تجمدت الدماء في أوردتها وهي تناظر «فرح» التي كانت ملامحها جامدة ونبرتها مشابهة: _إيه؟ السؤال صعب أوي كدا؟ تخلى عنها جأشها وشعرت بقدميها توشك على التلاشي أمام نظرات «فرح» الثاقبة. لصمتها الذي طال، قطعت قائلة بخفوت: _دا... دا رقم غريب! ملامح وجهها تولت الحديث عنها، خاصةً حين ارتفع أحد حاجبيها بمعنى "حقًا! ". ولكن لدهشتها، قامت بتغيير دفة الحديث حين قالت بجفاء: _عاملة إيه دلوقتي؟
تنهيدة قوية أفلتت من جوفها توحي بمدى ارتياحها كون «فرح» لم تُطل الأمر أكثر. لذا جاءت نبرتها أكثر ثباتًا حين قالت: _الحمد لله، أحسن. _كويس. عشان نعرف نتكلم. قذفت كلماتها الذعر بجوف «جنة» التي لا تعلم لماذا شعرت بأن هناك ما هو عظيم خلف ثبات شقيقتها وهدوئها بتلك الطريقة. _نتكلم في إيه؟ «فرح» بجفاء: _عايزة أعرف إذا كنتِ لسه عايزة سليم في حياتك ولا لأ؟
بضع حروف مدببة اخترقت جدران قلبها الذي انتفض للحد الذي طغى على تنفسها، فأصبح سريعًا مما جعل الحروف تخرج من بين شفتيها متقطعة حين قالت: _أنتِ... أنتِ بتقولي إيه يا فرح؟ وضعت الحقائق في إطار من الصراحة الذي لا يحتمل أي مراوغة لتجعلها تحسم أمرها. لذا قالت بنبرة جافة:
_يعني سليم لا هيقدر يقتل حازم أو يسجنه. كل اللي ممكن يعمله أنه يقطع علاقته بيه. لو كنتِ راضية بكدا يبقى تمام، ننتقل للنقطة اللي بعدها. لو مكنتيش راضية قوليلي عشان نخلص الموضوع في أقرب وقت وكل واحد يعيش حياته، وكفاية لعب عيال لحد كدا. تبلورت الحقيقة نصب عينيها، فانتفض قلبها ألمًا للحد الذي تدافعت العبرات من مقلتيها. وجاءت حروفها معذبة حين قالت: _بتقسي عليا كدا ليه يا فرح؟ تجاهلت وخزات الألم بقلبها وقالت بجفاء:
_عشان المواضيع دي الحزم فيها بيكون مطلوب. وبعدين فين القسوة؟ أنا ما أجبرتكيش على حاجة، بالعكس بخيرك وبوضحلك كل حاجة، وأنتِ حرة. تعانق الألم بالذنب بداخلها، فكان الأمر أكبر من طاقتها على الاحتمال. فاقتربت تجلس على أقرب مقعد قابلها وهي تقول بكمد: _بتخيريني بين الموت أو الحياة في الجحيم.
_لو تقصدي الجحيم بإنك تعيشي مع سليم وهو أخو حازم، يبقى تقدري تخرجي نفسك منه بالطلاق. ولو طلاقك منه هو الموت اللي تقصديه، يبقى تكسري عين الشيطان وتحمدي ربنا على راجل بيعشق التراب اللي بتمشي عليه. أوشكت «جنة» على الحديث، فتابعت «فرح» بنبرة أقسى وتحمل بين طياتها الكثير: _وكل ما الشيطان يوزلك إنه أخو حازم اللي اغتصبك، تستغفري ربنا وتفتكري أن لولا البلاء ما كان هيبقى فيه عوض.
تعلم أنها مُحِقة، ولكن الأمر كان أكبر من ذلك بكثير. لذا صاحت بحنق: _أنتِ مش فاهمة يا فرح! دا مش شيطان! قاطعتها «فرح» بسخط: _لا، شيطان. والشيطان وظيفته أنه يلعب بدماغ الإنسان ويشككه حتى في دينه. وأكبر دليل اللي حصل النهاردة دا! انتفض قلبها ذرعًا للحد الذي جعلها تهب في وقفتها إثر كلمات «فرح» التي تحمل الكثير. فاندفعت تستفهم قائلة: _تقصدي إيه؟ «فرح» بحدة: _مين الشيطان اللي قالك إن سليم بايت عند مروة؟
هوى قلبها بين قدميها وهربت جميع الحروف من بين شفتيها، ولم تعد تعرف كيف تجيب. «فرح» التي اقتربت منها بخطوات ثقيلة وهي تعيد استفهامها بطريقة أخرى: _مستنياكِ تجاوبيني يا جنة. بللت حلقها الجاف من هذا المأزق الذي تتلهف للخروج منه دون خسائر جسيمة. _اتصلت عليه وهي ردت عليا. تعاظم الحنق بداخل «فرح» التي اقتربت بأعين يحترق بها الزيتون، وبلهجة قاسية حادثتها: _لا والله!
عارفة اللي أكبر من الغلط إنك تتمادي فيه، وأنتِ اتماديتي أوي يا جنة. بتكذبي عليا وعينيكِ في عيني! متخيلة إني عبيطة هصدق اللي بتقوليه؟ مروة اللي جت هنا برجليها عشان تبرئ سليم هترد عليكِ وتقولك إنه عندها! ضاقت ذرعًا بما يحدث، فصاحت بقهر: _كفاية بقى يا فرح، أنا تعبت. _تعبتي عشان غبية. لآخر مرة هسألك، عرفتي منين مكان سليم. احتدت لهجتها واختلطت الحدة بالوعيد حين أردفت:
_وأوعى تفكري تكذبي عليا. وافتكري إنك آخر مرة كذبتي عليا فيها حصلنا إيه؟ وكم الذل والقهرة اللي دوقناها من ورا كذبك. وخليكي فاكرة إني مش مستعدة أدوق من نفس الكاس تاني يا جنة. تعلم إلا ما تشير بحديثها الذي كانت حوافره مدببة انغرزت بقوة داخل قلبها. فهي تعلم كم عانت شقيقتها بسببها، ولا تريدها أن تعاني أكثر. لذا حسمت أمرها سريعًا حين قالت بقوة:
_أنا بحب سليم ومش هسيبه ولا هقدر أبعد عنه. ومش محملاه ذنب اللي حصل ولا مستنية منه يعمل حاجة مع حازم. أنا بس مكنتش قادرة أتخيل إنه يعيش حياته عادي بعد اللي عمله فيا وفي لبنى، ولا هتحمل إنه يقرب من ابني في يوم. ودا اللي عايزاه من سليم وبس. كانت العبرات تعانق الحروف التي تركت آثارًا عظيمة بداخل قلبها المُحطم. وقد كانت ملامحها خير من يعكس مقدار العذاب الذي تُعايشه. فاقتربت «فرح» تحتويها بقوة داخل أحضانها وهي تقول بحنو:
_متخافيش يا جنة، وأوعي تفكري إني هسمح إن حد يظلمك، حتى لو هقف قدام سالم نفسه. حازم هيتعاقب، ربنا هيعاقبه. وأهم حاجة إنه يفضل بعيد عننا، ودا اللي أنا واثقة فيه. بس مش عايزكِ تشيلي نفسك فوق طاقتها. ما صدقنا إنك خلاص قربتي تخلصي جلساتك. عايزكِ تعيشي حياة طبيعية وكلها سعادة مع ابنك وجوزك. وكأن حنانها كان إذنًا لفيضانات الألم الذي انحدر من مقلتيها وهي تتشبث بشقيقتها تبكي بقهر تناثر من حروف كلماتها حين قالت:
_نفسي يا فرح. نفسي أعيش حياة طبيعية. نفسي أنسى كل اللي حصل. بس للأسف، كل ما أبتدي أنسى وأعيش طبيعي، حاجة تحصل تقلب كل الموازين من تاني. شددت من احتوائها وهي تقول برفق: _دي كلها ابتلاءات من ربنا عشان يشوف هنصبر ولا لأ. وأنتِ عارفة ربنا يا جنة. اصبري وجاهدي نفسك وشيطانك. سليم روحه فيكِ. _وبرضو روحه في أخوه. تقدري تقوليلي لو الزفت دا طلب إنه يشوف محمود، سليم هيتصرف إزاي؟
مش بقول دلوقتي، بقول بكرة بعد سنة أو اتنين أو عشرة. أنا عمري ما هبطل أكرهه، لكن سليم هينسى مع الوقت وهيحن لأخوه. وممكن كمان يضعف وقتها. قاطعتها «فرح» بقوة: _وقتها أنا اللي هقف وأتكلم. وحتى لو حكمت، أقف قدام ولاد الوزان كلهم هعمل كدا. أنتِ مش لوحدك يا جنة. كلنا حواليكِ، أنا وجدك وولاد عمك. محدش يقدر يجبرك على حاجة.
تسلل خيط من الراحة بداخلها، فتعانقت رموشها وهي تستريح فوق صدر شقيقتها لدقائق غمرتها السكينة وهدأ ضجيج قلبها. إلى أن جاءها صوت بكاء صغيرها، فتركتها «فرح» وهي تقول بحنو: _روحي شوفيه، وأنا هروح عشان ميعاد الدوا بتاعي. أومأت «جنة» وغمرتها بنظرات ممتنة قبل أن تتوجه إلى صغيرها. وحين اختفت بداخل الغرفة، توجهت «فرح» إلى هاتفها تبحث عن ضالتها، وسرعان ما تراقصت ألسنة اللهب بمقلتيها. ★★★★★★★★★
صباحًا توسطت الشمس كبد السماء وأشرقت بنورها على الجميع، ما عدا تلك التي قضت الليل تتقلب على جمر مُشتعل يحرقها بكل ثانية وهي تُفكر في كيفية التعامل مع هذا القذر الذي لا ينفك يُثبت أنه أحقر من رأت بحياتها.
رغمًا عنها، أخرجت غضبها بتلك الكنزة التي وضعتها بغل لم يخفَ على ذلك الذي كان يُراقبها منذ دقائق وعينيه تلتقم جميع انفعالاتها وملامحها التي زيَّنها الغضب بحُمرة قانية. لها إغواء من نوع خاص يطرب قلبه وتنتشي به روحه، مما جعله يطوي الخطوات الفاصلة بينهم. لتمتد يديه تعانق خصرها لتسكن بين ذراعيه ويستريح رأسها بجانب متيمها. ويهمُس هو بجانب أذنيها بنبرته الخشنة التي تهواها: _التيشيرت الغلبان ذنبه إيه طيب؟
لجأت للصمت للحظات لترتوي من قربه الذي دائمًا ما يكون مهدئًا لقلبها ونيرانه. فشعر هو بسكونها بين طيات صدره، فشدد من احتوائها مُلبيًا توسلها الصامت باحتياجها له. _حيرانه ومتعصبة ليه يا فرحتي؟ حرفًا واحدًا كان من شأنه أن يحول نيران غضبها إلى أخرى عاشقة راغبة. حرفًا واحدًا أصابها بلعنة الاشتهاء التي لم تعرفها سوى بقربه وبين ذراعيه، وكأن جسدها وما يحتويه رهن وجوده.
_فرحتك الشوق قرصها من دلوقتي. ومش عارفة هتقدر على بُعدك الأسبوع دا إزاي؟ أطلقت زفرة حارة ألهبت عنقها وسائر جسدها قبل أن يتحدث بصوت أجش: _هو قلبي اشتكالك ولا إيه؟ فرح بعذوبة: _تؤ. حسيت بيه.
أخذ ينثر وروده الدافئة خلف أذنها وعلى طول عنقها، حتى اختتمها بقطمة خفيفة فوق كتفها، ولكنها أضرمت الرجفة بسائر جسدها الذي أعلن عن احتياجها له. فشدد من تقريبها إليه حتى آنت ضلوعها وكذلك شفاهها، وكأنها دعوة لأن يشتد حصاره أقوى. فبدا وكأنها يعيدها إلى مكانها حيث ذلك الضلع الأعوج الذي استقام بعشقها. _أعتقد أن من العدل أنكِ تسكني مكانك جوا قلبي ومتبعديش عني لحظة واحدة بعد كدا.
أفلتت من بين شفاهها ضحكة خافتة لها وقع خاص على قلبه، وكذلك نبرتها العابثة حين قالت: _وهتعملها إزاي يا وزان قلبي؟ زمجر بخشونة ويداه تنقشان لحنًا قاسيًا فوق خصرها: _اتعدلي وبطلي تجننيني. لما بقسى عليكِ بترجعي تقولي عليا مفتري. حان وقت الارتواء من ملامحه التي تنتشي العين برؤيتها، فاستدارت بين ضلوعه التي تحتويها كما احتوت عنقه بذراعيها، وكذلك فعلت غابتها الزيتونية بحبوب القهوة التي تلون حدقتيه. فخرجت حروفها
العابثة حين قالت بدلال: _أعمل فيكِ اللي أنا عايزاه على فكرة، ومتقدرش تعترض. أنا فرح الوزان يا عنيا. ازدانت ملامحه الرائعة بابتسامة عذبة أشعلت فتيل الحرب بقلبها، وكذلك فعلت لهجته حين قال بخشونة: _أهي عشان فرح الوزان اللي بتجنني دي يحقلك تعملي كل اللي أنتِ عايزاه. همست بدلال: _سالم. _عيون سالم. لون العبوس محياها، ولكن لم تخلو لهجتها من الدلال حين قالت: _متتأخرش عليا. _مقدرش. _وأوعى في يوم تقسى عليا، حتى لو زعلتك.
تبدلت نظراته فأصبحت تحمل الوعيد بين طياتها، وكذلك لهجته حين قال: _أنتِ عارفة إن الغلط عندي بحساب. بس ميمنعش إني ممكن أخليكي تختاري عقابك بنفسك. رقت لهجته حين قال جملته الأخيرة وخلطها العبث، فأطلقت ضحكة مدوية تردد صداها بقلبه، وخاصةً حين أضافت بخفوت: _حلو دا. وأنا موافقة. قابل بقى.
طوقتها أصفاد ذراعيه التي حملتها بكل ما أوتي من عشق، وصار يدور بها يمينًا ويسارًا في عناق حنون دافئ بقدر ما يحمله من أشواق يتشاركها كلًا منهما. ثم همس بخشونة: _كل اللي ييجي منك على قلبي زي العسل. ★★★★★★★★★ حائرة، لا تعرف على أي أرضٍ تقف؟ ولا إلى من تلجأ؟ تشعر بالكلمات تمزق جوفها وتنقز بقلبها كأشواك، إن لم تتخلص منها حتمًا ستقضي عليها.
انتهت من ارتداء ملابسها وأخذت تبحث عن هاتفها فلم تجده. في البداية شعرت بالحنق، فلم يَبقَ سوى ساعة واحدة على موعدها مع الطبيب، وها هو ذلك اللعين، لا تتذكر أين وضعته. ولكن فجأة، تعثرت دقات قلبها وانحبست الأنفاس بصدرها وهي تتذكر أنها تركته وذهبت لترى طفلها حين كانت تتحدث مع شقيقتها.
تشكلت غصة صدئة بمنتصف قلبها وهي تتخيل أن تعرف «فرح» بما كان يحاول ذلك الحقير فعله. وسرعان ما دب الذعر في قلبها تجاه شقيقتها من أن تتواصل مع ذلك الحقير، فهي لا تهاب شيئًا ولا أحد. وعند هذا الحد، التفتت مهرولة إلى باب الغرفة، وما أن فتحته حتى اصطدمت بجسد صلب تعرف صاحبه حق المعرفة، فهو الوحيد القادر على العبث بدقات قلبها بتلك الطريقة وإضرام النيران بسائر جسدها للحد الذي جعل حضوره يطغى على ذلك الألم الهائل جراء اصطدامها به.
_أنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟ انتفض قلبي من مكانه للحد الذي آلمني. تلك كانت أول إجابة بدرت إلى ذهنها حين اخترق سؤاله الملهوف أذنها، ولكنها تجاهلت الإجابة لتقول باختصار: _أنا كويسة. _مش تحاسبي! في حد يخرج من الأوضة يجري كدا؟ هكذا تحدث بجفاء قابلته هي بالسخرية حين قالت: _والله معرفش إن حد هيدخل أوضتي في الوقت دا! «سليم» بجفاء: _على أساس إنها أوضتك لوحدك. _أوضتي أنا وابني. التمع الشرر بعينيه وهو يضيف بلهجة حادة: _وجوزك.
اعتادت على مراضاته ودلاله، فقد كانت حدته شيء غريب بالنسبة لها. وكذلك أرادت الهرب من كل ما يجوش بصدرها ولا تستطيع سرده أمام عينيه. لذا تمتمت بخفوت: _عن إذنك. لم تكد تمر به حتى جاءها صوته القاسي حين قال: _استني عندك. فزعت من لهجته التي جمدتها بأرضها، والتفتت تناظره باستفهام أطل من عينيها المرتعبة. فجاءتها إجابته بلهجة حادة: _رايحة فين؟ نظفت حلقها قبل أن تجيبه بجمود: _رايحة لفرح. _ليه؟ اغتاظت من طريقته، فأجابته بحنق:
_عشان تيجي معايا للدكتور. كان مفروض معادي معاه امبارح، بس حضرتك كنت مشغول ونسيت. قالت جملتها الأخيرة بنبرة ذات مغزى، تجاهلها قائلًا بجفاء: _فرح مش هتروح معاكِ في أي مكان. اجهزي عشان هنتحرك كمان عشر دقايق. اغتاظت أكثر من لهجته الآمرة، فقالت بحنق: _ومين قالك إني عايزة أروح معاك في أي مكان؟ «سليم» بفظاظة: _ومين قالك إني باخد رأيك من الأساس. أوشكت على الحديث، فجاءها صوته الآمر حين قال: _اجهزي يالا، مش عايز دلع ماسخ.
قال جملته وتجاوزها إلى غرفة الملابس ليتركها خلفه غاضبة، مصدومة، وأخيرًا حزينة. ★★★★★★★★★ كان صباحًا مُغبرًا برماد الأمس، فكانت الوشوش مقتضبة، عابثة. صباح بنكهة الكبرياء الذي يأبى التراجع أو الهزيمة، بالرغم من توسلات القلوب التي يُضنيها ذلك الجفاء وهذا البُعد المرير. أنهت ارتداء ملابسها وتوجهت إلى باب الغرفة، فأوقفتها كلماته الغاضبة حين قال بحدة: _الهانم راحة على فين؟
توقفت يداها الممسكة بمقبض الباب، والتفتت تناظره بحنق، لك كي تُحاول إخفاءه وتضمنته لهجتها حين قالت: _هكون رايحة فين يعني؟ نازلة تحت. «ياسين» بسخرية: _لا والله، بالبساطة دي؟ _هو النزول تحت فيه مشكلة ولا حاجة؟ اغتاظ من حديثها وتجاهلها لما يرمي إليه، فصاح غاضبًا: _بطلي تعملي عبيطة عشان أنا على آخري منك من امبارح. صاحت باستنكار: _امباااارح! أنا نفسي أعرف بقى إيه اللي حصل امبارح؟ عودة لوقت سابق: _حلاااا.
ارتعدت لدى سماعها ذلك الصوت الغاضب الذي يجعل كل خلية في جسدها تنتفض، حين اخترق سمعها. فالتفت الجميع لرؤية ذلك النمر الغاضب الذي بدا وكأنه على وشك الفتك بفريسته، وهو يتقدم بخطٍ يحمل من الغضب ما جعل الجميع يحبس أنفاسه. وعم الصمت أرجاء المكان، إلى أن قطعه صوته الحاد حين قال موجهًا حديثه للشاب: _أنت بتعمل إيه جنبها؟ الشاب بنبرة مُهتزة جراء خوفه من نظرات ذلك المارد الغاضب: _أنا... أنا قا... قاعد... بحضر... الـ...
ـمحاضرة بتاعت... حض... ـرتك. تجاهل وجودها كليًا وصاح بعنف وصوت دوى وأخذ يتردد صداه في أرجاء المكان حولهم: _أول وآخر مرة واحد يقعد جنب واحدة في المدرج. سامعين؟ تعالت الهمهمات التي قطعها صوته الغاضب حين صاح بنبرة متوعدة: _إحنا صعايدة والمسخرة دي مش عندنا. زميلتك دي أختك. إنك تقرب أو تفكر حتى تقعد جنبها دي جريمة في حق رجولتك. اللي متقبلهوش على أختك متقبلهوش على حد. كلام واضح؟ ارعد صوته حين قال جملته الأخيرة،
فصاح الجميع: _مفهوم. التفت ناظرًا إلى الشاب المسكين، ثم قال بقسوة: _مكانك. نالت عقابها، نظرة قاتلة من عينيه حدجها بها لثوان، ثم توجه إلى مكانه. وأثناء مروره بأحد المقاعد، سمع إحدى الفتيات تقول باستفهام خافت: _هو عرف اسمها منين؟ توجه إلى مكانه وهو يقول بنبرة حادة وشابهتها نظراته وهو يحدج تلك الفتاة بتهديد مُبطن:
_أنا عارف عن كل واحد هنا كل حاجة. اسمه، عيلته، وبيعمل إيه جوه وبره المكان دا، فنبقى حلوين بقى عشان السنة دي تعدي على خير. مفهوم؟ كانت نظراته كنيران تغلي لتنصب فوق تلك الفتاة التي أومأت بذعر بمعنى مفهوم. عودة للوقت الحالي: _بقى سيادتك بتسألي كمان؟ قاعدة تهزري وتضحكي مع الزفت دا ولا فارق معاكِ حد، ومش بس كدا، دا أنتِ حتى محاولتيش تصلحي الهباب اللي عملتيه واعتذري كمان! زعلانة وواخدة جنب من امبارح!
جحظت عينيها حتى أوشكت أن تفارق محجريها من شدة ذهولها، والذي تجلى في نبرتها حين قالت: _انت بتقول إيه؟ مين دي اللي كانت قاعدة بتهزر وتضحك؟ دا أنا ملحقتش أفتح بوقي بحرف حتى! صاح بزئير أفزعها: _أنتِ كمان كنتِ عايزة تتكلمي معاه! دا أنتِ جننتِ عالآخر! توقع منها أي شيء سوى ما فعلته تلك حين اقتربت تحتوي رأسه بين ذراعيها وتمسد بحنو كفوفها أكتافه، فخنع جسده وتبخرت زوبعة غضبه الذي انطفأ تحت وطأة حنانها. ودام صمتهم لثوانٍ،
قطعه صوته الهامس حين قال: _أفهم من كدا إنكِ بتعتذري؟! لا تنفك عن مفاجئته حين قالت برقة: _لو دا هيريحك اعتبره اعتذار. ارتفع رأسه يناظرها دون أن تفلتها يداه، وقست نبرته قليلًا حين قال بجفاء: _يعني إيه مفهمتش؟ تدللت تلهو في أزرار قميصه وهي تهمس بغنج لم ينل من ثباته فحسب، بل أشعل فتيل الرغبة بقلبه: _أنا عايزاك تكون مرتاح يا سينو يا حبيبي. تجاهل ذلك اللقب الذي من شأنه الفتك بهيبته والإطاحة بها، وقال بلهجة عابثة:
_ودا من امتى العقل دا كله! طب حيث كدا بقى وعايز تريحني، ريحني! أنهى كلماته بغمزة عابثة تجاهلتها، وكما تجاهلت جملته الأخيرة، وعُلقت على جملته الأولى قائلة ببراءة كادت أن تصيبه بنوبة قلبية: _الصراحة يا سينو، أصلك صعبت عليا. الغيرة وحشة بردو. التمعت عيناه بوميض الغضب وعض على شفتيه السفلية بحنق تجلى في نبرته حين قال: _آه، خصوصًا إنك أكتر حد مجربها. ولا نسيتي عملتي إيه في البنت اللي كانت بتطلب مني أشرحلها حاجة مش فاهمها؟
قطبت جبينها دلالة على محاولتها أن تتذكر ما يتحدث عنه، وبالطبع كانت تلك تمثيلية فاشلة بالنسبة له، ولكنها أتقنتها خاصةً حين أردفت بدلال: _اااه، تقصد البنوتة اللي كانت واقفة معاك قبل المحاضرة! تؤ تؤ تؤ يا سينو يا حبيبي، أنا واثقة فيك أكتر من نفسي، غيرة إيه بس. تعاظم الحنق بداخله وغلت الدماء في عروقه من تلك الماكرة التي يود الفتك بها بين ذراعيه. ولكن مهلًا، فسيخطو على نفس نهجها، لذا قال بخشونة:
_طب إحنا كدا على الطريق الصح. أنا بردو اللي عملته امبارح، كنت هعمله مع أي بنت من البنات اللي كانوا موجودين لو كانت في مكانك. والغرض منه إني أخليه يلزم حدوده، إنما غيرة إيه وبتاع إيه؟ تعلم أنه يشاكسها ويتبع نهجها حتى يغضبها، لذا لمع الخبث في عينيها وأعادت السهم إلى راميه حين قالت بمكر: _حرام يا سينو، دا جميل أوي ودمه خفيف. حتى فكرني بمروان. لو تعرف واحشني قد إيه؟
قالت جملتها الأخيرة بحزن سرعان ما تبدد لذعر وهي ترى تبدل نظراته وألسنة اللهب التي تتراقص في عينيه. فغافلته واندفعت تُلثِم شفتيه بقبلة خاطفة، ثم هرولت تندفع إلى خارج الغرفة وهي تقول بشقاوة: _والله بحبك وأنت مجنون كدا. تجمد للحظة وهو يتابع هروبها وقبلتها وكلماتها العاشقة التي بدلت نيران غضبه إلى أخرى عاشقة راغبة حتى النخاع. فاندفع خلفها وهو يزمجر بتوعد: _بتشتغليني يا بنت الوزان. طب وحياة أمك ما هعتقك النهاردة.
ما أن أوشكت على أن تضع قدميها عند أول درجة من درجات السلم لتهرب إلى الأسفل، فتفاجئت بيدين قويتين تأسران خصرها وتجذبَانها للخلف. فأخذت تتخبط بين يديه، بينما زجرها بتوعد: _بقى بتشتغليني! طب والله لتتعاقبي يا حلا. قهقهت بين ذراعيه التي كانت تدغدغانها، ومن ثم ألصقها بالحائط لتصبح في مواجهة حائط جسده الصلب، الذي كان يود لو يجعلها جزءًا لا يتجزأ منه حتى يروي ظمأه منها الذي يتضاعف كلما اغترف من حسنها.
همس بخفوت ضد شفاهها المُغوية: _بقى بتلاعبيني! طب لازم تتعاقبي. أخذت عينيها تدور في المكان وهي تتململ بين ذراعيه غير مُرتاحة، قبل أن تقول بنبرة يشوبها القلق: _ياسين، ابعد. مينفعش كدا. حد يشوفنا. _اللي يشوف يشوف. أنا دلوقتي عندي مشكلة ولازم تحلّيها. هكذا تحدث بنبرته الشغوفة التي أذابت عظامها لتعزلها عن باقي العالم، مما جعلها تناظره بشغف خالط نبرتها حين قالت: _مشكلة إيه؟
أمام عينيها ينسى، تتبدل كل الأشياء وتندثر كل الحروف، ولا يبقى سوى قلبه العاشق لتلك الأنثى المملوءة بكل أنواع المشاعر التي تقذفها بجوفه. فينتفض قلبه ولعًا بها. غيبته عن العالم أجمع، فهمس بنبرة مُوقدة: _أنتِ حلوة كدا ليه؟ _عشان قدام عنيك. _يعني عنيا هي السبب؟ تدللت في ابتسامتها وكذلك نبرتها حين قالت: _حبك بيحلّي كل حاجة. بيخلي النار جنة والضلمة نور. جذبها لتتوسط صدره وتعانق أضلعه وهو يهمس بجانب أذنيها بنبرة
تفوح منها رائحة العشق: _بعشقك يا حلا. تمسكت بمقدمة قميصه وهي تنقش حروفها فوق جسده الظاهر بسخاء من ملابسه: _حقك عليا لو ضايقتك امبارح، مكنتش أقصد. بس أنا اتضايقت لما شفت البنت دي بتكلمك. لونت محياه ابتسامة رائعة قبل أن يفصل التحامهم لينظر إلى عينيها التي كانت تناظره بوداعة، فقال بتخابث: _اعترفنا يعني إننا كنا غِيرانين. أضرمت النيران في قلبه حين قالت بنبرة عابثة:
_لا، معترفتش ولا حاجة. أنا بس اتبعت نصيحة ماما تهاني إن الراجل عامل زي الطفل الصغير، لما تلاقيه متعصب بكلمتين حلوين تهديه. فقلت أهديك. برقت عيناه لثوانٍ قبل أن يلمع بهما بريق خطر، فما أوشك على الانقضاض عليها حتى غافلته وانسلت من بين ذراعيه. ليتلفت وهو عازم على تلقينها درسًا لن تنساه، إذا بصوت صارخ خلفهم: _انتوا بتِعملوا إيه؟
تجمد الاثنان بمكانهما، وقد كانت تتقدمه بخطوتين في اتجاه غرفتهم، وسرعان ما التفتوا إثر صوت «عمار» المُفزِع، والذي أردف بسخط: _إيه؟ انتوا بتلعبوا الغُميضة ولا إيه؟ ودا وقته؟ يالا هنتأخر على معادنا. التفت قاصدًا الدرج وهي تحاول كبح جماح ضحكاتها، حين سمع كلماته الغاضبة حين تمتم حانقًا: _الله يخربيت شكلك. بتطلع من أنهي داهية؟ ★★★★★★★★★
تجمعت القرية والقرى المجاورة لمشاهدة ذلك الموكب الكبير، والذي يضم أكثر من مائتي رجل يحملون ما لذ وطاب من المؤن والهدايا، يسيرون في صفوف منظمة، ويتقدمهم ذلك الفارس الذي كان لوحة رائعة لفرسان العصور القديمة بوسامته المفرطة وهيبته التي تحيط به كهالة تقع الأعين أسيرة لها. والتي أضفى لها رونقًا خاصًا فرس الأدهم الذي كان يمتطيه، والذي يوازي سيده هيبة وجمالًا، فكان الأمر من بعيد مشهدًا رائعًا انحبست له الأنفاس، وتلمعت العيون برؤيته.
وكذلك عينيها حين شاهدته وهو يُلبي طلبها بأحسن طريقة يمكن أن تتخيلها، ويأتي سيرًا قاطعًا كل تلك المسافة والتي تساوي خمس قرى مر بها ليصل إليها، والعالم أجمع يراه وهو يحمل مهر ابنة الوزان. _إيه التهريج دا؟ هو عمار دا اتجنن ولا إيه؟ هكذا صاح «صفوت» الذي انتفض من جلسته حين رأى هذا الموكب الضخم، ووقعت عيناه على ذلك العنيد الذي لا يمكن التخلص منه. _الحب يعمل أكتر من كدا. مين فينا مداقش الحب واتجنن!
كان هذا صوت «سهام» التي أطلعتها «نجمة» على ما حدث مع «عمار»، وقررت الوقوف بجانبهما لتخرج تلك الكلمات التي أصابت ثباته في مقتل. فالتفت يُناظرها، فلامس العتب في كلماتها التي أحيت بداخله الكثير من الذكريات الرائعة، ولكنه نفض عنه هذا الضعف وقال بجفاء: _يقوم يلم علينا الناس بالشكل دا؟ إزاي جتله الجرأة يعمل كدا؟ _أنا اللي قولتله يعمل كدا!
تفاجئ «صفوت» من حديث «سهام»، وكذلك «نجمة» التي برقت عينيها، خاصةً حين اندفع «صفوت» قائلًا بقسوة: _والله عال يا هانم. بقى بتتواصلي معاه من ورايا؟ وأنا مستغرب ليه؟ ماهي دي بقت عادتك! تتكلمي مع الرجالة من ورا جوزك. كلماته اخترقت قلبها الذي انتفض مُعلنًا عن ما ألمه من وجع تناثر من عينيها وهي تقول بلهجة مُهتزة بسبب البكاء:
_أنا متواصلتش مع حد من وراك يا صفوت. ولا أنا واحدة مش محترمة عشان أعمل كدا. أنا مقولتلوش يعمل كدا بنفسي، بس قولت لفرح، وهي اللي قالتله. كانت عبراتها كجمرات مُشتعلة تتساقط فوق قلبه الذي ارتج بداخله ألمًا على حزنها وذلك الاتهام المُروع الذي ألقاه بوجهها. ولم يكد يتحدث حتى أردفت بجمود يُنافي العبرات المنهمرة فوق وجنتيها:
_بنتك عايزاه، وهو أثبتلك وأثبت للناس كلها إنه عايزها وردلها كرامتها قدام البلد والمنيا بحالها. ياريت تفكر كويس قبل ما تاخد أي قرار. عن إذنك. أنهت كلماتها واندفعت للخارج، تليها «نجمة» التي شيّعته بنظرات مُعاتبة قبل أن تلحق بـ «سهام» التي اندفعت فوق مخدعها تبكي بحرقة. انتفض لها قلب «نجمة» التي اقتربت تحتضنها وتشاطرها الألم والبكاء وهي تقول بألم: _ليه حطيتي نفسك في الموقف دا معاه؟ كنتِ قولتيلي إن أنا اللي قولتلُه.
هبت «سهام» جالسة وهي تنهَرها قائلة: _هششش، أوعي تكرري الكلام دا مرة تانية. إحنا مش عايزينه يعند أكتر من الأول. وبعدين أنا متفقة مع فرح عشان لو سألها. متقلقيش أنتِ. شعرت بالغبطة لحديث والدتها التي ضحت بنفسها لأجل سعادتها، فاقتربت تقول بامتنان: _شكرًا أوي عشان اللي عِملتيه معايا. «سهام» بأعين تنتفض ألمًا تناثر على هيئة عبرات: _أنتِ بنتي ونور عيني، وأنا ممكن أضحي بنفسي عشان بس أشوفك سعيدة ومبسوطة.
تعانقت الأم وطفلتها بقوة، بينما كان الآخر يتشاجر مع أنفاسه وهو يقوم باستقبال عائلة «عمران»، وكان على رأسهم «عبد الحميد» بجانبه «ياسين» و«عمار»، وخلفهم «تهاني» و«حلا»، وقد أتوا بالسيارة خلف هذا الموكب. _اتفضلوا. اتفضل يا عمار. ياللي معرفش اتحدفت عليا من أنهي داهية. قال جملته الأخيرة بجانب أذن «عمار» وهو يعانقه بحنق. لم يُبالِ له الأخير، إنما قال بفظاظة: _نصيبك. بجي هتِعمل إيه؟
زفر «صفوت» حانقًا وهو يتقدمهم للداخل، بعد أن احتضن «حلا» التي عانقته بقوة، ثم قالت بجانب أذنه: _مش هتلاقي حد يحبها أكتر منه يا عمو، دا مقوم البلد على رجل عشان خاطرها بقاله يومين. ناظرها بعنف وكأن عينيه تخبرانها: _مش أنتِ كمان. جلس الجميع وتبادلوا السلامات، إلى أن قام «عبد الحميد» بطرق الموضوع الأساسي لهذه الزيارة: _ندخلوا في الچد يا صفوت بيه. إحنا چايين النهاردة عشان نطلب إيد بتك نجْمة لحفيدي عمار. جولت إيه؟
لم يكد «صفوت» يتحدث حتى أتاهم ذلك الصوت الغليظ الذي جَمَّدَهم بمكانهم: _هي دي محتاجة يا حاج عبد الحميد. طبعًا موافقين! ★★★★★★★★★ لجأ للنوم ليس لأنه متعب، ولكن هربًا من هذا الواقع المُروع الذي أُلقي به على حين غرة!
لم يكن يتحمل أن يُلقي به شقيقه الذي كان يعتبره والده في فوهة هذا البركان الذي لا يتحمل نيرانه أبدًا. والمقصود بالنيران هي نيران الذل الذي يتعرض له، بدايةً من نومه مع تلك الحيوانات البغيضة في ذلك المكان الرث، وذلك الطعام المقرف الزهيد الذي بالكاد يسد رمقه، والذي عبارة عن كسرة خبز ومياه ساخنة تُشعل جوفه المحترق حنقًا أكثر. ناهيك عن أنه منذ مدة كبيرة لم يتحمم، فأصبحت رائحته تُشبه تلك الحيوانات البغيضة التي تحاوطه، وذلك الرجل الفظ الذي لا يشعر بالراحة سوى بعد أن يتخيل أنه قام بتحطيم رأسه.
لذا اختار أن ينام معظم الوقت حتى يتسنى له التفكير في طريقة لمغادرة هذا الجحيم. فجأة، شعر بسائل ساخن ينساب فرق رأسه ورائحة مقرفة تتخلل أنفه، ثم ذلك المذاق المالح البشع الذي لامس شفتيه. فانتفض من نومته ليجد أحد الماعز قد تبول فوق رأسه!
جن جنونه للحد الذي جعله يصرخ بهستيريا وهو يمسك هذا الحيوان الذي لا حول له ولا قوة، ويُلقي به في الحائط بدفعة قوية كسرت عظامه حتى دوى صوت فرقعتهم، والتي لم تمس قلبه المظلم. وما هي إلا ثوانٍ حتى سمع صوت جريد الذي قال بلهفة: _إيش فيه؟ تجمدت الدماء بأوردته حين رأى الحيوان الضعيف يئن في إحدى الزوايا، فانتفضت أوداجه غضبًا وصاح بانفعال: _إيش سويت يا لئيم؟
أنهى كلمته، ثم انقض فوق «حازم» بلكمة قوية أطاحت به إلى آخر الغرفة، ليتلقى ضربة قوية كتلك التي تلقاها الماعز. فعلت الدماء في عروقه، ولم يكد يسيطر على ألمه حتى اقترب منه جريد وهو يقول بصراخ أفزعه: _تدري إنك حقير؟ كيف بتتجرأ تعمل كدي في المعزي؟ إيش سوتلك يا جَبّان؟ لم يستطع التحدث من فرط الألم، فأخذت ضلوعه تئن، وكذلك كرامته التي دُهست تحت أقدام ذلك الرجل الغليظ الذي اقترب يقول بصوت شنيع: _إني هعرف كيف أربيك؟
ومن النهاردة إذا مجيتش تشوف شغلك، لا في وكل ولا شي، وراح أتركك لحتى تموت وديابة الصحرا تنهش بدنك يا حقير. ★★★★★★★★★ _يا حلو صبح، يا حلو طُل. يا حلو صبح نهارنا فُل. الأ الحلو عامل إيه النهارده؟ هكذا تحدث بجانب «سما» التي كان الخجل يغمرها من نظراته العابثة وكلماته التي تُدغدغ مشاعرها بقوة. فهمست بخفوت: _حلوة الحمد لله. أخذ عينيه تدور حوله في الحديقة الخلفية قبل أن يعيد نظراته إليها وهو يقول بعبث:
_طب مانا عارف إنك حلوة وزي القمر. هو أنا وقعني على بوزي غير حلاوتك دي. همست بخجل: _مروان بس بقى. _بس بقى إيه؟ هو أنا لسه قولت حاجة؟ هكذا تحدث بجانب أذنها، فنهرته بغضب زائف: _بطل بقى، وإلا هقوم أمشي. صاح بانفعال: _تقومي تمشي إيه؟ دا أنا دافع خمسين جنيه بحالهم لمجاهد عشان يفسح أمك بعيد عننا ويخلالي الجو. شهقت بصدمة: _أنت اتجننت يا مروان؟ بتوزع ماما؟ «مروان» بحنق:
_ماهي لازقالي زي القُرادة. مش عارف أعبر عن مشاعري لما حمضت. لا بترحم ولا بتسيب رحمة ربنا تنزل. «سما» في محاولة للدفاع عن والدتها: _متقولش كدا. دي ماما طيبة والله، هي بس بتخاف علينا زيادة عن اللزوم. «مروان» بامتعاض: _متبرريش عشان مش ناولك بالقلم على وشك. أنا لسه ضهري واجعني من وقعة أول امبارح، فقصري بقى. «سما» بحزن: _مروان، أنت بتزعقلي؟ «مروان» بحدة: _أيوا بزعقلك. مش لازم أدبح القطة من أولها، أومال إيه؟
أنا راجل في بيتي يا هانم. ارتسم الحزن على ملامحها وتبلور في لهجتها حين قالت: _من أولها كدا بتزعقلي، يبقى ماما عندها حق لما حذرتني منك. شهق «مروان» بصدمة تجلت في نبرته حين قال: _نهارها أسود، هي كمان بتسوء سمعتي؟ اغتاظت من وقاحته، فهبت من مكانها تنوي المغادرة، فاندفع خلفها ليمسك بيدها ويجذبها لتصطدم بصدره الذي احتواها بضمة قوية قبل أن يهمس بجانب أذنها: _أنا أقدر على أي حاجة في الدنيا دي، إلا زعلك.
انتفض قلبها بين ضلوعها جراء كلماته، وتراجعت للخلف حتى تنظر إليه قائلة باستفهام: _بجد يا مروان؟ _بجد يا قلب وروح مروان. أنهى كلماته وهو يغوص في بحر عينيها الجميلة، قبل أن يضيف بنبرة ماكرة: _وبعدين، حتى لو زعلتك، هتلاقيني براضيكِ في نفس الدقيقة، حتى شوفي.
برهن على كلماته بالدليل القاطع حين احتوى ثغرها بقبلة شغوفة طالما تمناها، فحلق بها في السماء السابعة من فرط روعة الشعور الذي كان خُرافيًا لمشاعرها البتول، وكم أسعده ذلك بقوة. فانهى قبلته وهو يحتويها بضمة قوية توحي بمقدار عشقه لها، وقد كانت هي كالمُخدرة بين ذراعيه التي أخذت تُهدهدانها دون أن يخدش حدودها أو يتجاوز في حق براءتها. طال صمتها، فقال بخفوت: _سما. لم تجبه، فعلت نبرته حين صاح: _بت يا سما، أنتِ نمتي ولا إيه؟
«سما» بخجل: _لا، صاحية. «مروان» بعبث: _اومال إيه بقى؟ دي حتة بوسة يعني! اومال هتعملي إيه لما نتجوز؟ نهَرته «سما» التي لكزته في كتفه وهي تقول بغضب: _بطل قلة أدب بقى. «مروان» بتذمر: _لا بقولك إيه، مش كل شوية هتفهميني صح بقى. _بقولك إيه، اتلم أحسن لك، وإلا هبتدي أصدق كلام ماما عنك. «مروان» بحنق: _وأنا أقول أنا عمال أشرق كل شوية ليه؟ اتاريها مقطعة فروتي. كلام إيه إن شاء الله اللي بتقوله عني أم أربعة وأربعين دي؟
تعاظم حنقها وصرخة غاضبة: _أول وآخر مرة هسمحلك تغلط في أمي، فاهم ولا لأ؟ «مروان» بنفاذ صبر: _ما تتلمي بقى، أنا جوزك يا هانم، وبعدين فيه طار بيني وبين أمك اللي هي عمتي، وكمان أنا بفضفض من اللي شايفه على إيديها، أومال أطق وأموت. «سما» بلهجة أهدأ، فهي تعلم أفعال والدتها التي تفعل المستحيل حتى تبعدها عنه: _طب ما تحاول تكسبها، وتقرب منها. «مروان» بملل: _يا بنتي، هو أنا بلحق؟ دي أول ما بتشوفني بتهب فيا، بتبقى ناقص تهبرني.
زفرت بحنق: _اللهم طولك يا روح. يا حبيبي حاول تقرب منها وتغير فكرتها الزفت عنك. _فكرة إيه إن شاء الله؟ «سما» باندفاع: _بصراحة بقى، هي شايفة إنك تافه وإنك مش نافع في أي حاجة وإنك بق على الفاضي. شهق «مروان» بصدمة وصاح غاضبًا: _نهار أمك أسود. _دا نهارك اللي زي وشك. كان هذا صوت «همت» التي أتت على صوته العالي، فوجدته يقف على مقربة من «سما»، فجن جنونها وجنونه حين سمع صوتها، فتمتم حانقًا: _طبعًا مانا شوفتك، لازم يبقى أسود.
_اقتربت «همت» وهي تقول بحنق: _بتقول إيه يا واد انت؟ وقاعد مع بنتي ليه؟ «مروان» بامتعاض: _بقول اللهم اخزيك يا شيطان. وبعدين إيه يعني أما أقف معاها؟ هاكل منها حتة! أهي قدامك أهيه، شوفي ليكون ناقص منها صوباع ولا حاجة! زجرته «همت» قائلة: _دمك خفيف يا خويا، وبعدين دي أول وآخر مرة ألاقيك واقف معاها تاني. ضاق ذرعًا بما يحدث، فصاح غاضبًا: _لا هقف يا عمتي، ومحدش يقدر يمنعني عنها، دي مراتي! «همت» بسخرية:
_لا والله خوفتني يا ولا. زعق كمان، زعق. أنت كدا راجل لما تزعق لـ عمتك؟ «مروان» بتهكم: _جوزيني الصبح وأنا أوريكِ يا أختي أنا راجل ولا لأ؟ وبعدين بقى أنا لازم أصلح غلطتي. شهقت كلًا من «همت» و«سما» التي ناظرته بصدمة، قطعها صوت «همت» الصارخ: _بتقول إيه؟ نهارك أسود؟ غلطة إيه دي؟ أنت قربت من بنتي؟ «مروان» بتحسر: _ماهي دي أكبر غلطة غلطتها. دا أنا لو كنت اغتصبتها كان زماني مخلف منها تلت عيال. «همت» بحنق:
_تصدق أنت ملكش غير سالم اللي يربيك من أول وجديد. والله لأقولنه على قلة أدبك. التفتت تنوي التوجه إلى «سالم»، ولكنها توقفت حين وجدتِه يقترب من «سما» قائلًا بصوت خفيض: _ما تيجي أتغرغر بيكِ، خلي الولية المفترية دي تجوزنا بقى. أنا طهقت. _اصبر عشان خاطري يا مروان، وحياتي عندك. صاحت «همت» بصراخ: _تعالي يا بت أنتِ هنا، واقفة معاه ليه؟ «مروان» بنفاذ صبر: _روحي عند أمك، ربنا يأخذك أنتِ وهي. ★★★★★★★★★
تجاوزها إلى الخارج ولم يلتفت لها، مما جعل الغضب يتعاظم بداخلها، فتبعته وهي توعد له بداخلها. وقد شعر هو بذلك، خاصةً وهي تحاول ربط حزام الأمان، ففشلت جراء عصبيتها المُفرطة. فاقترب يساعدها، فإذا بها تتفاجيء بيديه التي كانت حانية على عكس نظراته القاسية، وأنفاسه الملتهبة التي حين لامست بشرتها حتى أثارت زوبعة من المشاعر بداخلها. ولكن سرعان ما تحولت لغضب عاصف حين عاد إلى مكانه مرة أخرى بمنتهى الهدوء، ثم انطلق بها إلى الطبيب
الذي طمأنهم بأن الأمور ستصبح بخير. وقد حدد لها موعدًا لإجراء المسح الذري للتأكد من أنها تخلصت من هذا المرض اللعين. وقد جعلتها كلمات الطبيب المُطمئنة تشعر بالسعادة التي تناثرت من عينيها على هيئة عبرات غزيرة تلقاها هو بشفتيه قبل أن يحتويها بين ذراعيه في عناق دافئ شغوف يعبر عن مدى سعادته التي بلغت عنان السماء بهذه الأخبار الطيبة. وقد تناسى كلاهما كل شيء للحظات اختطفوها من الزمن. ولكن كما هي العادة، الأوقات السعيدة سرعان
ما تنتهي، فقد اخترق صوت الهاتف لحظاتهم الجميلة. فراجع عنها ليُجيب، وتحمحمت هي بخفوت قبل أن تسبقه إلى السيارة، لتتفاجيء
بجفاء نبرته حين قال: _هوديكِ البيت وأرجع أنا ع الشركة. باغته حين قالت بنبرة يغلب عليها التوسل: _مش هنتكلم؟ جفاءه آلمها حين قال: _مش فاضي. ورايا حاجات مهمة. _أهم مني؟ لم يكن استفهامًا بقدر ما كان رجاء وطلب للصفح، جعل دقات قلبه تصرخ من فرط العشق الذي يود لو يُغدقها به في تلك اللحظة. ولكن جاء صوته يتنافى مع ضجيج مشاعره حين قال: _كل حاجة وليها أهميتها يا جنة. لأول مرة ينطق اسمها بتلك الطريقة، فتعاظم الألم بداخلها،
فصرخت غاضبة: _على فكرة مش بس أنت اللي زعلان، أنا كمان قلبي واجعني ومش قادرة أنسى شكلك وانت عندها. حتى لو كنت مظلوم! استنكر قائلًا: _حتى لو كنت مظلوم! أنتِ كمان لسه عندك شك إني مظلوم؟ «جنة» بغضب: _إذا كان أنت نفسك مكنتش واثق إذا كنت مظلوم ولا لا؟ دا أنت قولتي مش فاكر. كان الأمر كارثيًا بالنسبة له، إما أن يصفعها أو يصفع كبرياءه داخل أحضانها. لذا قال بقسوة: _يالا عشان أوصلك. _للدرجادي أنا مش فارقة معاك ولا أهمك؟
فاجأها حين قال بقسوة: _لا. لا فارقة معايا ولا تهميني! شهقة قوية شقت جوفها حين استمعت إلى كلماته القاسية، فهمست بلوعة: _سليم. أتتها كلماته المُعذبة كطلق ناري استقر في منتصف قلبها حين قال بمرارة: _اللي متتوصفش المواقف والأفعال، مفيش كلام في الدنيا يقدر يعبر عنه. صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بلهجة مريرة: _عشان كدا بقولك لا، مش فارقة معايا ولا تهميني! ★★★★★★★★★
_تجمع جميع أفراد العائلة حول «سالم» الذي كان سيغادر إلى مدينة الإسماعيلية لكي يباشر سير الانتخابات التي أصبحت على الأبواب. فاقترب من «أمينة» يضع قبلة قوية فوق جبهتها وأخرى فوق راحة يدها، ثم قال بحنو: _خلي بالك من نفسك يا حبيبتي. ومتنسيش تدعيلي. _ربنا يجبر بخاطرك يا ابني ويرجعك مجبور الخاطر قادر يا كريم. آمن الجميع على دعائها، ليقول «سالم» بحنو: _أحلى دعوة في الدنيا. ربنا ما يحرمني منك.
_أيوا يا عم، ناس عمالة تدعيلك مش زي الغلبان اللي ربنا مسلط عليه شياطين الأنس والجن. كان هذا صوت «مروان» الحانق، فجاءه صوت «همت» الساخر حين قالت: _وأنت الشياطين تروح فيك فين؟ دا الله يكون في عونهم. «مروان» بامتعاض: _يا ستار يارب. أنا ماشي على طريق يا عمتي. ارحمي أمي العيانة. _يارب ترحمنا هي وتبعت تاخدك. _قاعد على قلبك يا غالية، لحد ما ربنا ياخد أمانته وألواحد يعرف يعيش حياته بقى.
ضاق ذرعًا من عراكهم الذي لا ينتهي، لذا زمجر قائلًا: _اكتم يا ابني. مش ناقصين وش. يالا قوم جهز نفسك عشان نص ساعة وهنتحرك. «مروان» بامتعاض: _هجهز نفسي يعني هعمل إيه؟ هما بوكسرين وتشيرتين وشراب. قهقه الجميع على كلماته، فزجره «سالم» قائلاً: _مبقاش سالم الوزان لو مش قصيت لسانك الطويل دا. أنا قايم أعمل كام تليفون على ما تخلص. غادر «سالم» لتقول «همت» التي قالت بشجن: _تفتكروا سالم هيعمل إيه مع الزفت ناجي دا؟ أجابتها «أمينة»
بهدوء: _هو سالم عمره بيقول لحد على اللي في دماغه. التفت الجميع إلى «مروان» الذي قال بتهكم: _على رأيك يا مرات عمي الكبير، الكبير مبيقولش لحد على اللي في دماغه، بس الكبير بقاله كبير تاني بيعرف يقرره ويطلع منه بكل حاجة. كان يتحدث وعيناه تتركز على «فرح» التي اعتدلت في جلستها تشعر بالحرج من نظرات الجميع التي انصبت فوقها. فالتفت تناظر «مروان» بغضب قابله بالسخرية التي بددتها كلمات «أمينة» المتلهفة:
_صحيح يا فرح، قالك ناوي على إيه؟ «فرح» بمراوغة: _الموضوع مالوش حل جذري يا ماما، وكمان هياخد وقت. بس اطمني، إن شاء الله خير، وسالم قدها.
تباينت الأحاديث وتحولت إلى مواضيع أخرى، إلى أن جاء موعد المغادرة. فصافح «سالم» الجميع وتبادلوا السلامات، وحين جاء دورها لم يكتفِ بمجرد عناق، بل جذبها من خصرها إلى أن وصل إلى باب القصر، وقام باحتوائها في ضمة قوية وكأنه يختزن من أنفاسها ما يكفيه حتى يعود. فطال عناقهم لدقائق، قطعها حين قال بنبرة فاخت منها رائحة العشق: _خلي بالك من نفسك. مش هوصيكِ.
_متقلقش عليا، خلي بالك أنت من نفسك. وطمني عليك على طول. ومتتعصبش لما أرن عليك كل شوية أطمن عليك. ابتسم صد شفاهها التي كانت تذمها بطريقة لطيفة جعلته يود التهامها، ولكن الوقت لم يكن يسمح، لذا قال بخشونة: _كلميني في أي وقت. وحتى لو مشغول، هفضي نفسي عشانك. أصلًا معنديش أغلى منك. همست بعذوبة: _ربنا ما يحرمني منك. _ولا منك. لا إله إلا الله. همست بلوعة حاولت إخفاءها قدر الإمكان: _سيدنا محمد رسول الله.
غادر «سالم» برفقة «مروان» في وجهتهم نحو المجهول، ليمر على غيابهم يومان، وقد قضى الشوق على آخر ما تبقى لديها من ثبات. حتى تلك المكالمات الهاتفية لم تستطع أن تروي ظمأ شوقها إليه. فألتقطت أحد قمصانه تحتضنه بقوة لتتغلغل رائحته إلى أنفها، ليتعاظم الشوق بداخلها أكثر. ولكن جاء صوت الهاتف لينتشلها من بحر أشواقها، فتوجهت بخطْ متلهفة كنمر أخيرًا زفر بفريسته، لتجيب بصمت، فاخترق صوته الكريه أذنها: _الجميل تقلان عليا ليه؟
تضمنت لهجتها قدر كبير من الإشمئزاز حين قالت: _تعرف أنا اتحكالي كتير عن قذارتك، بس ولا حد قدر يوصفك صح. صمت لثوانٍ يتدارك المفاجئة، قبل أن يقهقه بصخب، اتبعه قائلًا بتسلية: _فرح هانم. مرات البوص الكبير. أكيد النهاردة يوم حظي! _عايز من أختي إيه يا حقير؟ صاح بها غاضبًا: _لسانك! وبعدين أختك دي عيلة هبلة، سهل أي حد يضحك عليها. مش ذنبي. «فرح» بحنق: _ابعد عن أختي أحسن لك. _وأن مبعدتش؟ صاحت بانفعال:
_يبقى نهايتك هتكون على إيدي. قهقه بصخب قبل أن يقول باستخفاف: _تصدقي خوفتيني. _أنا ممكن أخوفك بجد، ومتفكرش إني بهدد وبس. «ناجي» بتخابث: _عارف. بس كمان عارف إنك بتخافي على أختك. وأنا بقى ممكن أخليها متقدرش تطلع بره باب البيت تاني. وأخلي حبيب القلب يطلقها ويرميها. وقبل ما تقولي نص كلمة، هقولك ليه. فيديو حلو أوي كان حازم مصوره لأختك وهي في حضنه عشان يبتزها بيه. دا ممكن ينزل في كل مكان. إلا لو...
امتقع قلبها وشعرت بأن قدميها لم تعد قادرة على حملها، وخرجت الكلمات هامسة من بين شفتيها حين قالت: _إلا لو إيه؟ «ناجي» باستمتاع: _إلا لو جيتي تقابليني. وأوعي تفهمي كلامي غلط، أنا أقصد تقابليني في كافيه قدام الناس كلها، وأنا راجل بفهم في الأصول.
بعد مرور ساعة، كانت تستقل إحدى سيارات الأجرة وتتوجه إلى المكان الذي واعدت ذلك القذر أن تلاقيه هناك. وقد كانت الهواجس والأفكار تتقاذفها حول كونها أخطأت أو أصابت فيما تفعله، ولكن كان شيء واحد ترجح له كفتي الميزان هو مصلحة شقيقتها. دقائق، وكانت تقف وجهًا لوجه مع هذا المسخ الذي قال بسماجة: _أخيرًا شفت الحلوة اللي وقعت سالم الوزان على جدور رقبته. بس تصدقي له حق. تجاهلت كلماته المقززة ونظراته اللعوب، وقالت بقوة:
_ابعد عن جنة، وأوعى تحاول تقربلها مرة تانية. _طب اقعدي نتكلم. _مش هقعد، وهتسمع اللي بقولك عليه أحسن لك. «ناجي» بتخابث: _وأن مسمعتش؟ _يبقى أنت الجاني على روحك. «ناجي» بدناءة: _دا أنتِ اللي مش واخدة بالك إن روحك بقت في إيدي! «فرح» بذعر حاولت جاهدة إخفاءه: _تقصد إيه؟ _أقصد إن الحلوة جت برجليها. أقدر دلوقتي أحرق قلب سالم الوزان عليكي أنتِ وابنه. حاولت الثبات وهي تقول باستخفاف: _على أساس إني هخاف من كلامك دا!
نبقى متعرفنيش. أنت أقل بكتير من إنك تخوفني. واحد زيك أجبن من إنه يتواجه زي الرجالة وبيتشطر على الستات. تبلور الغضب بعينيه، فصاح بانفعال: _تعرفي إني ممكن كمان أقطع لسانك دلوقتي؟ بس مش هعمل كدا. عشان أخليكي تشوفي نهاية حبيب القلب بعينيكِ. ارتج قلبها ذعرًا، فصاحت بعنف: _اخرس، وإياك تقرب من جوزي ولا من أختي يا حقير. _يبقى أدوق من الكيكة. «فرح» بترقب: _تقصد إيه؟ «ناجي» بحقارة:
_ليلة في حضن الأمورة، والـ بيه يرجع بيته بسلام، وفيديوهات الأمورة الصغيرة تتحذف. إيه رأيك؟ صدمة قوية اجتاحتها جراء كلماته الوقحة، فلم تستطع منع نفسها حين رفعت يدها وهوت بصفعة قوية فوق خد ذلك الحقير الذي لم يصدق ما حدث. وسرعان ما اجتاح غضبه واقترب ليرد الضربة عشرة، فتفاجئ بذلك الجسد الضخم الذي وقف أمامه يعتصر يده حتى كاد يهشم عظامه، وصوته الجهوري يصيح: _إيدك لا أقطعها لك. يتبع....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!