قام خالد بالإتصال على أمه ليبلغها بعودته ووجود ضيف معه مهم بالنسبة له، ويريد منها الاهتمام بالمنزل ومظهرها هي شخصيًا. التفتت لإبنتها الجالسة بجوارها تهتف بتعجب: "طب هو ضيف مهم لأخوكي، طالب نهتم بالبيت ويكون نضيف، عادي. لكن يقولي ألبس حاجة حلوة أهتمي بمظهرك، ده اللي مش طبيعي. هو أنا هتجوز؟ ضيفه الواد ده بقي غريب." ضحكت ندي وزينب: "معلش يا ماما، برده حضرتك وجهته والعباية اللي عملتهالك جميلة عليكي." فردوس بإستحسان:
"فعلاً جميلة جدًا يا حبيبتي، تسلم إيديكي." "يلا قوموا نجهز نفسنا، بيقول قدامه خمس ساعات." ندي لفردوس: "ماما، أنتي تطبخي وأنا وزينب ننضف المكان." "طيب، يلا بسرعة، بس بلاش ترفعي حاجة تقيلة." *** عندي روان. صرخت مايسة من عنف أخيها معها، بينما انكمشت روان على نفسها تبكي بخوف مما يحدث. "ويد ذلك الحقير، تتلمسها ويمنعها من الحركة وعيناه تتفحصها بنظرات شهوانية." صرخ في وجه أخته بغضب:
"عايزة تحرمي أخوكي من الفرخة اللي بتبيض له بيضة ده؟ عايزة تحرميني من طاقة القدر اللي اتفتح ليا بعد سنين فقر وحاجة؟ عارفة دي هاخد فيها كام؟ العربية خدنا فيها ثلاثين ألف، والألماظ جالنا فيه مبلغ أكبر بكتير، غير التليفون اللي الواد جاي ياخده وهيدفع فيه خمس آلاف." نظر لها بخبث: "أقولك، وهي كمان هبعها في واحد هياخدها عنده لحد ما تولد يبيع ابنها لناس غنية مش بتخلف، وبعدين يبيعوا أعضائه." لطمت مايسة خدها وهي تصرخ:
"حرام عليك يا مفتري، منك لله." بينما فقدت روان الوعي من شناعة ما سمعته. حملها حمو بين يديه وهو يفترسها بعيونه. ظلت مايسة على جلستها، دموعها تسيل وهي تردد: "منك لله يا ظالم، يارب ما تلحق تصرف منها جنيه أنت وهو." وضع الأكل على الطاولة وخرج حمو. جلس جواره وهو يفتح الأكل بشهية مفتوحة: "يلا يا مايسة، مدي إيدك، أكل عمرك ما شفتيه." نظرت له بإشمئزاز: "بالسم الهاري، أنا ما آكلش حرام." وقفت حتى تتوجه إلى غرفة روان تطمئن عليها.
جذبها أخيها مرة أخرى: "على فين يا حلوة؟ خلاص بقى ناكل وناخد فلوسنا، بعد كده تقري الفاتحة على حبيب القلبك." كادت تتحدث عندما شعرت باهتزاز المنزل. توجه الجميع لشباك، وجدوا سيارات كثيرة توقفت في الحارة. نظر طارق وحمو لبعضهما بصدمة: "معقول يكون حد من أهلها؟ مش ممكن. عرفوا مكاننا أزاي؟ يلا بسرعة ننفذ بجلدنا." نزل مراد وأدهم بسرعة ومعه إشارة الفون قريبة. الكل ينظر لهم بين رعب واستغراب وانبهار. مراد بقوة لرجاله:
"مافيش نملة تخرج من هنا." "المكان كله متقفل، ما تقلقش." صعد مراد وخلفه أدهم وبعض الحرس. كان السلم يهتز تحت أقدامهم من قوة خطواتهم. أوقع الحرس الباب بدفعة واحدة عندما كان يستعد حمو وطارق للقفز من الشباك لشباك قريب، لكن الحرس أطلق النيران. التفت حمو يواجههم، لكنه أطلق رصاصة خطأ، واستقرت رصاصة الحرس في يده مما جعله يطلق صراخًا قويًا. وأحكم الحارس الآخر يده على طارق وجذبه بقوة للداخل.
توجه أدهم للغرفة التي بها الإشارة، وجده مغلق. أطلق عليه رصاصة ثم دخل الغرفة، وجدها خالية من أخته. وجد هاتفها فقط. غضب مراد وضربهم بعنف وهو يسأله عن روان. نطقت مايسة بخوف وهي تشاور على جزء في الحائط: "حطها هنا." توجه مراد وأدهم بيد رجل واحد ينزعون ذلك الدولاب، الذي وجدوا خلفه سريرًا صغيرًا لا يكفي طفلًا، موضوعة فوقه وهي مربوط فمها حتى لا تصرخ.
تأملها مراد بألم في قلبه من مظهرها، ورفع سلاحه وضرب على أرجلهم بلا رحمة، مما جعل صرخاتهم تصل عنان السماء من شدة الألم. انكمشت مايسة على نفسها من الخوف. حمل مراد روان بعشق بين يده ووضعها على إحدى الكنب وهو يتحسسها ليطمئن على عدم إصابتها. أتته الفتاة بزجاجة كولونيا وهي ترتعب: "ما تخافيش، هي كويسة، بس كلامه خوفها." فتح الزجاجة وقربها من أنفها بحنان.
جلس أدهم جواره وهو لا يصدق أن ابنته وصغيرته حدث لها ذلك في وجوده. لعن نفسه لأنه لا يؤمنهم جيدًا حتى لا يفقدوا متعة الحياة بوجود الكثير من الحرس حولهم. حرك يده على خصلات شعرها بحنان أب، حتى بدأت تستعيد وعيها، لكنها لم تستوعب بعد أنها بين أحضان زوجها وأخيها. *** طرق خالد باب منزله. فتحت أمه وهي تقابله بابتسامة كبيرة لرجوع ابنها وسندها. ضمته لصدرها بقوة.
خفق قلب ذلك الشخص الواقف خلفه ورقص طربًا لسماع صوتها، كأنه ما زال شابًا صغيرًا يشعر بالسعادة للقاء محبوبته. لا يصدق أنه سوف يراها بعد تلك السنين العجاف. "تعال يا حبيبي، ادخل." تحرك خالد خطوة للداخل ثم توقف فجأة وهو ينظر لأمه بحنان: "في معايا ضيف عايز يشوفك." ثم ابتعد في جنب ليظهر أيمن من خلفه. رغم أنه تغير للأفضل ويبدو عليه الراحة، كأن الزمن لم يمر به.
شهقت فردوس وهي تنطق اسمه. وضعت يدها على فمه من المفاجأة، ثم عادت بنظرها لابنها وهي لا تفهم ما يحدث، ثم رجعت بعينيها مرة أخرى لحبيب عمرها تتأكد من حقيقة ما تراه. هي تشعر بفرحة، خجل، صدمة. نسي العالم أجمع وهو يتأملها باشتياق شديد، رغم أن السنين ظهرت على ملامحها من الفقر والتعب النفسي. لكنه لا يرى غير صورتها التي حفرت بين جدار قلبه منذ آخر لقاء بينهم. وعد نفسه أنه سوف يعوضها كل ما مرت به من تعب وضغوط، سوف يجعلها ملكه.
تنحنح خالد بحرج من حالتهم وهتف: "أيه يا أمي؟ مش ندخل الضيف ولا عايزاه يقول على ابنك بخيل؟ فردوس وهي تفوق من حالتها، لكنها ما زالت غير متوازنة: "لأ طبعًا، حاضر. ثواني أدخل أحضر الأكل." أغلقت الباب في وجههم، لكنها فتحته مرة أخرى وهي تهتف معتذرة: "متأخذنيش معلش." ثم تركتهم ودلفت لغرفتها، أغلقت بابها وسندت عليه وهي تحاول استرداد أنفاسها المتسارعة من روعة اللقاء. وعادت بذاكرتها لشهرين مروا. (فلاش باك)
دخل خالد عليها وهي تجلس تجهز طعام الغداء. تعجبت من وجوده في هذا الوقت. تركت ما بيدها وهي تسأله: "مالك يا حبيبي؟ خير؟ ليه رجعت الوقت؟ جلس جوارها وهو يهتف: "أنا عايز أطلقك من أبويا، مش حابب وجودك على اسمه لحد النهارده." هتفت بحزن: "ومين قالك إني عايزة أموت وأنا على اسمه؟ بس أعمل إيه؟
أنا كل أمنية حياتي إنه يبعد عني والحمدلله بعد وريحني من خلقته. لكن لو طلبت منه الطلاق هيرجع بكل جبروته يعذبنا كلنا، وهيشك إن عايزة أطلقه عشان أشوف غيره. يبقى لازمتها إيه نار جهنم اللي أفتحها عليك أنت وأخواتك؟ اقترب منها خالد يضم كف يدها وهو ينحني يقبلها بحنان: "مش عايزك تخافي منه، طول ما أنا موجود مش ممكن اسمح له إنه يمسك أو يمس حد من أخواتي، لآخر نفس فيا." شهقت فردوس بفزع وهي تمرر يدها على وجنته:
"بعد الشر عليك يا حبيبي، أنا كل خوفي عليك أنت وبس." هتفت بإصرار: "سيبك منه يا أمي، أنا طلبت من الباشا محامي كبير يرفع عليه قضية خلع، وأكد إنه هيكسبها من أول جلسة لأن سايبك من سنين طويلة وليكي حقوق. بس حبيت آخد رأيك قبل ما أتصرف. ولما يتم المراد، هدي المحضر اللي بيوصل الدعوة مبلغ محترم يخليه يوصلها بمزاجنا، أو يقول ضاعت في البوسطة، المهم مش هتوصل الفترة دي خالص."
عادت بذاكرتها وهي تتأمل نفسها في المرآة بحزن على ملامح وجهها التي غزاه الكبر من الخوف الدائم على أولادها من أبيهم المتوحش وضيق الحال والهم المستمر، حتى كبرت قبل الأوان. تشعر بالخجل لأنه رآها وهي بتلك الهيئة. بينما بالخارج هتف خالد بابتسامة: "اتفضل." دخل وهو يتأمل المكان بحنين، هو لم يتغير رغم السنين الطويلة التي مرت عليه. جلس في حالة من الشجن.
بينما وقف خالد ينادي أخته التي خرجت تلبي نداه، وخلفه معشوقته التي تأملته بحب واشتياق. اقترب منها بخطوات سريعة عندما رآها، ضم يديها بين يديه بفرحة شديدة. وقفت ندي تتأمل نظرتهم بسعادة، كم تعشق أخيها وتتمنى له السعادة الدائمة التي يستحقها. "هتف بفرحة: مش معقول، القمر بتاعي هنا في انتظاري، أيه الجمال ده كله." هتفت زينب بخجل من كلماته ونظراته أمام أختهم: "ماما فردوس اتصلت بماما علشان أقضي اليوم معاكم هنا، وماما وافقت."
ابتسم بحب: "أجمل ماما سناء وماما فردوس، ولا إيه." ندي بملل: "طيب لما أنت عايز زينب، بتنادي عليه ليه؟ خالد وهو يضرب جبينه: "أخ، أنا نسيت الضيف جوه، ربنا يسامحك يا زوبة، ده كان وقت ظهورك ده." نظرت له بصدمة: "طب أنا عملت إيه طيب؟ تحدثت ندي بضحكة وهي تعود للداخل مرة أخرى: "ذنبك إنه بيتوه لما يشوفك يا قلبي." خالد بإحراج من أخته: "طب تعالي بس يا بت، لما أقولك." ردت بلامبالاة: "عندك حبيبة القلب، اطلب منها اللي عايزه."
وجدت الحيرة بعيونه، لذلك هتفت بحنان: "محتاج إيه وأنا أعملها." "أحلى ابتسامة ممكن، عصير للضيف لحد ما ماما تيجي." "حاضر، ثواني." *** فاقت روان من حالتها وارتمت في حضن زوجها الذي استقبلها بحنان الكون، وبكت كما لم تبكي من قبل. لا تصدق أنهم هنا أمامها وليس مجرد وهم من شدة رعبها. يحتضنها مراد بقوة، فهو لا يقل عنها رعبًا وصدمة من تلك الهيئة التي وجدها عليها.
ماذا كان يحدث إذا لم يربط أدهم التليفونات بجهاز تتبع منذ حادثة خطف عشق؟ حمد الله كثيرًا أنهم وجدوها قبل فوات الأوان. أدهم: "يلا مش هنبات هنا، أمي بتموت في البيت من القلق." وقفوا، ولكنها لم تستطع السير. سندها أدهم وكاد يحملها، لكن مراد رفض بشدة وحملها هو عندما مر من جوار مايسة. طلبت منه روان التوقف، وشكرتها بإمتنان على وقفتها بجوارها والمجازفة بحياة خطيبها من أجل إنقاذها.
وطلبت منها ورقة وقلم. كتبت لها رقم هاتفها للاتصال بها في أي وقت. *** عاد الجميع منزل أدهم. ركضت غادة وعشق عندما رأوا مراد يدلف بها من الباب وهو يحملها بين أحضانه. تحدثت ببكاء: "حبيبتي، حبيبتي، حمد الله على سلامتك." ظلت تحتضنها هي وعشق أمام استسلام مراد، فهو يعلم مدى رعبهم عليها. بعد مرور الوقت، حملها وصعد بها للأعلى حتى يساعدها في أخذ شاور وتغيير ملابسها. سمع طرق على الباب.
عندما فتحه، وجد الخادمة تحمل الطعام والعصير لأنها لم تتذوق شيئًا منذ الصباح. ضمته بحب عندما خرجت من الحمام وهي تردف: "أنا كنت خايفة قوي يا مراد، أول مرة أحس بالرعب ده." شدد من ضمه لها وتحدث بحزن: "أنا كنت خايف أكتر منك، بس دي مش أول مرة أحس بيه. مرة لما عملتي الحادثة، والمرة التانية لما لما حسيت إن ممكن أخسرك يوم ما شوفتك مع وائل." ثم هتف بعتاب: "ليه مقولتيش قبل ما تخرجيه؟ تتفت بندم:
"قولت هروح أتسوق بعض ملابس البيبي وأفرحك بيهم، وأنا رايحة الباركينج أركب، يدوب قفلت الباب لاقيتهم داخلين عليا وهددوني بالمطواة لو عملت أي حركة هيغزوني بيها. خوفت قوي وسمعت كلامهم." ضمها بقوة وهو يحمد ربنا على عودتها. أجلسها وظل يطعمها ويأكل معها حتى انتهوا من تناول الطعام. تناول كوب العصير ووضعه على شفتاها. تبسمت له بحب.
ثم مددها على الفراش وتمدد جوارها حتى غفت، لكنه لم يستطع إغلاق عيونه من شدة الاختناق. وقرر الانتقام منهم. *** خرجت فردوس بعد فترة من غرفتها عندما دخل عليها خالد وحاول مساعدتها في استرداد ثقتها في نفسها مرة أخرى. وقفت على باب الغرفة ترى أبناءها قد انسجموا معه. ابتسمت داخليًا بحزن، تعلم أنهم افتقدوا حنان أبوهم في حياته. رفع عيونه عندما وجدها تقف على الباب. يشبع روحه من وجودها أمامه. معجزة إلهية ما حدث معه.
جلس الجميع حول أيمن يتحدثون في جو عائلي جميل يفتقده بقوة. لقد عاش سنين غربته وحيدًا ليس له عائلة غير عمله وبعض الأصدقاء. لقد افتقد جو البيت ودفء الزوجة والأبناء، رغم المحاولات الكثيرة من قبل أصدقائه حتى يتزوج ويكون أسرة، لكنه وعد نفسه عدم الارتباط بغيرها حتى لو بقي كذلك لآخر يوم في عمره. تقبله الجميع بينهم بسبب طيبته وحنانه الظاهر للكل. فهم افتقدوا الأب لسنين طويلة رغم عدم تقصير خالد معهم في يوم من الأيام. أيمن
وهو يوجه كلامه لفردوس: "أنا طلبت إيدك من خالد وهو موافق، ناقص رأيك." شهق الجميع من المفاجأة ونظروا لبعضهم. بينما خجلت فردوس التي نظرت لابنها: "أتجوز؟ إيه دا؟ أنا أتضحك بنتي على وش ميلاد، يعني كلها كام شهر وأكون جدة." هتف أيمن بهدوء: "أيه الفضيحة في شرع ربنا؟ هو حرام إنك تتجوزي حتى لو عندك ١٠٠ سنة؟ بعدين خدنا إيه من كلام الناس زمان؟ مش لولا كلام الناس كان فات؟ دول ولادي وعيلتي، كفاية اللي راح يا فردوس."
شعرت بنغزة قوية تضرب جدار قلبها خوفًا على سندها، وحدثته بخوف: "طب بلاش كده، نسيت أبوك يا خالد؟ ما أنت عارف اللي فيها ده نابه أزرق ومؤذي، ولو عرف حاجة زي دي يخلي حياتنا جحيم." رد خالد بغضب: "هو ماله بينا؟ وبعدين أنا موجود يا أمي، ابنك كبر وبقي راجل وعمره ما يقدر يعمل معايا حاجة. كفاية بقي لحد كده، فكري في نفسك وعيشي يومين حلوين، كفاية المرار اللي شربتي منه سنين طويلة." أردف أيمن بقوة:
"وأنا كمان مش أيمن بتاع زمان اللي سابك خوفًا عليكي من كلام الناس وشره. أنا الوقت أقدر أقف في وش مليون زيه. كفاية لحد كده يا فردوس، نفسي أعيش يومين كويسين." ضغط عليها الجميع حتى توافق، فهي كانت نعم الأم وحان وقت مكافأتها. وافقت تحت سعادته وهو يكمل: "أنا هصبر على الشهر اللي فاضل في العدة بروح." تتفت فردوس بحيرة وخوف على أولادها: "طيب وأخواتك أزاي أسيبهم لوحدهم؟ نظر لها بحنان عندما لاحظ لمعة عيونها لأول مرة في حياته.
منذ فتح عيونه على الحياة وتلك العيون دائمًا بها حزن مخفي. "تقلقيش يا أمي، أنا مش هسيبهم، وبعدين هم كبروا ويعتمدوا على نفسهم." أيمن برفض: "لأ طبعًا، دول ولادي ومش هيبعدوا عننا. بس نسافر وأظبط أموري، لو عايزين تفضلوا في مصر، أصفي شغلي ونستقر هنا، ولو عجبتكم الإمارات نفضل هناك، أيه رأيكم يا ولاد؟ نظر محمد وكرم لبعضهما بفرحة كبيرة ورجعوا له بنظرهم: "موافقين طبعًا، إحنا عمرنا ما خرجنا من الحارة دي."
"أنا هاخليكم تلفوا بلاد كتير وتشوفوا الدنيا." "بس ليا عندكم طلب، ياريت ما حدش يزعل مني." كلماته جذبت انتباه كل العيون باستفهام. "يعني نفسي أسمع كلمة بابا لو مش يضايقك يا خالد." رد بإبتسامة: "مافيش حاجة تضايق، كنت بحلم بأب زيك يكون عنده ربع حنيتك والحب اللي في عيونك ده." وقف أيمن يحتضنه بأبوة حقيقية، مما جعل خالد رغم ضخامة جسده يضعف أمام هذا الحنان الذي شعر به في حضن أيمن.
كم تمنى أن يعيش هذا الإحساس ويجرب معنى الأبوة الحقيقية التي لا ترتبط بقيد أو شرط. لأن فقط تأكد أنه أخذ القرار الصحيح بالبحث عنه. *** "صباح الخير." "صباح الورد على ماسة قلبي." نظرت له بحزن، هي لا تشعر بالأمان. لقد مر وقت طويل على زواجهم ولم يحدث حمل حتى الآن، وهذا يضعها في حالة رعب دائم من خسارته أو أن تأتي لها ضرة تشاركها حبه واهتمامه. أكمل ارتداء ملابسه وتوجه لها: "أيه، مافيش فطار النهارده؟ نزلت من فوق الفراش وكادت
تتحرك عندما جذبها بحنان: "علشان خاطر فهد، بلاش الحزن ده. أنا بزعل لما بشوفك كده." ابتسمت له وهي تحارب دموعها: "حزن إيه؟ بعد الشر، أنا كويسة أه." حرك أنامله على وجهها: "هو علشان ابتسمتي خلاص تبقي كويسة؟ أنا مش شايف ده، أنا بشوفك من ده." تكلم وهو يشاور على قلبها: "أنا بحس بيه وعارف أيه شاغله، بس هو لازم يثق فيه زي ما أنا بحبه وبثق فيه." قبل يدها التي تتحرك على وجهها بحب:
"مافيش كلام في الكون كله يقدر يعبر عن فرحتي بكلامك ده يا حبيبي، بس والله غصب عني." سمعوا طرق على الباب. سأل من الطارق؟ ردت الخادمة: "الحاج عايز حضرتك تحت." "أقبل جبينها وهو يبتسم ويتوجه لباب الغرفة." "لسه كلامنا ما خلص، أشوف جدي محتاج إيه وأرجعلك." *** في غرفة خلود وزين. بعد مرور أكثر من شهرين على زواجهما. هتفت خلود: "يلا بقي ننزل، اتأخرنا على الفطار." هتف برفض: "لأ مش نازل، خليهم يطلعوا الأكل هنا." هتفت خلود بتوتر:
"لأ يا زين، أتكسف أقول كده، يلا بقي." جذبها له بقوله: "قولتلك عايز أفضل هنا، أنا أخدت أجازة النهارده عشان أقعد معاكي." "يعني أنت مش بتزهق؟ ما أنا معاك طول الليل والنهار، ده لاشغالنا وأهلنا." وقف بضيق: "طيب، يبقى بلاها الأجازة، أروح شغلي." فتح دولاب ملابسه. تحركت اتجاهه بسرعة: "لأ، بلاش تروح النهارده، خليك معايا." تحدث برفض: "لأ، خلاص، أنتي شكلك زهقتي مني وأنا مش بحب أكون تقيل على حد." حركت يدها على كتفه بحب:
"أنا عمري ما زهقت منك أبدا، هو أنا كنت أصدق إنك تشوفني أو تفكر فيه؟ أنت حاجة كبيرة جدًا عندي وعمري ما زهق ولا أتضايق من وجودك." جذبها يسند ظهرها على الدولاب خلفها، واقترب بوجهه منها وتحدث بأنفاس متلاحقة ورغبة: "ما أحنا بنعرف نقول كلام حلو أهو، أومال ليه بتزعلي حبيبك." *** بعد مرور شهرين. عاشت فردوس وأولادها شهر منهم في الجنة لم يتخيلوا وجود تلك الحياة فيه في الواقع، كانوا يروها في الأفلام والمسلسلات فقط.
أيمن يمتلك حنان الكون الذي غدقه عليها وعلى صغيريها. فقد أحبوه بشدة ليس بسبب غناه، ولكن بسبب أبوته التي يعيشها معهم، لأنهم جزء من عشقه الوحيد، حتى لو دماء أبيهم النجس تمر داخل عروقهم، لكنه يستطيع تغيير تلك الدماء بالحب والحنان. جلست في انتظار رجوعه عندما دلف من الباب. وقفت وهي تبتسم له بحب. من يصدق أن تلك الجميلة التي تشرق مثل الشمس من السعادة، هي نفسها التي كانت ملامحها تبدو أكبر سنًا من الحزن والهم.
ما أنار وجهها ليس المال، إنما الراحة والسعادة التي تعيشها مع شخص حنون يفهمها ويحتويها. اقترب أيمن منها بحب وضمه لأحضانه: "وحشتيني." "كل ده ما زهقتش مني؟ هتف بشجن: "ولا عمري أزهق من حب عمري. أنتي عارفة إني كنت بفكر فيكي ليل مع نهار على مدار الـ ٢٨ سنة دول، ما فكرتش في واحدة غيرك." "عارفة إني كنت بدخل البيت هنا وأنا روحي بتتخنق من الحزن والوحدة، ما حستش بجمال المكان هنا ولا بجمال الدنيا حواليا غير في الشهر ده."
"بنستنى." تتفت براحة وهي تهتف: "ياااه يا أيمن، الدنيا ما قدرتش تغير قلبك الكبير ولا لسانك الحلو ده. ربنا يخليك لينا." "عايزة تقولي إيه؟ نظر له بابتسامة: "لسه برده بتفهميني من نظرة عيونيك. كنت عايزة لما ميعاد ميلاد ندي يقرب، لازم أكون معاها، قلبي ما يتحملش أكون بعيدة عنها في وقت زي ده، وخاصة إنها بكرية." ابتسم بحب: "ولادك ولادي يا فردوس، أنا بعتبرهم حتة مني. ولو حابة تيجي هنا تقضي الشهر اللي قبل الميلاد تكون عندك؟
"لأ، أنا هنزل عشان حماتها مش هتوافق لأن ده ابنها الوحيد." *** في منزل الجد أنور. هتفت سناء بتعجب: "شوفت يا بابا خالد اللي كنت عايز ترفضه، أهو ربنا فتحها عليهم من وسع. دائمًا آخر الصبر خير، إن الله مع الصابرين إذا صبروا." أنور بحكمة: "لأ، وأنتي الصادقة، ده عوض ربنا ليه عشان كان شايل أمه وأخواته في عيونه وبيفكر فيهم أكتر من نفسه، رغم وجود أبوه على وش الدنيا. ربنا يباركله ويحفظه من كل شر ❤️." *** في منزل والد ماسة.
جلس إبراهيم شارد الفكر، لا يعلم لما أطال أبيه الغيبة تلك المرة. يعلم جيدًا أنها لا يغيب عن المنزل إلا في وجود مقبرة جديدة ينهبوا ثرواتها، ثم يظهر عندما ينتهي. لكن تلك المرة غيابه طال. دخلت عليه صفاء وهي تضع صينية بها كوبان من الشاي. تعلم جيدًا ما يشغله، لكنها من الداخل تتمنى عدم رجوعه. هي لم تشعر بتلك الراحة من قبل إلا في غيابه، فهو كان دائم التعنيف والتجريح لها لأنه لم تنجب له حفيد ذكور.
وعندما تبكي، يهدئها إبراهيم ببعض الكلمات ويطلب منها الصبر على أبيه حتى لا يصبح ابنًا عاقًا. كادت تتكلم عندما دخل مصطفى من الباب وهو يلقي عليهم السلام. الذي ردته صفاء بحب: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حمد الله على سلامتك يا غالي." جلس جوار أخيه بتعجب من حالته وعدم رده السلام. شورت له صفاء بحزن ووقفت وهي تهتف: "أسيبك معاه تشوف ماله، على ما أعملك كوباية شاي." يهز رأسه وهو يردف: "تسلم يدك يا أم ماسة."
ثم وجه يده لكتف أخيه يهزه بحنان، فهو دائمًا كان له الأب والأخ. لقد خاف عليه من شر أبيه وأبعده عنه دون إرادتهم. "مالك يا خوي؟ فيك إيه؟ فاق إبراهيم على هزت أخيه وهتف بشرود: "مش عارف يا خوي، غيبة أبوك طولت قوي المرة دي. خايف يكون جراله حاجة في المخربة اللي بيروحها. وخوفي الأكبر يكون فهد عمل فيه شيء بسبب اللي حصل لبنت عمه، ووقتها يبقى حياة بنتي خربت." مصطفى بحكمة:
"أنت عارف فهد كويس يا خوي، لو عمل حاجة هيقول، هو مش بيهمه حد ولا بيعمل حاجة في الدراوحتي لو له يد، حقه أبوك يدفن بنتهم حية، وكان ممكن تروح فيها لولا ستر ربنا." وافقه إبراهيم بحزن لتلك الذكرى: "عندك حق، بس ده أبويا ومن حقه عليا أطمن عليه. أشوفه فين؟ مد مصطفى يده ووضعها على يد أخيه: "روق كده يا خوي، وبركة تلاقيه داخل علينا بزعبيبه ويطفشنا كلنا." *** عند شهاب.
لا يصدق ما وصله من أحد رجاله وصرخ بغضب وهو يلقي كل ما أمامه على تلك الطاولة، مما فزع الجالسون معه. صرخ بغضب وحقد: "والله لحزنك عليه يا فردوس، بقى الباشا بتاعك يجوزك لحبك القديم ويسافر بيكي، وأنا هنا قاعد زي الطرطور. وأعرف بعدها إنه رفع قضية خلع." سمع صوت أحد رجاله: "وده يحصل إزاي يا باشا؟
أنا كمان عايز أخد حقي منه، لأن من بعد اللي عمله معايا البنات بقت تستقل بيا. هانت، إحنا راسمين خطة ما تخرش المايه، بس لما ييجي وقتها، لأن الباشا مصمم يشغله معاه، ما يعرفش إن مش هعطيه فرصة يكون معايا في مكان ويفكرني بخيانتها ليا." يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!