آيه اللي بيحصل هنا؟ وأنتِ مين يا ست أنتِ؟ كان هذا صوت صفوت الذي صدمه مظهر تلك السيدة التي كان وجهها مُلطخًا بالدماء، وكأن أحدهم اختاره كوسيلة لأفراغ شحنات عنفه وحقاراته، فهرول سالم هو الآخر من أعلى الدرج تزامنًا مع كلماتها المتقطعة. الحقني يا بيه.. هيموتني.. الظالم المفترى.. اهدي يا ست أنتِ وقوليلنا في إيه؟ لم تكد تُجيبه حتى آتاهم صوتًا مذعورًا من الأعلى، والذي كان لنجمة، التي صرخت قائلة: أمه... آذرتها نجيبة،
التي صاحت بلهفة: بتي.. نجمة.. هرولت الفتاة لتُلقي بنفسها بين أحضان والدتها، التي ربتها، والتي كانت تنتفض إثر وجع قلبها وجسدها في آن واحد، فكان مشهدًا مُروعًا يُلونه الألم، وتُكلله العبرات الغزيرة التي عرفت طريقها إلى عيني سهام الواقفة بجمود، تهفو نفسها لاحتواء كهذا من ابنتها التي حرمها منها شيطان مريد. فيكِ إيه ياما وإيه اللي عَمِل فيكِ أكده؟
أخيرًا استطاعت نجيبة أن ترفع رأسها وتستند على نجمة، التي حاوطتها، وتقدم منهما سالم ليُقرب إليها المقعد حتى تُريح جسدها فوقه، وناولها صفوت كوبًا من المياه لتُبلل حلقها الجاف من فرط الألم، قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:
اللي ميتسماش.. جَه مش شايف جدامه وجعد يزعج فينا وفي خواتك لَجل ما ياخد كل الفلوس اللي في الدار، ولما ملجاش حلف ستين يمين لازمن يخلي عبير تنزل تشتغل، ولما جولتله دي زغيرة جعد يضرب فيا وفي البنات، سيبته وجيت على أهنه. لونت الصدمة معالم نجمة، التي تربعت على الأرض أسفل قدم نجيبة، وهي تقول باندهاش: أنتِ بتجولي إيه ياما؟ أبوي إني يعمل أكده؟ إلى هُنا لم يحتمل، فاندفعت الكلمات من فمه مُستنكرة: دا مش أبوكي يا نجمة.
استدارت رؤوس الجميع إلى صفوت، الذي كان ثائرًا وعروقه نافرة، فأجابته نجمة بعتب: بس هو اللي رباني. وكان بيعاملني زي بنته ومكنش بيفرق بيني وبين بناته واصل. تدخل سالم قائلًا باستفهام: ولما هو كويس كدا تفسري اللي عمله في والدتك وإخواتك دا بإيه؟ تدخلت سهام بهدوء: تعالي معايا يا حاجة نجيبة اغسلي وشك وريحي شوية، ونجمة هتحصلك. التفتت نجيبة تناظر نجمة بتردد، فأومأت الأخيرة بطمأنة، وسارت مع سهام إلى الداخل، ليُعيد
سالم استفهامه مرة أخرى: ها يا نجمة. قوليلي تفسري بإيه اللي حصل دا؟ نجمة بضياع: معرِفش. إني مش مصدجة اللي حُصُول. أبوي طول عمره طيب وفي حاله، وحتى لما نزلت اشتغل مكنش موافق. وإني اللي أصرت عليه. صفوت باستخفاف: ولما هو كدا بهدل والدتك بالشكل دا ليه؟ لم تجبه، فتدخل سالم مُستفهمًا: قوليلي يا نجمة أنتِ عرفتي إمتى إن دول مش أهلك الحقيقيين؟ ارتخت أقدامها لتتربع على المقعد خلفها، وهي تقول بحزن:
كنت لساتني زغيرة في الإعدادية، كانت أمه نجيبة تعبانة ومصاريف علاجها كتير، وكان أبوي معاهوش فلوس. ترددت في إكمال حديثها، فحثها سالم على الحديث قائلًا: كملي يا نجمة سامعاكِ. زفرت بحزن تجلى في نبرتها حين قالت: سمعت أمه نجيبة وهي بتجوله نبيع السلسلة اللي معاها دي، اهي تصرفنا حبابة، بس هو رفض وقالها دي آخر حاجة باجيه من أهلها. صمتت لثوانٍ تحاول تجميع تلك الومضات من الذاكرة، ثم تابعت بتشوش:
جعدوا يتعاركوا وسمعت أمي بتجوله يبجى تجعد من المدرسة، إحنا أولى بفلوسها. عبأت صدرها بالأكسجين النقي، قبل أن تُضيف بنبرة مُشجبة: وجعدت من المدرسة، وبعدها بسنتين أو تلاتة اتجملي عريس، وأمي نجيبة وجتها ووقفت لأبوي وقالتله مش هنشيل شيلة غيرنا، معناش فلوس لجهاز ولا غيره. ووقّتها حكتلي إني مش بنته، وإنه أهلي ماتوا في حادثة، وإنه هما ربوني، ومن وقّتها وأنا بدأت اشتغل عشان أساعدهم.
نشب الوجع حوافره في قلب صفوت، وتعَاظم معه غضبه من ذلك المسخ الذي اختطف زهرة حياتهم، وغمسها بالوحل، ولكن كان لسالم رأي آخر، حين واصل استجوابه قائلًا: طب أنتِ يا نجمة بتقولي إن والدك كان راجل طيب، لكن تفتكري إنه كان عارف إن ناجي خاطفك من أهلك وخايف يتكلم مثلًا؟ زحفت الحيرة لتحتل ملامح وجهها، قبل أن تُجيبه قائلة: معرِفش. بس ما ظنيش. ولا والدتك. أقصد الحاجة نجيبة؟
بدأ أمرًا مقبولاً إلى حد ما بالنسبة إليها، ولكنها لم تُفصح عنه، إذا قالت بحسم: لا. ما ظنيش إنها تعرف. أومأ سالم بغموض، قبل أن يقول: طب يا نجمة روحي أنتِ شوفي والدتك. ولو عرفتي خليها تقعد معاكِ كام يوم. لا إراديًا التفتت بلهفة تناظر صفوت، الذي كان للوهلة الأولى مُستنكرًا الأمر، ولكنه شعر بأن هناك خطبًا ما يدور في رأس سالم، فقال باختصار: مفيش مشكلة. بعد دقائق، كان سالم يغلق باب غرفة المكتب، فباغته سؤال صفوت الغاضب:
إيه في دماغك يا سالم؟ صدمة سالم، الذي أجاب بفظاظة: الست دي مزقوقة عليك. ****************** شهقة قوية شقت جوفه، حين شعر بالماء يُلقى فوقه بقوة، أفزعته وأخرجته من سُباته، الذي دام لأكثر مما يستطيع معرفته، فهب من مكانه مذعورًا ليجد نفسه بمكان رث ذي رائحة كريهة تُشبه روث الحيوانات، فأخذ يتلفت حوله بضياع ونظرات مشوشة، إلى أن جاءه ذلك الصوت الخشن الذي زاد من فزعه: قوم اصحى. نمت كتير. ورانا حاجات نعملها.
خيم الذهول على ملامحه مما يدور حوله، فقال بلا وعي: أنا فين؟ الرجل بغلظة: في الدنيا. جوم يالا. مفضيينش للرط ده. كان كالمصعوق، لا يُصدق ما يحدث حوله، حتى أن قدماه قادته يتجول في هذا المكان المتسخ بشكل يثير الاشمئزاز، إلى أن خطى إلى الخارج، فتفاجأ بتلك البقعة الصفراء الممتدة أمامه بصورة لا نهاية لها، وهاله تلك الأصوات الآتية من الخلف، فالتفت ليجد قطيعًا من الماعز، وبجانبهم هذا الرجل الضخم، الذي ناداه بقسوة:
إيش فيك تشن عليا. هِم يالا هِم لنوكل المعزي. كان الأمر برمته كارثيًا، لا يُصدق أن شقيقه قام بالزج به في هذا المكان المعزول في أعماق الصحراء مع هذا الرجل المجنون وحيواناته، والأدهى من ذلك أنه من المفترض به أن يساعده! لم يتحمل عقله ما يحدث، فصرخ حتى جُرحت أحباله الصوتية: لاااااا. دا مش حقيقي. أنا مش هنا. أنا بحلم. أكيد بحلم.
أخذ يدور حول نفسه كمن طاله مس من الجنون، الذي تضاعف حين لم يجد أي رد فعل من ذلك الرجل الضخم الجثة، الذي كان يرتدي جلبابًا أبيض وفوقه صدرية باللون الرمادي، ويلف شالًا فوق رأسه، فوَد حازم في تلك اللحظة لو ينحر عنقه، ولكن تراجع إلى داخل الغرفة، صافقًا الباب خلفه، واضعًا يديه حول رأسه، الذي كاد أن ينفجر من شدة ما يشعر به. ***************
كان صباحًا مشرقًا كملامحها، التي بدا عليها الارتياح، وظهرت بشائره متجلية في ابتسامتها الجميلة على طاولة الإفطار، وهي توزع ضحكاتها هنا وهناك، لأول مرة منذ زواجها، فأسرت أنظار الجميع، وعلى رأسهم هو. كان يُطالعها بإعجاب كبير ونظرات شغوفة يشوبها الامتنان، وهو يرى اهتمامها بوالدته وحنانها التي تُغدقها به، وكذلك جده، الذي تفاجأ بها تسأله عن دوائه وتُغدق عليه ابتساماتها الرائعة، حتى عمار نال حظه هو الآخر بأن صنعت له أحد الأصناف المحببة له. فوجد نفسه أمام استفهام
يحمل الكثير بين طياته: هل لقاءها بعائلتها له هذا المفعول القوي عليها للحد الذي يجعلها كشمس مشرقة تتوهج أشعتها مضيفة نورًا وضاحًا على أرجاء المنزل؟ ماذا أضاف وجودهم لها؟ ماذا فعلوه أكثر مما يفعله لأجلها؟ جاءت كلمات تهاني لتُنير عقله بأشياء كانت غائبة كليًا عنه: شفت مراتك نورت إزاي لما شافت أهلها وخواتها؟ ياسين بسخرية: شُفت ومستغرب بصراحة. تهاني بتعقل:
لا متستغربش. أهل البنت دول سندها وضهرها. عزوتها جدام جوزها. البت اللي أهلها يعززوها ميكسرهاش أي راجل واصل. استنكر حديثها قائلًا: هو أنا عمري هكسرها يا أم ياسين؟ تفتكري أنا ممكن أكون وحش كدا؟ تهاني برزانة: لا مش وحش يا دكتور. ولا هتبقى قاصد تكسرها في يوم. بس افتكر كدا في اليوم المشؤوم إياه عملت فيها إيه؟ هب من مقعده غاضبًا: أي راجل في مكاني كان هيعمل كدا لما يشوف مراته يتحضن راجل غريب.
عِندك حق، بس اسأل نفسك أكده لو كان سالم ولا سليم مكانك كانوا هيعملوا إيه؟ أقولك إني كانوا هيقعدوا مع بتهم ويفهموا منها حُصُول إيه؟ مكنوش هيضحوا بيها في لحظة أكده لولا ستر ربنا. كان حديثها يحوي تقريعًا خفيًا لم يُخطئ في فهمه، ولكنه حاول الدفاع عن نفسه قائلًا: الوضع يختلف يا أمي. أديك جولت يختلف. جفل على اللي حُصُول وأنت عرفت غلطك. نَاجي للمهم. مراتك روحها وعجلها في أهلها وأنت شفت بعينك زيارتهم عملت فيها إيه؟
وبدلتها إزاي، يبقى تشتريهم لجل خاطرها. ياسين بحدة: وأنا عملت فيهم إيه؟ ما أنا عاملتهم أحسن معاملة. تهاني بعتب: لأه. طريقتك كانت ناشفة معاهم وأني شفت بعيني. وبعدين لازمن تفهم إنك مش طرف في حدوتة جنة وحازم دي. حازم دا ابنهم وجنة مرت ابنهم التاني، يعني منهم في بعضيهم، إحنا ملناش صالح. حاول مقاطعتها قائلًا: يا أمي إزاي بس؟
زي الناس. سليم راجل و روحه في مراته، هيحافظ عليها أكتر منك كماني. خرّج نفسك ومراتك من الليلة دي عشان تعرف تعيش مرتاح. مراتك بت أصول وأهلها ناس محترمين، وحازم ده موجود في كل عيلة. دا ابتلاء يا ولدي ربنا يعافينا منه. إنما الجدعاين إن كان سالم ولا سليم، الاتنين رجالة وولاد أصول ميتخيروش عنك. تغلغل حديثها إلى عقله وبدا عليه الاقتناع، ولكنه يشعر أنها ترمي إلى أبعد من ذلك: حاضر يا أمي.
يحضرلك الخير يا جلب أمك. جوم يالا شوف مراتك وأوعاك تزعلها، بت الأصول كبرتك جدام أخوها بالرغم من إنها كان ليها حق تزعل منك. وصل إلى مبتغاها من الحديث، فقال بتذمر: اقفلي ع الحوار ده يا أمي. لأ مهجفلش. الحج حج، والبنية أمها مرمية في المستشفى، وهي يا حبة عيني هيتجلعلها عين وتشوفها، يبقى تخليك راجل بتفهم ولا إيه يا دكتور؟ جعد ما بين حاجبيه وأوشك على الرد عليها، ولكنه توقف إثر دخول حلا إلى المطبخ، لتقول ببشاشة:
ماما تهاني هنعمل أكل إيه النهارده؟ تهاني بحبور: يا نهار الهنا الغالية مرت الغالي بنفسها جايه تطبخ. حلا بغرور مصطنع: أومال إيه؟ هو أنتِ متعرفيش إن أنا شيف محترم ولا إيه؟ دا أنا الوحيدة اللي كانت الحاجة أمينة تاكل الملوخية بتاعتها وتقولي الحاجة الوحيدة اللي خدتيها مني يا حلا. قالت جملتها الأخيرة بشجن لاقى صدى كبير بداخلها وبداخل تهاني، التي قالت بتعاطف: ربنا يجومهالك بالسلامة يا بتي. اقترب ليقف إلى جوارها، يناظرها
بعينين تلتمع بوميض الشغف: دا إحنا عندنا مواهب مدفونة بقى محدش يعرف عنها حاجة. ناظرته شذرًا، فقد كانت تخجل من وجود تهاني معهم، لذا قالت بارتباك: هاه. لأ، عادي يعني. متكبرش الموضوع. ضربها بكتفه قاصدًا مشاكساتها: لأ، دا الموضوع كبير وكبير أوي كمان. اغتاظت من طريقته وما تحمله عيناه من عبث، فقالت بسخط: بطل هزارك السخيف ده. ياسين مُدعيًا البراءة: لأ هزار إيه؟
أنا أهزر في أي حاجة إلا الملوخية، وخصوصًا اللي بالجمبري. أي هزار مع الفوسفور بيقلب بقلة أدب، وأنا راجل متربي. قال جملته الأخيرة بجانب أذنها، التي احمرت وشاطرتها وجنتاها اللائي نبت بهم محصول التفاح الشهي، ليُزيد من ولعه بها، بينما هي مشغولة بمراقبة تهاني، التي أعطتهم ظهرها لتُفسح لهم المجال بالحديث على راحتهم، وقد استغلت ذلك حين لكمته في معدته، وهي تقول بغضب مُطعم بالخجل: بطل استهبال. مامتك واقفة عيب.
أعجبه خجلها، الذي ولد لعنة الاشتهاء بداخله، فصاح بصوت عالٍ: بقولك يا حاجة تهاني هاخد حلا نصايه فوق أعرف منها طريقة الملوخية بالجمبري وأجي نطبخها سوى. الغداء النهاردة علينا.
أنهى كلماته، ثم جذب حلا من يدها، وسط قهقهات تهاني، التي جعلتها تتمنى لو أن الأرض تبتلعها من أفعال ذلك الماكر، الذي ما أن اختلى بها، حتى غمرها معه في عناق قوي، اندهشت له كثيرًا، ولكنها استمتعت به، وخصوصًا حين انحنى يُزين جبينها بقبلة دافئة، انتشى لها قلبها كثيرًا، فقالت بخفوت: هو أنا وحشاك أوي كدا؟ قَبّل وجهها بين يديه، التي كانت حانية كنظراته ونبرته، حين قال:
بتوحشيني في كل وقت يا حلا. بتوحشني طلتك الحلوة اللي كنتِ حرمانيني منها الفترة اللي فاتت دي كلها، والنهاردة بس رويتي قلبي بيها. كان غزله كغيمة وردية حملتها إلى أقصى درجات السعادة، التي غمرت جسدها، فاستكان بين يديه، التي أخذت تُداعب خصلاتها الناعمة، بينما داعبتها كلماته، حين قال: عمالة تتنقلي من حضن سالم لحضن سليم، زي ما يكون قاصدة تجننيني. همست بلهفة: لأ والله، دول كانوا واحشني أوي و... قاطعه همسه الخافت أمام شفتيها:
ماهي دي المشكلة الكبيرة. قد كدا كانوا واحشينك؟ اندلعت ثورتها على هيئة عبرات غزيرة وكلمات متقطعة: أوي. أوي. روحي. ردتلي. لما. شوفتهم. التهَم بشفتيه عبراتها، ولثم عينيها باعتذار صامت، لم يتجاوز حدود شفتيه، ولكنه عبر عن بطريقة أخرى: يعني أنتِ كدا كأنك بتقولي إن قلبك مش ليا لوحدي. وأأقلم نفسي إني ليا بدل المنافس اتنين. لثم كلماته جروحها، فقالت بهمس: مفيش حد في الدنيا يقدر ينافس مكانك في قلبي.
ابتهج قلبه بكلماتها، ولكن معه تخلى عن فضيلة القناعة، فصار نهمًا لكل ما يصدر منها، لذا قال بعتب: بتضحكي عليا بكلمتين. اندفعت بلهفة: لأ والله، أنت حبيبي وجوزي، أغلى حاجة عندي في الدنيا. وصل إلى مبتغاه، والذي كان مذاقه أروع مما تخيل، فاقترب حتى اختلطت أنفاسهم، وأوشكت شفاههم أن تتعانق، حين همس قائلًا: أنا إيه؟
فطنت إلى هول ما تفوهت به، فأغمضت عينيها تُحارب خجلها، الذي كان أكثر من عاشق له، ولكنه كان كالناسك الذي ينتظر أمام أبواب الجنة لتفتح له مغاليقها، حتى يتنعم بثراها، فهمس بنبرة مُلحة: قوليها يا حلا. عايز أسمعها منك. أسكرها عشقه وأذابها قربه، فأعلن قلبها راية التسليم، لتُعلنها بنبرة مُوقدة: بحبك يا ياسين.
اقتطف ثمار إعلانها بين شفتيه، التي كانت نهمة حد القسوة، التي ولدتها نيرانًا هوجاء، عصفت بسائر جسده، الذي أوقده إعلانها الصريح، فتوه بها في بحور العشق، وتقاذفتهم أمواجه العاتية، التي تناقلتهم بين هنا وهناك، تاركين بصمات عشقهم بكل أرجاء الغرفة، التي أصبحت لوحة مبعثرة لعشق أهوج يتأجج بين جنبات صدورهم، ويُهلك تلك الأجساد، التي كانت تئن من فرط الجنون، الذي يكتنفهم، وتلك النغمات الصاخبة، التي كانت كسيمفونية رائعة عزفتها
شفاهها لتُطرب قلبه الغارق في لجة الهوى، فأخذ يغترف المزيد من شهدها، ويمارس طقوس العشق باحترافية على ساحة جسدها، الذي لم يعد يحتمل جنونه أكثر، فسكن بين ذراعيه، ناشدًا الراحة، فلبى استغاثته على الفور، وهو يقول بلهفة من بين أنفاس مُتهدجة:
أنتِ كويسة؟ لم يخرج صوتها، فأومأت تطمئنه بابتسامة هادئة، فاقترب يُزين جبينها بقبلة اعتذار، قابلتها بأخرى ممتنة، فهمس يُداعبها: طب أعملك إيه؟ ماهو أنتِ اللي مصرة تجننيني. همست بنبرة مُتحشرجة: أنا عملتلك إيه طيب؟ أجابها بنبرة عاشقة: جننتيني يا حلا. خلتيني زي المهووس بيكِ. رفرفت برموشها، وهي تقول بنبرة خافتة: مش لوحدك على فكرة.
أوعي تزعلي مني أبدًا. حقك عليا في اللي فات كله. من النهاردة هنبتدي صفحة جديدة. صفحة كلها حب وسعادة وبس. كان الأمر رائعًا حد تدافع العبرات من مقلتيها تأثرًا بكلماته الدافئة، والتي شابهتها لهجتها، حين قالت: وأنا معاك في كل حاجة. وأوعدك أكونلك الزوجة اللي بتتمناها. صمتت لثوانٍ، ولكن عينيها تولت إكمال الحديث، الذي عجز لسانها عن سرده، وكانت نظراتها كافية لترويه له، فأجاب حديثها الصامت قائلًا:
هديكِ تشوفي مامتك وتطمني عليها، وعمري ما همنعك عنها ولا عن أخواتك أبدًا. احتوت كفوفها وجهه، وهي تقول بامتنان بلغ عنان السماء: ربنا ما يحرمني منك أبدًا. لو تعرف كلامك ده عمل فيا إيه؟ لم تُسعفها الكلمات، وطغى تأثرها حد اندفاع العبرات من مقلتيها، وتحشرج نبرتها، فأخذت يديه تُهدئانها برفق، وتُكفف دموعها، ثم قال قاصدًا مشاكساتها: لأ، اهو أنا كدا بقى هبتدي أغير، ولو غيرت هرجع في كلامي. شقت ابتسامة جميلة ثغرها،
ثم قالت بلهفة مقصودة: لأ، وعلى إيه؟ الطيب أحسن. قد كدا الموضوع كان مسببلك أذى؟ طبًعا. دول أهلي يا ياسين، في حد يقدر يستغنى عن أهله؟ بكرة لما تجرب وربنا يديلك بنت هتعرف معنى كلامي ده كويس. تلمع وميض المكر بعينيه، فقال بلهجة عابثة: حلو دا. أنا أحب موضوع التجارب ده أوي. إحنا نجيب البنت عشان نتأكد إن كان كلامك ده صح ولا غلط.
أنهى كلماته، وشرع في التهامها، وهو يُغدق عليها من زخات عشقه ما يُنسيها مرارة الماضي ولوعته، وقد كان قربه على قلبها أشهى من العسل. ****************
انتصف النهار، وتجمعت الفتيات بجانب سهام، التي رحبت بهم كثيرًا، وكذلك نجمة، ولكن على استحياء، إلى أن دق جرس المنزل، فتوجهت إحدى الخدم لتفتح الباب، وإذا بشمسه تُشرق على قلبها، الذي انتفض ليجعلها تهب واقفة ما أن رأته، وكذلك هو، ليتوقف به الزمن ثوانٍ، يُريد أن ترتوي عينيه من رؤيتها، فقد اشتاقها بحجم هذا الكون وأكثر.
كان مشهدًا صامتًا، ولكنه يحمل بين طياته صخب وضوضاء حنين وشوق ضارٍ، لا يُسمح بالإفصاح عنه، بل تعيشه قلوبهم بتفاصيله المؤلمة وخزاته المبرحة، والتي استشعرها جميع الحضور، فتوجهت سهام لتحيط بكتف ابنتها في مؤازرة صامتة، بينما جاء صوت صفوت القاسي ليمزق هدوء المكان حولهم: إيه اللي جايبك يا عمار؟ التفت عمار يُناظر صفوت بحنق، تجاهله بشق الأنفس، قبل أن يقول بجفاء: أكده تعرّح بضيوفك يا صفوت بيه؟ لم يُمهله سالم الوقت لإجابة عمار،
إذ قال بفظاظة: أنت مش ضيف يا عمار. أنت من أهل البيت. صفوت بيحب يهزر. أنهى جملته وهو يرمق صفوت بنظرات مُحذرة، لم يتقبلها الآخر، بل اندفع إلى غرفة مكتبه، فتبعه سالم، بعد أن أومأ لعمار بالدلوف إلى الداخل، وما أن أغلق باب غرفة المكتب خلفه، حتى صاح صفوت بغضب مُريع: بص يا سالم، مصلحة العيلة آه، بس نجمة ملهاش ذنب، ومش مجرد رصيد هتعزز بيه علاقتك بولاد عمران. كان مُتفهمًا لحالته، لذا تمسك بفضيلة الصبر، حين قال:
أنا مش محتاج لدا، وأنت عارف كدا. بس لو أنت عايز تستخدم العذر ده شماعة عشان تبرر بيه أنانيتك، فهقولك لأ. صفوت باستهجان: أنانيتي يا سالم؟ سالم بتعقل: أنت شُفت بعينك بيبصوا لبعض إزاي؟ الأعمى يفهم إنهم بيحبوا بعض. وأنت فاهم وعارف دا من قبل ما تعرف إنها بنتك. أوشك على مقاطعته، فتابع سالم بإصرار: نجمة مش هتعوضك عن سهام. أنا عارف إنك عايز تشبع منها، بس طريقتك دي مش صح. متظلمش سهام وتاخدها بذنوب مش بتاعتها.
قهقه بسخرية تجلت في نبرته، حين قال: أنا باخدها بذنوب مش بتاعتها، أومال لو مكنش الكلب ده اتكلم قدامك كنت قلت إيه؟ سالم بجمود: الكلب ده مقالش حاجة أكتر من إنه كان بيحبها، وأي تزويد في الكلام معروف إنه كان عشان يستفزك، وأنت أكتر واحد عارف دا. لأن لو كان كلامه صح بنسبة واحد في المية، مكنتش هتقبل تتجوز سهام. ضاق ذرعًا من ذلك الحديث الشائك، فقال غاضبًا: يا سالم، أنت مش فاهمني.
لأ فاهمك، وعشان فاهمك واجبي أحذرك من خطورة اللي أنت ناوي عليه. أنت من الأول اخترت سهام، وأنت عارف إنها كان في مشاعر من ناحيتها لأخوك، وهو كمان كان بيحبها. صرخ مغلولًا: مكنش بيحبها، كان كل شوية مع واحدة، وكل علاقة أقذر من التانية. سالم باتزان: حلو. هي مش ذنبها إنك حبيتها واخترتها. ومع ذلك عشت معاها أيام جميلة، وكانت زوجة صالحة ليك لحد ما حصل اللي حصل. أوشك على مقاطعته، فتجاهله سالم بنبرة قاطعة:
لو مكنتش كدا، مكنتش هتصبر عليها كل دا يا صفوت، متغالطش نفسك. ودلوقتي انت كرامتك وجعاك من اللي حصل، وعايز تنتقم، بس من الشخص الغلط. سهام ملهاش ذنب، ولا نجمة ليها ذنب تحرمها من حد بتحبه. تجاهل انصياع قلبه لكلمات سالم، وقال بحزن: أنا ملحقتش أشبع منها عشان ياخدها مني. سالم برفق: مين قالك إنه هياخدها منك؟ بنتك هتتجوز جنبك، وهتشبع منها، وحتى الجواز مش هيكون خبط لزق كدا. لازم الحمار اللي بره ده يتسوى على الجنبين.
هُدِرت طاقته في الجدال، فاقترب يلقي بجسده على أقرب مقعد، واضعًا رأسه بين يديه بتعب، تجلى في نبرته حين قال: أنا تعبت أوي يا سالم. حقيقي تعبت. مبقتش عارف أعمل إيه؟ سالم بمواساة: طبيعي تتعب بعد كل اللي حصل دا. وخصوصًا إن الخصم المرة دي من دمك مش غريب. بس أنا عايزك متدمرش حياتك بإيدك. بُعدك عن سهام ده انتصار ليه، وهزيمة مش هتتحملها لا أنت ولا هي. رفع رأسه غضبًا، وقال بنبرة يتخللها القهر:
أنا هتجنن. كرامتي وقلبي وكل حاجة ضدي. مش عارف أرضي مين ولا مين؟ مش عارف أقف على أرض صلبة. أنت فعلاً على أرض صلبة، مراتك وبنتك في حضنك. يبقى تحفر أنت ليه؟ توقع نفسك وتوقعهم؟ عايز أسألك سؤال، هتتحمل إن سهام تتجوز ناجي؟ هب واقفًا، وهو يصيح بلهجة لا تقبل الجدال: لأ طبعًا، أنت بتقول إيه؟ زفر بما أراده، فقال بلهجة ودودة:
بقول تعقل وتطلع تصالح مراتك، وتقعد مع الراجل اللي بره ده تشوفه عايز إيه، ولو بنتك عايزاه مش هتلاقي أحسن منه. حاوط بيتك وعيلتك يا صفوت. ومتدمرش حياتك بإيدك. زفر صفوت بنفاذ صبر، ولكن بداخله انشرح قلبه لحديث سالم، الذي أزال غمامة الانتقام من عينيه، فهَدأت سحبها وبدأت تصفو، وتجلى ذلك في نبرته، حين قال: دخّلهولي. تلمع المكر بعيني سالم، حين قال:
عنيا. عايزك تربيه على أقل من مهلك. هدية ووقعتلك من السما. طلع فيه كل الكبت اللي جواك، وادعيلي. لم يفلح في قمع ضحكاته على كلمات سالم، الذي خرج ليُشير إلى عمار بالدلوف، والذي ما أن دخل، حتى تفاجأ من هدوء صفوت المُريب، فقال بغلظة: كولات دا بتتحدتوا في إيه؟ بجالي ساعة مستني. لمع الخُبث في نظرات صفوت، الذي قال: لحقت زهقت من الانتظار! لأ، دا أنت كدا هتفرهد مني بسرعة، ودا مش حلو عشانك. عمار بعدم فهم: تقصد إيه؟ أنا مش فاهمك.
صفوت بوعيد: بقى أنت عايز تتجوز بنتي صح؟ عمار بلهفة: أيوا صوح. صفوت بمكر: حلو. طبعًا أنت عارف إن دي بنتي اللي طلعت بيها من الدنيا. يعني مش هديها لأي حد. عمار بغرور: وأنا إيه حد ولا إيه؟ إني زينة شباب المنيا، وعيلتي أحسن عيلاتها، وأنت خابر أكده زين. صفوت بتخابث: لأ طبعًا في دي عندك حق، بس أنت عارف الأصول، وطبعًا كل عيلة وليها سلو صح ولا لأ؟ أيوا صوح. صفوت بمكر:
إحنا بقى اللي ياخد بنت من بناتنا لازم يمر بشوية اختبارات كدا عشان يثبتلنا إنه يستاهلها. كان الأمر مثيرًا للحنق، ولكنه كان يبغي الخلاص والفوز بها، لذا قال بنفاذ صبر: وماله. جولي مفروض أعمل إيه، وأنا أعمله. تلمع المكر بعينيه، وتجلى في نبرته، حين قال: هقولك. **************** هو صحيح حازم لسه عايش؟ كان استفهامًا يبغضه، كما يبغض إجابته، وكل تلك الظروف، التي تحيط بهم، وتجعلهم في دائرة النار، التي تحرقهم بكل ثانية.
عرفتي منين؟ انتفضت أوداجه غضبًا، تجلى في نبرتها، حين قالت: جاوب على سؤالي. حازم لسه عايش؟ أجابها بصراخ أفزعها: أيوا يا ساندي لسه عايش. ارتحتي؟ كان شعورها أبعد ما يكون عن الراحة، فقد ألقى بها في مراجل تغلي بنيران الجحيم، الذي لون حدقتيها ونبرتها، حين قالت: إزاي حصل دا؟ مش معقول. أكيد في حاجة غلط. دا حد شبهه. صح؟ عُدي بسخرية مريرة: وهو حازم في حد شبهه؟
على الأقل في القذارة. لو كنتِ فاكرة إنك ضحيته الوحيدة، فأنتِ غلطانة. حتى عيلته مسلمتش من أذاه. طلع حاطط إيده في إيد عدوهم، وعمال بيحارب فيهم من بعيد لبعيد. لم تستطع أقدامها حملها، فأراحت جسدها فوق المقعد، وهي تقول بذهول: أنت بتقول إيه؟ بقول اللي سمعتيه. حازم ده أقذر إنسان شفته في حياتي. ولازم تنسيه وتمحيه من ذاكرتك عشان نعرف نكمل حياتنا زي الناس. استنكرت كلماته، التي أيقظت جروحها الغائرة، فآنت عليها وبشدة، للحد
الذي جعلها تصيح باستهجان: حياتنا! حياة مين؟ أنت بتجمعنا سوا ليه؟ اقترب منها بخطى وئيدة، حتى وصل إلى مقعدها، ودنى ببطء مثير، واضعًا يديه حولها، وهو يقول بهسيس خشن ضد عينيها: عشان إحنا سوا. هنعيش سوا ونموت سوا. كان قربه كفيضان قوي، أصاب سدًا هشًا، فحطمه في الحال، للحد الذي جعلها ترتجف أمامه، وجعل الحروف تخرج متقطعة من بين شفتيها: أن. أنت. بتقول. إيه؟ أن. أنا. لَا. يُمكن. أكمل. حياتي. معاك.
تألم لحالتها ولضياعها وتخبط نظراتها، فامتدت كفوفه تحنو على ملامح وجهها، وقال مخاطبًا عينيها بصدق: أنتِ معنى الحياة بالنسبالي يا ساندي. مفيش حياة من غيرك. ومش هسمح تكون لك حياة من غيري. صمت لثوانٍ، يُخاطب عينيها بنظرات متوسلة، رافقت كلماته، حين قال:
هنمشيها خطوة خطوة. نبتديها إننا نرجع أصحاب تاني، وارجع عُدي صاحبك اللي مبتخبيش عنه الهوا، واللي مبترتاحيش غير لما تفضفضي له وتخرج له كل اللي في قلبك، وأنا هسمع لك لو قولتي إيه. صمت لثوانٍ، قبل أن يُضيف بمزاح: وطبعًا أنا كمان هحكيلك على كل مصايب زي زمان. وتقعدي تخانقيني وتزعقي لي، وأقعد أشد شعرك وأجري وراكِ، وفي الآخر أتعاقب إني أقعد أعمل لك ضفيرة من اللي بتحبيهم.
استمهل نفسه لثوانٍ، قبل أن يسحب أنفاسها العطرة بجوفه، قائلًا بنبرة مُتحشرجة: مش وحشتك الضفيرة بتاعتي؟ خانها جسدها، وأعلن عن شوقه بتلك الإيماءة البسيطة، والتي كانت مؤشرًا قويًا كونه على الطريق الصحيح، فاردف بخفوت: وبعدين نرجع من تاني نذاكر سوا في أيام الامتحانات، ونقعد نولول على الوقت اللي ضيعناه، وعلى الزنقة اللي زنقنا نفسنا فيها.
ابتسم، وشاطرته ابتسامته بأخرى بسيطة، وكأنها مُغيبة عن واقعها الأليم تحت سطوة ذكرياتهم الرائعة معًا، ليُزيد جرعات الأمان بقلبها، حين قال: وبعد ما يمر كل ده، هتلاقي واحد بيعشقك واقف على بابك مستني بس تطلي عليه، ولو بنظرة. حتى لو اتأخرتي هيفضل مستني. عارفة ليه؟ لم يفلح في قمع عبرات الألم، التي انبثقت من مقلتيه، وهو يُضيف بعشق تخطى حدود احتماله:
عشان أنتِ النفس اللي بتنفسه. النور اللي بينور حياتي. يكفيني أشوفك بخير، حتى لو كان التمن انتظاري ليكِ العمر كله. أنا موافق. تاهت الكلمات من فوق شفتيها، وتبدلت أشياء كثيرة بعينيها، التي كانت ضائعة، تتقاذفها الظنون وتلهو بها الهواجس، ماذا لو صدقت ونالت خذلانًا آخر؟ وماذا لو لم تُصدقه وخسرت كل شيء؟ وكان هناك استفهام مُلح، يدور بآفاق عقلها، هل سيفلح النسيان في العبور من بوابات الظلام المُحيط بها؟
وهل سيتمكن ذلك العشق، الذي يعدها به، من ترميم جروحها النازفة وشفاء ندباتها البشعة؟ ************** عادوا إلى الديار، بعد وقت كان مُتعبًا مع الجميع، وبالرغم من كل ما حدث، ولكنه لا يستطيع أن يُنكر شعور الراحة، الذي تسرب إلى قلبه، حين اطمأن على وضع شقيقته وأنها آمنة هناك.
انتهت طاقته إلى هذا الحد، وأشارت الساعة إلى الواحدة بعد منتصف الليل، فقد عادوا ظهر اليوم، وها هو لم يُبارح مكتبه، يُحاول إنجاز الكثير من الأمور المتراكمة فوق رأسه، الذي كاد الصداع أن يفتك به، ولحظة تذكر وجهها البديع، الذي يُضفي سكينة من نوع خاص على صدره، فيهدأ ويستكين، ولأن القلوب إن عشقت، فإنها تغدو متصلة ببعضها البعض بخيوط خفية، فقد تململت في نومتها، لتجده لم يعد بعد، فأخذتها خطواتها المتلهفة إليه، في أكثر وقت ينشد
وجودها فيه، فإذا بها تقوم بفتح باب غرفة مكتبه، لتُطل عليه بحضورها الطاغي، وبهاء وجهها المتورد بفعل العشق، وكعادتها معه، لبت ندائه الصامت، وتوجهت رأسًا إلى حيث يجلس، لتقوم بمحاوطة رأسه، ليستكين فوق موضع قلبها الصارخ بعشقه، وأخذت كفوفها الحانية تتلمس خصلاته بهدوء، جعله الاسترخاء يعرف طريقه إليه، وبعد عدة دقائق هانئة، لثمت مقدمة رأسه بقلب دافئ، أذابت صقيع شباط، الذي يُحيط بهم،
واتبعتها بحنو كلماتها: مش كفاية شغل بقى، أنت تعبت أوي النهاردة. احتوى خصرها بذراعيه، رافعًا رأسه، يُناظرها بنظرات حانية ممتنة لوجودها، وأجابها بلهجة خشنة: كنت تعبان لحد قبل ما تدخلي من الباب. همست ضد شفتيه بعذوبة: وإيه اللي حصل بعد ما دخلت من الباب؟ نقشت أنامله لحنًا مغريًا فوق خصرها، قبل أن يقول بنبرة شغوفة: طلتك الحلوة ضيعت كل التعب، وبدلت الليل نهار في عيني. مازحته ويداها تتلمسان شعيرات ذقنه القصيرة: إيه دا كله؟
سالم الوزان بقى يقول شعر؟ أنا أكيد بحلم! قست أنامله في مكان ما أسفل ظهرها، ردًا على مزحتها، قبل أن يقول بعبث: ماهو أنتِ الصراحة تخلي الحجر ينطق، وبعدين سالم مابيقولش، سالم بيعمل. ولا إيه؟ أنهى كلماته بغمزة أربكتها، وأشعلت حمية العشق بقلبها، فأخذت تُداعب أنفه بأناملها، قبل أن تقول بخفوت: بحب فيك أوي لما تتبدل من الشخصية القوية اللي الكل بيخاف منها، وتبقى في حضني عاشق بيعمل المستحيل عشان يفرحني.
جملتها أيقظت رماد الندم بعينيه، فاقترب غارسًا بتلات عشقه فوق قلبها النابض، قبل أن يُعيد دفة نظراته إلى عينيها، وهو يقول بنبرة مُتحشرجة: حقك عليا يا فرح. أنا مدين لكِ باعتذار. قطبت جبينها، قائلة باستفهام: اعتذار إيه؟ تحمحم بخشونة، قبل أن يقول بجفاء: عشان لما قولتيلي إن شيرين سمعتك فويس بصوتي، مصدقتكيش. وطلع عندك حق. بس أنا مش ساحر يا فرح.
قاطعت حديثه بوضع إبهامها فوق شفتيه، ثم بدلته بشفاهها، التي لثمت خاصته بقبلة دافئة، اتبعتها بعذب كلماتها: أوعى تعتذر أو حتى تفكر في كدا يا عيون فرح. هو أنت فاكر إن حيرتك دي كانت سهلة عليا؟ إنك تبقى هتتجنن قدامي عشان مش قادر، ولا قلبك مطاوعك تكذبني، دي عندي كبيرة أوي يا سالم. أنا عارفة إنك عمرك ما شكيت فيا. وصدقني بندم على كل حرف قلته في الليلة دي ندم عمري. قاطعها ليمحي ذرات الندم، التي تنبعث من عينيها:
أي حد مكانك كان هيعمل ويقول كدا. حازم صوته نفس صوتي بالظبط. أنا بعد كدا لما هديت عذرتك. تدللت بحزن، أضرم النار بقلبه: أنت وجعتني أوي بكلامك اليوم ده. أجابها بلهفة قلما تظهر عليه: ندمت ندم عمري على كل حرف قلته وجعك اليوم ده. بس غصب عني لهفتي عليكِ خلتني مكنتش شايف ولا حاسس بنفسي.
لن تُفسح المجال لأي شيء في هذا العالم في إفساد سعادتهم، حتى ولو كانت تلك الذكريات المؤلمة، لذا استراحت بثقلها على ساقه، ويداها تُحيط عنقه، بينما نظراتها تدللت كنبرتها، حين قالت: طب إيه رأيك كل واحد فينا يصلح غلطته اليوم ده؟ انكمشت ملامحه بحيرة، قطعتها جملتها، التي تحمل وعود العشق، الذي يتراقص في مقلتيها بإغواء، وذلك الشغف، الذي يقطر من نبرتها، حين اقتربت من أذنه هامسة:
هوديكِ أوضتنا، قدامك رُبع ساعة، وتيجي هتلاقي عروستك مستنياك، أوعى تتأخر.
لم تترك له مجالًا لاستيعاب كلماتها، إذا استقامت متوجهة للخارج، بعد أن زرعت بصدره ألسنة العشق المتوهجة، فأصابته بلعنة الاشتهاء، التي جعلت الدقائق تمر على ظهر سلحفاة، وهو ينتظر مرور المدة، التي حددتها، حتى يظفر بقربها، الذي ما أن يتخيله، فيجف حلقه، وتتصاعد دقات قلبه للمليون دقة في الثانية الواحدة، وبشق الأنفس استطاع أن يتحمل لدغات الثواني، ليقطع الخطوات الفاصلة بينه وبين غرفته بلمح البصر، ويقوم بإدارة مقبض الباب،
ليتصنم مكانه، وهو يراها بفستان زفافها، مُطلقة العنان لخصلاتها الثائرة، لتُحيط بها كأشعة الشمس، فتُعطيها توهجًا براقًا وجمالًا آخاذًا، يفوق جمالها ذلك اليوم، فأخذته قدماه إليها دون وعي منه، فقد أسَرته فعلتها حد الجنون، الذي تحول لرغبة عاتية في امتلاكها، يتخللها عشق أهوج، قد لا تحتمله تلك المجنونة، ولكن سبق السيف العزل، ففعلتها أطلقت جيوشه الآتية من الجحيم، فقام بجذبها بعنف، لترتطم بسياج صدره المُعضل، الذي لا يحتمل
جنون قلبه بها في تلك اللحظة، فجاءت نبرته مُتحشرجة من بين أنفاس مُتهدجة،
حين قال: أنتِ عارفة خطورة اللي بتعمليه دا إيه؟ تعانق العشق بالرغبة بداخلها، فبدد كل شعور بالخوف من ظلمة نظراته ورغبته الموقدة، والتي يستشعرها جسدها في تلك اللحظة، فهمست بجُرأة غير معهودة: عارفة، ومستعدة لكل حاجة منك. أغمض عينيه، يُحاول تنظيم دقاته الهادرة، وتحجيم شعوره المُروع بها الآن، فتفاجأ بها تقترب منه، حتى تعانقت أنفاسهم الموقدة، والتي تُشبه نبرتها، حين قالت:
أنا بين إيديك يا سالم. خدني لدنيا تانية بعيد. مفهاش حد غيرنا. مش عايزة حد غيرنا. دعوة صريحة من امرأة اجتمعت بها عجائب الكون في نظره، فهل يملك من الحول ما يمكنه من رفضها، وهل لذلك العقل، الذي أكثر ما يميزه، القدرة على مجابهة نظرة واحدة منها؟
إجابته كانت قُبلة ساحقة، أودت بها إلى الهلاك بين ذراعيه، اللتان عزفت أقسى وأروع معزوفة فوق جسدها، الذي كان أصبح كنوت بيتهوفن، الذي أطلق العنان لجميع مشاعره، ليُبدع في أنشودة غرام، كان صداها يتردد في جميع أنحاء الغرفة، وترتج له الجدران، وتنتفض لها الأبدان، التي غمرتها نشوة العشق، فصارت تنهل بنهم، لا يُقصيه تعب، ولا يُبدده ألم، فقد فاض بهم العشق، وطغى، حتى صار مسموعًا، محسوسًا، وملموسًا فوق تلك الأشياء المحطمة والملابس
المبعثرة، ولكن كان فرسان الغرام بوادٍ آخر، غير عابئين بأي شيء، سوى ترميم صدوع الشوق، الذي لا ينضب، ولا يخمده ثورة المياه، التي غمرتهم، فشدد من جذبها، ليلتصق ظهرها بصدره، وهما بحوض الاستحمام، الذي ملأه سالم بالمياه الدافئة، علها تُهدئ من آثار تلك المعركة الدامية، التي نشبت بينهم، ولكن هيهات، فمجرد نظرة بسيطة منها، تنشب مخالب الصبوة بقلبه، فكيف بوجودها بين ذراعيه؟
لو كنت أعرف إنك هتعوضيني عن اليوم ده بالطريقة دي، كنت كررتُه كل شوية. ابتسمت من بين ذلك التعب المُضني، الذي ألم بجسدها، وقالت بنبرة مُتهدجة: لو كنت أعرف الافترى بتاعك ده، كنت كملت نوم، ومكنتش نزلت لك من الأساس. قهقه بصخب نادر ما يحدث، فلم تُريد أن تُضيع تلك الفرصة أن تستمتع بضحكاته الرائعة، فالتفتت تُناظره بلهفة، كان لها وقع خاص عليه: إحنا بنجيب ورا بقى، أومال فين القطة المخربشة، اللي كانت من شوية؟
وأنا بين إيديك، وقصاد عينيك، والكلام ده كله؟ فرح بمزاح: سحبته. جبانة. مُفتري. بس بحبك. همسة القاتل وإعلانه الصريح، جعلوا قلبها يرتجف بين ضلوعها، فهمست بوله: وأنا بعشقك. خلاص، افتري براحتك. تعالت قهقهاته على كلماتها، وشدد من احتضانه لها، وهو ينثر عشقه فوق كتفها المرمري، قائلًا بشغف: يااه يا فرح، كنتِ فين من زمان. كنت محافظة على قلبي عشان أقابلك. لو كنت قابلتك من بدري، كان زمان حاجات كتير اتغيرت. همست بعذوبة:
كل حاجة بتيجي في وقتها بتكون أحلى. أنتِ أحلى حاجة جتلي. ومش هيجيلي أحلى منك مهما جالي. انتشى القلب بكلماته، التي أذابت عظامها من فرط روعتها، فشددت من نفسها، لتلتصق به أكثر، وهي تقول بخفوت: خليك ماسك فيا أوي يا سالم. أنت كل حاجة فيا. كل حياتي بتتلخص في وجودك. متبعدش عني ولا ثانية. الحاجة الوحيدة اللي مقدرش عليها في الدنيا دي هي بُعدك. اطمني.
تعانقت أضلعهما، وهنئت قلوبهم، واستكانت أرواحهم لثوانٍ، قبل أن تقول بهمس يعرف الطريق لقلبه جيدًا: قلبي مطمئن بيك. ************** قال، وعلى رأي المثل: جه الحزين يفرط، طلعت له همّ في البخت. صححت ريتال كلماته قائلة: اسمها جت الحزينة تفرح ملقتلهاش مطرح. متبوظش الأمثال يا عمو. زفر مروان بحنق: وأنتِ مالك أنتِ أبوظ ولا مبوظش؟ هو المثل كان بتاع أبوك. ريتال بتقريع: عيب يا عمو، اسمه بابي. مروان باستنكار: بابي؟
أميتابتشان ده بقى بابي؟ يا بنتي ده عربجي. أبوك ده تقول له يابا يا بويا، وأصلًا متناديش عليه. ريتال مُدافعة عن والدها: لأ طبعًا، دا بابا دا أجمل أب في الدنيا كلها. مروان بسخرية: أجمل أب؟ لأ، وأنتِ الصادقة، ده سفن أب. ماهو كدا إنتوا يا بنات متحبوش غير اللي يديكوا على دماغكوا، لكن يكون إنسان مرهف الحس زيي، وبيحافظ على مشاعركوا، يبقى ده جزاته. هو مين اللي مرهف الحس! أكيد مش أنت.
كان هذا صوت شيرين الساخر، فقابل مروان سخريتها قائلًا بتهكم: حوش مين بيتكلم! يا بنتي ده أنتِ عندك كمية برود، لو اتوزعت على الصعيد، الناس هتتجمد. دمك يُلطش. مروان بنبرة ذات مغزى: طبعًا دمي يُلطش، ماهو عشان مش محشور في الهدوم ولا فاتح القميص ومبين نص صدري، هيبقى دمي يُلطش المبادئ في ذمة الله. التفتت شيرين إلى ريتال قائلة بتعجب: هو ماله ده، اتهبل ولا إيه؟ ضاق ذرعًا من وجودهم، فاندفع بنفاذ صبر:
أنتِ مالك يا باردة أنتِ وهي؟ واحد قاعد يندب حظه، جايين تقرفوه في عيشته ليه؟ اقتربت شيرين لتجلس بقربه، وهي تقول بتعاطف: لأ يا مارو، مقدرش أسيبك تزعل أبدًا. قولي مالك؟ مين مزعلك؟ مروان باندفاع: المخفية أمك، واقفالي زي العُقلة في الزور. لكزته في كتفه بقوة، وهي تقول بغضب: احترم نفسك يا حيوان، متقولش كدا على ماما. مروان بتحسر:
هو أنا في إيدي حاجة غير إني أقول. كشفت شعري ودعيت عليكِ يا همت يا بت رئيفة هانم. يبتليكِ باللي أقوى منك. بس يا حيوان. زجرها بعنف: اسكتي وسبيني، أنا هتجلط منها. طب هي مُعقدة، وربنا وقعها في أبوكِ، راجل ابن ستين كلب، أنا مالي أحاسب على المشاريب ليه؟ تقولي بنتي لسه صغيرة، ومش ناوية أجوزها دلوقتي. أومال هتحنطها! قال جملته الأخيرة بصراخ، وما أن أوشكت أن تنهره، حتى جاءهم صوت غاضب من الخلف: إيه يا ابني، أنت عمال تولول ليه؟
صدعتنا. مروان بسخرية: أهي كملت. غُربان البيين هل. شعرت بحزمة من المشاعر الموترة تتفشى في سائر جسدها، حين استشعرت حضوره، ولكنها لم تلتفت، بل ظلت بجانب مروان، الذي شعر بما يحدث، فضيق عينيه بمكر، تجلى في نبرته، حين قال: شيري، بقولك إيه؟ ما تيجي نقوم نكمل كلامنا جوه. عيب، دي أسرار بردو. استشاط طارق لدى سماعه كلمات مروان، وهب غاضبًا: أسرار إيه اللي بينكوا دي؟ وبعدين ماتتكلموا هنا، هو أنا غريب؟ مروان بمكر:
لأ طبعًا مش غريب، بس دي أسرار بين الأصدقاء، وبعدين زي ما بحفظ أسرارك، لازم أحفظ أسرار شيرين، صح ولا إيه؟ حضوره كان طاغيًا للحد، الذي لم يجعلها تنتبه لذلك المكر، الذي يقطر من بين كلمات مروان، وانصب اهتمامها على كلمة أسرار، فتفشى الفضول بقلبها، وقالت باندفاع: والله هو طارق كمان عنده أسرار؟ مروان ببراءة مُزيفة: طبعًا عنده أسرار، مش بني آدم ولا إيه؟
ماهو زي الهِلف قدامك أهو. إلا عنده أسرار دي. دا عنده حتة سر هولندي بشعر أصفر وعينين زرقا، إنما إيه. يالهوي يخربيت أبوها. اندلعت الحرائق في جوفها، فالتفتت بقوة تناظره بعينين لمع بهما الغضب، الذي جعله يقول بجفاء: إيه يا زفت، أنت الهبل اللي بتقوله ده؟ هولندي إيه وشعر أصفر إيه؟ مروان مُدعيًا البراءة: كان أحمر باين؟ إيه دا؟ آه، أنت سبتها. صح نسيت. وجه كلماته إلى شيرين، قائلًا:
مقولكيش بقى يا بت يا شيري على السر الروسي، يالهوي حاجة كدا نووي، دمار شامل. روسي روسي، صناعة محلي يعني. يالهي يطفحها. تجاهل نظرات وتحذيرات طارق بالصمت، وخرجت الأمور عن السيطرة، فهبت شيرين من مجلسها بعصبية، تجلت في نبرتها، حين قالت: والله وطارق بيه طلع مش سهل، وقال، وإحنا اللي كنا فاهمينه غلط.
اختتمت كلماتها، وهربت قبل تتدافع العبرات من مقلتيها، فهب طارق خلفها، محاولًا أن يراضيها، وسط قهقهات مروان المتشفية، والذي التفت إلى ريتال، قائلًا بارتياح: أحسن كدا الكل يفركش. أومال أقعد أندب حظي لوحدي. لأ. نندب كلنا سوا. أما أقوم أنكد على جنة وسليم كمان، عشان يبقى الندب للرُكب. بت يا جنة. أنتِ يا أوزعة. ************** صح النوم. يالا يا كسلان.
همساتها الناعمة أيقظته من غيبوبة النوم، التي قضاها بين ذراعيها، ليفتح عينيه على مهل، وكان أول وأشهى ما رآه هو وجهها الصبوح، الذي يُضيء الكون بضحكاته الساحرة، والتي تبعث الراحة والطمأنينة إلى قلبه، الذي يشتهي أبعد من ذلك، فمد يده في دعوة صريحة إليها، لبتها على الفور، فاكتنفها بين جنبات صدره، الذي كان يضخ عشقها إلى سائر جسده. يعني حد يسيب القمر ده ويقوم بردو؟ دا أنتِ الكسل جنبك فضيلة ونعمة.
اخترقت ضحكاتها أذنيه، فاطربتها كما أطربتها كلماته الرائعة، للحد الذي جعلها تقول بخفوت: الحقيقة إن أنت اللي وجودك في حياتي أجمل نعمة يا سليم. اشتهى الجنة، فقبلها بقوة وشغف، أذابا عظامها، ففصل قبلته، قائلًا بأنفاس مُتهدجة: أنتِ لو قاصدة تجنني أمي، مش هتقولي كدا. لكزته في كتفه برقة، وقالت مُعاتبة: أمك ست طيبة، ملهاش دعوة بجنانك. دي مواهب مكتسبة. أجابها بوقاحة:
على ذكر المواهب، دانا عندي شوية مواهب مدفونة يا بت يا جنة، بس إيه يستاهلوا بقك. قهقهت بصخب، أطاح الباقي من ثباته، ولكنها أوقفت جموحه، قائلة بتحذير: الوقت اتأخر، وزمان الناس عايزة تفطر. أجل مواهبك دي لوقت تاني. سليم بتذمر: ناس مين وفطار مين؟ بقولك مواهب مدفونة مبتطلعش غير للحبايب. صاحت بتحذير: سليم بطل وقوم بقى. تلبدت سماءها بالغيوم، وهي تُضيف بخفوت: وبعدين أنا متضايقة.
اعتدل جالسًا، وهي بين ذراعيه، التي احتوتها بضمة حانية، وكذلك لهجته، حين قال: مالك يا حبيبي؟ إيه اللي مضايقك؟ لم تفلح في إخفاء التوسل من نبرتها، حين قالت: سليم، هو أنا ينفع أتكلم معاك في موضوع مهم، وتسمعني للآخر؟ ينفع طبعًا. لم تستطع احتمال ما بجوفها، فاطلقته بوجهه دفعة واحدة: أنا عايزة أكتب محمود على اسمك أنت. للوهلة الأولى، لم يستوعب كلماتها، فخرج استفهامه دون وعي: إيه؟ بللت حلقها، وقالت بلهجة جافة:
اللي سمعته. محمود يستحق إنه يكون له أب زيك. يستحق إنه يتربى بين أبوه وأمه. تقدر تقولي لما يكبر ويسأل عن أبوه، هنقوله إيه؟ مات ولا عايش، ومينفعش تشوفه؟
ألقت ببارود كلماتها في وجهه، الذي امتقع لثوانٍ، وتماوجت تعابيره، ما بين الغضب، الذي ظهر جليًا في عينيه، التي أصبحت كبركة من الدماء، وبين الحزن، الذي تجلى في قسمات وجهه، التي تهدلت من فرط شعوره بالعجز عن إجابتها، وأيضًا القسوة، التي تجلت في يديه، التي تُحيط بها، ولكنها لم تعبأ بذلك، بل احتوت كل انفعالاته بكفوفها الحانية، وهي تقول بنبرة محشوة بالوجع: أنا عارفة أنت بتتألم قد إيه؟
وعارفة إنك أكتر حد حاسس بوجعي. ومتأكدة إن جواك نار بتحرقك زي اللي جوايا، ومُجبر تخبيها جواك عشان اللي حواليك. بس النار دي هتخلص عليك في يوم. لو أنت هتقدر تتحملها عشان هو أخوك، أنا مش هقدر. ابتلع جمرات غضبه الحارق وعجزه المميت، وقال بجفاء: أنتِ كدا بتنتقمي منه؟ بأنك تنسبى ابنه لحد غيره؟ هبت من مكانها، قائلة بقهر: ميستاهلوش. ابنه اللي حاول يموتني وهو في بطني، ميستاهلش ضافره. همس بنبرة مُلتاعة: وأنا؟
لم تفهم مغزى استفهامه، فأضاف موضحًا: أنا فين من انتقامك ده؟ اقتربت منه بعينين تلمع بهما العشق، وتجلى في نبرتها، حين قالت: أنت أحسن حاجة حصلتلي في حياتي. الحاجة الوحيدة اللي منعتني إني أطلع بروحه في إيدي، أول ما شفته وعرفت إنه لسه عايش. تبدلت نظراتها، حين أطلقت جملتها الأخيرة، فناقضت براءتها، وهاله ما بها من انتقام وبُغض، جعله يقول باستفهام: لو حازم قدامك، ممكن تخلصي عليه يا جنة؟ هبت باندفاع ولهجة مُدججة
باللوعة والقهر: أكيد هخلص عليه. هاخد روحه بإيدي، ومش هندم لحظة واحدة. بهتت ملامحه، حين رأى انفعالاتها، وتبدل حالها من تلك الفتاة الرقيقة إلى النقيض، ولكن جاءت كلماتها المُعذبة، لتُلقي به في غياهب الألم:
أنا منستش يا سليم. كل العذاب والقهر اللي شفته من يوم ما عمل اللي عمله فيا، لسه فكراه، وفاكرة قهره قلب فرح ووشها أول ما فوقت من الحادثة. فاكرة احتقارك واحتقار أهلك ليا من أول يوم دخلت فيه بيتكم، فاكرة لما ماما أمينة عرضت عليا فلوس كأني واحدة من الشارع عشان أسيب ابني. أنا فاكرة كل حاجة يا سليم. أنا مبلومش على حد فيكوا. ولا شايلة في قلبي منكوا. بس مش قادرة أنسى، وخصوصًا بعد ما شفته قدامي عايش.
صمتت لثوانٍ، تحاول التحكم في سيل العبرات، الذي يتسابق في الهطول من حدقتيها، ثم تابعت بنبرة مغلولة: حتى لو عملتوا فيه أي. لو عاقبتوه بأيه؟ مش هيطفي ناري القايدة جوايا. لأول مرة بحياته، يختبر ذلك الشعور المرير، بل مميت، يقف بصمت، يتابع انهيارها وعذابها ولوعة قلبها، وهو عاجز حتى عن كفكفة عبراتها، فهناك ما هو أشد وأقسى بجوفها، ولن تُخمده أو تُهدئ من فداحته أيًا من محاولاته معها.
لم تعد الأرض تحمله، ولم يعد يستطيع الصمود أمام انهيارها ووجعه أكثر، فتوجه إلى الحمام، مرورًا بها، فأوقفته يداها، التي قبضت على خاصته بقوة، تجلت في نبرتها، حين قالت: رايح فين؟ مش هتسبني يا سليم. صح؟ رفع عينيه، التي عاتبت عينيها بقسوة، وجاءت لهجته مُشبعة بالوجع، حين قال: مش هسيبك يا جنة، حتى لو كان وجودي زي عدمه بالنسبالك.
امتقع لونها جراء كلماته، التي توحي بمقدار ألمه الهائل، وفهمه الخاطئ لحديثها، فاندفعت تُعانقه بكل ما أوتيت من عشق، تجلى في نبرتها، التي جاءت من بين انهيار عظيم: أوعى تقول كدا. أنا عايشة عشانك. من غيرك كان زماني موت أو انتحرت. أنت بتجري في دمي. بس أنا غصب عني. في نار جوايا يا سليم. حاوطتها يداه بحنو، لم تُفصح عنه شفتيه، إنما اكتفى بمواساة صامتة، لم تكفِ لوعة قلبها، فانتزعت نفسها من بين ذراعيه، تقول بانفعال:
أنت زعلان عشانه صح؟ زعلان عشان أخوك؟ قولي متخبيش. ماهو أخوك بردو. كانت تتحدث بعشوائية، تُنافي جموده وثباته، حين أجابها: هو فعلًا أخويا يا جنة. سواء قبلت دا أو رفضته، أخويا. اشتد سواد عينيها، وغُلفت بطبقة من الحقد، وصاحت بنبرة مغلولة: ودا اللي مخليك ترفض تكتب محمود على اسمك؟ استهلك جميع طاقته في استجداء الصبر، الذي لم يكن أبدًا من شيمه، لكي لا يصرخ، حتى تتهدم الجدران من حولهم، وقال بجمود يُحسد عليه:
أنا مش هقدر أعمل كدا عشان دا حرام. إني أنسب طفل ليا وأبوه عايش، بالرغم إني أتمنى من كل قلبي لو كان ابني فعلًا. استفهمت بلهجة حادة: يعني؟ يعني مش هرتكب ذنب زي دا. ولو مش مصدقة إنه حرام، يلا نروح دار الإفتاء، وأسألي هناك. تنحى آخر شعاع للعقل برأسها، وقالت بانفعال: عشان حرام، ولا عشان هو أخوك؟ سليم بثبات يُهدد بالانهيار في أي لحظة: عشان حرام. اندفعت تُلكمه في كتفه بغل، تجلى في نبرتها، حين قالت: واللي حصلي مش حرام؟
تسلل القهر إلى لهجته، حين قال: حرام. قوليلي إيه ممكن أعمله عشان أصلح اللي حصل. تسللت السخرية المريرة إلى لهجتها، حين قالت: لأ، كتر خيرك لحد كدا. أنت شيلت الشيلة كاملة، وصلحت غلطته، واتجوزتني. على حين غرة، جذبتها يديه، تُلصقها بسياج صدره بقسوة غير معهودة، بل غير مقبولة، فقد شعرت بأن ضلوعها تحطمت جراء حركته المُباغتة، ولكن جاءت لهجته أشد وأقسى، حين قال مُحذرًا:
إياكِ تعيدي اللي قلتيه مرة تانية. وإلا هتزعلي مني، وهتشوفي مني وش ما أحبش إنك تشوفيه. لم تعِ ما تحمله كلماته من غضب لأجلها، ولأجل ذلك التشبيه المقيت، والوضع المُشين، الذي تضع نفسها تحت طائلته، فقد كان العقل غائبًا، وأبخرة الانتقام تتراقص أمام عينيها، مما جعلها تنتزع نفسها من بين يديه بقسوة، تجلت في نبرتها، حين قالت:
مَاعتقدش إنك لسه عندك حاجة وحشة، أنا مشوفتهاش. بس تصدق، أنت دايماً بتبهرني. وخصوصًا لما الموضوع يتعلق بحد من أهلك. بتتحول. يا بختهم بيك والله. بشق الأنفس، استطاع تجاوز غضبه وجراحه الهائلة، وقال بلهجة غليظة: لو هما أهلي، ف أنتِ أنا يا جنة. افهميها على مهلك. ألقى جُملته، وتجاوزها، قاصدًا الهروب من تلك الحرب، التي كان قلبه أول ضحاياها، فإذا بها تُلقي به إلى التهلُكة بكلماتها القاسية:
في المستشفى يوم ما ولدت، وعدتني تجيبلي حقي من اللي ظلمني. وأهو اللي ظلمني طلع عايش. هاتلي حقي منه. واعرف إني مش هبقى أنت، ولا هنتمي ليك بعد النهاردة، إلا لما تجيبلي حقي منه يا سليم. توقف الزمن به لوهلة، شعر بها بأن الكون بأكمله ضاق به، حتى أنفاسه أصبحت ثقيلة على صدره، والتفت يُطالعها بنظرات هي القهر بعينيه، ثم قال مُستفهمًا: يعني إيه يا جنة؟ لم تقصد تلك القسوة، التي تضمنتها لهجتها، حين قالت: افهمها على مهلك. يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!