة: "طب خلي بالك بقى عشان تبقى في ضهري أنا كمان. أنا... بتر فرحتها اندفاع «سليم» الذي قاطعها قائلًا بجمود يُنافي بسمة كاذبة كانت ترتسم على شفتيه: "أنتِ الناس كلها في ضهرك يا حبيبتي، وأنا أولهم ولا إيه؟

شعرت لوهلة بضيق قوي في صدرها خاصةً حين قست أنامله على خاصتها بقوة لم تؤلمها بقدر ما آلمها تلك الفرحة التي بُترت على أعتاب شفتيها من قبله. والتي تجاوزت عنها بشق الأنفس حين أومأت بصمت. لـ يأتيها صوت «عبد الحميد» المُشجع: "زي ما جالك سليم كلنا في ضهرك أنتِ ومحمود بس شدي حيلك يالا وخاويه." جاءت إجابته لحظية حين قال بمراوغة: "شويه كدا يا حاج عبد الحميد. يكون محمود شد حيله وهي كمان تسترد صحتها." "أن شاء الله."

تبادل الجميع السلامات وسط ضحكات متبادلة بين الجميع عداها. فذلك الثُقل الذي كان يرسو في قلبها حجب عنها الاستمتاع بوجودها بين عائلتها. إلى أن جاء الوقت وطلب منهم الجميع الاستراحة قليلًا قبل موعد الغذاء. فتبعته للأعلى إلى أن وصلت إلى غرفتها وقام بإغلاق الباب. لتلتفت تناظره بعتب لم يخفى عليه ولكنه حاول تجاهله وخلع جاكيت بذلته ليقصد دورة المياه في تجاهل تام.

لم تفشل في فهمه ولكنها تحاملت على ذلك الألم الضاري الذي غزا قلبها في تلك اللحظة وأخذت تنتظره إلى أن خرج. لـ تداهمه قائلة بنبرة مُتحشرجة: "ممكن أعرف ليه مردتش تخليني أقولهم إنها حامل؟ كانت نظراته جامدة وملامحه أيضًا وشابهتهم نبرته حين قال بنبرة أحد من السيف: "عشان الحمل دا لازم ينزل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...