في صباح يوم جديد، داخل مكتب أدهم، وجه حديثه لمروان: "كده تمام، وكل حاجة جاهزة. طياراتكم تتحرك على الساعة العاشرة مساءً." قلّب مراد الجوازات بيده، بينما أكمل أدهم: "أمي وأختي أمانة معاك يا مراد." "ماتقلقش يا أدهم، كله هيبقي خير. بس برده مش فاهم ليه رفضت عشق تسافر معانا؟ وجودها كان يفرق كتير مع روان." ابتسم أدهم بحنان: "أومال أنت لازمتك إيه؟ وكتبنا الكتاب ليه مش علشان تكون موجود جنبها؟
لو أنت مش قد المهمة دي، تمام قول، وأنا أسافر معاها أنا وعشق." ضحك مروان بقوة: "أشم رائحة حب في الأجواء. هي عشق تكون معاك أنت وبس؟ يظهر إنك بتوزعنا علشان يخلالك الجو يا بوص." تحدث وهو يحاول إخفاء حقيقة مشاعره أمام صديق عمره خجلاً منه: "وأنت هناك، ابقى خد كشف عند دكتور نفساني، أصل بقي عندك تهيئات وأوهام كتير وأنا خايف عليك." مراد بصدق:
"بلاش تكابر، سيب نفسك لمشاعرك. أوعي تحرم نفسك من الحب والتمني، ده أجمل إحساس، حتى وقت عذابك برده بيكون ليه طعم تاني. بلاش تحمل نفسك فوق طاقتها يا أدهم." *** في المساء، كانت الأجواء تحمل القلق والخوف والحزن. وقفت عشق بجوار غادة تحتضن روان، يبكين على فراق بعضهن ولو لفترة مؤقتة. هتف أدهم بضيق: "كفاية بقي، بقالكم ساعة بتعيطوا." هتفت عشق: "هتوحشيني، كان نفسي أكون معاكم." أردفت غادة بحب:
"ماينفعش يا حبيبتي علشان جامعتك وأدهم. خلي بالكم من بعض." "وأنتم يا ماما، طمنوني عليكم، وإن شاء الله ترجعوا مجبورين." روان بتمني: "ادعيلي يا عشق، أنا عارفة إن ربنا بيحبك ويتقبل دعائك." ضمتها عشق مرة أخرى وهي تهتف: "بدعيلك يا حبيبتي، وهفضل أدعي لحد ما تكوني معايا تاني." بعد مرور الوقت، ركب أدهم السيارة، خرج بها من ساحة الانتظار بالمطار. بعد إقلاع الطائرة، هتف بحنان: "كفاية يا عشق، بقالك قد إيه بتعيطي؟
زمانهم وصلوا وأنتي لسه بتعيطي. بتجيبي الدموع دي كلها منين؟ قامت بإزالة دموعها وهي تهتف: "أنت مش عارف، رغم المدة البسيطة اللي ماتعدتش الشهر، بقوا إيه بالنسبة ليا؟ هم بقوا كل حاجة عندي." حدث نفسه بحيرة: "وأنت كمان يا عشق، بقيتي كل حاجة في حياتي. مين يتخيل أن أسيب أمي وأختي في الظروف دي حباً في وجودي جنبك؟
آه، أنا وافقت على كتب كتاب مراد لأن عارف إنه اتعذب قد إيه في حب روان، وقولت دي فرصة تشوف حبه وخوفه عليها وتقدره. بس ده مش السبب الوحيد، أنا كنت محتاج نكون مع بعض لوحدنا، نقرب أكتر ونفهم بعض أكتر. محتاج اطمنانك. حبيبتي، أدهم ولا أنا بالنسبة ليكي مجرد أمان؟ لو لاقيتيه في مكان تاني هتسبيه؟ ووقتها يبقى حكمتي عليا بالإعدام." "أدهم، يا أدهم." نظر لها بشرود: "في حاجة يا عشق؟ "كنت بسألك رايحين فين؟ ده مش طريق البيت."
تحدث يحاول إخراج نفسه من تلك الحرب وهو يسألها: "إيه رأيك أعزمك على العشاء؟ هزت رأسها دون كلام. بعد مرور ساعة، وقف بها أمام مطعم كبير. نظرت للمكان بإعجاب شديد. تأمل علامات الطفولة على وجهها بسبب طريقة تأملها للمكان، مثل انبهار طفل بأضواء الملاهي. سألها بحنان: "عجبك المكان؟ "جداً جداً، ماكنتش أتخيل أن ممكن أدخل مكان زي ده. شكراً ليك."
طلبت البيتزا والهوت شوكلت، تأكل بإستمتاع وسعادة كبيرة لوجودها جواره. تتحدث بدون تكلف أو حدود. عشق، برائتها في كل شيء، في طريقة أكلها، وطريقة كلامها العفوية. وجدته يتأملها دون أن يأكل. شعرت بالخجل وهي تسأل: "أنت مش بتاكل ليه؟ مش بتحب البيتزا؟ ابتسم بحب: "لا بحبها، بس حسيت بالشبع وأنا شايفك مبسوطة قدامي." رغم كلماته التي تزيد خجلها، لكن قلبها يرفرف بين ضلوعها. "مش معقول أدهم باشا."
رفعت عشق عينها لصاحبة الصوت، توقف الطعام بفمها بذهول وغيره، عندما وجدت أمامها امرأة طاغية الأنوثة، لبسها مثير لحد كبير، وتتحدث بطريقة ناعمة مغرية أمام أدهم. الذي هتف ببرود: "أهلاً مدام سلمي. أخبار محمود باشا إيه؟ تحدثت بدلال: "يعني لو كنت بتسأل أو بنشوفك، كنت عرفت إننا انفصلنا من كام شهر." هتف بصوت كفحيح الأفاعي: "ليه كده؟ ده محمود باشا راجل يتاقل بالمال، ومش أي واحدة تستحقه." هتفت دون حياء:
"مافيش توافق بينا. أنا محتاجة في حياتي راجل قوي يخرج الأنوثة اللي جوايا، مش كل حاجة طيب وحاضر."
رمقها بإحتقار، تحول لبسمة خفيفة عندما وقعت عيناه على تلك التي تفتح فاها بشكل مضحك وعينها تطل منها الغيرة، الذي جعل قلبه يرقص رقصة انتصار. عيناه تتأمله هيئتها تلك بإستمتاع لذيذ لم تلحظه تلك الصغيرة. بينما نظراته تلك لفتت نظر تلك التي لا تصدق ما تراه. أدهم الشهاوي، الذي كسر كبرياء الكثير من الحريم وهز ثقتهم بأنفسهم من رفضه المستمر لهم، وهذا كان يثير جنونهم به وتعلقهم به يزيد. فهو غير كل الرجال. ينظر بكل هذا الاهتمام لتلك الفتاة ونسي وجودها أمامه. زاد فضولها، ثم سألت وهي تشير على عشق التي فاقت أخيراً
وابتلعت ما بفمها: "آسفة، ما أخدتش بالي. مين دي؟ رفع يده على الطاولة، يضم يد عشق بعشق حقيقي، وهو يردف بفخر: "عشق مراتي." شرقت عشق من وقع كلمته، فهي لم تتوقع أن يعلن ارتباطه بها أبداً. لقد ظنت أنه سوف يرتبط بها فترة حتى عودة أهله، ولن يخبر أحد.
وقف أدهم بلهفة يناولها كوب ماء ويساعدها على استرداد أنفاسها. وعندما هدأت، تناول منديل من جواره، ومد يده يمسح آثار الماء من على وجهها بحنان. جعل سلمي تشتعل من الغيرة وتتمنى أن تكون مكانها، حتى تتفاخر بين أصحابها بفوزها به. سألته بحقد: "اتخطبتي إمتى؟ رمقها بنظرة ساخرة: "ده كتب كتاب، وإن شاء الله تكوني أول المدعوين على الفرح." تجلس وهي تشعر بفخر شديد من حديثه عن ارتباطهم بكل هذا الاهتمام. وقبل أن تفهم،
وقف وهو يجذب يدها بحنان: "يلا يا حبيبتي." توقفت عشق فجأة وهي تكرر: "حبيبتي." ابتسمت باتساع، ثم تحركت جواره مرة أخرى، حتى لا تتهور وتقبله أمام الجميع من فرحتها بتلك الكلمة. لم يهتم حتى بالاعتذار لتلك التي تتابعهم بعينين كارهة، وهي تردف بعد أن أشعرها بالإهانة لتركه لها بتلك الطريقة: "ماشي يا أدهم، بقي ترفضني أنا وتبص لحتة عيلة زي دي؟ مشغلهاش عندي خدامة." *** عودة إلى الصعيد، في منزل المنشاوي. دخل بسعادة كبيرة
وملامحه تدل على الانتصار: "عرفنا طريقها يا جدي خلاص." تهللت أساريره من شدة الفرحة: "بجد يا فهد؟ "بجد يا جدي. وبكرة إن شاء الله هينزل عمي ومحمد وزين يجيبوها." الجد بلهفة: "كيف شكلها؟ عندها كام سنة؟ فهد، تقديراً لحالة جده، تحدث بهدوء: "بكرة يا جدي نعرف كل حاجة. إحنا عرفنا المكان، بس واحد تبع زين وصل لإسمها." ثم تنهد بحزن:
"بس أكيد يا جدي مش سهل عليها تلاقي ليها أهل كده فجأة وتقبل بيهم. هي عاشت عمرها من غير ما يسألوا. فا عايز حضرتك متزعلش من رد فعلها." تألم الجد من صحة كلام حفيده: "لذلك أردف، أتحمل كل حاجة، بس تاجي وأشوفها بنت الغالي. نفسي أشم ريحته، وحشني جوي." ثم بكى بحزن. اقترب منه فهد، يعز عليه أن يرى جده القوي الشامخ بهذا الضعف والانكسار الذي لا يظهر أمام غيره: "أهدي يا جدي، ولما تيجي نعوضها عن كل حاجة." تنهد الجد بندم:
"نعوضها عن إيه ولا إيه يا ولدي؟ عن عمرها اللي ضاع بعيد عن حضن أهلها؟ ولا عن أبوها اللي مات صغير وتركها للدنيا كبيرة زي الغابة من غير حماية ولا سند؟ أنا مش قادر أتخيل عاشت إزاي وحديها كل السنين دي، ويا ترى الدنيا خدت منها إيه علشان تقدر تكمل؟
يستمع فهد له وهو يعلم أن وجود فتاة وحيدة في المدينة ليس شيء سهل، وأكيد أخلاقها تغيرت ولم تعد تناسب حياتهم. لكنهم سوف يتحملوا ويطهروا خطاياها بأنفسهم، لأنهم المخطئون الوحيدون، وهي مجرد طفلة ليس لها ذنب في شيء. يشعر بالحزن على جده، لقد فقد أقرب أبنائه لقلبه بسبب العناد، العناد فقط هو ما يخسر الإنسان كل شيء. ***
في فيلا أدهم. جلست عشق بملل، فمنذ عودتها من عند فتون وناجي وهي تجلس وحيدة، لأن أدهم مشغول هذا اليوم. جدال لذلك وافق على ذهابها لزيارتهم بشرط أن تعود مبكراً. ابتسمت وهي ترفع هاتفها لتقوم بالاتصال على غادة. هتفت عشق بحنين: "أزيك يا ماما، وحشاني أوي أنتي وروان." أردفت غادة بحنان: "وأنطي أكتر يا حبيبتي، بس أنتي عارفة من يوم ما وصلنا وإحنا بنعمل أشعة وتحاليل كتيرة قبل العملية. ربنا يوقف معاها وتقوم بألف سلامة."
"أنا عايزة أجي عندكم، أدهم قال هنيجي كمان يومين نشوفكم." غادة بإطمئنان: "إن شاء الله يا حبيبتي. قوليلي، أدهم عامل إيه معاكي؟ لو ضايقك ما تزعليش منه، أنا واثقة أنه بيحبك، ودي حاجة مش سهلة عليه." عشق بسؤال: "ليه يا ماما؟ إيه حصله؟ "معلش يا حبيبتي، الموضوع ده حساس بالنسبة ليه، ولازم هو اللي يتكلم وقت ما يحس بده." *** وصلوا أمام شركة من أكبر شركات الأمن والحراسة. نزل زين ومحمد وحمزة ودخلوا الاستقبال:
"لو سمحت، عايزين نقابل أدهم الشهاوي." الموظف: "فيه ميعاد سابق؟ زين بنفي: "لا، بس ممكن تقوله المقدم زين المنشاوي عايزه في موضوع عائلي." هتف حمزة عم عشق: "قوله حمزة يونس المنشاوي، وهو يعرف." رفع السماعة وتحدث مع مكتب السكرتير الخاص، وبعد وقت: "تفضلوا، الدور الثالث." وصلوا أمام مكتبه، دلفوا للداخل. وقف أدهم وهو يستقبلهم: "تفضلوا." قام حمزة بتعريف نفسه:
"أنا حمزة المنشاوي، عم مراتك. وده المقدم زين ابني، وده الدكتور محمد ابن أخويا." أدهم: "تفضلوا." أردف حمزة: "إحنا بقالنا كام سنة بندور على أخويا، وعرفنا قريب أنه توفي هو وأسرته. ولما والدي عرف، تعب وأصر ندور تاني. عرفنا أن ليه بنت لسه عايشة، وجينا ناخدها، اكتشفنا إنها متجوزة، اللي هي عشق مراتك. فلو ينفع تيجي معانا عشان جدها يهدي ويرتاح." أرجع أدهم ظهره على كرسيه وأردف بهدوء:
"بس هي ما تعرفش إن ليها أهل عندها عشرين سنة، وما شافتتش حد من أهلها ولا مرة. إزاي تكونوا أهل؟ وقف زين وهو يخرج بعض الأوراق ويمد يده لأدهم: "دي كل الأوراق اللي تثبت إنها بنتنا." وضع الأوراق على جنب ببرود: "أنا عارف إنها بنتكم، دي مراتي. وكان لازم أعرف كل حاجة عن أصلها قبل ما أعطيها اسمي." محمد بلهفة: "يعني هي عرفانا؟ أدهم بنفي:
"لا طبعاً، أنا بس اللي عارف. ماكنش ينفع أزعلها وأكسر بخاطرها أنها من عيلة كبيرة وهي عايشة سنين يتيمة وحيدة وبتشتغل عشان تجيب مصروفها." شعروا بالخزي من أنفسهم، وأخفض حمزة وجهه. فكيف يقابل أخيه وهم قد فرطوا في لحمه، وهو كان أطيب وأحن قلب فيهم. حمزة ببعض اللين: "ممكن حضرتك تتفهم وضعنا. حالة والدي الصحية في تأخر، ووجود أي حاجة من ريحة ابنه هتريحه كتير. ده طلب إنساني، أتمنى أنك مترفضوش." ***
وصلوا الفيلا. أدخلهم أدهم غرفة الضيوف، واستأذن منهم حتى يبلغها بوجودهم. صعد إلى غرفتها، طرق الباب. دخل وجدها تجلس وهي تقرأ كتاب بيدها. رفعت عينها تقابله ببسمة مشرقة، بادلها إياها وهو يجلس جوارها يتناول كف يدها بين كفيه حتى يدعمها: "في ضيوف تحت عايزين يشوفوكي. مش عايزك تقلقي من حاجة، أنا موجود وعمري ما أسيبك، بس لازم تاخدي الخطوة دي عشان نقفل أبواب كتير مفتوحة من سنين."
تعجبت من طريقة حديثه، وهي تسأل عن هوية هؤلاء الذين يريدون رؤيتها. ثم وقفت فجأة بخوف: "ماما فاتن وانكل ناجي حصلهم حاجة؟ شعر برعبها ليرد بحنان: "لا، هم بخير. بس دول ناس جديدة في حياتك. البسي عباية أو إسدال وتعالي معايا تحت، وانت تفهمي كل حاجة." نزلت عشق ودلفت إلى غرفة الصالون، وجدت ثلاث رجال لا تعرفهم. شعرت بالخجل واستغربت من أدهم، فهي تشعر بغيرته عليها دائماً. من هؤلاء الرجال حتى يظهرها عليهم؟ ورغم حيرتها،
ألقت التحية: "السلام عليكم." نظر لها الثلاثة ببلاهة من جمالها، هم لم يتوقعوا مثل تلك الفتنة. مال محمد على زين: "مين دي؟ زين بذهول: "مش عارف. يظهر أنه تشابه أسماء." عشق بصوت هادئ: "السلام عليكم." رد الجميع: "السلام." قام أدهم، أخذ يدها، أجلسها جواره. نظرت له بتساؤل. ليهتف بتمهل: "دول أهلك يا عشق." رفعت وجهها لهم، ثم رجعت بنظرها له تتأكد من صدق كلامه. هز رأسه ليؤكد ما يقصده: "أنا ليا أهل؟
"آه يا حبيبتي، دول أهلك. ده عمك حمزة." كررت الاسم بحزن: "حمزة، وده الرائد زين، وده دكتور محمد ابن عمك يونس." عشق بدموع: "يونس." استغرب الجميع دموعها إلا أدهم، فهو يعرف ما تمر به. وجهت نظرها لعمها: "طب ليه سبتوني كل السنين دي؟ وليه عمري ما شوفتكم قبل وفاة بابا؟ حمزة بحزن من دموعها: "جدك هو اللي يحكيلك كل حاجة." "جدي؟ وعندي كمان جد؟ أدهم وهو يحتضن يدها بين يديه ليطمئنها أنه معها:
"بصي يا حبيبتي، أنتي من عيلة كبيرة جداً في الصعيد، وأكيد في سبب للبعد ده." هتف حمزة يستجدي عطفها: "إحنا جايين ناخدك لأن جدك تعب لما عرف بموت ابنه وعايز يشوفك ويبرد نار قلبه على ابنه." نظرت له بحيرة وتشتت دون رد. يعلم ما تمر به، لذلك هتف باحتواء: "أنا معاكي. عايزه تروحي، هكون معاكي. ولو مش عايزه، مافيش حد يقدر يغصبك." ثم ابتسم
لها حتى يخرجها من حزنها: "أهلك أول مرة يزورونا، عايزاهم يقولوا علينا بخلاء، مافيش غدا ولا إيه؟ قامت تمسح دموعها: "لا طبعاً، بيت أدهم الشهاوي بيت الكرم كله." التفتت تغادر، ناداها عمها: "عشق." التفتت له، فتح لها يده. نظرت لأدهم، فأعطاه الإذن بعينيه. ذهبت حضنت عمها وبكت بشدة، فهي لا تعرف ماذا تفعل. هل تكرههم لأنهم تركوها كل تلك السنوات تعاني الوحدة وتواجه العالم الموحش وحدها؟ أم تسامحهم لأنهم كل ما تبقى لها من أبيها؟
وتكتفي بسنين البعد. بعد مرور ساعة ونصف، وقفت على باب الغرفة وهي تبلغ أدهم بإنهاء تجهيز الطعام. وقف أدهم هو الآخر وقال بترحيب: "تفضلوا يا جماعة، نورتونا." جلسوا الخمسة على الطاولة في حالة توتر، وكل يسبح في تفكيره. بعد انتهاء الطعام، عرض عليهم أدهم المبيت والسفر نهاراً. لكن حمزة رفض، وهو يبرر سبب رفضه: "أنا والدي بينتظر عودتنا على نار، ولأزم نطمنه عشان حالته متسؤش." ***
في الصعيد، عاد الجميع بقلق من رد فعل جدهم لعدم العودة بحفيدته. ثار المنشاوي الكبير وهتف بغضب لم يراه الجميع منذ فترة طويلة: "فين حفيدتي يا حمزة؟ فين بنت أخوك؟ هتف ذلك الأخير: "أهدي يا بوي، والله هتيجي. بس المشكلة أن البنت طلعت متجوزة من شهرين يا بوي، وجوزها رفض تيجي لوحدها معانا، وهو مش فاضي في الوقت الحالي." صرخ المنشاوي عليه: "كيف مش فاضي؟ هو مش عارف إحنا مين؟
يفضي نفسه وياجي. جلبي جايد نار، نفسي أشوفها وأطلع فيها." "كيف ده يا بوي؟ نجيبها من جوزها غصب؟ هي دي أصول؟ "يا خير مين يطبق الأصول؟ هديء صوت الجد، فهو خير من يعلم أن الزوج له مكانته التي لا يجب كسرها أو تخطيها، وخاصة لدى ناس تحكمها الأصول والعرف. ليهتف بسؤال يريد به تهدئة روحه: "كيفها يا حمزة؟ مليحة؟ ليؤكد ابنه على كلامه:
"مليحة يا بوي، متزوجة من راجل كبير في السوق وكلمته مسموعة. بس البنت انصدمت لما قالها دول أهلك. حزنت وبكت كتير يا بوي، وليها حق بعد السنين دي تعرف أن ليها أهل." "أوصفيها يا ولدي، خليني أتشبع منها." رد زين بسرعة: "البنت حاجة صعبة يا جدي، مالهاش حل." لطمت هند صدرها وهي تهتف: "واه واه! لبسها عفش، ربنا يستر! أردف محمد برفض: "لبسها إيه يا مرت عمي؟ دي مش بتسلم على رجالة." نظرت له بحيرة: "أومال قصدك إيه يا ولدي؟
الجد بإستغراب من صمت حفيده الذي يراه صامتاً لأول مرة: "مالك يا زين؟ جول أول مرة تكون ساكت كده. في حاجة ضايقتك؟ أردف زين بحذر: "أبدا يا جدي، بس خايف أتكلم. فهد يطخني عيارين." الجد بعدم فهم: "ليه بس يا ولدي؟ رفع عيناه وهو ينظر اتجاه أخيه الكبير بتوتر: "أصل يا جدي، عشق دي حاجة كده من الخيال، ماتصدقش من شدة جمالها إنها حقيقية. تحسها أجنبية أو صورة مرسومة. أنا صراحة مش مصدق إنها ممكن تكون بنت عمي، حتى اسأل محمد."
ليؤكد محمد كلامه: "فعلاً يا جدي، أنا مع زين صاروخ يا جدي. يعني لو كنت لاقيتها بدري كان زماني متجوزها." فهد بغضب وصوت حاد: "أنت واقف من غير حياء ولا خشية تتغزل في بنت عمك قدامنا." نظر لجده: "شوفت بقي؟ عشان كده ماكنتش عايز أتكلم." الجد بفرحة كبيرة: "للدرجة دي عجبتك يا ولد؟
ثم أكمل بحزن وندم: "لما اتولدت عمك جاني يطلب العفو وأنه يجيبها حداي أشوفها وتتربى بيناتنا، بس أنا الشيطان كان عمايني. رفضت جلي يوميها لما تطل في وشها يا بوي، هتنسي كل شيء عفش بينا يا بوي. اعطيني فرصة أجيبها وأنا واثق أن النفوس هتتصافى. طردته وقلتله أنت وخلفتك محرم عليكم دخول أرض المنشاوي." تلك الذكرى تعتصر قلبه بقوة. يريد البكاء، لكن أبداً لم يظهر ضعفه أمام أحد، حتى أولاده وأحفاده، إلا ولده الفقيد.
اقترب منه زين، الذي يشعر بالحرب الدائرة داخل قلبه: "بكرة تشوفها يا جدي، وتقول عندي حق." هتف حمزة بتحذير: "لم الدور أنت وابن عمك. جوزها راجل صعب، ما تبصوش للهدوء اللي كان بيتعامل بيه. آه، إحنا ما بنخافش من حد، بس دي مرته ومن حقه يغير عليها ويحميها. ده أصول ما حدش يعديها." ثم ضحك وهو يهتف: "لو كنت شوفتهم يا بوي وقت ما دخلت علينا، فتحوا خشمهم كيف المسحورين. بس أكتر حاجة استغربتها، ليه لما سمعت اسم يونس وحمزة بكت؟ ***
في فيلا أدهم. بينما كان يجلس في غرفته يحاول طرد الأفكار التي تتلاعب به منذ ذهاب أهل عشق، ولا تعطيه فرصة للنوم. سمع طرقاً على باب غرفته. قام وفتح الباب، لكنه استغرب مما رآه وشعر بالصدمة. *** ... يتبع انتهى البارت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!