الفصل 13 | من 40 فصل

رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
20
كلمة
11,225
وقت القراءة
57 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

شهقت بقوة شقت جوفها حين رأت ذلك الجسد الضخم الذي حال بينها و بين صفعة ذلك المُجرم الذي تفاجيء حين رأى «طارق» الذي كاد أن يطحن عظام يده بين قبضته القوية التي شابهت لهجته حين قال بعنف: _اشتهيت الموت يا ناجي ولا ايه؟ عايز تمد ايدك على مرات سالم الوزان! دا انت قلبك مات أوي. نزع يده من قبضة «طارق» المؤلمة وهو يصيح بغضب: _سيب ايدي يا حيوان انت. ايه البيه مشغلك ناضورجي للست هانم؟ هو دا آخركوا يا ولاد دولت!

قال جملته الأخيرة باستهزاء ولم يحسب حساب لذلك الغضب الجنوني الذي تملك «طارق» فقام بإمساكه من تلابيبه بعنف وهو يقول بهسيس مُرعب: _اتعاملت مع ولاد الوزان كلهم ما عدا انا. عشان كدا ليك عُذرك. و المرة دي هقرص ودنك بس عشان تعرف أن طارق الوزان غير.

لم يكد يفهم المغزى وراء حديثه حين وجده يوجه سلاحه إليه فشهقت «فرح» بذعر و لم يتسنى لها الحديث حين وجدته بلمح البصر يقوم بالتصويب على ناجي الذي اخترقت الرصاصة كتفه فصاح بألم أطاح به ليسقط على المقعد خلفه بينما قام «طارق» بالالتفات تجاه «فرح» قائًلا بلهجة مُطمئنة: _اهدي يا فرح و متخافيش. استدار يُناظر «ناجي» الذي كان ينتفض من شدة الألم ثم تابع بفظاظة:

_دا خربوش بسيط. المرة الجاية هرشقها في قلبه، و خليك فاكر انا مش بهوش مرتين. _حصل ايه يا طارق؟ كان هذا صوت «سليم» الذي كان يُهرول تجاههم فصدمه مشهد «ناجي» الذي كان ينزف بغزارة و «فرح» التي كانت ترتعد خوفًا و خاصةً حين صاح «ناجي» صارخّا: _هدفنكوا هنا يا ولاد الوزان. محدش هيخرج من هنا سليم. لم يكد يُنهي جُملته حين تفاجئ الجميع بأنهم مُحاطون بحفنة من الرجال تُقدر بعشرون رجلًا جميعهم يصوبون أسلحتهم على رؤوسهم.

اختلط الألم بالتشفي في نظراته حين شاهد الرجلان يقفان كسد منيع أمام «فرح» التي كانت تنتفض حين شاهدت ما حدث ولكن لفت انتباهها نظرات «طارق» التي بدا عليها الملل و كذلك «سليم» الذي كان الامتعاض يلون ملامحه و ليس الخوف! أصوات زناد الأسلحة اخترقت سمعها فالتفتت لتتفاجيء بأن أولئك الرجال أصبحوا مُحاطين بأكثر من خمسين رجل يصوبون أسلحتهم نحو رؤوسهم. _انا بقول نخلص عليه دلوقتي هو و شوية العيال اللي معاه دي و نريح دماغنا.

هكذا تحدث «طارق» بملل قابله «سليم» ساخرّا: _معلش يا طروق مضطرين نتحمل وجوده شويه سالم لسه عايزه شويه. صاح «ناجي» بعنف: _انتوا مفكرين انكوا كدا كسبتوا؟ لااااا. أنا معنديش مشكله اخلص عليكوا حتى لو هموت انا كمان هنا. بس هبقى حرقت قلبكوا و قلب الباشا بتاعكوا على ابنه و مراته. تبدلت ملامح الرجلان و صارت مُخيفة جعلت «ناجي» ينتفض ذعرًا وخاصةً حين زمجر «طارق» بشراسة:

_فرح هتطلع من هنا على بيتها ومحدش هيقدر يتعرضلها بأي سوء. أما بخصوص عرضك. أنا موافق. هوديك الجحيم بايدي لو كانت دي آخر حاجة هعملها في حياتي. شاطره «سليم» الرأي حين قال بقسوة: _تصدق مفيش حاجة أحلى من كدا الواحد يعملها قبل ما يموت. اختتم «سليم» حديثه و قام هو و «طارق» بسحب زناد سلاحهم بنفس اللحظة ليصوبوه نحو قلب «ناجي» الذي تملكه الذعر فلم يعُد يشعر بأي شيء فقد كان جسده يرتجف. لم تتحمل ما يحدُث فصرخت بذعر:

_سليم أنت و طارق وقفوا الجنان دا بتعملوا ايه؟ لم يكد يُجيبها أيًا منهما حتى صدح صوت رنين هاتف «سليم» الذي ما أن رآى المتصل حتى أجاب و عينيه و سلاحه مصوبان نحو «ناجي»: _عايزه حي. _حاضر. اغلق «سليم» الهاتف و قال بسخرية: _من حسن حظك أن الكبير عايزك حي. بس اوعدك نهايتك قربت. خلصوا.

قال جملته الأخيرة و التي كانت أمرًا لأولئك الرجال بإنهاء الأمور فقاموا بتقييد من رجال «ناجي» الذين تركوا أسلحتهم فهم قلة و الأمر محسوم بينما قال «طارق» بجفاء: _خد فرح معاك وانا هجيب الكلب دا. «سليم» بتحذير: _مش عايزين تهور يا طارق. سالم عايزه حي. _متقلقش. ماهي إلا دقائق حتى كادت تستقل السيارة بجانب «سليم» الذي أرسل أحد الرجال لمرافقة «ناجي» كونه لا يضمن «طارق» الذي لون الامتعاض ملامحه وهو يقول:

_هو انا عيل صغير يا سليم! كنت سبتني روحت معاه. «سليم» بسخرية: _اه عشان كنت عملتله عاهه. ولا شوهت ملامحه. زفر «طارق» حانقًا فتحمحمت «فرح» التي كان الذعر يأكلها من الداخل منذ أن سمعت صوته القاسي وهو يتحدث مع «سليم» على الهاتف فلم تعُد تتحمل الصمت أكثر لذا قالت بخفوت: _انتوا عرفتوا مكاني منين؟ فست نظرات «سليم» المُطلة عليها من المرآة الأمامية في السيارة و كذلك لهجته حين قال: _سالم اللي قالي!

برقت عينيها حتى كادت أن تخرج من محجريها من شدة الصدمة فلم تلتفت لاستفهام «طارق» الحانق حين قال: _معرفش عقلك كان فين و أنتِ جايه تقابلي البني آدم دا؟ عنفه «سليم» قائًلا بحسم: _طارق. ملناش فيه. سالم قال محدش يتكلم في حاجة. هالكة لا محالة. فقد ألقت نفسها في فوهة الجحيم الذي لا طاقة لها بتحمله!

أخيرًا وصلا إلى المنزل فترجلت من السيارة بأقدام هُلاميه لا تقو على حملها و لأول مرة تحمد ربنا حين لم تجد سيارته أمام المنزل فتقدمت إلى الداخل فإذا بها تتفاجيء بكل تلك الأزواج من العيون التي تحدق بها بغضب و خيبة أمل فلم تستطِع مواجهة أسهم نظراتهم و لجأت إلى الهرب الذي يكُن أبدًا من شيمها ولكن ماذا عساها أن تفعل في مثل هذا المأزق فكل خليه بها ترتجف.

أغلقت باب غرفتها و استندت عليه بثقلها تستجدي شجاعتها التي هربت كما دماءها حين سمعت طرق قوي على باب غرفتها فانتفضت رعبًا وهي تضع يدها فوق قلبها الذي آلمها و خرج صوتها مُتحشرجًا حين قالت: _مين؟ _انا جنة يا فرح.

كانت كالقشة التي من شأنها أن تُنقذ الغريق وهي بالفعل كانت تغرق ولا تعلم كيف السبيل الى النجاة لذا سرعان ما فتحت الباب لتدخل «جنة» و ترتمي بين ذراعيها «فرح» تحتضنها بكل ما أوتيت من قوة و لأول مرة تتخلى عن شجاعتها أمام شقيقتها بتلك الطريقة فأخذت «جنة» تربت بحنو على كتفها وهي تقول بأسف: _حقك عليا يا فرح أنا السبب. أنا أسفة. كلماتها انتشلت «فرح» من بئر الأسى الذي كانت غارقه به فرفعت رأسها و هي تشحذ قواها لكي تخرج

كلماتها ثابته حين قالت: _أسفة على ايه؟ أنتِ ملكيش ذنب في حاجة. اوعى تحملي نفسك غلط مش بتاعك. «جنة» بقهر تناثر من عينيها أولًا: _لا يا فرح دا ذنبي. انا اللي عملت كدا. أنا اللي من الأول غلطت. و جريتك معايا لكل العك دا. ياريتني اموت و ارتاح و اريحك أنتِ اتعذبتي معايا كتير اوي.. انتفض قلبها ألمًا إثر حديث شقيقتها فنهرتها قائلة: _بطلي هبل و اوعي تقولي الكلام دا تاني. الموضوع اكبر منك. المهم قوليلي انتوا عرفتوا منين؟ «جنة»

بحزن: _كنا قاعدين في الليفنج اتفاجئنا بشيرين بتصرخ و تقول لطارق الحق فرح راحت تقابل بابا و طلع طارق يجري. زفرت بقوة و أحنت رأسها تفرك عينيها بتعب فاقتربت «جنة» تقول بشفاة مُرتجفة و ملامح يلونها القهر: _فرح. سليم كان هناك صح؟ رفعت رأسها تطالعها بحنان يُنافي ضجيج قلبها ثم اقتربت تحوي وجهها بين يديها وهي تقول بحنو: _اطمني. محدش عرف حاجة ولو على موتي محدش هيعرف. و بإذن الله هلاقيلها حل. متشغليش بالك أنتِ.

تدافعت العبرات بغزارة من مقلتيها وهي تقول بجسد يرتجف و قلب ينبض بجنون: _طب و سالم هتقوليله ايه؟ تجاهلت آلامها العظيمة و خوفها الكبير و قالت بقوة: _متقلقيش يا جنة. محدش هيعرف حاجة ولا حتى سالم. اندفعت تحتضن «فرح» بقوة وهي ترتجف داخل أحضان شقيقتها التي هالها ما تفوهت به «جنة» حين قالت بقهر: _انا همشي من هنا يا فرح. هتطلق من سليم اهون عليا أنه يعرف اي حاجة. تراجعت «فرح» تناظرها بصدمه تجلت في نبرتها حين قالت:

_بتقولي ايه يا جنة؟ ايه الجنان دا؟ سليم بيحبك و أنتِ بتحبيه. صاحت «جنة» بانفعال: _هيكرهني. هيكرهني يا فرح لو عرف ولا شاف حاجة من اللي الكلب دا عملها. مش هتحمل اشوف نظرة كره في عينيه أبدًا. شددت «فرح» من احتواء «جنة» وهي تقول بنبرة قاطعه: _قولتلك خليكِ واثقة فيا. هحل كل حاجة من غير ما أي حد يعرف. متفكريش أنتِ في أي حاجة. ممكن؟

قالت جملتها الأخيرة بنبرة أرق ولكن سرعان ما تجمدت الفتاتين حين سمعتا طرق على باب الغرفة انتفض له قلب «فرح» التي كانت كمجرم ينتظر تنفيذ حكم الإعدام به: _مين؟ قالتها «فرح» بنبرة حاولت أن تكون ثابته فجاءها صوت «أمينة» من خلف الباب: _أنا يا فرح. شهقت «جنة» بذعر فنهرتها «فرح» بخفوت: _اسكتِ خالص اول ما تدخل اخرجي على اوضتك و متقلقيش من حاجة.

اومأت «جنة» بلهفة و توجهت «فرح» لتفتح باب الغرفة فإذا بها تصطدم بعيني «أمينة» التي يتطاير منها الشرر فالتفتت تناظر «جنة» و بإيماءة بسيطة من رأسها توجهت «جنة» إلى الخارج لتقوم «أمينة» بالدخول الي الغرفة و إغلاق الباب خلفها وهي تقول بصوت غاضب: _حالًا دلوقتي تقوليلي روحتي تقابلي الكلب دا ليه؟

لجأت للصمت في مواجهة «أمينة» فهي لم تكن تدري بماذا تُخبرها ولا كيف تُخبرها فقط نظرات مُغلفة بالحزن الذي أوقد نيران الألم بقلب «أمينة» فصاحت بانفعال: _أنا لولا عارفاكِ و عارفه انك عمرك ما تعملي حركة غبية زي دي غير لو كان عندك سبب و سبب مقنع كمان كان زماني مخلصة عليكِ. لا تعتد على الانحناء ولا التوسل ولكن في تلك اللحظة عاندتها عينيها التي تقاذف منهم الدمع كالأنهار و كذلك شفتيها التي انسابت الكلمات منها دون أن

تملك القدرة على إيقافها: _قولتيلي قبل كدا اني زي بنتك، و انك هتكوني دايمًا جنبي و في ضهري. و اني كمان اكتر حد بتثقي فيه صح؟ رق قلب «أمينة» لحديثها و كذلك عبراتها التي لم تتوقعها لذلك قالت بلهجة مُعاتبة: _ايوا قلت، بس ياترى أنتِ كنتِ قد ثقتي فيكِ يا فرح؟ «فرح» بقهر لون ملامحها و عبراتها و كلماتها حين قالت: _أنا عمري ما خنت ثقة حد فيا، و إلا مكنش زماني واقفه في الموقف دا دلوقتي. زفرت «أمينة» بتعب

و قالت بعتب أطل من عينيها: _صارحيني يا فرح. روحتي للكلب دا ليه؟ للحظة شعرت بقواها تخور و أوشكت أن تضعف و تلقي ما بجوفها دفعة واحدة ولكنها تذكرت شقيقتها و انهيارها ذلك اليوم. عودة لوقت سابق اندفعت إلى غرفة شقيقتها التي تجمدت بأرضها حين رأت معالم «فرح» التي باغتتها قائلة بغضب: _أنتِ بتكلمي الكلب دا من امتى؟ تراجعت «جنة» بذعر تجلى في نبرتها حين قالت: _في ايه يا فرح؟ و كلب مين اللي بكلمه؟

_جنة. من غير لف ولا دوران. سؤالي واضح و أنتِ عارفه انا قصدي ايه؟ لم تحسب حساب لانهيار «جنة» الى هذا الحد فقد خارت قواها و سقطت تفترش الأرضيه بعبراتها وهي تقول من بين انهيارها: _انا بموت يا فرح. بموت كل يوم من الخوف و العذاب اللي انا عايشه فيه. انتفضت «فرح» و هرولت تحتضن شقيقتها وهي تقول بلهفة: _في ايه يا جنة؟ حصل ايه لكل دا؟ «جنة» بقهر:

_بيهددني يا فرح. بيهددني بفيديو حازم صورهولي يوم ما اغتصبني. انا مغلطتش يا فرح. والله ما فرطت في نفسي. عشان اتعذب العذاب دا كله. انا حافظت على نفسي والله. مكنتش اعرف انه هيطلع حقير بالشكل دا. احتضنتها «جنة» بقوة فقد تساقطت كلماتها فوق رأسها كالحجارة و تناثرت أشواك حديثها بقلبها الذي كانت ينتفض حزنًا و غضبًا تجلى في نبرتها حين قالت: _وليه مقولتليش أن الكلب دا بيهددك؟ ليه مقولتيش لسليم… قاطعتها «جنة» بصراخ افزعها:

_لااااا. سليم لااااا. ابوس ايدك اوعي سليم يعرف. اوعي يا فرح. سليم. لا. لا. لا. كانت تتحدث و كأن مسًا من الجنون طالها فارتعبت «فرح» من مظهرها وقالت بحنو: _خلاص يا حبيبتي اهدي. مش عايزاه يعرف مش هيعرف. تحول جنونها إلى قهر تساقط من بين حروفها حين قالت: _يعرف ايه يا فرح؟ سليم بيغير عليا من الهوا الطاير. تخيلي يشوفني وانا في حضن اخوه! اخترقت الكلمة قلبها بقوة و قد شعرت بمدى معاناة شقيقتها التي تابعت بحزن أدمى قلبها:

_عمره ما هيبص في وشي تاني. حتى لو عارف ان انا مظلومة. عمره ما هينسى حاجة زي دي أبدًا ولا هتتمحي من خياله. سليم ميستحقش مني كدا. ولا انا استحق اتعاقب العقاب دا. بأول مرة لا تسعفها الكلمات للرد على شقيقتها التي كان العذاب يكاد يفتك بها وهي عاجزة كليًا عن مواساتها.

_خليني امشي انا و ابني، وكفايه بقى. أنا مبقتش قادرة اتحمل تهديداته ولا اتحمل اشوف سليم قدامي من غير ما اترمي في حضنه. ولا قادرة اتخيل أن الكلب دا عايش وانا بمووووت. كلمات «جنة» أيقظت وحوش غضب «فرح» التي قامت بإدارتها وهي تناظرها بغضب تجلى في نبرتها حين قالت: _إياكِ اسمعك بتقولي الكلام دا. مفيش حد هيمشي و كل واحد غلط هيتعاقب و كفاية تدفعي تمن غلط مش بتاعك. أنا هتصرف مع الكلب دا و هخلي سالم يربيه وووقاطعتها «جنة»

صارخه: _لا سالم لا. اوعي سالم يعرف يافرح. «فرح» باستفهام: _طب وسالم ميعرفش ليه؟ احنت رأسها وهي تقول بخزي: _مش عايزة حد من البيت كله يعرف يا فرح. تخيلي يبقى ليا فيديو وحش مع ابنهم. مش هقدر ارفع عيني في عينهم أبدًا يا فرح. تناثر الألم من عينيها وهي تشعر بعمق جراح شقيقتها و تشفق عليها من كل هذا الألم لذا احتضنتها بقوة تجلت في نبرتها حين قالت: _خلاص يا حبيبتي اللي يريحك. رفعت «جنة» رأسها وهي تقول بلهفة: _اوعديني يا فرح.

وضعتها كلمات «جنة» أسفل مطرقة الإختيار لا تقدر على خُذلان شقيقتها ولا خُذلان حبيبها ولكنها في النهاية رضخت لهذا الألم و القهر الذي يتساقط من عيني شقيقتها و قالت بحسم: _أوعدك يا جنة محدش هيعرف حاجة خالص.. عودة للوقت الحالي كاد رأسها ان ينفجر من فرط الضغط الذي أصبحت فريسة لأنيابه تنهشها بشراسه غير عابئة بصراخها الداخلي كل ما استطاعت قوله في تلك اللحظة:

_للأسف مينفعش اقولك. ولا ينفع أقول لحد. لو كنتِ بتعتبريني زي بنتك صحيح. اقفي جنبي و متضغطيش عليا اكتر من كدا. كان مظهرها مُذريًا على عكس «فرح» القوية التي لطالما كانت تقف شامخة مرفوعة الرأس لذا رق قلب «أمينة» كثيرًا وقالت بحزن: _للأسف الموضوع أكبر مني و منك يا فرح. سالم زمانه على وصول…

قاطعها انهيار «فرح» و سقوطها على المقعد خلفها وهي تضع رأسها بين كفوفها تبكي بقهر و أسى لم يتحمله قلب «أمينة» التي توجهت إلى حيث تجلس و قامت باحتضانها بقوة و شاركتها البكاء بصمت إلى أن ضاقت ذرعًا بأفكارها التي كانت تطن برأسها كالذُباب: _يا بنتي ريحي قلبي و قوليلي في ايه؟ حصل ايه لكل دا؟ «فرح» بأسى: _ياريت كان ينفع احكي كنت عالأقل هرتاح. زفرت «أمينة» بحنق و قالت بنفاذ صبر: _طب هسألك و جاوبيني. الموضوع يخص جنة.

رفعت «فرح» رأسها باندفاع فصاحت «أمينة» بصدمة: _الكلب دا ضايقها. «فرح» باختصار: _حاجة زي كدا. بصي يا ماما الزفت دا بيهدد جنة و دا اللي خلاني اروح أقابله عشان هي خايفه أي حد يعرف اي حاجة و بالأخص سليم.. شهقت «أمينة» بصدمة اتبعتها بسيل من السُباب في هذا الملعون ثم التفتت الى «فرح» قائلة بحزن: _بيهددها بحاجة تخص حازم؟ اومأت «فرح» قبل أن تقرر الإفصاح عن ما يجيش يصدرها من لوعه:

_حازم صور جنة لما اغتصبها و ناجي وقع في أيده الفيديو و بيهدد جنة أنه يوريه لسليم! شهقة قوية خرجت من جوفها إثر هذه القنبلة المُدوية التي ألقتها «فرح» على مسامعها و التي انفجرت بقلبها مُحدِثة آلام عظيمة جعلت العبرات تتقاذف من مقلتيها وهي تقول بجزع: _ربنا ينتقم منك يا ناجي يا حقير. و ينتقم منك يا حازم يا ابن بطني. أنا عملت في دنيتي ايه يا ربي عشان اجيب عيل بالشكل دا؟ _اهدي يا ماما أمينة أرجوكِ.

«أمينة» بلهجة تتصور وجعًا: _اهدى ايه يا فرح؟ واحد ضاع مني واحتسبته عند ربنا و قولت ربنا كفيل بيه. يقوم الكلب دا عايز يضيع مني سليم كمان. عايز الأخ يقتل اخوه و العيلة تضيع و تتفرق، و بيستخدم حتة العيلة الغلبانه دي في مخططاته القذرة. حسبي الله ونعم الوكيل. فوضت أمري ليك يارب. قطع وصله عويلها صوت عجلات سيارة تكاد تأكل الطريق أسفلها مُصدرة أصوات مُرعبه انتفض لها جسد كُلًا من «أمينة» و «فرح» التي هبت من مكانها ترتجف

فقد حانت اللحظة الحاسمة: _فرح اوعي تقولي لسالم أي حاجة، وانا هحاول اتصرف. هكذا تحدثت «أمينة» على عُجالة وهي تتوجه إلى باب الغرفة بخطٍ مُتعسرة لمقابلة ذلك الأعصار الذي سيُطيح بهم جميعًا. كان الشرر يتطاير من عينيه يوازي ذلك الألم الذي نشب مخالبه في قلبه حتى كاد أن يُدميه. لم يستطِع نسيان تلك اللحظة التي هاتفه بها ذلك الحارس الذي كلفه بحمايتها وهو يخبره بأنها تتوجه إلى مكان به ذلك الرجل الذي كان يراقبه هو أيضًا.

كاد الخوف أن يُطيح بعقله وهو يتخيل أن يؤذيها ذلك الحقير بينما الأفكار تتقاذفه للحد الذي جعله قاب قوسين أو أدنى من الجنون فترك كل شيء و توجه إلى القاهرة رأسًا و معه «مروان» الذي لا يعلم كم مرة نطق بها الشهادة وهو بجانبه في السيارة من فرط سرعته. يُريد أن يأكل الطريق حتى يصل إليها. لا يعلم ماذا سيفعل بها و اي عذر قد يثنيه عن إزهاق روحها عقابًا على ذلك الجُرم الذي فعلته بحقه و حق نفسها.

ترجل من سيارته وهو يتوجه إلى باب القصر و خلفه «مروان» الذي أخذ ينادي عليه ولكن لا رد لأول مرة يراه غاضب إلى تلك الدرجة حتى أنه شعر بالخوف عليها من بطشه. دفع الباب بعنف فكان أول من قابله «سليم» الذي قال مُحاولّا تهدئته: _سالم اهدى. مينفعش حالتك دي. صاح بفظاظة: _اوعى من وشي. تدخل «طارق» هو الآخر قائلًا: _سليم عنده حق يا سالم. مينفعش الأمور تتحل بالطريقة دي.

دفع «طارق» من أمامه بعنف غير مسبوق من جهته وهو يندفع كالنيران الغاشمة التي تأكل الأخضر و اليابس في طريقها. أكل درجات السلم في عدة خطوات وهو لا ينوي خيرًا و فجأة أتاه صوت «أمينة» المتألم: _الحقني يا سالم. التفت ليجد «أمينة» تستند بوهن على باب غرفتها فهرول إليها قائلًا بلهفة: _مالك يا أمي؟ _اسندني يا سالم دخلني أوضتي مش قادرة اقف. أطاعها على الفور و اسندها إلى الداخل ليجلسها على السرير فإذا بها تقبض

بقوة على يده قائلة بوهن: _اقعد جنبي يا سالم. لازم نتكلم قبل ما تعمل حاجه تندم عليها. تمكن الغضب منه للحد الذي جعله ولاول مرة يصيح بوجه والدته: _مفيش كلام في اي حاجة ياحاجه. _لا في. ولازم تسمعني. هكذا عاندته بلهجة قويه فأخذ يطحن أسنانه من فرط الغضب الذي جعل الخوف يتشعب إلى أوردتها لذا اندفعت قائلة: _هتعمل ايه يا سالم؟ هتضربها؟ هتقتلها؟ عايز تعمل ايه؟ صاح بعنف: _هكسر دماغها. _و هتستفاد ايه لما تعمل كدا؟

هتعيش بحسرتها العمر كله. و هتبقى عملت لناجي اللي هو عايزه. جن جنونه من حديث والدته الذي مر بقلبه أولًا فأوقد به نيران الألم الذي تجلى في نبرته حين صاح: _أنتِ بتدافعي عنها؟ ولا عايزة توصلي لأيه بالظبط؟ _لا دا ولا دا. أنا بفوقك. بمنعك من الغلط اللي هيوقعك فيه غضبك. هكذا تحدثت «أمينة» بهدوء أصابه بالجنون فزمجر بعنف: _غلط. و عملتها السودا دي مش غلط؟

متخيلة احساسي كان ايه لما الحارس يقولي أنها رايحه مكان الكلب دا فيه. ولا لما اتفاجيء بيه محاوط المكان برجالته وهي هناك لوحدها. افرضي طارق مكنش راح وراها. افرضي سليم مكنش لحقهم كان حصل ايه؟ قال جملته الأخيرة بصراخ افزعها وقد أيقنت بأن الأمور خرجت عن السيطرة لذا قالت قوة: _عارفة و متخيلة و عشت الموقف دا بحذافيره قبل كدا. صدمة قوية اجتاحته من حديث والدته فقال مستنكرّا: _موقف ايه اللي عشتيه؟

اخفضت رأسها وهي تسترجع خيط الذكريات التي دفنتها بإحدى زوايا قلبها ثم بدأت بالحديث بشجن: _طول عمر ناجي أساليبه مُلتوية. طول عمره بيتفنن في حرب الأعصاب دي. كلمني و كان أبوك مسافر هو و جدك و هددني بيك وان الطريقة الوحيدة أنه ياخد انتقامه مننا أنه يخلص عليك. عشان عارف انك اغلى حاجه عند ابوك و جدك. طبعًا زيي زي أي أم اتجننت وهو استغل دا و طلب يقابلني و من يأسي و خوفي روحت. تبلور الذهول في نظراته حين استمع إلى حديث

والدته التي تابعت بشجن: _المثير للاستفزاز أنه قعد يتكلم و يهزر و كأننا أصحاب. كنت متفاجئة باللي بيعمله بس اتضح أنه كان مأجر حد يصورنا عشان يوري الصور لأبوك، و حصل. كلم ابوك و قاله اصعب كلمة ممكن راجل يسمعها في حياته. استفهام صامت أطل من عينيه بينما خالط الترقب ملامحه فتابعت بأسى: _قاله انا أقدر اوصل لبيتك في أي وقت. و بعتله صورتي معاه. تضاعفت نيران غضبه من ذلك المسخ ولكنه تجاهل كل شيء و قال باستفهام: _و بابا عمل ايه؟

رفعت رأسها تطالعه بنظرات حزينة مُتألمة وهي تُجيبه بمرارة: _كان هيموتني فعلًا. كانت أول مرة يضربني. قعد يضربني لحد ما كنت هموت في أيده لولا جدك و عمتك لحقوني منه، وخدني جدك المزرعة معاه اسماعيليه بعد ما حكتله انا روحتله ليه، و قعدت هناك خمس شهور جدك منعه أنه يشوفني او حتى يقربلي. عمل المستحيل عشان اسامحه و مكنتش قادرة لحد ما ادخل ابويا و صالحنا على بعض. بس منستش اللي عمله فيا ولا هنساه. اندفع غاضبًا: _وليه عملتي كدا؟

الغلط كان عندك من الأول. «أمينة» بحزن: _عشان خوفت. مكنش عندي اغلى منكوا ولا منه. الخوف مخلانيش افكر. انا كنت بحب ابوك اوي يا سالم. كان حب عمري والست لما بتحب مستعدة تضحي بنفسها عشان تفدي اللي بتحبه وانا مكنتش قادرة اتخيل أنه يأذيك أو يأذيه. اومال ليه احنا ناقصات عقل و دين. مشاعرنا بتتحكم فينا يا ابني و عاطفتنا بتغلبنا، و فرح ست و بتحب. بتحبك اكتر من اي حاجة في الدنيا. التمع وميض خطر في في عينيه و زمجر بعنف:

_تقصدي أن الكلب دا هددها؟ حاولت شحذ قوتها قدر الإمكان وهي تقول بثبات: _مقولتش كدا. بس اديتك موقف مشابه انا عملته و رد فعل أبوك وقف بينا طول العمر. بلاش تعمل حاجه تندم عليها. اسمعلها، وافهمها. دي فرح يا سالم. لم يستطِع الثبات أكثر و كأن حروف اسمها أسهم مُدببة تنغرز بقلبه فتندفع دماء القهر في شرايينه وهو من اعتاد على الشموخ طوال حياتها.

اقتحم الغرفة بأعين احترقت من فرط الغضب فبدت مُريعة و شابهتها معالمه فهبت من مجلسها وهي تناظره بذعر أضرم الرجفة في سائر جسدها فكان مظهرها مُذريًا ولكن غضبه كان يطمس كل شيء أمامه في تلك اللحظة فأخذ يتقدم منها بخطٍ وئيده ضاعفت خوفها فأخذت تتراجع للخلف فجاءها صوته القاسي حين قال: _مكانك.

كلمته جمدتها بمكانها وهو يتقدم منها بملامح مُكفهرة و عينين مظلمتين و عروق نافرة كل هذة الأشياء كانت توحي بمقدار الغضب الهائل الذي يعتريه في تلك اللحظة والتي من الممكن أن تصبح فريسته و خاصةً حين شاهدت يديه التي كان يقبض عليها بشدة و كأنه يمنعها من الوصول إلى عنقها. جاءها صوته الفظ القاسي ليُكمل تلك اللوحة المُرعبة التي تقف أمامها: _حالًا عايز تفسير للي حصل.

كان يفصل بينهم عدة خطوات و كأنه أراد أن تكون على بعد كافيًا منه حتى لا تطالها يده وبالرغم من ذلك لازالت ترتجف خوفًا غير قادرة على إخراج الكلمات من فمها فطال صمتها بينما عينيها تتوسل إليه أن يرفق بها ولكنه تجاهل رجاءها و زمجر بشراسه: _سمعتيني قولت ايه؟ عملتي كدا ليه يا فرح؟

انتفض جسدها لتتراجع خطوتين إلى الخلف و تعالت شهقات البكاء التي مزقت جوفها و ضاعفت غضبه فأخذ يمسح على وجهه بعنف بينما كانت أنفاسها تتعثر بداخل صدرها حد الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت: _سا. سالم متخوفنيش. منك. «سالم» بقسوة: _حلو. يبقى تقولي عملتي كدا ليه؟ كان مغايرًا لذلك الرجل الحنون الذي يغدق عليها العشق أطنان و يسقيها من حنانه حتى تثمل، فإذا به يتحول لوحش كاسر ترتعب من الاقتراب منه:

_اكيد في سبب يخليكِ تستغفليني و تنزلي من بيتك تقابلي عدوي، اكيد في سبب و سبب مُقنع كمان صح يا فرح؟ كان حديثه كالجمرات تتساقط فوق قلبها الذي ضاق ذرعًا من فرط الألم فاقتربت منه رغمًا عنها وهي تقول بانفعال: _سالم متصعبش الأمور اكتر من كدا… قاطعتها كلماته الحادة كنصل السكين: _متقربيش. خليكِ بعيد. مش عايز ايدي تطولك. أنا مش ضامن نفسي في اللحظة دي.

تجمدت بمكانها من فرط الصدمة و قد أيقنت في تلك اللحظة أن الأمور خرجت عن السيطرة فصاحت بكل ما يعتمل بداخلها من قهر: _خلاص يا سالم أنا تعبت. ايوا روحت قابلته. و عندي سبب و سبب قوي كمان بس… «سالم» بجفاء: _بس أيه؟ اخفضت رأسها لا تقوى على الحديث أمام عينيه التي بالرغم من تلك القوة الغاشمة التي تخيفها منه إلا أنها كانت تعاتبها بألم لا تستطيع تحمله لذا قالت بخفوت: _بس مش هقدر اقولك عليه. رن الصمت حولهم لثوان

قطعه صوته القاسي حين قال: _يبقى متلزمنيش. كانت ملامحه جامدة على عكس النيران التي تنهب قلبه من الداخل كما ينهب هو الخطوات للمغادرة. مغادرة هذا المكان المُعباء برائحة الخُذلان الذي أدمى روحه ولكن و بالرغم من تلك الآلام العظيمة و الجراح الهائلة لم يستطِع إلا أن يبقى شامخًا يُحارب جيوش وجعه و رغبة حمقاء تُلِح عليه بالبكاء ولكنه حتمًا لن ينصاع لها حتى و إن قتلته جراحه فليمُت وهو مرفوع الرأس. ما أن رأته «جنة» حتى

هرولت إليه وهي تقول بلهفة: _فرح كويسه؟ عملت فيها ايه؟ تجاهلها هي و حديثها و تابع خطواته الهادئة كما اعتاد و توجه إلى هذا الجمع الذي ينتظره بلهفة و أستفهامات مُلحة أعلنت عنها العيون ولم تُفصِح عنها الألسن. فاجئ الجميع حين تحدث بنبرة جامدة تُنافي احتراق بُنيتيه: _فاضل عشر أيام على الانتخابات، والفترة دي مُهمة اوي ولازم اكون مركز، فمش هسمح بأي تجاوز من أي حد.

طافت عينيه في أوجه الموجودين قبل أن تستقر على كُلًا من «طارق» و«سليم» ثم قال بلهجة آمرة: _البيت أمانه في ايديكوا مش هحتاجكوا غير يوم الانتخابات. غير كدا انتوا مكاني هنا. أنا و مروان هنرجع اسماعيليه تاني. قست نبرته حين قال بصوت جهوري: _اللي هيخرج من البيت دا من غير ما يستأذن يعمل حسابه أنه مش هيرجعله تاني، و معنديش استثناءات.

انهى كلماته و توجه إلى غرفة المكتب صافقًا الباب خلفه فيما هرولت «جنة» الى غرفة شقيقتها فوجدتها تتسطح على السرير جامدة بلا حراك فصاحت بلهفة: _فرح. حاولت جاهدة إخراج صوتها الذي بدأ واهنًا حين قالت: _سبيني لوحدي يا جنة. «جنة» بألم: _بس يا فرح. _لو بتحبيني سبيني لوحدي.

لم تستطِع أن تُجادلها فقط تراجعت للخلف منكثة رأسها بحزن لتهرول الي غرفتها وقد أعمتها العبرات التي كانت تغلف عينيها فلم تلاحظ ذلك الذي كان يبحث عنها بالغرفة وحين التفت تفاجئ بها تندفع إلى الداخل حتى لتصطدم بالمقعد و كادت أن تسقط على الأرض لولا يديه التي التقطتها لمنعها من السقوط: _«جنة».. هكذا صاح بخوف سرعان ما تحول الى صدمة وهو يرى ملامحها الباكية و عينيها التي تخلل ليلها الأسود الحالك خيوطًا حمراء تروي مدى العبرات

التي ذرفتها فصاح بلهفة: _مالك يا جنة؟ حصل ايه؟ كان النجاة من بحر العذاب التي أُلقيت به فهمست بنبرة مُعذبة: _سليم.. لم تعطيه الفرصة للحديث بل اندفعت داخل احضانة بقوة صدمته في البداية ولكنه فطن إلى مدى احتياجها له فشدد من احتوائها حتى آنت عظامها تحت سطوة عناقه فأخذت تمرغ رأسها بصدره تشتم رائحته التي كانت ترسخ جذور الأمان بداخلها فجاءتها نبرته المُعذبة حين قال:

_يعني تكوني بتحبيني بالشكل دا وأنا بعشق التراب اللي بتمشي عليه و نعذب بعض كدا؟

لم تُجيبه بل لم ترفع رأسها لتواجهه فقط عبرات و عبرات و عبرات و كأن تلك هي اللغة الوحيدة التي تُعبر عما يجول بداخلها فقام بالانحناء و وضع يده أسفل ساقيها و الأخرى خاف ظهرها و حملها كالعروس ثم توجه بها إلى مخدعهم ليجلس وهي بين طيات صدره يحتويها و يهدهدها كطفل صغير إلى أن هدأت وتيرة بكائها فقام بوضع قبلة دافئة فوق رأسها وهو يناظرها بحُب لو رأته لتركت العالم أجمع و سكنت بين ذراعيه للأبد. ★★★★★★★★

أنهى ياسين المُحاضرة ثم شرع في لملمة أشياؤه فإذا بأحد الفتيات تتقدم إلية قائلة باحترام: _دكتور ياسين. التفت ياسين للفتاة وهو يُجيبها بوقار: _نعم يا أروى. خير في حاجه. تحدثت الفتاة بخجل: _بعد اذن حضرتك كنا عاملين حفلة عشان الطلبة الجديدة اللي انضمت للدفعة و كنا عايزين من حضرتك تحضرها. رفع أحد حاجبيه قبل أن يقول بجفاء: _حفلة ايه دي اللي بمناسبة انضمام الطلبة الجديدة؟ الفتاة بتوضيح: _بنحتفل بيهم. قاطعها «ياسين» بسخرية:

_بتحتفلي بيهم؟ على أساس أن هما عملوا إنجاز أنهم انضموا لجامعتنا يعني؟ خجلت الفتاة كثيرًا من سخريته فتابع بلهجة متزنه: _بصراحة يا أروى الموضوع بالنسبالي مش مُقنع بس انا بردو مقدرش ازعلك قوليلي معاد الحفلة دي امتى؟ ابتهج وجهها حين سمعت كلماته و صاحت قائلة بحبور: _يوم الخميس الساعه اتنين الضهر. في (..) _تمام. أن شاء الله هحاول آجي.

بشق الأنفس استطاعت تجاوزهم و الخروج إلى خارج القاعة و قد كان داخلها يتمنى لو يعرف فيما يتحدث مع تلك الفتاة التي كانت تضحك و كأنه اخبرها بأحد النكات فزفرت بحنق وهي تقف مع صديقاتها خارج القاعة فالتقمته عينيها وهو يخرج من الباب بطلته الخاطفة للأنفاس و التي تجعلها تشعر بالفخر كونها زوجته فإذا به يُرسل إليها غمزة عابثة أضرمت الخجل في خديها فالتفتت تنظر أمامها و قد تبخرت غيرتها و تأججت نيران الشوق بداخل قلبها فلم تلحظ ما يتحدث به الفتيات حولها و قد تضاعف شعورها بالشوق المُضني له حين أتتها رسالة نصية على هاتفها جعلت قلبها يرتج

بين ضلوعها حين قرأتها: " وحشتيني لدرجة اني كنت عايز أجي اخطفك من بينهم عشان اروي شوقي ليكِ اللي ناره مبتهداش " تأجج قلبها بنيران هوجاء لا يُطفئها سوى قربه لذا استأذنت من الفتيات و توجهت إلى المرحاض تُعدل من مظهرها وحين دلفت إلى الداخل قامت بغسل وجهها و إعادة تزيينه ثم سقط منها مُلمع الشفاة خاصتها و تدحرج إلى أحد الحمامات بالداخل فسارت خلفه فانغلق الباب و حين التقطته و توجهت بتفتح الباب و تخرج تجمدت بمكانها

حين سمعت حديث تلك الفتاة: _بقولك يا بنتي مقدرش يرفضلي طلب. و قالي يا أروى عنيا ليكِ. أنا مابحبش الحفلات بس علشان خاطرك هحضرها. صاحت صديقتها بسخرية: _والله يا أروى أنتِ عايشه في أحلام اليقظة وانا خايفه لتصحي على كابوس محترم. دكتور ياسين دا شكله لا بتاع حب ولا ارتباط و هيعلقك يومين و يسيبك. صاحت «اروى» بغضب: _يعلق مين و بعدين يسيبها أنتِ عبيطة؟ هو مين في البلد ميعرفش انا بنت مين؟ و بعدين هو هيلاقي احسن مني فين يتجوزها؟

_طب ما يمكن مُرتبط؟ واحد چان و زي القمر زيه ايه يخليه قاعد لحد دلوقتي من غير ارتباط؟ «أروى» بخداع: _مفيش الكلام دا و بعدين انا سألته وهو أكدلي أنه مش مرتبط. دا كمان لمحلي أنه مُعجب بيا. _طيب يا ستي خلينا مع الكتاب لحد باب الدار. _ملكيش دعوة أنتِ بأمثالك البلدي دي. يالا عشان منتأخرش عالبنات.

ما أن خرجت الفتاتان حتى اندفعت «حلا» من الباب وهي تغلي من شدة الغضب و قد مارست اقوى الضغوطات فوق نفسها حتى لا تخرج و تجذب تلك الفتاة من خصلاتها و تقتلع لسانها الذي كان يطلق الكذبات عن حبيبها. لملمت حاجياتها و توجهت إلى الخارج حيث مكتبه و قامت بدفع الباب بكل ما يعتمل بداخلها من غضب فتفاجيء حين رآها تقتحم مكتبه بتلك الطريقة التي جعلته يهب من مقعده يتوجه إليها قائلًا بقلق: _في ايه يا حلا؟ حاولت قمع غضبها قدر

الإمكان حين قالت بجفاء: _ممكن اعرف كنت بتتكلم في ايه مع البنت اللي اسمها اروى؟ سرت دماء الغضب في أوردته حين استمع الى سؤالها و قال بقسوة: _أنتِ داخله مكتبي بالطريقة دي علشان تسأليني السؤال دا؟ أنا قولت في مصيبة حصلت! _هتحصل. هتحصل مُصيبة لو مقولتليش حصل بينك و بينها ايه وايه حوار الحفلة دا؟ زفر بغضب و هو يتوجه إلى مكتبه قبل أن يقول بفظاظة:

_قبل اي حاجة بعد كدا لما تدخلي عليا المكتب تخبطي عشان المفروض أن انا دكتور و أنتِ طالبة عندي و وارد يكون معايا حد في المكتب. وقتها هقول للناس ايه؟ ابتلعت جمرات غضبها وهي تقول من بين أسنانها: _تمام. اتفضل جاوبني. «ياسين» قاصدًا استفزازها: _أسف. بس دي خصوصيات بين الدكتور و الطلبة بتوعه مينفعش احكيلك عليها. عند هذا الحد لم تحتمل فاتجهت ناحيته وهي تقول بحنق:

_طب اسمع بقى يا دكتور وقور الطلبة بتوع حضرتك بيعملوا خطط و مؤامرات عشان يوقعوك و الست أروى هانم بترسم أنها ترتبط بحضرتك. أنهت كلماتها و قامت بالالتفات تنوي المُغادرة فأذا بيده تقوم بجذبها يُديرها إليه لتتعانق أضلعهم و كذلك أنفاسهم قبل أن يتحدث بخشونة: _بس حضرتي مُرتبط. و واقع على بوزه. لا تُنكر كم أثارتها بفعلته ولكنها لازالت غاضبة منه فأدارت وجهها للجهة الأخرى وهي تقول بجفاء: _انت حُر بقى انا قلت انبهك.

_بس تنبهيني بس! هكذا همس و أنفاسه المحرورة تلهو فوق عنقها البض فحاولت الثبات قدر الإمكان قبل أن تقول بخفوت: _ايوا بس. اقترب اكثر حتى لامست شفاهه بشرتها الرهيفة وهو يقول بصوتًا أجش: _وحشتيني. كان و كأنه ينقش حروف كلماته المُلتهبة فوق بشرتها التي ذابت أسفل شفتيه مما جعلها تغمض عينيها بتأثر فتابع شن هجومه عليها حين قال بشغف: _بتوحشيني لو غبتِ عني ولو ثواني. اعمل فيكِ ايه؟ ع العذاب اللي انا فيه دا؟

عند ذكر العذاب التفتت إليه قائلة بلهجة مُشجبة: _انت هتروح الحفلة دي؟ رق قلبه لحزنها الذي يتلاشى أمامه كل شيء حتى تلك الهيبة التي تُحيط به تتراجع أمام حزنها الفاتن لذا اقترب واضعًا اعتذارًا غير منطوق كان على هيئة قبلة دافئة أودعها فوق جبينها وهو يقول بنبرة محرورة: _لو مش عيزاني اروح مش هروح. _مش عايزاك تروح ولا عايزاك تكلم البنت دي تاني. و عارفة أنه مش من حقي اطلب منك كدا بس…

قاطع استرسالها في الحديث حين اقتنص شفاهها بين خاصته يُطفيء لهب شوقه الضاري لها و يبثها عشقه الذي يفوق كل الحدود و حين فصل اقترابهم لاهثًا انسابت الحروف من بين شفتيه بعذوبة: _مفيش حاجة تخصني مش من حقك. أنتِ حقك تعملي كل اللي أنتِ عايزاه. احتوت عنقه بذراعيها وهي تقول بلهفة: _انا بحبك اوي. عانقها بقوة قبل أن يهمس بجانب أذنها: _وانا عاشقك يا حلا القلب و الروح. ★★★★★★★

كان يجيء و يذهب في الغرفة وهو يسب و يلعن في ذلك الشقيق الذي كاللعنة التي حطت على رؤوسهم فأخذ يتذكر ما حدث البارحة. عودة لوقت سابق التفت الجميع إلى هذا الصوت القادم من الخلف فتفاجيء «صفوت» حين رآى «ناجي» يقف أمامه! كيف يفعل ذلك؟ كيف يأتي إلى بيته علنًا أمام الجميع؟ شعر بدماء الغضب تندفع إلى أوردته و شاركه شعوره «عمار» الذي كان على وشك الفتك به لولا وجود جده وهو لا يُريد لأحد أن يعلم مدى قذارة ذلك الرجل:

_انت ايه اللي جابك هنا؟ هكذا تحدث «صفوت» وهو يمارس أقصى درجات ضبط النفس حتى لا يُفجر رأسه أمام الجميع و لكن ذلك اللعين لا يساعده إطلاقا إذ قال بسماجة: _بقى معقول قرايه فتحة بنت اخويا محضرهاش؟ دا يبقى عيب والله! تدخل «عبد الحميد» الذي لاحظ وجود خطب ما فقال بجفاء: _متعرِفناش يا صفوت بيه؟ يبجى مين الأستاذ؟ لا يستطيع الإفصاح عن هويته لا يطاوعه لسانه بالنطق بها كان هذا أكثر من صعب عليه ليتدخل «ناجي» قائلًا بسخرية:

_انا ناجي الوزان. اخو صفوت بيه. مش سامعني وانا بقول خطوبة بنت اخويا يا حاج عبدالحميد؟ «عبد الحميد» بجفاء: _لا سمعت بس محسيتش انكوا اخوات بصراحة. و كمان مسمعناش عنك جبل سابج! قطع «صفوت» الحديث الدائر فقد كانت دمائه تغلي في مراجل إذ قال بوقار: _انا موافق يا حاج عبد الحميد على طلبكوا. و يشرفني اني اناسبكوا.

ابتهج قلب «عمار» لدى سماعه كلمات «صفوت» فأخذ الجميع يتبادل التبريكات و قد كان «صفوت» ظاهريًا هاديء ولكنه كان يتحين ذهابهم حتى يفتك بذلك الذئب الدنيء وقد شعر «عمار» بما يحدث لذا تدخل قائلًا: _نستأذن احنا بجى يا صفوت بيه و هبچي أچيك نتكلمو سوى في الاتفاجات. شعر «صفوت» بالامتنان ل«عمار» و قال بجمود: _وماله يا عمار تنورني في أي وقت. تجهز الجميع للذهاب فإذا بناجي يقول بسخرية:

_طب انا هستأذن أنا عشان كنت عايز اتكلم مع الحاج عبد الحميد في موضوع. تبلور الجنون بنظرات «صفوت» الذي صاح بجفاء: _لا استنى عايز أرحب بيك الأول واشبع منك. احنا مش اخوات بردو؟ لم يُعلِق أحد بل غادر الجميع فإذا ب«صفوت» يقوم بجذب «ناجي» من تلابيبه جرًا إلى غرفة المكتب ولكنه توقف في منتصف الطريق حين سمع صوت سهام المصدوم: _ناجي؟ أظلمت عينيه برزت عروق رقبته من فرط الغضب خاصةً حين سمع صوت خطواتها تنزل الدرج فالتفت قائلًا

بغضب: _اطلعي اوضتك. خلص «ناجي» نفسه من بين يديي «صفوت» وهو يقول بسماجة: _ليه بس خلي القاعدة تحلو. هوى «صفوت» بلكمة قوية فوق أنفه فهرولت «سهام» إليه وهي تقول بجزع: _صفوت. اهدى. متخليهوش يستفزك هو دا اللي هو عاوزه. التفت «صفوت» يناظرها بأعين غامضة ثم قال بجفاء: _اطلعي فوق. فاجأته حين تراجعت خطوتين وهي تقول بعناد: _لا مش هطلع أوضتي. في كلمتين لازم ناجي الوزان يسمعهم مني.

تنبه كلا من «صفوت» و «ناجي» إلى حديثها فتابعت وهي تحدج «ناجي» بنظرات الاحتقار الذي تساقط من بين حروفها حين قالت: _انت أحقر أنسان شفته في حياتي. حتى الحقارة عجزت أنها توصفك. انت مفيش صفة وحشة مش فيك.

بتدبح في اللي منك من غير ما ضميرك يتهز. خطفت بنتي و حرقت قلبي عليها لسنين و لما عقلك الشيطاني وزك ترجعهالي ساومتني اني يا أسيب صفوت و اجرحه يا تموت بنتي. أنا طلبت الطلاق من صفوت غصب عني عشان انقذ بنتي من بين ايدين مجرم زيك. لكن صدقني لو مكنش الموضوع يخص بنتي عمري ما كنت هعمل كدا. أما حتى لو رجع بيا الزمن كنت هتجوز صفوت بردو و عمري ما هقبل براجل غيره. عشان هو راجل بمعنى الكلمة بس طبعًا الرجولة دي حاجة غريبة بالنسبالك.

كانت كلماتها تتساقط على سمعه فلوهله شعر بأنه على مشارف الجنون الذي تضاعف حين سمع كلماتها التي أصابته في مقتل: _و دلوقتي اخرج برا بيتي. انت بقيت كارت محروق بالنسبالنا. شرك مبقاش بيقصر فينا ولو عملت المستحيل عمرنا ما هنسمحلك تخرب حياتنا تاني. عودة للوقت الحالي لا يُنكر بأن حديثها أصاب قلبه المُفعم بعشقها و حين غادر ذلك الوغد كان يريد إدخالها بين ضلوعه ولكنه وقف عاجزًا و كأنه مُكبل بأصفاد لا يعرف مما صُنِعت.

اخترق ضجيج افكاره صوت صرخات «نجمة» التي دلفت إلى داخل الغرفة وهي تقول بلهفة: _الحج ماما سهام.. ★★★★★★★ _يجيكِ و يحط عليكِ يا فرح. كسرتي قلب الراجل اللي حيلتنا. كان هذا صوت «مروان» الغاضب فزجرته «شيرين» بعنف: _بطل تعدد كدا. احنا منعرفش حصل بينهم ايه؟ «مروان» بامتعاض: _هي البعيدة ضبشه مبتشوفش. ما هو الراجل نازل من عندها وشه احمر زي الكبدة من كتر الغيظ. هنستنى ايه تاني؟ عايزين جلطوه. «شيرين» بملل:

_هو انت يا ابني إشعال ذاتي. ما تسكت شوية قرفتنا في عيشتنا، وبعدين مشكلة و هتعدي و بكرة يتصالحوا. _على جثتي. يتصالحوا؟ وانا روحت فين؟ أنا هجوزه. الراجل دا عايز اللي تصونه. شاهد «طارق» الذي كان يتقدم ناحيتهم فأردف بتسلية: _و الراجل دا عايز اللي تلمه. التفتت إلى حيث أشار فعلا وجيب قلبها و تناثرت دقاته فهبت تنوي المغادرة فإذا بيد «مروان» توقفها وهو يقول بتذمر: _رايحه فين يا بت أنتِ اقعدي انا لسه مخلصتش. «شيرين» بجفاء:

_تعبانه و عايزة انام نبقى نتكلم الصبح. جذبها «مروان» عنوة إلى أن جلست بجانبه ليهمس بجانب أذنيها قائلًا: _أنتِ يا عبيطة أنتِ مسمعتيش عاللي قادرة عالتحدي أنتِ كدا متقدريش على نملة و الواد دا ميقومكيش من مكان عشان بسلامته شرف دا أنتِ تقعدي و تحطي رجل على رجل و تكيديه كمان. «شيرين» بنفاذ صبر: _مروان انا مش فيا دماغ للهري دا.

_يا بنتي هتعرينا اتهدي بقى و بعدين انطري الشعريتين ايه كعكة العيد اللي عملاها دي دا أنتِ مفكيش الا شعر أصلا. لكزته «شيرين» في كتفه وهي تقول بغضب: _مين دي اللي مفهاش إلا شعر؟ «مروان» مازحًا: _لا الصراحة أنتِ طلقة. مزة عيلة الوزان. قال جملته بنبرة عالية وصلت إلى مسامع «طارق» الذي غلت الدماء في عروقه فتقدم منهم قائلًا بفظاظة: _انت مالك لازق فيها كدا ليه ياله؟ «مروان» باستفزاز: _ما الزق براحتي يا عم بنت عمتي حبيبتي.

_حبك برص انا لا بحبك ولا بطيقك اصلًا. كان هذا صوت «همت» القادمة من الخلف و بجانبها «سما» فصاح «مروان» غاضبًا: _يادي النيلة السودا بتطلعلي منين امك دي؟ مالت «شيرين» بجانب اذنه وهي تقول بتقريع: _اتلم شويه و لايمها مع ماما سما ابتدت تتضايق. عند هذا الحد لم يعُد يحتمل فهب من مكانه و قام بجذبها من يدها و هو يقول بفظاظة: _عمتي في موضوع مهم عايز اتكلم مع شيرين فيه.

ثم جذبها وسط اعتراضاتها و محاولتها التملص منه و لم يمهل «همت» فرصة للاعتراض فصاح «مروان» بصدمة: _ازاي الحال؟ الواد شقط البت من وسطنا و أنتِ واقفه تتفرجي؟ ال ما شوفتلك اي منظر أومهاتي؟ اومال قانون الطواريء دا مع مروان بس ولا ايه؟ «همت» بارتباك: _اخرس يا واد انت، وبعدين هو استأذني مش مقضيها حراميه و تنطيط على البلكونات!

_يادي النيلة خدي مكرفون و اطلعي قولي في اتنين في الشارع لسه معرفوش، وبعدين يعني هو الموضوع في الاستئذان طب بعد اذنك اخد سما على جنب اقولها كلمة في بقها.. قصدي في ودنها. «همت» بصياح: _اهو عشان طولة لسانك دي مش هتطول ضوفرها. «مروان» بغرور: _لا ياختي مانا طولت. اتبطي بقى. «همت» بانفعال: _طولت ايه يا واد انت؟ نهارك اسود؟

_اللهم طولك يا روح. بقولك ايه احنا نجوزك عشان مستقبل العيلة كدا مُهدد بالانقراض. احنا نشوفلك كهل مُتصابي تكون هابة منه عشان يقدر يتحملك.. _اخرس يا ابو لسان عايز قطعه. تدخلت «سما» لتجلس في المنتصف و هي تحاول تهدئة الأمور بينهم قليلًا: _ممكن تهدوا شويه بقى. في ايه؟ أنا تعبتلكوا سلف. «مروان» بغضب: _قوليلها هي. ما أنتِ شايفه عمايلها. «همت» بانفعال: _عملك اسود ومهبب. اقترب «مروان» من أذن «سما» قائلًا بخفوت:

_بالله عليكِ سبيني اقولها اني بوستك عشان اجلطها و نرتاح كلنا. _بتقولها ايه يا واد انت؟ _خلاص يا ماما بقى أنا ماشية و سيبهالكوا أنا زهقت بجد. غادرت «سما» غاضبة فناظرها «مروان» قائلًا بتقريع: _هديتي اتبطيتي. اهي طفشت اهي. ★★★★★★★★ _اوعى كدا سيب ايدي..

هكذا صرخت «شيرين» بغضب وهي تنتزع يدها من بين يديه التي شددت من قبضتها فوق معصمها حتى كادت أن تكسره و خاصةً حين جذبها ليلصقها بالحائط خلفه لتصبح مُحاصرة بينه وبين جسده الصلب يوازيه صلابه لهجته حين قال: _أنتِ تخرسي خالص بدل ما اقطعلك لسانك دا. فاهمه؟ حاولت تجاهل تأثرها و ضجييج قلبها في حضرته فصرخت غاضبة: _لا مش فاهمه. صاح بعنف: _يبقى تفهمي بالجزمة على دماغك. تبلور الذهول في ملامحها و سرعان ما قالت بصدمة:

_انت بترمي بلاك عليا؟ أنا عملت ايه عشان تعمل كدا؟ زمجر بغضب: _لازقه في مروان و هاتك يا وشوشة و هاتك يا ضحك. مفيش احترام خالص؟ «شيرين» بألم: _معلش مانا بنت ناجي الوزان. هتستنى ايه من بنت ناجي؟ سحب اكسجينها الدافيء بداخله قبل أن يقول بلهجة مُعذبة: _ااااه من اللي بنت ناجي عملته فيا؟ ألمها كان كبيرًا و سرعان ما تحول لغصب كبير وهي تتذكر ما حدث قبل عدة أيام لذا دفعته بقوة في صدره فلم يتزحزح من مكانه بينما صاحت هي بتقريع:

_وبعدين انت بتحاسبني على ايه؟ مش البيه بردو من كام يوم كان شارب حشيش و سهران في بار! الى هنا و خرجت الأمور عن السيطرة فصاحت بعنف ارعدها: _أنتِ السبب. بسببك بطلت الزفت دا و بسببك رجعتله تاني عشان انسى اللي عملتيه فيا. وصلت إلى منطقة ألغام لذا آثرت الهروب فقالت بجفاء: _طارق لو سمحت سيبني انا تعبانه و عايزة انام. فاجئتها لهجتة المعذبة حين صاح بألم:

_مش هسيبك. ياريتني اقدر كنت عملتها. أنا عمري ما حد اتحكم فيا. طول عمري قلبي دا في أيدي. صمت لثوان قبل أن يُتابع بلهجة يشوبها القهر: _أنتِ جيتي بوظتي كل حاجه. شقلبتي كياني. مبقتش عارف اتنفس من غيرك. اموتك ولا اموت نفسي ولا اعمل فيكِ ايه؟ زفر بحرقة قبل أن يُتابع بلهجة أقرب إلى التوسل: _خلصيني من العذاب اللي رمتيني فيه دا.

رق قلبها لحاله كثيرًا و ودت لو تعانقه الف عام حتى تنحي ذلك الحزن الكامن بعينيه ذلك الضخم الوسيم الذي بدل عالمها و انتشلها من بؤرة الظلام الى النور و الآن هي سبب ظلامه: _طارق انت شكلك تعبان. اطلع نام عشان ترتاح. سخر قائلًا بوقاحه: _النوم هيريحني لو كنتِ في حضني. كان كمن يعبث بإعداداتها حتى جعل دقات قلبها تتعثر بقوة داخل صدرها الى جانب أنفاسها التي علقت بداخلها ولكنها حاولت انتزاع صوتها و الباقي

من ثباتها حين قالت بغضب: _انت قليل الأدب. «طارق» بسلاسة: _عارف. و أنتِ كمان عارفه. بس اللي متعرفيهوش اني بمنع ايدي أنها تلمسك بالعافيه. بحاول متجاوزش معاكِ عشان عايزك تكوني مراتي. مش عايز الوثك أبدًا بس أنتِ مُصرة تهديني و تمنعيني من الحاجه الوحيدة اللي اتعلقت بيها في حياتي. ما حيلة ذلك القلب العاشق حين سقطت زخات كلماته الرائعة لتُلثم تشققات و تصدعات روحها؟ غافلتها الكلمات حين انسابت من بين شفتيها بعذوبة:

_و انت كمان يا طارق الحاجه الوحيدة اللي اتعلقت بيها في حياتي. اخترقت كلماتها منتصف قلبه الذي يود أن يفتك بها في تلك اللحظة ولكنه حاول التمسك بآخر ذرة إرادة داخله ليقول بنبرة شغوفة: _تتجوزيني؟ تضخم قلبها فرحًا لهذا العرض الرائع الذي لم تستطِع سوى أن تقبله بصدر رحب: _موافقة… ★★★★★★★★

طرق خافت على باب غرفة المكتب جعل دقات قلبه تقرع كالطبول فقد علم هوية الطارق قبل أن يراه لذلك التزم الصمت الى أن سمع باب الغرفة يُفتح فلم يكلف نفسه عناء الإلتفات لها إلى أن غزت رائحتها الشهية أنفه فتقاذفته ألسنة الشوق ولكنه نجح بجدارة في قمعها خلف قناع الجمود خاصةً حين همست بخفوت: _سالم؟ أجابها بجفاء: _لو عندك حاجة مفيدة تقوليها اتفضلي لو معنديش مش فاضي. لم تحتمل جفاءه أكثر فصاحت بألم: _انت من امتى وانت قاسي كدا؟

أجابها بفظاظة: _من دلوقتي. بدل الحنية منفعتش. صاحت بقهر: _مين قالك كدا؟ تجاهل ضجيج قلبه لحزنها الذي هو أكثر شيء يمقته و قال بجفاء: _معنديش وقت للكلام الفارغ دا. تناثر الألم من بين شفاهها: _أنا بقول كلام يا سالم؟ أخيرًا ارتفعت عينيه تناظرها بعتب قاسي يشبه لهجته حين قال: _للأسف أه. طلع كلام فارغ. كل الكلام عن الثقة و عن أننا واحد و أن مينفعش حد يخبي حاجة عن التاني و كل دا طلع في الآخر كلام فارغ، و وعود كذابة.

كلماته كانت سُمًا قاتلًا سار في أوردتها حتى أوشك على إنهاء حياتها ولكنها جاهدت لتقول بحرقة: _لا يا سالم مش وعود… قاطعها بسيف كلماته الباتر و تلك الخيبة التي لونت نظراته حين قال: _خذلتيني يا فرح، و طعنتيني في ضهري.

لم تعُد تحتمل ما يحدُث معها اما ان تضرب بكبريائها عرض الحائط و تنهار أمامه باكيه أو الحفاظ على ما تبقى من كرامتها و الانهيار بعيدًا عن جميع الأعين فاختارت كرامتها و انسحبت دون أن تتفوه بحرف واحد و قد كان هذا أقسى من أي حديث يُقال. ★★★★★★★★ دلف جرير إلى الداخل ليتفقد «حازم» الذي لم يفارق غرفته منذ أن أتم عمله كما أمره في الصباح ليتفاجيء حين وجده غارقًا بدماءه. يتبع….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...