تجمدت الدماء في أوردتها حين شاهدت تلك اللقطات الفوتوغرافية التي تجمعها بـ «ياسين» تملأ حوائط القاعة. ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وجمعوا كل تلك اللقطات ليضعوها نصب عينيها التي التقطت نظرات الشماتة من أعين الكثيرين ممن لم يُتح لها المجال حتى لمعرفتهم. تزاحمت الأنفاس في صدرها واهتزت جفونها معلنة عن عدم قدرتها على احتمال كل هذه العبرات التي تهدد بالانفجار في أي لحظة، وخاصة حين أتاها ذلك الصوت الخبيث المتشفي: _مفاجأة مش كدا؟
متخيلتيش إن في يوم الكل هيعرف حقيقتك؟ تحرك رأسها بآلية لتنظر إلى تلك الفتاة «أروى» بصدمة من حديثها الذي يقطر حقداً ونظراتها المحتقرة، فلم تستطع سوى الاستفهام بخفوت: _عرفتي منين؟ **عودة إلى وقت سابق** _مالك يا أروى مش على بعضك ليه؟ «أروى» بحنق والشرر يتطاير من عينيها: _اقطع دراعي إن ما كانت البت السهتانة دي على علاقة بالدكتور ياسين! _ليه بتقولي كدا؟ دا باين عليها محترمة وفي حالها. استنكرت «أروى» الحديث وتشدقت ساخرة:
_محترمة! هي مين دي اللي محترمة؟ معذورة أصلك مشوفتيش شكلهم لما طبيت عليهم أول امبارح في المكتب. دول كانوا زي اللي عاملين عملة وبيحاولوا يداروها عني، بس على مين؟ هو أنا عبيطة! وكمان يوم الواد اللي راح يقعد جنبها وهو نافخ. لا دا في حوار كبير وكبير أوي كمان. _ولو بينهم وبين بعض حاجة، أنتِ دخلك إيه؟ كبري دماغك. صاحت «أروى» باهتياج: _أنتِ عبيطة يا بت أنتِ ولا شكلك كدا؟
أنا اللي أعجبت بيه الأول وبعدين فيها إيه البت دي عشان يفضلها عليا. لون الحقد معالمها وهي تضيف بحنق: _ابن التييت بعد ما وعدني إنه هيحضر الحفلة، خلع وقال إيه مالوش في الكلام دا! طب وحياة أمي دا باين عليه ملاوع وله في كل حاجة. زفرت الفتاة بملل وهي تقول بنفاذ صبر: _بقولك إيه مش ناقصين مشاكل، ولو كان بينهم حاجة دا شيء ميخصناش، كبري دماغك. «أروى» بانفعال:
_لا دا يخصنا ويخصنا ويخصنا. أنا لازم أعرف وراهم إيه وأكشفهم قدام الجامعة كله. تسلل الخوف إلى قلب الفتاة التي قالت باستفهام: _ناوية تعملي إيه يا بت أنتِ؟ مش مرتحالك. «أروى» بتخابث: _هراقب الأمورة، أنا واثقة إنها أكيد يتركب معاه، بس مش قدام الجامعة. ماهو أنا مش هبلة، أكيد بينهم حاجة مش بريئة. نظراتهم يوم الامتحان بتقول كدا وأنا لازم أعرفها.
بالفعل انتظرت حتى خرجت «حلا» من الجامعة وقامت بمراقبتها إلى أن وصلت إلى سيارة «ياسين» الذي تلقاها بين ذراعيه مرحباً بانضمامها إليه، فقامت «أروى» بالتقاط عدة صور لهم وداخلها تتناحر شياطين الجحيم وتتوعد بالهلاك لكليهما. **عودة إلى الوقت الحالي** اقتربت «أروى» من «حلا» ولازالت عينيها تحملان وميض الخبث والشماتة التي تجلت في نبرتها حين قالت: _مفيش حاجة بتستخبى يا حلوة.
تغيب العقل من وقع الصدمة وتلك النظرات التي كانت تفترسها دون رحمة، حتى أوشكت قدماها أن تخور لولا تلك الذراعين القويتين اللتان أحاطتا بخصرها وذلك الصوت القاسي الذي هتف بحبور زائف: _إيه المفاجأة الحلوة دي! أنتوا عرفتوا إن عيد جوازنا قرب فـ حبيتوا تحتفلوا بينا على طريقتكوا ولا إيه؟
تعالت الهمهمات والشهقات المستنكرة من حولهم، بينما كان ذلك الثلاثي في عالم آخر. «أروى» يقابلها «حلا» التي كان «ياسين» يُحيطها بذراعيه بحنو يتنافى مع نظراته القاسية، حين تفاجأ بإحدى طالباته تهرول تجاهه. ما إن وصل إلى مكتبه وهي تخبره بأن «أروى» تجهز عرضاً رخيصاً على شرف كليهما، فأخذته قدماه بخط أشبه بالركض ليكون بجانبها قبل أن تقع في براثن تلك الغبية. تجاوزت عن صدمتها وهي تقول باستنكار: _جوازكوا! أنت بتقول إيه؟
«ياسين» بفظاظة ونظرات لازالت تقسو دون رحمة: _آه جوازنا. حلا الوزان مراتي، أومال أنتِ عاملة الشو دا على أساس إيه؟ ثقلت أنفاسها ورجفة قوية ضربت سائر جسدها مما جعل الحروف تتلعثم بين شفاهها حين قالت: _أ. أنا. مك. مكنتش. لا. أقصد. كن. كنت. عايزة. أفا. أفاجئكوا. «ياسين» بوعيد جعل جسد «حلا» ينتفض بين ذراعيه: _حلوة المفاجأة. استني مني واحدة زيها وأحلى كمان. _مكانك.
قال الأخيرة بزئير أفزعها، فتوجهت «أروى» إلى مقعدها وكل خلية في جسدها ترتجف ذعراً. تضاعف حين سمعت صوته الصارم يقول: _عشر دقايق أرجع ألاقي الصور دي اتلمت وبقت على مكتبي. أنهى كلماته بينما يديه انتقلت إلى ذراعي «حلا» ليجرها خلفه وهو يغادر القاعة، ليُفسح للجميع فرصة إطلاق أنفاسهم التي كانوا يحبسونها خوفاً من غضبه المُريع.
دفعها إلى داخل المكتب الذي ما إن دلف إليه وأغلق بابه حتى التفت إليها ينوي إفراغ شحنة غضبه بها لوضعهم في هذا الموقف، ليتفاجأ بها تندفع إلى أحضانه وهي تجهش في بكاء مرير يوحي بمدى ثقل ما حدث عليها. فتقهقرت جيوش غضبه أمام ضعفها وانهيارها.
لـ يحتويها بين جنبات صدره الدافئ الذي كان ملاذها دائماً، فأخذت تبكي بحرقة وهي تتخيل ذلك العرض القذر من تلك الفتاة، فقد أخرستها الصدمة وعاندتها شفاهها بالصراخ لتُعلن انتمائها إليه وبأنه رجلها، ليأتي إليها كما هي عادته وينقذها بأكثر الطرق روعة ليُثبت لجميع الحضور بأنها غاليته وزوجته. _مش كفاية عياط بقى؟ خلاص عدت. _أنا آسفة يا ياسين.
لم تستطع، هكذا كانت لهجته تحمل الضدين الغضب والحنان معاً، فهدأت شهقاتها وبدأت في كفكفة عبراتها بأناملها الرقيقة، فامتدت يديه لتقبض على كفها الرقيق تقربه من شفاهه التي أخذت ترتشف عبراتها العالقة فوق أناملها بحنو مثير، لتنتقل إلى وجهها الذي كان غارقاً في بحور من الدمع، فأخذ يرتشفها بتمهل أصاب أوتاراً خاصة داخل قلبها وسائر جسدها، فيما اختتم أفعاله الحانية وهو يهمس أمام شفتيها:
_تجنني يا ياسين واللي خلفوه وتيجي تقولي آسفة! أعمل فيكِ إيه طيب؟ رفعت رأسها تناظره باعتذار يتجلى بوضوح في عينيها ويتناثر من بين حروفها: _أنا متخيلتش يحصل اللي حصل أبداً. أنا.. صمتت لثوان تحاول منع عبراتها من الانهمار مجدداً، فأعادها إلى صدره مرة أخرى وهو يشدد من احتوائها قبل أن يضيف بمزاح: _اللي حصل دا يخليني أتأكد إن اللي يمشي ورا الستات لازم يلبس في حيط.
شقت ضحكتها الرقيقة طريقها وسط مرارة العبرات التي لازالت آثارها مطبوعة فوق ملامحها، والتي فجأة غزاها الذبول وشعرت بأن الأرض تميد بها، فهمست قبل أن تستسلم للدوار: _ياسين. الحقني. **★★★★★★★★★**
لم يفلح النوم في إغوائها على الرغم من تعبها الواضح وإنهاكها الجسدي والروحي، إلا أن القلب أبى أن يخلد للراحة قبل أن تطمئن على شقيقتها، فالتفتت تناظره بحنو طبعته شفاهها فوق جبهتها العريضة وامتدت أناملها تعيد تلك الخصلة الشاردة فوق جبينه، فقد بدا صورة حية لوسامة قاتلة مطعمة بهيبة بدائية تجعل جسدها ينتشي وحواسها تتيقظ وقلبها ينتفض عشقاً له.
انسلت تَلَكُّؤ من بين يديه التي تقبض على خصرها وجذبت أحد فساتينها لترتديه على عُجالة وتتوجه بخط متلهفة إلى غرفة شقيقتها للإطمئنان عليها، ولكنها ترددت في فتح الباب، فتقوم بطرقه عدة مرات قبل أن تطاوع قلبها الملتاع وتقوم بإدارة مقبض الباب الذي انفتح لتدلف إلى الداخل وهي تنادي عليها بلهفة لم يقابلها إجابة.
توجهت إلى غرفة «محمود» فلم تجده، فدب الذعر في أوصالها وأخذت تدور حول نفسها والدمع يتقاذف من مقلتيها بإسهاب، بينما شفاهها لازالت ترجو الإجابة: _جنة. جنة… _جنة مشيت يا فرح. يا ليتها لم تأتِ تلك الإجابة التي شقت قلبها إلى نصفين، فتجمدت للحظات بمكانها تحاول استيعاب ما سمعته للتو، ثم تحاملت على نفسها لتلتفت تناظره بعينين يقسم أنه لم يرى بهما كل هذا الكم من الحزن ذات يوم. _يعني إيه مشيت؟
هكذا تحدثت بصوت خالٍ من الحياة وعينين تتوسلان إليه بنفي ما ألقاه على مسامعها للتو، لذا تقدم منها وعينيه ترسلان ألف اعتذار بها نيابة عن العالم أجمع، إلى أن وقف أمامها مباشرة وهو يقول بنبرة حانية برغم ذلك التحذير الذي لم تخطئ في فهمه: _هنقعد نتكلم وهـ تسمعي اللي حصل، ولا هتنفعلِ وتتصرفي من غير تفكير زي عادتك؟ وقد كان هذا تحديداً ما حدث. شعرت بالغضب يتفشى في أوردتها للحد الذي لم تستطع ردعه، فهبت بانفعال:
_تقصد إيه بـ "زي عادتي" دي؟ أنا طول عمري عقلي يوزن بلد، لو كنت أنت شايف غير كدا دي مشكلتك. آخر شيء كانت تتوقعه تلك الابتسامة الرائعة التي أضاءت وجهه، فبهتت ملامحها لثوان قبل أن تتحول لغضب عارم، فصاحت من دون احتراز: _أختي فين يا سالم يا وزان؟ تفاجأت من إجابته حين قال بتسلية: _في الحفظ والصون يا قلب سالم الوزان.
شعرت بالغباء يسيطر عليها للحظات من ردود أفعاله، وهوى قلبها بين ذراعيها من فرط الذعر، ولكنها تفاجأت به حين احتوى وجهها بين يديه التي كانت قاسية تشبه نظراته وتتنافى مع تلك الابتسامة الهادئة فوق ملامحه، وهو يقول بتحذير: _لو صوتك علي عليا تاني هقطعلك لسانك يا فرح، تمام؟ كاد أن يصيبها بسكتة دماغية من فرط الغضب، ولكن لم يكن ذلك أكثر ما يشغلها، فقد كانت تتلهف للإطمئنان على شقيقتها، لذا قالت بلهجة أهدأ: _جنة فين؟
تراجع للخلف ويديه تجذبانها لتجلس على أحد الأرائك وهو بجانبها ويديه تحتوي كفوفها بحنو كان يتخلل لهجته حين قال: _جنة عند صفوت في المنيا. برقت عينيها من شدة الذهول الذي تجلى في نبرتها حين قالت: _إيه؟ أنت بتقول إيه؟ جنة إيه اللي يوديها هناك؟
بدأ «سالم» في سرد ما حدث منذ أن ذهبوا للإطمئنان على «سليم» في المشفى، مروراً بما حدث بينه وبين «جنة» إلى طلبها المغادرة ثم إيصاله لها عند منزل «صفوت»، ولكنه لم يذكر سوى مقتطفات من الحديث بينها وبين شقيقه. ما إن انتهى من سرد ما حدث حتى تفاجأت من تلك التي هبت واقفة تضع يدها فوق جبهتها وهي تدور في أرجاء الغرفة كمن أصابه الجنون، والعبرات تتساقط بوفرة من عينيها وهي تقول بهستيريا: _أختي يحصل معاها كل دا وأنا معرفش؟
يعني هي دلوقتي في الحالة دي في مكان غريب مع ناس متعرفهمش؟ وأنا فين؟ محدش يقولي ليه؟ محدش يديني خبر ليه؟ خلاص مبقاش ليا لازمة! قالت جملتها الأخيرة صارخة بانفعال، فقد كان مظهرها مُذرياً كما توقع تماماً، لذا نصب عوده وهو يتوجه إليها قائلاً بهدوء: _دا كان طلب جنة إنك متشوفيهاش وهي ماشية عشان متصعبيش الأمور عليها وعليكِ. امتقع وجهها حين سمعت كلماته وتهدلت أكتافها بانهزام تجلى في نبرتها حين قالت:
_قلبها إزاي طاوعها تسبني كدا وتمشي؟ ضاق ذرعاً من حزنها الذي كان له وقع قارص على قلبه، فخاطبها بجفاء: _ممكن تهدي شوية وتعالي تقعدي عشان نعرف نكمل كلامنا. رغمًا عن كل شيء لم تستطع تجاوز ذلك الألم الرهيب الذي يعصف بقلبها وهي تتخيل أن شقيقتها وحيدة وسط الناس لا تعرفهم، خاصةً وهي تحمل كل تلك الجراح بقلبها، لذا تحدثت ومن صباراً نبت في جوفها: _ليه هو فيه حاجة تانية أنا لسه معرفهاش؟ يعلم مدى تأثرها، لذا قال بلهجة هادئة:
_جنة اختارت تبعد عشان تقدر تلملم نفسها وتهدى بعيد عن أي ضغط وأي صدام ليها مع سليم. عند ذكر اسم ذلك اللعين تفجر بارود غضبها، فصاحت بانفعال: _سليم دا أنا هاكله بسناني لما أشوفه! يعني هو يشرب حشيش ويتنيل بستين نيلة وييجي يرمي اللوم عليها؟! هي ذنبها إيه؟ بس المرة دي مش هعديهاله بالساهل يا سالم، ولازم هاخد حق جنة من عينيه. تبدل الغضب في لهجتها إلى بحة ألم قاتلة وهي تضيف بأسى: _عشان هو أكتر واحد عارف هي اتعذبت إزاي؟
أرجعت خصلات شعرها للخلف وهي تضع يدها فوق مقدمة رأسها قبل أن تضيف بحرقة: _دي يا قلبي ملحقتش تفرح إن ربنا شفاها وخفت من مرضها. أخذت تلوح بكفها في الهواء وهي تقول بلهجة تتضور وجعاً تناثر من عينيها أولاً: _هقول إيه بس. اللهم لا اعتراض على قضائك يارب.
كاد الوجع أن يهزمها لولا يديه التي امتدت تجذبها بقوة لتعيدها إلى مكانها الطبيعي الذي خلقت منه ولأجله، فاستقامت أضلعه واكتملت بوجودها، فأطلق العنان لسيل حنانه بأن يغمرها كما لم يفعل من قبل، فقد شهد اليوم على أكثر لحظاتها ألماً وضعفاً، لم يحتمله ولن يسمح به، فهي كانت ولازالت أمرأته القوية، مهرته الجامحة، حبيبته ذات العنفوان والعزة التي لا يليق بها الانحناء، خاصةً في وجوده. فشدد من احتوائها حتى فاض دمعها ليبُلل مقدمة قميصه واخترقت شهقاتها المعذبة جدران قلبه الذي ارتج على إثرها وهو يلعن كل ما حدث وجعلها في تلك الحالة التي لن يسمح لها بأن تستمر طويلاً، لذا اقترب من أذنها هامساً:
_تعرفي لو كان الحزن دا راجل كنت قتلته ولا تنزل دمعة واحدة من دموعك يا فرح. _ااااااااه يا سالم..
حاوطت خصره بذراعيها واضعة رأسها فوق قلبه وكأنها تشكو له مُر ما تمر به، وشهقاتها تتزايد، فأخذ يُمرر يده فوق خصلات شعرها بحنو نثرته شفاهه فوق جبهتها المتعرقة بفعل حالتها التي كانت تغضبه بقدر ما تؤلمه، لذا بعد فترة وجيزة أخرجها من بين أحضانه ثم جذب أحد المحارم الورقية ليزيل عنها آثار دمارها الهائل، وهي صامتة وكأنها أعلنت العصيان على جميع الأحرف التي لا تصف مقدار حزنها.
حملها برفق يتوجه بها إلى الأريكة ليجلس وهي بين ذراعيه التي لم تُحررها، إنما زادت من تشبثها بها حين توارى رأسها في تجويف عنقه بهدوء أثار جيوش غضبه الذي يحاول قمعها بشتى الطرق، فزمجر بخشونة: _كفاية بقى يا فرح. دموعك دي بتقتلني. قولتلك أنا هحل كل حاجة، وده وعد مني.
شددت من عناقه كرد فعل على كلماته الحانية، ليضيف بلهجة موقدة بلهيب العشق، حازمة من رجل اعتاد على الانتصار في جميع معاركه مع الحياة، فما إن كانت تلك المرة الحرب لأجلها! _دا وعد من سالم الوزان يا فرحة قلبي، هصلح كل حاجة عشان أرجع ضحكتك الحلوة من تاني.
تخدرت أوجاعها أمام عشق لم يسعها تجاوزه يوماً ولم تستطع مقاومته أبداً، فأخذت أناملها ترسم ملامحه الخشنة التي تهيم بها، فـ إن كان العشق أعلى درجات الحب، فهي تعشقه فوق العشق عشقين، فجميع المشاعر التي يعج بها الكون لا تليق بذلك الرجل الذي احتفظ بأكثر من نصف جاذبية العالم وجميع شهامته ومروءته. انسابت الحروف بهمس من بين ضفتي التوت خاصتها: _أنا هعمل إيه لو مكنتش أنت موجود؟
وضع قبلة دافئة في باطن كفها الذي يحتضن وجهه قبل أن يجيب بتملك جعل حزمة من الوخزات اللذيذة تتفشى في سائر جسدها: _أنتِ معايا وجنبي وفي حضني موجود أو مش موجود، عشان مش هسيبك لحظة بعيدة عني بعد كدا. سحبت قدر كبير من أنفاسه العطرة قبل أن تقول بحرقة: _أنا قلبي واجعني أوي يا سالم. مقدرش حبايبي يغيبوا عني. قست أنامله فوق خصرها وهو يقول بخشونة: _حبيب واحد يا فرح هانم، وبعدين دي فرصتي عشان تبقي ليا لوحدي وأستفرد بيكِ شوية.
تعلم أنه يحاول تبديد حزنها وإخراجها من تلك الحالة التي تكاد تُنهيها، وهي ممتنة له وكثيراً، لذا همست بخفوت: _أنا نفسي أعرف أكون ليك بكل ما فيا يا سالم. نفسي أطمن على جنة عشان أعرف أفرح وأعيش معاك مرتاحين. _عارف، وعشان كدا بقولك سبيها تهدى شوية وتفكر بعقل. وعلى فكرة هي هتبدأ في جلسات العلاج النفسي الأسبوع الجاي. خليها تمشيها صح من الأول يا فرح.
ودت لو تكون بجانبها كي تمسك بيدها وتحتضنها فقط، ولكنها لم تستطع الإفصاح عن تلك الأمنية التي تبلورت في عينيها الضائعة، فتابع «سالم» بخشونة: _أول ما تحتاجلك هتيجي جري عليكِ، وبعدين انتوا هتتكلموا في التليفون أكيد. مالوش لزوم النكد يا فرح هانم. برقت عينيها وتبددت نظراتها إلى أخرى ساخطة وهي تقوم بحنق: _أنا نكدية يا سالم؟ «سالم» بعبث: _نكدية قمر. أضاءت وجهها ابتسامة عذبة، فهتف قائلاً:
_أخيراً. بقولك إيه يا فرح بلاش تقعدي مع سما كتير. كلماته نجحت في جعل الضحكة تشق جدار الحزن الذي يحيط بها، فاقترب منها حتى تعانقت أنفاسهم وهو يقول بهمس خشن: _ما تيجي نروح أوضتنا عشان أعرف أصبح عليكي بدل الصباح الغابر دا؟ «فرح» بصدمة: _صباح غابر؟ أنا صباحي غابر يا سالم؟ لم يفلح في قمع ضحكاته التي تردد صداها في الأرجاء، ثم قال يمازحها:
_الصراحة يا فرح الوش الخشب دا والعياط والشحتفة اللي كانوا من شوية دول مش هياكلوا معايا. أنا راجل بكره النكد قد عنيا. اشتعلت غاباتها الخضراء وقامت بلكمه في كتفه وهي تقول بحنق: _والله أنا كدا بقى لو كان عاجب سيادتك؟ «سالم» بعبث: _ما قولتلك من حسن حظك إن كل حالاتك بتعجبني.
غافلتها الابتسامة ولونت ثغرها الشهي، فاقترب يقتطفها من فوق شفاهها بشغف أضرم نيران العشق بسائر جسدها الذي احتواه بين يديه ليحملها متوجهاً إلى غرفتهم ينوي أن يبدد هذا الحزن الساكن في عينيها بشتى الطرق. **★★★★★★★★★** _هو إزاي قادر يكون وحش كدا يا ماما؟ هكذا تحدثت «شيرين» من بين نهنهاتها المتقطعة حزناً وألماً على صديقتها التي قُتلت غدراً بفعل رجل لم يحمل من الأبوة بقلبه ولو مثقال ذرة واحدة.
ربتت «همت» على ظهرها بحنو وهي تحتويها بين ذراعيها تحاول مواساتها قدر الإمكان والتخفيف عنها، لذا قالت بأسى: _طول عمره كدا يا بنتي. معندوش قلب ولا يعرف معنى الرحمة. رفعت «شيرين» رأسها تطالعها بلوعة تجلت في نبرتها حين قالت: _بس إحنا بناته. إزاي يقدر يعمل فينا كدا؟ حتى لو وحش مع الناس كلها إحنا لأ. ارتسمت ابتسامة ساخرة على ملامح «همت» التي قالت بمرارة: _بناته!
طول عمره بيعتبر نفسه حظه وحش عشان مخلفش ولاد، وإني مش ست زي كل الستات عشان مقدرتش أجيبه الولد. «شيرين» بغضب: _بس هو مش أول ولا آخر واحد يكون خلفته بنات. «همت» بأسى: _الكلام دا للناس اللي عندها ضمير. إنما دا طول عمره منزوع الضمير والإحساس. تفتكري لما سما كانت عندها سنة كنتِ أنتِ حوالي خمس سنين وقتها قالولي أنتِ بترضعي وعمرك ما هتحملي فمخدتش احتياطاتي بس للأسف حملت. تقاذفت الدمع من مقلتيها وهي تروي حكاية وجعها الموشوم
بقلبها يأبى الرحيل: _تعرفي إنه بهدل الدنيا، وقعد يدعي يارب لو اللي في بطنك بنت تموت. أجهشت في بكاء مرير وهي تتابع بقهر: _وفعلاً اتولدت ميتة. تخيلي كان بيدعي على ضناه لمجرد إنه خايف لتبقى بنت. دا متتسمش أب أصلاً. حقكم عليا يا بنتي إني اخترت لكوا راجل زي دا. حقكم عليا.. كان الأمر مُريعاً للحد الذي لا يحتمل الكلام، فاندفعت «شيرين» إلى داخل أحضانها تنتحب بحرقة تكاد تخلع قلبها من مكانه. **★★★★★★★★★** _خلصت بدري يعني؟
هكذا تحدث «جرير» إلى «حازم» الذي كان يعمل بملامح واجمة منذ آخر حديث بينهم، فلم يلتفت له إنما قال بجفاء: _لو عايز حاجة تانية قول من غير ما تكتر في الكلام. تفاجأ حين قهقه «جرير» بصخب جعل الغضب يتفشى في أوردته، ولكنه قمعه وهو يتوجه إلى تلك الصخرة التي دائمًا ما يجلس عليها منذ أن قدم إلى هذا المكان: _متقوليش إنك مخاصمني من آخر كلام بينا؟ يحاول استفزازه وقد نجح في ذلك، حين التفت «حازم» يصرخ غاضباً:
_بقولك إيه مش عايز استفزاز. ملكش دعوة بيا وغور شوف أنت وراك إيه؟ لم يتوقع أن تتبدل ملامحه إلى تلك الدرجة المخيفة، فأخذ «جرير» يتقدم منه بخطٍ وئيدة وعينيه تطلقان أعيرة نارية جعلت الذعر يتفشى في أوردته، وخاصة حين قال بقسوة: _إياك تفكر تجل عجلك وتغلط مع جرير ولد الشيخ مصطفى الهلالي، وألا بقطع خبرك من هالدنيا.
كان يعلم بأنه لا مجال للمقارنة بينهم من حيث القوة البدنية، فالمرة السابقة حين تمكن من ضربه كان عندما غافله، وبالرغم من ذلك لم يستطع قمع غضبه وثارت حميته وكبرياؤه الكاذب، وصاح بدون احتراز: _أغلط فيك وفي اللي يتشددلك كمان. لم يستطع إكمال جملته حيث نالت منه قبضة «جرير» التي أطاحت به للخلف عدة خطوات، وجاء بعدها صوته المرعب حين قال:
_بجطع لسانك جبل ما تكمل يا تافه يا حقير. مبجاش غير التافهين اللي شبهك يچبوا سيرة أسيادهم من الرچال؟ لم يحتمل تلك الإهانة فصاح بعنف وهو يتألم من تلك الضربة الموجعة: _اخرس أنا حازم الوزان. متخلقش اللي يكون سيدي. أنا سيد الناس كلها. «جرير» بتهكم يُنافي غضبه منذ لحظات: _قصدك حازم التافه العار على عيلته. صحيح عيلتك أسياد جومهم بس دا عشان همَ رچال، أما أنت أحقر ما فيهم، عيل صغير بيتباهى باسم عيلته اللي هو مرمغه في الوحل.
كان يعلم كيف ينال من كبريائه ويضعه في مواجهة ضارية مع أخطائه، فلا يستطيع نكرانها ولا تبريرها، فقط صمت قاتل يكاد أن يطحن عظامه من فرط الغضب ولا يملك من الكلمات ما قد ينقذ به ماء وجهه. _شوف جسمك عامل إزاي؟ دا منظر شاب في سنك. فين الحيوية والقوة؟ إني عمري ضعف عمرك وبطيرك بصباع رجلي. أوعى تفكر إنك لما تضرب غدر تبقى انتصرت! لا الانتصار الحقيقي لما تبقى عينك في عين خصمك وتهزمه. زي ما أنا عملت فيك بضربة واحدة دلوقتي.
تجاوز الأمر حدود احتماله فصاح بعنف: _أنت عايز مني إيه؟ ابعد عني.. ملكش دعوة بيا. أنا ههرب من هنا ومش هرجع لهم تاني. لو هما مش عايزيني أنا كمان مش عايزهم. «جرير» بسخرية: _وماله اهرب، وأنا مستعد أهربك. بس لما كلاب السكك تنهش في لحمك بره متبقاش تقول فين عيلتي؟
كان يود الصراخ حتى تنقطع أحباله الصوتية، كل هذا الثقل يكاد يجهز عليه، ولأول مرة بحياته يشعر برغبة ملحة في البكاء، فصار يركض ويركض وعينيه تذرفان عبرات لا يعرف كنهها، فقط يشعر بأنها ربما تريحه قليلاً، وأخيراً توقف بمكان بعيد عن ذلك البغيض وأخذ يصرخ وعبراته تنهمر بغزارة تبتلعها رمال الصحراء وتمحو أثرها، وكأنها أمرًا ليس له قيمة كما هو صاحبها. **★★★★★★★★★**
الهرب ليس سيئاً في بعض الأحيان، فحين يكون الواقع مؤلم للحد الذي يجعلك تشعر بأن العالم كله لا يتسع لشخص مثلك، فحينها يمكنك الهرب دون أن تهتم ما إن وصفك أحدهم بأنك جبان، ولكن الأهم من ذلك هو إلى أين يمكنك الهرب؟ وأنت منبوذ من أقرب الأماكن إلى قلبك.
يحدث أن تشعر بأن كل ما بك ينزف ألماً بينما أنت صامت هادئ على غير المعتاد، ينخر الوجع بداخلك يتآزر مع الشوق ضدك، يساند هما حنين للحظة دفء واحدة تحياها بقربه، ليتشكل مثلث هائل من الشعور القادر على إخماد تلك الروح للأبد، ولكنها ما زالت تعاند وكأن الألم بات جزءً لا يتجزأ من حياتها.
زفرت بتعب وهي تغمض عينيها بقوة تحاول إخماد ثورة عبراتها التي تهدد بعصيان قد لا يحتمله جسدها الضئيل، فهبت من مكانها متوجهة إلى المرحاض وما هي دقائق إلا وخرجت تتجه بقلبها إلى الرحمن الرحيم بعباده والذي لا يرد من دعاه ولو كان مثقلاً بالذنوب، ارتدت ثوب الصلاة وشرعت في أدائها، وعلى حين غرة غافلتها بعض العبرات الهاربة حين همست وهي ساجدة: _ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.
أخذت تكرر ذلك الدعاء وقلبها يتضرع الله خالقها بأن ينتهي كل هذا الوجع وتلك المعاناة، ثم أنهت صلاتها وهي تحاول محاربة طيف الذكريات التي تهاجمها بشراسة تُذكرها ذات يوم حين كان يختتم صلاته فوق أناملها. كم كانت تلك الذكرى مؤلمة بقدر روعتها؟
أنقذها طرقات على باب الغرفة من انهيار عظيم لم تكن في حالة جسدية تسمح به، فلملمت سجادة الصلاة وخلعت ثوبها ثم توجهت لرؤية من الطارق فوجدتها «نجمة» التي كانت ابتسامتها مشرقة صافية للحد الذي جعل أخرى هادئة ترتسم على شفتي «جنة» وهي تقول بهدوء: _تعالي يا نجمة اتفضلي. «نجمة» بود: _لقيت نفسي قاعدة لحالي جولّت أجي أقعد معاكِ لو مكنش يضايجك يعني؟ «جنة» بابتسامة هادئة: _لا طبعًا ميضايقنيش. اتفضلي.
دَلَفَت «نجمة» إلى الداخل وجلست فوق الأريكة لتبادر بالحديث بعفوية حين تربعت «جنة» على المقعد أمامها: _أنتِ كويسة؟ حاولت تجاهل غصة قلبها وقالت بهدوء: _هكون كويسة بإذن الله. _بإذن الله. عارفة يا جنة، إني جه عليا وقت كنت بجول إني عايشة ليه؟ عايشة عشان أتعذب وبس؟
كنت مفكرة إن كل الأسى والحزن اللي في الدنيا في جلبي وأنا عايشة مع ناس إني مش بتهم، وحاسة إني عالة عليهم بخاف آكل بخاف أشرب. مكنتش أجول إني عايزة لبس جديد غير لما اللي عليا ميبقاش فيه مكان يترقع فيه تاني. حتى لما كبرت واشتغلت وبقيت أمسك قرش، كنت بحس إنه مش من حقي ولا ملكي. كنت أديه لأمي طوالي، وكأني بسدد تمن أكلي وشربي السنين اللي فاتت. صمتت لثوان تحاول تجاوز ألم دفين لا يزال ينبض بالوجع داخل صدرها، ثم أردفت بلوعة:
_لما قعدوني من المدرسة كنت بخاف أبكي عشان أما متضربنيش. بس كنت ببكي كتير لحالي. تعرفي إني عمري ما كنت بتكلم مع حد ولا كان ليا أصحاب، حتى إن نجيبة كانت قاسية وشديدة كنت بخاف أجرب منها. كان بييجي عليا وقت أتمنى أترمى على كتف حد وأبكي لحد ما ينقطع نفسي، بس حتى دي أمنية كانت مستحيلة. كفكفت عبراتها الهاربة تأثراً بذكريات مريرة تأبى مفارقتها، ثم أضافت بتهكم: _كل دا ميجيش حاجة في اللي شفته في بيت جدك، وخصوصي من عمار بيه.
كانت «جنة» تتألم حد البكاء تعاطفاً مع حالة «نجمة»، ولكنها توقفت عند ذكرها أمر «عمار» فقالت باستفهام: _تقصدي إيه؟ هو مش عمار خطيبك؟ _أيوا خطيبي. بس محدش سجانّي المر كده. «جنة» باستفهام: _إزاي؟ شرعت «نجمة» في سرد ما حدث بينها وبين «عمار» مروراً بحادثة ظلمها مع المدعو «مرعى» إلى ما حدث بعد ذلك، ثم حادثة اختطافها إلى أن وصلت لأمر خطوبتها إلى «عمار» بعد كل ذلك العناء، فتوسعت عيني «جنة» من كلمات «نجمة» وقالت باندهاش:
_وقدرتي تسامحيه وتغفريله؟ «نجمة» بصدق: _أيوا. عارفة ليه؟ عشان متأكدة إن اللي جواه ليه قدر ينسيني كل المر اللي شوفته، وعشان إني متمنتش في حياتي حد واحد يحبني ويحوط عليا. جه ربنا عوضني وخلاني أرجع لأهلي بعد كل السنين دي، وجه هو ورفع راسي في البلد كلها. سامحته وسامحت الدنيا على كل اللي عملته فيا وفتحت صفحة جديدة مع الحياة، ومتأكدة إن ربنا هيعينّي وهنسى كل الوحش دا. صمتت لثوان قبل أن تقول بلهجة هادئة:
_إني كنت راضية بالمر يا جنة، يبقى مش هرضى لما ربنا يعوضني بكل الحاجات الحلوة دي؟ اخترقت كلماتها أعماق «جنة» التي تأثرت بكلماتها وشعرت بأنها إجابة على توسلاتها وهي بين يدي خالقها، فهمست باستفهام: _طب وبتعملي إيه لما الذكريات تصحى وتصحي وجعها في قلبك؟ «نجمة» بنبرة ذات مغزى:
_بقاومها، ومسبهاش تهزمني أبداً. بروح أترمي في حضن أمي وأبويا وأحمد ربنا إني بقيت وسطيهم، ببص حواليا وأشوف الهنا اللي أنا عايشة فيه. وأقول اللهم ديمها نعمة واحفظها من الزوال. لازم الإنسان ينتصر في معاركه مع الحياة يا جنة، أوعاكِ تستسلمي للوجع هيجيبك، ولا للذكريات المرة هتمرر عيشتك. بصي لكل حاجة حلوة عندك واحمدي ربنا وهو قادر يمحي أي وجع من جلبك.
رغمًا عنها اندفعت «جنة» من مكانها تعانق «نجمة» بقوة، فقد كانت تلك الفتاة الجاهلة بوصلتها للنجاة من براثن تلك العواصف والأعاصير التي كانت تتقاذف سفينتها حتى كادت أن تحطمها، ولكنها الآن بدأت تعرف أي طريق النجاة عليها أن تسلك. شددت «نجمة» من احتضانها وهي تقول بحبور: _إيه؟ حوصول إيه؟ كني اتوحشتك ولا إيه؟ «جنة» بتأثر وهي تبتعد عنها:
_أنتِ من غير ما تحسي طبطبتي على قلبي ونورتيلي بصيرتي. أنا من هنا ورايح مش هبص على اللي فات، هبص على الحلو اللي في إيدي، هاخد محمود وفرح في حضني وهحمد ربنا على كل حاجة. «نجمة» باندفاع: _محمود وفرح بس؟ طب والمعفور سليم؟ نسيتيه إياه؟ أخفضت «جنة» رأسها وهي تقول بأسى: _منستوش ولا عمري هقدر، بس أنا كنت عبء كبير عليه لحد لما تعب ومبقاش قادر يتحمله. أخفضت رأسها وهي تتابع بلوعة: _عنده حق. أنا تعبته أوي. كفاية عليه كدا. «نجمة»
بتأثر: _الله بقى دا أنتِ تحكيلي إيه اللي حوصول وخلّاكِ تجولي أكده؟ أومأت «جنة» قبل أن تشرع في سرد ما حدث بينها وبين «سليم» إلى أن أنهت حديثها بزفرة قوية وهي ترفع رأسها تحاول إعادة العبرات إلى مقلتيها من جديد، فتأثرت «نجمة» من حالتها وقالت تحاول تخفيف وطأة الأمر عليها:
_شوفي أنا مشوفتش سليم ده غير مرتين اتنين بس، وفي المرتين كان متعصب وعينيه حمرا شبه العفاريت، بس إن جيتي للحج أنا بسمع عنه إنه راجل وراجل جوي، وإن كانت البت دي اتقتلت بسببه فهو معذور إنه يتجاهر، ومعلش طلع غضبه وزعله عليكِ، لكن من حديثك واضح إنه بيحبك جوي، يبقى له عندكِ ترباية وبس. تنبهت «جنة» لكلماتها الأخيرة فقالت باستفهام: _إيه يعني إيه له عندي ترباية؟ «نجمة» بحماس:
_أيوه تربيه و توريه النجوم في عز الضهر، وتخليه يجول حجي برجالتي، وبعد أكده هييجي يطلب منك تسامحيه. «جنة» باندهاش: _يخربيتك إيه الكلام الكبير دا؟ طب ودا يحصل إزاي؟ _لاه دي شغلة البيك بوس. أمي سهام. فظيعة في المؤتمرات، مخليه أبويا صفوت يا جلب أمه بيلف حوالين نفسه كيف اللي تاه أمله في الدنيا. إحنا نجولها وهي تجولنا نعمل إيه؟ **★★★★★★★★★** _خير يا سالم جمعتنا ليه؟ هكذا تحدث «سليم» بجفاء قابله الجمود من قِبل «سالم»
الذي قال دون أن ينظر إليه: _وقت التنفيذ جه. التفت الرجال الثلاثة يناظرونه بتحفز قبل أن يقول «طارق» باستفهام: _يعني خلاص هسافر؟ «سالم» بجفاء: _هتسافروا. هتاخدوا معاك... قال جملته الأخيرة وهو يشير إلى «سليم» الذي قال بفظاظة: _من غير ما تقول أنا كنت ناوي أصلاً أسافر معاه. تدخل «مروان» لأول مرة في الحديث قائلاً بمزاح: _طب ما تبعت عمتك معاهم يمكن يحبوا ينفذوا عملية انتحارية ولا حاجة؟
لم يفلح «سالم» في قمع تلك الابتسامة البسيطة التي لونت محياه، فاندفع «طارق» يقول بصرامة: _هكتب كتابي على شيرين قبل ما أسافر. «سالم» بتهكم: _مفروض إنك مسافر كمان يومين! «طارق» بتصميم: _وإيه المشكلة؟ المأذون والشهود وأنا وهي موجودين. تدخل «سليم» ساخطاً: _أنت شايف إن دا وقت تفاتحها فيه في موضوع زي دا؟ «طارق» بحدة: _والله أنا مقلتش هعمل فرح ولا هجيب رقاصات، بقول كتب كتاب. تحدث «مروان» بتهكم:
_سيبه خليه يطلع يقولها الكلمتين دول. خليها تحدفه بالأبجورة في وشه وتريحنا منه. تحدث «سالم» أخيراً بلا مبالاة: _قدامك عمتك وبنتها اتكلم معاهم، أنا معنديش مانع. خفف «طارق» من لهجته حين قال: _شيرين تبعي، إنما عمتك هحتاج مساعدتك عشان تقنعها يا سالم. «سالم» بتفكير: _دي مش مضمونة يا طارق، بس أوعدك هحاول. زمجر «طارق» غاضباً: _ماهو أنا لازم أكتب كتابي قبل ما أسافر. مش همشي من هنا غير وهي مراتي. تدخل «مروان» ساخطاً:
_ملهوف على كتب الكتاب ليه كدا يا خويا؟ عايز تكتب كتابك ليه يا صايع يا ضايع؟ أديني دقني إن نفعت. نهره «طارق» بجفاء: _اتلم يا منحوس أنت واركن بخيبتك على جنب. «مروان» بسخط: _ماشي يا عم عبدة ياللي مقطع السمكة وديلها، إن شاء الله عمتك هتقصقص لك ديلك وخياشيمك واحتمال تقطع خلفك كمان. _أنا ماشي. زفر «سليم» بنفاذ صبر ونصب عوده قاصداً المغادرة، فأوقفته كلمات «سالم» الحادة: _استنى عشان عايزك.
تفهم الأخوان ما يرمي إليه «سالم» فتوجها إلى الباب، قبل أن يلتفت «مروان» إلى «سالم» قائلاً بحنق: _أنا لو منك أدور فيه الضرب. نظرة قاتلة من «سليم» جعلته يهرول إلى الخارج، فجلس الأخير بمقعده مرة أخرى وهو يقول حانقاً: _نعم يا سالم؟ «سالم» بقسوة: _أنت عرفت إن ناجي كان بيهدد جنة؟ يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!