الفصل 19 | من 40 فصل

رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
21
كلمة
8,864
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

انكمشت ملامحه بصدمة وللحظة لم يستوعب كلمات «سالم» الذي كان يُناظره بأعين ثاقبة لم تتزحزح بل تُراقب وقع الكلمات عليه. ولم يتفاجأ حين وجده يقول بهسيس مرعب: "انت بتقول إيه؟ ناجي مين اللي بيهدد جنة؟ «سالم» بسخرية جافة: "هو إحنا عندنا كام ناجي؟ هب من مكانه وقذائف الجمر تتأرجح بين طيات صدره الذي كان يعلو ويهبط من فرط الغضب الذي جعل عينيه تبرق بلون الدماء، وصاح بزئير غاضب: "انت بتقول إيه؟ الكلب ده إيه اللي وصله لمراتي؟

جاءت لهجته هادئة يشوبها سخرية طفيفة على عكس ملامحه الواجمة: "والله بما إن دي مراتك فالسؤال ده تسأله لنفسك؟ لم يستطع تحمّل جموده وسخريته فصاح بحدة: "سااالم. كلمني زي الناس." انقشعت غمامة الهدوء وحل محلها الغضب والقسوة التي غلفت نبرته حين قال: "لو هكلمك زي الناس يبقى قبلها هعلق إيدك التانية في رقبتك." كاد أن يتحدث ولكنه ردعته كلمات «سالم» القاسية حين قال:

"لما كلب زي ده يوصل لمراتك ويهددها ويرعبها لدرجة إنها تبقى عايزة تسيب الدنيا كلها وتهرب، يبقى دي عيبة في حقك كراجل. فين الأمان اللي مفروض تعيشها فيه؟ اهتاجت أنفاسه وتناحرت بصدره تتقاذفها أسهم نارية تساقطت من بين كلمات شقيقه الذي لم يبالِ، بل تابع حديثه بلهجة أهدأ: "كلامي زعلك صح؟ لكن الحقيقة واللي حصل مع جنة هيزعلك أكتر لما تعرف إنه بقاله أكتر من شهر بيهددها ومسمم عيشتها. وبالمناسبة ده سبب إنها كانت متغيرة معاك."

امتلأت حقيبة جراحه بالدماء، فلم يعد بمقدوره التحمّل أكثر، وصاح باهتياج: "يعني أنا بشم على ضهر إيدي؟ ده أنا كنت بحايل فيها عشان تقولي مالها؟ فيها إيه؟ اتحملت اللي محدش اتحمله وبرضه أنا وحش! كانت بتدوس عليا ومستمتعة وهي بتحسسني إني عاجز أرجع لها حقها." «سالم» بفظاظة: "والله اللي أعرفه إنك متجوزتش جنة جواز صالونات ولا قابلتها في النادي فعجبتك فاتجوزتها! انت اتجوزتها وأنت عارف كويس أوي ظروفها وقابل بيها."

استمهل نفسه لثوانٍ قبل أن يضيف بتقريع: "وتقريبًا انت كنت متوقع كده وأسوء من كده ولا أنا بيتهيألي؟ «سليم» بتعب قلما يظهر عليه: "لا مش بيتهيألك. أنا فعلًا كنت قابل وراضي. هي اللي مرضيتش. هي اللي بنت في نهاية علاقتنا حيطة سد مقدرتش أكسرها." «سالم» بعنفوان: "متبقاش سليم الوزان اللي أعرفه. طول عمرك أسد مفيش حاجة بتقف قدامك. إيه مش عارف تمشي حياتك وتنقص جوازك؟ خيبت على كبر؟ تعاظم القهر والألم بداخله فصاح غاضبًا:

"انت مش حاسس بيا. أنا فعلًا تعبت. حطيتني في أصعب اختيار في الدنيا يا أجيب لها حقها من اللي ظلمها يا أنساها. مفروض أعمل إيه؟ تشابهت عينيه ونبرته حين قال: "تعرف إيه اللي وصلها لكده؟ «سليم» بجفاء: "عملت المستحيل عشان أعرف مفيش فايدة، والهانم ليه مجتش قالتلي إن ناجي بيهددها؟ «سالم» بحنق: "سؤال حلو. بس إجابته سيئة! لا يعرف لما شعر بغصة كبيرة في حلقه من كلمات «سالم» التي ينتابه هاجس قوي بأنها ستكون صادمة بل أكثر:

"كان بيهدد جنة بأنه معاه فيديو ليها مع حازم يوم ما اغتصبها." سقطت كلمات «سالم» كالمطرقة فوق قلبه الذي انتفض بوجل، سرعان ما اجتاحه طوفان الغضب ممزوجًا بالغيرة يشوبه الخزي، فكان الأمر أكبر من قدرته على التحمل. فصاح كوحش جريح أخذ يتردد زئيره في أرجاء الغرفة التي نالت نصيبها من جنونه، حين قام بحمل ذلك المقعد وإلقائه فوق أحد الجدران. وما أن أوشك أن يحمل المقعد الآخر حتى امتدت يد «سالم» لتوقفه وهو يزمجر غاضبًا: "سليم.."

حاول الإفلات من بين براثن شقيقه ولكن هيهات، فقد كان يتمسك به بكل ذرة بجسده يؤازره قلبه الذي كان ينتفض ألمًا على ما يحدث مع شقيقه الذي حاوط رأسه بيديه وأخذ يهتف بلا وعي: "لا. لا. أنا في كابوس. ده مش حقيقي. أكيد مش حقيقي." حانت لحظة إلقاء المرساة لإيقاف السفينة عند برها الآمن، فصاح «سالم» بقوة مشددًا على حروفه: "طبعًا مش حقيقي، دي حيلة قذرة من واحد زي ناجي عشان يلعب بأعصابها."

تجمد لثوانٍ قبل أن يلتفت بأعين يتساقط منها التوسل على هيئة عبرات لم تفلح في محو الألم من نبرته حين قال: "الكلام ده بجد؟ ولا؟ "مفيش ولا. الكلام ده مالوش أساس، وأنا بنفسي متأكد من كده. هو حب يخترع أي حاجة يشوشر بيها على تفكير جنة." صمت لثوانٍ قبل أن يضيف مغلولًا: "ناجي مش عايز دم. عايز نار تحرقنا واحنا عايشين وبنتنفس. نار متموتناش تفضل تعذبنا طول عمرنا. عايزنا كلنا نوصل لحالتك دي."

أخذ يمضغ أسنانه غضبًا تبلور في عينيه التي من فرط شناعتها تجمدت العبرات بها لتندفع ألسنة اللهب من شفتيه: "الحقير. نهايته على إيدي.." «سالم» محاولًا امتصاص غضبه: "على إيدنا. إيدك لوحدك سهل أوي يقطعوها، وده اللي هو عايزه. اقعد خلينا نتكلم بهدوء." طاوعه على مضض ليتابع «سالم» بعد أن استقر على المقعد المقابل:

"في حاجات كتير أوي تمنعنا إننا نخلص عليه وأنا عارف كده، ودلوقتي اركنه على جنب أنا عايز أعرف إنت ليه عامل في نفسك كده؟ القى بثقله على ظهر المقعد وهو يضحك بصخب ينافي غيوم الحزن التي تُغلف عينيه اللتين كانت في تلك اللحظة صورة حية لرجل اغتيلت روحه وهو لا يزال على قيد الحياة: "ياااه يا سالم. أنا اللي عامل في نفسي كده! ده أنا نفسي دي مبقتش لاقيها!

أنا عامل زي واحد محكوم عليه بالإعدام وهو عامل نفسه عبيط عشان يقضي اليومين اللي باقيين له من غير خوف. لا قادر يصرخ ولا قادر يبكي ولا قادر حتى ينهي حياته بإيده. كل ما أخلص من طوق الذنب اللي خانقني ألاقي الدنيا تجيبني من رقبتي بذنب أصعب وأصعب. كل مرة أقول خلاص. هرتاح. هطمن. هعيش حياتي زي الناس ألاقي قلم أصعب من اللي قبله." محى تلك الدمعة الغادرة التي شقت قلبه قبل مآقيه وتابع بحرقة:

"أنا مبقاش فيا حيل لذنوب تانية مبقاش عندي طاقة أسند نفسي وأقف على رجلي. أنا لأول مرة عايز أهرب أجري لبعيد لحد ما يتقطع نفسي يمكن أرتاح." كان رجلاً جليديًا ذو شكيمة وجأش صلب، والآن تشقق كل ذلك وهو يناظر كل هذا الكم من الحزن الذي يتقاذف من حروف شقيقه وعينيه، فاشتعلت حمية الانتقام بقلبه وتفشت علة الغضب بأوردته وأقسم على أن يضرب العالم بانتسقامه أبشع الأمثلة: "خلصت؟

هكذا تحدث بجفاء كان نشازًا على مسامع «سليم» الذي ارتفعت عينيه تناظر «سالم» فهاله هيئته التي توحي بأن هناك جيوش تتلاحم خلف ستار الجمود الذي يدعيه، فلم يستطع كبح جماح كلماته حين قال: "انت في صف مين يا سالم؟ اختطفه استفهام سليم إلى خارج حدود المعركة، لذا هدأت لهجته قليلًا حين قال: "تبقى غبي لو فكرت إني مش في صفك! تشدق ساخرًا: "في صفي؟ ده انت متوجعتش ولو للحظة عشاني! أخذ يهز رأسه في الجهتين قبل أن يقول بهدوء كان غريبًا

من نوعه: "متوجعتش عشانك! جايز! بس ما انت كمان متوجعتش عشان نفسك! مشيل نفسك أحمال مش بتاعتك. غرقان في ذنوب مالكش يد فيها." انكمشت ملامحه بصدمة سرعان ما تبددت حين سمع كلمات «سالم» القاسية: "من أول ما حازم اتقال إنه مات وانت مشيل نفسك ذنب موته مع إن لحظة موت الإنسان مكتوبة من قبل ما يتولد، وبسببها ظلمت بنت غلبانة من غير أي ذنب." صمت لثوانٍ قبل أن يستطرد قائلًا:

"بس على فكرة هي تستاهل. عشان هي غبية ومثالية زيادة عن اللزوم زيك. اختارت إنها تحفظ سر واحد غشها وخدعها، وطبيعي يكون رد فعلك كده معاها بس طبعًا انت عمرك ما تختار الطريقة السهلة وتفكر كده. لا. ده انت تفضل شايل ذنبها هي كمان." كان يتابع وقع كلماته على «سليم» بترقب، وحين أوشك الأخير على الحديث لم يُمهله الوقت بل تابع بتقريع:

"نفس النظام مع مروة. مروة دي جرحتك زمان وسابتك من غير ما تحترم أي شيء بينكوا وبناءً عليه خسرتك. أما جالها فرصة تصلح غلطها في حقك مترددتش وبرأتك. جت ساعة موتها بالطريقة اللي ربنا كاتبها ليها. لا إزاي؟ ده ذنبي ولازم أشيله وأشيله للغلبانة التانية، وأهي بجملة القرف صح؟ قساوة الكلمات تتنافى مع وقعها على قلب «سليم» الذي لاحت بوادر الضوء تتسلل إلى صدره، فلانت ملامحه قليلًا ليتابع «سالم» بمبدأ الطرق على الحديد وهو ساخن:

"إلا قولي يا سليم هو انت طلبت من مروة تيجي تبرأك قدامنا؟ هزة خفيفة من رأسه بمعنى لا، فتابع «سالم» استفهاماته: "هي قالتلك إن ناجي هددها إنه يقتلها لو برأتك؟ نفس ردة الفعل، فتحدث «سالم» بتقريع: "يبقى عقلك الغبي ليه صورلك إن ذنبها في رقبتك؟ ليه متقولش إن ده واحد مجرم مختل ولازم يتحاسب على كل جرائمه؟ حين أوشك «سالم» على متابعة الحديث تفاجأ ب«مروان» الذي اقتحم النافذة برأسه وهو يصيح بغضب:

"تشيل الطين وتشيلهولنا معاك ليه أنا عايز أفهم؟ ناقصين قرف؟ مش كفاية عمتك واللي عملاه فينا؟ التفت الأخوان يناظرون ذلك الذي اقتحم جلستهم، فأشار له «سالم» بيديه لكي يأتي، فاخذته الحمية ولم يلاحظ ذلك الوميض الخطِر في عينيه، فدلف إلى داخل الغرفة ليلاحظ عيني سالم التي كانت مريبة، فاندفع يقول بحماس: "الله يكملك بعقلك يا باشا. الباشا الكبير اللي مفيش في عقله وذكائه اتنين." وجه أنظاره إلى «سليم» قائلًا بتهكم:

"طبعًا انت والذكاء أعداء." قطع حديثه صوت «سالم» الجاف حين قال: "انت كنت بتتجسس علينا من الشباك؟ «مروان» بتلعثم: "إيه يا باشا؟ إيه. اتجسس عليك دي؟ هو انت رأفت الهجان ولا إيه؟ «سالم» بلهجة صارمة تحوي تحذيرًا لا يمكن تجاهله: "مروااان؟ "الصراحة بقى فرح قالتلي أروح أسمع بتقولوا إيه وأقولها، وأنا اتغاظت من الجحش ده ومقدرتش أمسك نفسي.."

لم يستطع إخفاء تلك البسمة الساخرة التي ارتسمت على شفتيه، ولكنه تجاهل وجود «مروان» والتفت ينظر إلى «سليم» بأعين هدأت قليلًا تأثرًا بمرور نسمات وجودها حوله، وتابع بلهجة هادئة: "أنا مش في صف جنة يا سليم لو في صفها كنت طلقتها منك." وقع الكلمة كان صاعقًا للحد الذي جعله يرفع رأسه بحدة يناظر «سالم» بذعر، هدأ قليلًا حين تابع الأخير:

"ولأول مرة في حياتي أحيد عن الحق ومقفش في صفها عشان لو وقفت في صفها هطلقها منك برضه، ووقتها أبقى كتبت نهايتك بإيدي، وده أنا للأسف مش هقدر أعمله، واللي مريح ضميري شوية إني عارف إنها هتضيع من غيرك هي كمان."

ألقى «سليم» برأسه للخلف وهو يحاول التملص من دقات قلبه الهادرة لدى سماعه جملة «سالم» الأخيرة، ولوهلة غامت عينيه برغبة عاتية في الاستلقاء بين جنبات عشقها ينشد الراحة يبغي البكاء علّ قطراته تمحو رماد الحزن الذي يعشعش داخل أوردته، لذا نصب عوده وقرر المواجهة، فإما أن ينتصر بها وإما أن يهزم بين ذراعيها: "عندك حق. أنا مش هسمح لأ ناجي ولا لحد يدمر حياتنا سوى."

التفت «مروان» إلى سالم بنظرات مستفهمة حذرة، فها هي النقطة التي كان يخشى الوصول إليها، ولكن الأخير لم يبالِ بأي حذر، وحين أوشك «سليم» الوصول إلى باب الغرفة تحدث «سالم» بجفاء: "جنة مشيت يا سليم." توقف النبض بصدره للحظة كانت الأسوأ على الإطلاق، كانت جملة صغيرة كافية لغمس قلبه في جذوة مشتعلة ترتكز بقاع الجحيم الذي تجلى في نظراته حين التفت إلى «سالم» الذي تمهل قبل أن يجيبه بنبرة ذات مغزى:

"مفروض إنها مشيت عشان تعبت أو عشان تبدأ تلملم نفسها من جديد، ده اللي قالته، بس اللي أنا واثق منه إنها مشيت عشان تعرف انت عايزها ولا لا؟ همس بغير وعي: "عايزها ولا لا؟ تدخل «مروان» قائلًا باتزان: "أعتقد إنها مستنية منك إجابة." فك أسر أنفاسه التي تناحرت بصدره لتخرج ملتهبة كما كلماته حين قال: "السفر إمتى؟ «سالم» باختصار: "التلات الصبح." أجابهم بلهجة جافة تُشبه نظراته حين قال: "هروح أجهز نفسي."

ما أن غادر الغرفة حتى اندفع «مروان» قائلًا بسخط: "هيجهز نفسه لأيه بالظبط؟ هو هيسافر من غير ما يروحلها؟ «سالم» بنفاذ صبر: "في الغالب أه." «مروان» بحنق: "ودا ليه إن شاء الله؟ اومال المحاضرة اللي ادتهاله دي من شوية دي كانت ليه؟ «سالم» بجفاء: "دي الحجة اللي هترجعه ليها لما الشوق يقرصه." «مروان» بسخط: "لا مش فاهم بقى. هو المفروض هيحاول ينقذ حياته معاها ولا هيعند ويتغابى؟ «سالم» بسلاسة:

"هي عند وتتغابى، وللعلم هو له حق يزعل مكنش ينفع إنها تخرج من البيت من غير ما يعرف. بس كان لازم ده يحصل." «مروان» بعدم فهم: "انت في صف مين يا كبير؟ أنا مبقتش فاهمك." «سالم» بنفاذ صبر: "الاتنين صف واحد. بس كل واحد وليه أخطائه. كل واحد فيهم شايف إنه اتحمل اللي محدش اتحمله عشان التاني. مع إن محدش جبرهم يعملوا كده." «مروان» بغضب:

"هما اتحملوا كتير يا سالم، بس سليم طلع عينه عشان جنة. هي اتحملت نتيجة خطأها حتى لو غير مقصود، بس بعد كده الكل كان رهن إشارتها." «سالم» بتعقل:

"بغض النظر عننا بس الحب يعني عطاء، وعطاء غير مشروط. بحب يعني أعمل كل اللي أقدر عليه عشان الشخص اللي بحبه. الشخص اللي اخترته بكامل إرادتي. محدش أجبرني، وأكبر غلط ارتكبته في حقه وحق نفسي لما في أول مشكلة بينا أعايره بكل اللي عملتهوله اللي برضه عملته بكامل إرادتي. محدش أجبرني أعمله." "عندك حق. بس فعلًا سليم صعب عليا. آه أنا مع جنة عشان هي الجانب الضعيف، بس سليم برضه تعب."

"ولسه هيتعب. عشان هو موقفش علاقته بيها على أرض صلبة من البداية، والبعد ده في مصلحتهم. شوقهم لبعض وخوفهم إنهم يفترقوا تاني هيخليهم يحسبوها صح المرة الجاية." ★★★★★★★★★★ "طمني يا دكتور هي عاملة إيه دلوقتي؟ هكذا ★★★★★★★★★★ "بصي بقى يا أمو جلامبو إحنا لازم نتصرف نعمل أي حاجة الواد هيسافر وده عنيد ودماغه جزمة." هكذا تحدث «مروان» إلى «فرح» التي كانت تغلي من الغضب حين قص عليها «مروان» ما حدث، فهبت من مكانها وهي تقول بانفعال:

"بقى كمان البيه مش ناوي يراضيها ويعتذر لها عن عمايله؟ «مروان» بحنق: "معلش بقى الاتنين غلطانين. سليم غلط تحت ضغط شديد زي ما هي برضه كانت مطلعة عينه عشان عليها ضغط وأنتِ أكتر واحدة عارفة هو اتحمل إيه عشان خاطرها. كمان هي مشيت من غير ما يعرف." وخزات التأنيب تفشت بقلبها، فهي أكثر من يعلم ما مر به على يد شقيقتها في الفترة الماضية، لذا زفرت بقوة قبل أن تجيب بغضب:

"بس هو الراجل ومهما كان هو كسر بخاطرها وجرحها وأنت بنفسك اللي حكيلي." «مروان» بسخط: "يتقطع لساني أنتِ اللي جرجرتيني في الكلام. ما أنتِ سوسة." حين لم تستطع معرفة ما حدث تفصيليًا من «سالم» لجأت إلى «مروان» الذي أوهمه بمعرفتها بكل شيء لينخرط معها في الحديث ويخبرها عما حدث تفصيليًا. تجاهلت كلماته وقالت بحنق: "وهي مشيت لوحدها ولا هو اللي طردها من حياته؟ تفاجئت بذلك الصوت القاسي الآتي من الخلف:

"وهي كام مرة طردتني من حياتها؟ التفتت لتتفاجئ ب«سليم» الذي كان الجمر يتساقط من كلماته ونظراته التي أغضبتها، فقالت ساخطة: "وانت بتردهالها بقى؟ «سليم» بجفاء: "أنا حر أنا ومراتي." «فرح» بانفعال ونبرة تجاوزت حدود المسموح به: "مراتك دي مش جايه من الشارع؟ دي ليها أهل يدافعوا عنها ويحمُوها." تجاهل غضبه من طريقتها وقال بجفاء: "لما تبقى تشتكي لأهلها يبقوا يجوا يكلموني. لكن هي مشكتش هي مشيت. يبقى محدش له فيه."

أحرقتها كلماته ولكنها لمحت تلك اللمعة في عينيه التي أشعرتها بما يعانيه من ذهابها، فهي تجاوزته كما تجاوزتها وذهبت دون أن تلتف إلى الوراء. ابتلعت غضبها وحزنها وقالت بلهجة قاطعة كالسيف الذي شق قلبه لنصفين: "هي فعلًا مشتكتش ولا هتشتكي. عارف ليه؟ عشان للأسف هي بتحبك. هي ممكن تشتكي من كل حاجة في الدنيا إلا أنت. كل خوفها عليك. بس أنت كتر ألف خيرك مخلتش قدامها أي حل غير إنها تمشي، ودلوقتي اختي بعيد عني بسببك. ارتاح بقى."

أنهت كلماتها وتوجهت إلى الخارج تبغي الصراخ من فرط الغضب والألم معًا، لذا اختارت المكان الوحيد الذي بإمكانه احتمال صراخها وبكاءها وغضبها ولو استمر ألف عام. توجهت بخط متعثرة إلى غرفة مكتبه وقامت بالدلوف إليها مباشرةً ليتفاجأ بها تقتحم غرفته بحالتها المذرية، فهب من مكانه يسحبه قلبه ليقابلها في منتصف الغرفة وهي تهرول إليه باكية ترتمي بين أحضانه تنشد الراحة التي لن تجدها سوى بجانبه: "فرح. مالك في إيه؟

لم تجبه بل شرعت في نوبة بكاء عنيفة اهتز لها قلبه، فأخذ يشدد من عناقها وكأن يريد إدخالها بجانب قلبه موطنها الأصلي يبغي امتصاص كل هذا الحزن الذي يخيم على قلبها، فظلا متعانقين لفترة غير محسوبة على الرغم من هدوء نوبة انهيارها إلا أنها لم ترد الانسلاخ عنه وشاطرها قلبه رغبتها مستنشقًا عبيرها الآسر ويديه تدللان خصلاتها المتموجة بتمريرات حانية هدأت من روعها كثيرًا، فقد توقع ما حدث معها لذا آثر تأجيل الحديث لحين هدوئها تمامًا.

تململت بين ضلوعه ليخفف من احتوائه لها حتى أصبح وجهًا لوجه معها، فمد يديه يزيح آثار العبرات التي تلطخ فتنتها التي تتضاعف مع تقدم شهور الحمل. كان حنانه آخاذًا يُغريها بالانغماس بين أحضانه للأبد، حتى ولكن كان هناك ألمًا يُنغص عليها كل شيء حتى التنفس: "مش نهدى شوية بقى؟ كلماته كانت تحوي عتابًا لم تخطئ فهمه، فأخفضت رأسها وهي تقول بحزن: "كل ما أحاول أهدى تحصل حاجة تضايقني وتخنقني أكتر."

احتوت كفوفه وجهها كما فعلت عينيه بخاصتها في نظرة عميقة أرسلت ذبذبات قوية إلى سائر جسدها، و خاصةً حين تحدث بصوت أجش: "مش اتفقنا تسيبي كل حاجة عليا؟ همست بخفوت: "انت هتشيل إيه ولا إيه بس يا سالم؟ تبلور العشق بنظراته وانساب من بين حروفه حين قال بخشونة: "أشيل الدنيا دي كلها على كتافي المهم تبقي مرتاحة يا فرح."

توسعت عينيها تأثرًا بكلماته، فلم تجد بداخلها من الكلمات ما قد يعبر عن عشقها له، فاقتربت تضع رأسها فوق صدره النابض عشقًا لها وأخذت تمرغ رأسها كقطة وديعة بين ذراعيه، فكان لفعلتها وقع خاص عليه، فأخذ يشدد من عناقها كثيرًا إلى أن علم بهدوئها كليًا، فقام بجذبها ليتوجه إلى الأريكة ليأخذها بين ذراعيه قائلًا بخشونة: "قوليلي بقى حصل إيه بينك وبين سليم؟ رفعت رأسها بحدة تجلت في نبرته، فارتفع أحد حاجبيه تحذيرًا، فابتلعت غصة غاضبة

بحلقها وقالت بحنق مكتوم: "البيه ناوي يسافر من غير ما يروح يصالح جنة ويعتذر لها." «سالم» محاولًا عدم الابتسام على مظهرها الغاضب الذي تجاهد حتى تتحكم به: "طب وإيه المشكلة هو حر معاها." انتفضت غاضبة بيد ذراعيه لتجيبه باندفاع: "يعني إيه حر معاها؟ يعني يزعلها ويبهدلها وعادي كده مفروض أسيبه." «سالم» بهدوء: "مفروض تسبيهم يحلوا مشاكلهم مع بعض. حتى لو عمل فيها إيه هي الوحيدة اللي ليها حق تعاتبه." «فرح» بعدم تصديق: "سالم."

«سالم» بتعقل ويديه تحويان كفها في محاولة لجعلها تستكين: "فرح أنتِ عندك شك في حب سليم لجنة؟ رغمًا عنها أجابته نافيه، فاستطرد قائلًا: "يبقى تديهم فرصة يفهموا حبهم ده ويحاولوا يحافظوا عليه، وصدقيني سليم بيتعذب أكتر منك عشانها." «فرح» بحنق: "طب وليه يعذبها ويعذب نفسه؟

"عشان هو بني آدم يا فرح. بيزعل ويتخنق ويجيب آخره، وعلى فكرة الغلط دي صفة بشرية محدش ملاك فبلاش أسطوانة غلط ومغلطش. اديهم فرصة يعرفوا قيمة بعض، وصدقيني دي أول خطوة على الطريق الصحيح." صمتت لثوانٍ تفكر في كلماته التي وجدت أنها بالرغم من كل شيء صحيحة، لذا هدأت نظراتها ولانت ملامحها، وحين أوشكت على الحديث حتى بادرها قائلًا بتخابث: "وبعدين بلاش تحمليه ذنب إنها وحشتك. عشان هي وحشته أكتر منك." «فرح» بسخرية: "وعرفت منين؟

قرب وجهه منها وهو يهمس ضد شفتيها: "إذا كنتِ أنتِ بتوحشني لما تغيبي عني ثواني أومال هو يعمل إيه؟ تجاهلت جملته الأخيرة وقد لمعت عينيها بالشغف الذي كان يقطر من بين كلماتها حين قالت بغنج: "يعني أنا بوحشك لو غبت عنك ثواني؟ «سالم» بخشونة أذابتها: "عندك شك في كده؟ «فرح» بتخابث أضاء عينيها الزيتونية الخلابة: "يعني محتاجة شوية إثباتات."

اشعلت كلماتها حمية العشق بقلبه الذي تلاحمت بأوردته الرغبة والشغف ليتولد بركان هائل من المشاعر التي خضعت لسطوتها الأكثر من محببة لقلبها، فأخذا يتبادلان العشق يتأرجحان بين سنة الرغبة العاتية التي تجتاح كليهما، ليخترقها اعتراض رقيق من ذلك الكائن الصغير بين أحشائها، لتنتفض «فرح» بين ذراعيه بطريقة أجفلته، فاندفع بقلق: "إيه مالك؟ أنتِ كويسة؟ همست بحبور وهي تمسك يده تضعها فوق ذلك البروز البسيط فوق بطنها:

"سالم. البيبي بيتحرك." كان شعورًا لا يوصف من الفرحة والرهبة التي قلما زارته والآن تتغلغل داخل قلبه احتفاءً بهذا الشعور العظيم الذي لطالما حلم به طوال حياته، فارسمت ضحكة صافية على ملامحه أضاءت قلب تلك التي كانت تراقب معالمه وانفعالات وجهه، فاقتربت منه تحتوي وجهه بين كفوفها وهي تقول بنبرة تقطر عشقًا وعينين غمتا بعبارات الفرح: "هتكون أجمل بابي في الدنيا."

وكأن ذلك الكائن الصغير يؤازرها على طريقته، فقام بركلة صغيرة أسفل كف «سالم» الذي شعر بانتفاضة قلبه تأثرًا بما حدث، فهمس بتمني تخلل كلماته حين قال: "إمتى ييجي بقى أنا هتجنن وأشوفه." "خلاص هانت فاضل تلت شهور وييجي بالسلامة. بس هو ممكن يسمعك على فكرة." هكذا تحدثت «فرح» بحنو شاركها هو به حين أخذ يمرر يديه بلطف فوق بطنها قبل أن يقول بغموض: "أبوك بيعمل كل اللي يقدر عليه عشان لما تيجي تلاقي كل حاجة حلوة مستنياك." ★★★★★★★★★

"طمني يا دكتور مالها؟ هكذا تحدث «ياسين» بقلق بعد أن كادت تسقط بين يديه في الجامعة ليقوم بإمساكها وإراحتها فوق الأريكة قبل أن يستدعي طبيب الجامعة الذي كان يعلم بأنه متزوج ولكن لم يكن يعلم هويتها، فأجابه قائلًا: "كويسة ضغطها وطى بس وده شيء طبيعي في الحمل." «ياسين» بصدمة: "حمل! الطبيب باندهاش من مظاهر الصدمة التي تلون ملامحه: "انت تعرفها؟ فاق من صدمته مطلقًا ضحكة قوية قبل أن يقول بسعادة بالغة: "أعرفها؟

دي مراتي. يعني أنا هبقى أب. أنا مش مصدق نفسي. ألف حمد وشكر ليك يا رب." الطبيب بحبور: "ألف مبروك يا دكتور ربنا يقومها بالسلامة. بس لازم تتابع مع دكتور مختص عشان يتابع حالتها وحالة الجنين." «ياسين» بلهفة: "آه طبعًا. أكيد." انصرف الطبيب وتركهم لتبدأ «حلا» في استعادة وعيها شيئًا فشيئًا إلى أن استقرت زمرديتها على أحب وجه إلى قلبها، فهمست باسمه بخفوت: "ياسين." اقترب يلثم حروف اسمه من بين شفاهها قبل أن يقول بعشق:

"قلب ياسين." فتحت عينيها تناظر ملامحه التي كانت تضج بسعادة وحبور، لون عينيه الجميلة، فارتسم سؤال ملح في عينيها وقالت بخفوت: "في إيه؟ أنا اغمي عليا ليه؟ جذبها ليجعلها تستقر بجانب قلبه قبل أن يقول بسعادة: "أخيرًا يا حلوة قلبي ربنا كرمنا." وصل إلى عقلها هاجس جعل قلبها يرتجف داخلها، فرفعت رأسها تطالعه بلهفة وعينيها تتوسلان إليه بأن يطمئنها، فلبى نداءها على الفور وهو يقول بتأثر: "إنتِ حامل يا حبيبتي."

لوهلة تصنمت بمكانها تحاول أن تستوعب ما قال قبل أن تخرج منها صرخة قوية وهي تهتف بسعادة غامرة: "أنا حاااامل. مش مصدقة نفسي بجد." حاول «ياسين» احتوائها وهو يقول بسعادة: "اهدي يا مجنونة الجامعة كلها عرفت، وبعدين إيه مش مصدقة دي هو أنتِ معاكِ أي حد ولا إيه؟ لون المكر نظراته وهو يقول بتخابث: "لو كنت نسيت أفكرك! اختتم كلماته بغمزة عابثة جعلت الدماء تندفع لأوردتها، ولكنها دفعته قبل أن تهب واقفة وهي تقول بدلال:

"سينو مش وقت قلة أدبك دي. أنا نفسي في مانجا." «ياسين» بصدمة: "مانجا؟ مانجة إيه اللي في شهر اتنين دي؟ "أيوا مانجا. إيه مسمعتش عن الوحم قبل كده؟ خلي بالك لو مجبتليش مانجا البيبي هيزعل يرضيك؟ تدلى فكه من فرط الصدمة التي تحولت إلى استنكار تحلى في حروفه حين قال: "وحم والبيبي هيزعل! هو لحق ده أنتِ لسه عارفة إنك حامل من تلت دقايق." «حلا» باندفاع: "أيوا هي التلت دقايق دي شوية؟

وبعدين انت من أولها هتناقشني لا بقى أنا هروح لطنط تهاني اشتكيلها منك." «ياسين» باندهاش: "هي حصلت؟ ده أنا باين هشوف معاكِ أيام سودا. ربنا يستر." اقترب منها قائلًا: "استنيني في العربية عشر دقايق هعمل حاجة مهمة وبعدين هاخدك عالدكتور عشان نطمن عالبيبي قبل ما نروح عالبيت." لاح شبح غاضب بنظراته، ففطنت ما ينوي عليه، فاقتربت منه قائلة بهدوء:

"ياسين إحنا لسه دلوقتي سامعين خبر حلو. أنا عارفة إنك متضايق بس بلاش تأذيها عاقبها بس من غير أذية." «ياسين» بجفاء: "متقلقيش أنا عارف هعمل إيه كويس." ماهي إلا دقائق حتى أوصلها للسيارة وتوجه إلى مكتبه بعد أن أرسل استدعاء لتلك الفتاة التي كانت تقف أمامه وبقلب مذعور، وما أن استقر خلف مكتبه حتى اندفعت قائلة بتبرير: "والله يا دكتور ما كنت أعرف. أنا كنت.." قاطعها «ياسين» بقسوة: "كنتِ عايزة تفضحيها مش كده؟ اخفضت «أروى» رأسها،

فتابع بحدة: "بنت تأذي بنت زيها بالطريقة القذرة دي ليه؟ لم تجد إجابة واحدة تنفذها من هذا الموقف المُذل، فتابع بقسوة: "هو أنتِ لابسة الحجاب دا ليه؟ لما أنتِ متعرفيش ربنا لبساه ليه؟ شكل وبس؟ متعرفيش إنه دائن تُدان، وأن اللي هتعمليه فيها هيتردلك في يوم." كلماته كانت كالنغزات التي أصابت كرامتها وأردتها تحت أقدامه، و خاصةً حين تابع بتقريع:

"عيب أوي لما بنت تتعمد تأذي بنت زيها وتفضحها على الرغم إنها معملتش فيكي حاجة. أنا ممكن أعملك استدعاء لأهلك، وممكن أضمن إنك تفضلي تسقطي طول حياتك، وممكن أتسبب إنك تتفصلي من الجامعة ويضيع مستقبلك." ارتجف بدنها رعبًا من كلماته وأخذت تنتظر باقي جملته كمجرم ينتظر حكم الإعدام، فتابع «ياسين» بعنفوان زاد من تحقيرها: "بس أنا مش حقير زيك. ماهو اللي عملتيه ده حقارة ودناءة. مسمعتيش عن حديث سيدنا محمد (صل الله عليه وسلم)

من ستر مسلمًا ستر الله يوم القيامة؟ "أنا آسفة والله. أنا.." قاطعها «ياسين» بصرامة: "آسفة دي تقوليها لنفسك اللي غلطي في حقها وحطتيها في الموقف المخزي ده. نفسك دي أمانة عندك بلاش تهينيها وتذليها عشان هتتحاسبي." صمت لثوانٍ ليردف بنبرة صارمة: "أنا هكتفي بأنك تعتذري لحلا قدام المدرج كله إنك اقتحمتي خصوصيتها، ومن هنا لحد ما الترم ينتهي مش عايزك تحضريلي ولا محاضرة." شهقت «أروى» بصدمة وقالت برجاء: "بس أنا كده هسقط.."

قاطعها بجفاء: "تقدري تاخدي المحاضرات من زمايلك، وأنا كده رحيم بيكي أوي مع إنك متستاهليش الرحمة. اتفضلي على محاضراتك ومش محتاج أقولك إن حلا الوزان خط أحمر." ★★★★★★★★★ "عاملة إيه دلوقتي؟ هكذا تحدث «طارق» ل«همت» التي كانت تغادر لتوها غرفة «شيرين» فأجابته بحزن: "هتكون عاملة إيه يا طارق؟ بناتي ربنا يتولاهم ملهمش غيرها." اغتظ «طارق» من طريقتها فقال بجفاء:

"ونعم بالله يا عمتي كلنا ملناش غير ربنا. بس لازم تعرفي إن بناتك مش لوحدهم إحنا كلنا حواليهم." أومأت بصمت، فقام «طارق» باحتوائها بين ذراعيه فقد شعر بمرارتها ومدى ثقل جراحها ونزيف روحها، فأشعرتها فعلته برغبة عاتية في البكاء فطاوعتها رغمًا عنها وأخذت تبكي بحرقة بين ذراعي «طارق» الذي لم يحاول تهدئتها بل تركها تفرغ ما بجوفها من حرائق، فمرت بضع دقائق قبل أن تقول «همت» من بين عبراتها:

"أنا ظلمت نفسي وظلمت بناتي يا طارق. اخترتلهم أسوأ أب في الدنيا. هما دلوقتي بيدفعوا تمن أخطائي." "يا عمتي كل شيء في الدنيا دي نصيب. مفيش حد عارف بكرة في إيه؟ وأنتِ لما عرفتي حقيقته القذرة سبتيه ودستِ عليه ودي أكتر حاجة وجعته." رفعت رأسها تناظره بألم جلل: "ناجي مفيش حاجة بتوجعه يا طارق. ده شيطان." أومأ «طارق» برأسه عدة مرات قبل أن يقول بهسيس مرعب:

"هنشوف. والله اللي بتهز له سبع سموات لـ هخليه يبكي بدل الدموع دم على كل دمعة نزلت من عينيها." هالها مظهره وتوعده، فكفكفت عبراتها قبل أن تقول باندهاش: "هو انت بتحبها أوي كده يا طارق؟ «طارق» بصدق تبلور في نظراته وكذلك لهجته حين قال: "أنا عمري ما عرفت يعني إيه حب غير على إيدها. شيرين دي فرصتي من ربنا عشان أبقى إنسان جديد." صمت لثوانٍ قبل أن يتابع بنبرة ذات مغزى: "وأنا مش هسيب فرصتي تضيع مني أبداً."

وصلها مغزى حديثه فاومأت بصمت، فتابع هو بنبرة صارمة: "كتب كتابي على شيرين بكرة زي دلوقتي." شهقت «همت» بصدمة: "بتقول إيه يا طارق وهي في الحالة دي؟ أوشك «طارق» على الحديث فتفاجئت بتلك التي فتحت باب الغرفة وهي تقول بأسى من بين عبرات جامحة: "أنا موافقة يا ماما." لم تسعده موافقتها بل على العكس أغضبته، فهي لم توافق عشقًا له بل استجابة لرغبة قوية في الانتقام من «ناجي» الذي تعلم أن زواجها منه سيشعل جنونه.

لم يعاتبها ليس وهي لم تصبح زوجته بعد، ليس وهي في تلك الحالة التي تجعله يريد غرسها بداخله أحضانه ليمتص منها كل ذلك الحزن الذي يكاد يجهز عليها، لذا قال بجفاء: "جهزي نفسك واستعدي عشان بكرة." ★★★★★★★★★ يقف جامدًا كتمثال قُد من حجر بينما بداخله حرائق مشتعلة ولا يلوح خبر انطفائها بالآفاق. لم يعد يعلم سبب تلك النيران المندلعة بجوفه هل غضبًا أم ندمًا أم شوقًا؟

يشتاق لا يخجل من الإفصاح عن ذلك، نادم على ما حدث وما سيحدث، وغاضب وبشدة على شوقه الأحمق وندمه المريع ومعرفته بأن كل هذا سيتوقف ما أن يلمح طيفها.

يعلم بمدى فداحة خطأه تجاهها ولكن لا أحد يعلم فداحة ما كان يشعر في تلك اللحظة. أن يموت شخصًا بسببه دون أن يقترف أي إثم سوى إنقاذه. تكالبت عليه أوجاعه وعقدة الذنب التي تلازمه دائمًا ولأول مرة يرى الحياة سوداء بعينيه حد اشتهاءه الموت حتى يتخلص من كل هذا العذاب الذي تضاعف حين سمع تلك الحقائق المروعة من شقيقه، ليتعاظم الألم بداخله فلا يعلم لمَ يتألم؟

هل يتألم لكل هذا الضغط الذي عاشته بمفردها كي تحميه من صدمة كانت ستودي به إلى الهلاك؟ أم يتألم لكونه لم يكن يحميها بالقدر الكافي لتتعرض لكل هذا الأذى وهي بجانبه؟ أم يتألم لكونه لا يستطيع الذهاب الآن لرؤيتها واحتضانها حتى تتحطم ضلوعها تحت وطأة عناقه وإخبارها بأنها أثمن ما يمتلك في هذه الحياة؟

ولكن بالرغم من كل شيء كان هناك عتابًا لها بداخل قلبه، ألم يحتمل قلبها ثورة واحدة منه بينما احتمل هو الكثير والكثير من ثورات وعواصف واضطرابات ألمت بها دون أن يمل أو يشتكي؟

انفلتت دمعة غادرة من عينيه تحكي أي عذاب يقع تحت سطوته، لم يمحها ولم يحاول قمع مثيلاتها التي تدحرجن فوق خديه يرويان سطور الوجع المحفور بقلبه الذي كان يتوسل إليه التراجع ولو قليلًا، فلم يمنع نفسه من التقاط هاتفه وقام بالضغط فوق اسمها ينوي الصراخ وتوبيخها وإعلان عظم رضاه عما فعلت وربما يبكي كالطفل يتوسل إليها العودة، وكأن اضطرابه وثورة قلبه كانت استجابة لدعائها الملِح بأن يروي ظمأ شوقها إليه، فتسابقت دقات قلبها حين شاهدت اسمه يضيء هاتفها، فلوهلة ظنت بأنها تهذي، فالتفتت تنظر إلى «سهام» التي فطنت إلى أن المتصل «سليم» خاصةً وأنها كانت تتحدث عنه،

لذا قالت بلهفة: "ردي عليه." «جنة» بأنفاس مقطوعة: "طب أقوله إيه؟ "خليكِ هادية وشوفي هو هيقول إيه يالا ردي." أجابت بأنامل مرتعشة ونبرة صوت ترتجف شوقًا وتأثرًا: "ألو.." "مشيتي ليه؟ هكذا استفهم بنبرة معذبة لم تخطئ في فهمها، فأجابته بنبرة حاولت أن تبدو متماسكة: "ده اللي كان لازم يحصل من زمان." لا ينكر شوقه الذي كان هو الشعور الطاغي على كل ما يجش بصدره، ولكنه اندفع يستنكر بغضب: "لا والله! كان مفروض إنك تمشي من زمان؟

"كان مفروض إني أمشي من الأول لحد ما أتعافى وتتعافى عشان نقدر نعيش." تجاهل ما يرمي إليه حديثها وصاح بغضب يحوي عتابًا خاصًا ارتج له قلبها: "كل ده عشان انفعلت عليكي وأنا في أصعب حالاتي؟ لم تفلح في محو الألم من نبرة صوتها وهي تجيبه: "لا يا سليم. مشيت عشان كل مرة كنت بقولك انت تعبت معايا أنا عبء عليك كنت بتقولي أوعي تقولي كده تاني المرة دي انت اللي قولتها، وانت عارف انت قولت إيه. كفاية عليك أوي كده. انت تعبت وعايز ترتاح."

كان يود الصراخ في وجهها عن أي راحة وهو يتلظى فوق جمر ملتهب لا يطفئه سوى وجودها؟ وبآخر لحظة تماسك ليسكب كل ما يمتلك من جمود فوق لهجته حين قال: "وانتِ عايزة حقك صح؟ جنة بصدمة سرعان ما تحولت إلى ذعر: "تقصد إيه؟ أجابها بلهجة أذابت عظامها ذعرًا: "مسافر. رايح أجيب لك حقك عشان ترتاحي أنتِ كمان." انتفض قلبها وهبت من مقعدها وهي تقول برجاء: "سليم." قاطعها بلهجة جافة:

"خلي بالك من نفسك ومن محمود وبعد كده لما حد يتعرضلك بسوء ليكِ رجالة تقفلك." لم تكد تجيبه حتى أغلق الهاتف ليسقط قلبها ذعرًا بين قدميها وتناثر الدمع فزعًا من مآقيها وهي تصرخ برعب: "سليييم." ★★★★★★★★★ "طنط سهام الحقيني." هكذا تحدثت «جنة» من بين انهيارها، فهبت «سهام» تتلقفها بين يديها وهي تقول بفزع: "في إيه يا جنة؟ تمالكت نفسها بصعوبة قبل أن تقص عليها ما حدث بينها وبين «سليم» ثم أنهت حديثها قائلة بألم:

"رنيت على فرح مردتش ورنيت على مروان برضه مردش أنا هموت من القلق." تدخلت «نجمة» قائلة بتفكير: "ما يمكن بيصيع عليكِ يعني؟ «جنة» بصدمة: "بتقولي إيه! "أيوا. ماهو حديثه ده بيخلينا نفكر إنه رايح يفتح عكة مثلًا! إني شاكة إنه بيجول أكده عشان يخوفك فترجعيله." تدخلت «سهام» تنفي حديثها: "لا مش صح. سليم مش كده وبدل قال مسافر يبقى فعلًا في حاجة. استنوني هنا." هرولت «سهام» إلى غرفة «صفوت» لتقتحمها وهي تقول باندفاع:

"انتوا ناويين على إيه مع ناجي؟ انتفضت عروقه غضبًا حين سمعها تأتي على ذكر ذلك الرجل، فأجابها بهسيس مرعب: "ميخصكيش." شعرت بمدى غضبه فرققت لهجتها قليلًا وقالت بخفوت: "ناجي ميستاهلش توسخوا إيديكوا بيه." إصرارها على ذكر اسم ذلك الرجل أثار استفزازه، فهتف بتحذير: "قولتلك ملكيش فيه؟ مظهره يوحي بأنها على الطريق الصحيح، لذا تابعت بإصرار: "سليم كلم جنة وقالها إنه مسافر وهي منهارة وأنا قولت أكيد ده له علاقة بناجي."

لم تستطع إكمال جملتها فقد اقترب يمسك بكفها يقربها منه حتى تلاحمت أنفاسهم وهو يزمجر بخشونة افزعتها: "إنتِ قصدها بقى. عمالة تكرري اسمه قدامي. عايزة إيه؟ بتحومي حوالين إيه؟ عايزة تختبري غيرتي ولا عايزة إيه؟ قال جملته الأخيرة بصراخ افزعها، فتمسكت بقميصه تحتمي به من غضبه وهي تنتفض خوفًا: "صفوت."

كان لفعلتها وقع خاص على قلبه كما همسها، وكأنها تستنجد به من بطشه، وقربها الذي تنبه له، فغامت عينيه برغبة كان يحاول دفنها بقلبه قدر الإمكان، ولكن بعد ما حدث هيهات أن يستطيع التملص منها، فقام بجذب خصرها حتى أصبحت جزء منه، وبأنامل قاسية رفع رأسها كي يقر عينيه برؤية عينيها، ثم زمجر بخشونة: "عايزة إيه يا سهام؟ تنحى كل شيء أمام سطوة رجل امتلك قلبها سابقًا واستحوذ على جميع حواسها الآن، لذا همست بخفوت:

"عايزاك، وبحبك يا صفوت." كان تصريحها مفاجئًا للحد الذي غيب عقله، فهمس بنبرة عاشقة: "وأنا بعشقك يا سهام."

أطلق العنان لوحوش شوقه الضارية أن تفترسها دون رحمة، فقد كان لقاءً طال انتظاره لسنوات، يُمني نفسه بأن اجتماعهم سيأتي قريبًا، والآن جاءت تلك اللحظة التي تحمل لأجلها شتى أنواع العذاب واللوعة التي أحرقت قلبه، والآن كان كالناسك الذي ظفر بجنته فصار يتنعم بها بنهم، بينما لم يكن حالها أفضل منه، فقد أغدقت عليه من حنانها وعشقها ما جعله يهيم بها كالمجنون يمتلك كل أنثى بها يوشمها بعشقه ويرتشف عشقها بجوع قاتل لا يعرف الشبع، وهي غارقة بين ذراعيه تختبر أروع شعور يمكن لامرأة أن تختبره، وهو أن يهيم بها رجل عظيم مثله وينصبها ملكة على عرش قلبه.

★★★★★★★★* كان الألم يتشعب بصدره رغمًا عن إنكاره له، فضاق به جسده الذي أخذ ينتفض جراء الحمى التي أصابته، فارتده طريح الفراش لمدة يومين ذاق الويلات من هذا المتعجرف الذي كان يعامله بجفاء: "يالا قوم اشرب اللبن طولت في المرض أوي وأنا مش فاضيلك." أجابه من بين أنفاسه المقطوعة بسبب السعال: "مش قادر. تعبان أوي. انت مش شايف؟ «جرير» بنفاذ صبر: "شايف إيه؟ شوية برد يرقدوك كده؟ اللي يشوفك كده يقول إنك هتموت." «حازم»

بغضب لم يستطع التعبير عنه: "هموت لو مجبتليش دكتور ودوا وأكل زي الناس." «جرير» باستنكار: "لا والله دكتور وأكل ودوا مش عايز أغسلك رجلك بالمرة؟ هو انت فاكرني الست والدتك؟

تسلل شعور عارم بالحزن إلى قلبه حين أتى على ذكر والدته، فقد اشتاقها كثيرًا، اشتاق لحنانها ولدفء ذراعيها، و خاصةً حين يمرض كتلك الحالة، فقد كانت تسهر على راحته، يستيقظ في جوف الليل يجدها غافية إلى جواره تتفحص حراراته، وأشقائه «حلا» التي كانت تبكي ما إذا أصابه زكام طفيف وتتعلق به حتى تصاب هي الأخرى، و«سالم» الذي كان يطمئن عليه دائمًا وعلى أبسط شيء يخصه، و«سليم» الذي بالرغم من قسوته الظاهرة لا يزال يتذكر ذلك اليوم حين أصابه خلع في الكتف حين كان يلعب الكرة، فقام بحمله والهرولة به إلى المشفى وهو ينتفض خوفًا عليه، والآن أين ذهب كل هذا الدفء والحب؟

يرتجف بردًا وألمًا ومرضًا ولا يجد من يُشفق عليه. "انت نمت ولا إيه؟ اصحى خد دواك ومن بكرة بإذن الله هتشوف شغلك. لا تكون مصدق إنك تعبان؟ الرجالة مبتنممش زيك كده." ★★★★★★★★* جاء اليوم المنشود لأي فتاة أن تُكتب على اسم من تُحب، وكعادتها لا يكون أي شيء معها يبعث على الفرح بل على العكس تتبدل دائمًا فرضيات الأمور وتصبح النقيض، فها هي الآن بدلاً من أن تكون بأقصى درجات السعادة يكاد الحزن أن يقتلها. "خلاص جهزتي؟

كان هذا صوت «هِمت» التي دلفت إلى داخل غرفتها تستحثها على النزول للأسفل، فنصبت عودها وهي تقول بجمود: "جهزت." أمسكت «همت» بذراعها وهي تقول بحنو: "كل حاجة هتبقى خير بإذن الله. خلي عندك ثقة في ربنا." «شيرين» بأسى: "أنا واثقة في ربنا يا ماما. بس إحنا بنات ناجي اسمه لوحده كفيل يمنع أي خير ممكن يجيلنا. يالا عشان ننزل."

بضع دقائق كانت تصل إلى الغرفة المنشودة لتجد الجمع العائلي المتوقع و بينهم شيخ كبير على يمينه «سالم» و بجانبه «مروان» و على يساره «طارق» و بجانبه «سليم» الذي نهض من مقعده ليجلسها، فتوجهت إلى مقعده بصمت، وقبل أن يشرع الشيخ تساءلت «شيرين»: "هي سما منزلتش ليه؟ هب «مروان» من مكانه يُخفي غضبًا كبيرًا بداخله من تجنبها الحديث معه منذ تلك الحادثة ليقول بصرامة: "أنا هطلع أجيبها."

تجاهل اعتراضًا كان على وشك أن يظهر على «همت» وتوجه للأعلى ينوي أن يُخرجها من تلك القوقعة التي تحتمي بها، فقام بطرق باب الغرفة ولكن لم يجد ردًا، فكرر الأمر عدة مرات ولكن دون رد، لذا حسم أمره وقام بفتح باب الغرفة، وسرعان ما تجمدت الدماء في أوردته حين شاهد... يتبع.....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...