تحميل رواية «إنت عمري» PDF
بقلم امل مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى الأحياء الشعبية المتوسطة، تقف فتاة جميلة، رقيقة القلب والروح، تطرق باب المنزل بمرح وهي تدندن بحب. فتح الباب وقابلتها فتون ببسمة واسعة ارتسمت على ملامحها التي غزاها معالم الشيخوخة، عندما علمت هوية الطارقة. لهف قلبها قبل أقدامها اتجاه الباب، ترد روحها بتصرفات تلك الشقية التي أطلت عليها بوجهها الصبوح الذي يزيل الهم وينعش القلب. "صباح الورد يا فتون." ضمتها الأخيرة بقلب أم وهي تقبل وجنتها. "صباح الفل والياسمين على عيون حبيبتي." بحثت عشق بعينيها في المكان وهي تسأل: "فين بابا ناجي؟" شاورت لها ف...
رواية إنت عمري الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم امل مصطفى
نزل خالد وأيمن وهما في كتف بعضهما، وعيونهما حمراء، ومازالت آثار الدموع تلمع على رموشهما.
جلس أيمن جوار فردوس يبتسم لها بحنان، الفرحة والراحة تزين ملامحه.
بينما جلس خالد جوار زينب.
هتف أيمن يوجه حديثه للجد أنور:
"يشرفني يا حاج أنور أن أحط إيدي في إيدك نكتب كتاب خالد على زينب يوم الخميس لو يناسبك، والفرح كمان أسبوعين."
لم يكن يتوقع أنور أن يشعر بكل تلك السعادة عند تحديد زفاف زينب وبعدها عنه، لكن ما مرت به في الشهرين الماضيين جعله يعيد ترتيب الأولويات، وهي سعادتها في المقام الأول حتى لو تألم قلبه من البعد.
لذلك هتف بترحيب:
"ده شرف كبير لينا، وخالد نعمة وعوض من ربنا رزقني بيه على كبر، عشان يكون سند ليا ولأحفادي من بعدي."
انطلقت زغاريد الفرحة من فم سناء وفردوس بقوة جعلت الجميع يضع يده على أذنهما.
ابتسمت كل منهم باتساع لأن اليوم يعد الأسعد في عمرهما.
"يلا يا خالد خد عروستك وأهلها يتفرجوا على شقة بنتهم."
صعد الكل مع خالد ما عدا فردوس. ظلت واقفة حتى اختفوا من أمام ناظرها، وارتمت في حضن أيمن الذي استقبلها بكل الحب.
شكرته على حنانه وحبه لأولادها.
حرك يده على ظهرها وهو يهتف بصدق:
"أنا بعتبرهم ولادي وحقي من الدنيا، أنا بحبهم وأعطيهم عيوني لأنهم حتة منك يا فردوس، يا حتة من قلبي وروحي."
ضم وجهها بين كفيه وهتف بعشق:
"الروح في بعدك اتقتلت بسهم الفراق، وودفنت في قبور التمني والاشتياق. لحظة لقاكي نسيت إن العمر عدى، حسيت إن سبتك إمبارح، بس شوقي وحبي رجعوا شباب."
نعم، تفهم ما يقوله وما يشعر به الآن، لأنه يحدث معها أيضاً. لقد تقلص عمرها منذ ارتباطها به، وشعرت أنها مازالت تلك الصغيرة التي وقعت في هواه، ليست تلك المرأة التي ستصبح في القريب العاجل جدة.
الحب لا يعرف عمر.
لذلك هتفت بحب:
"وأنا كمان يا أيمن، في بعدك كنت جسد بلا روح، زي الغصن اللي من غير أوراق، بقربك أرتوي وغطاه الخير من عذوبة لقاك. بحبك يا عمري."
انحنى عليها يقبلها بحب، لكنه تركها فجأة عندما دخلت شوق تبحث عن أمها.
ابتسموا لبعضهم، وأخذتها فردوس وصعدت للأعلى.
تحت نظرات أيمن التي تتابعها بحنان، لقد أصبحت زهرة في أوج قوتها.
"دخلت عليهم بابتسامة: أيه رأيك يا زوبة؟ عجبتك؟"
"التفتت زينب حول نفسها بانبهار، لم تتوقع أن تعيش يوماً في مكان بهذا الجمال، وهي تهتف: تحفة، تحفة يا ماما! أنا مكنتش متخيلة إنها تكون بالروعة دي، ومافيش حاجة ناقصة أبداً."
عانقتها فردوس:
"تتهنوا فيها يا حبيبتي، وتكون قدم الخير والسعادة على قلوبكم يا رب."
***
نزل أدهم وعشق للأسفل، ثم توجهوا للصالون. وجدوا نعمة هي وغادة يتناولون الشاي.
القوا عليهم التحية وسألوا على يونس.
نظر كل من نعمة وغادة لبعضهما.
"عشق بحيرة من ضحكهم وهي تسأل: في إيه؟ ضحكونا معاكم."
"هتفت نعمة بحنان: قال إنه رايح يشوف الجد أنور، ولما عرف إنهم عند خالد قال: أنا أصلاً عايز أشوف خالد وأطمن عليه."
"صدعت ضحكة أدهم وهو يهتف: كذبت! أنا في حاجة أخوكي اتبهدل وهو لسه صغير، عمال يلف وري حبيبة القلب من بيت لبيت. صدق اللي قال الحب بهدلة."
"رددت نعمة خلفه: فعلاً الحب بهدلة ومرمطة."
جذب عشق من يدها وهو مازال يضحك.
ابتسمت عشق بحب على ضحكته النابعة من القلب، وهي تهتف:
"أنت غيران منه ليه؟ يعني إحنا كده بنحب بضمير ومش بنعرف نخبي مشاعرنا."
"مال عليها بشغف وهو يقرب شفتاه من وجهها، وأنفاسه الدافئة تدغدغ مشاعرها: أنت هتقوليلي؟ ما أنا عارف كل ده. هو أنا وقعت من قليل؟ عندكم قدرة غريبة في تصهير الحديد وإذابة المشاعر. يعني حالياً نظرة الحب اللي في عينك دي ضربت قلبي بعاصفة من المشاعر اللي بتقولي بلاها ملاهي."
بعد أن كانت تستمع له بحالمية، تحولت ملامحها لعبوس طفولي مم جعله يضحك بقوة وهو يقبل أربنة أنفها.
"يلا بينا على الملاهي. حلم عشق قلبي، أوامر لازم تتحقق."
بعد مرور نصف ساعة، وصلوا أمام الملاهي. نزلت بسعادة متناهية وركضت شمال ويمين، وهو يسرع في خطواته خلفها حتى لا يضايقه أحد.
وقفت جواره وهي تهتف بطفولة وتشاور على الألعاب:
"أنا عايزة أركب دي ودي ودي كمان."
"هتف أدهم برفض: على آخر اختيارها، بلاش دي هتخافي منه."
"تعالقت بذراعه وهي تتحدث بحب: عمري ما أخاف وأنت معايا."
وقف يقطع التذاكر، ثم توجه بها إلى القطار السريع. وكل مرة ينزل بها، ينقبض قلبها وتشعر بإنسحاب روحه.
تتمسك بيده بقوة وهي تغمض عيونها، تتذكر لحظاتهم الرومانسية حتى تطرد الرعب الذي تشعر به، بينما هو يتابع حالتها ليقرب وجهه منها ويتمسك أقوى بيدها كأنه يخاف خسارتها.
***
وصل يونس فيلا أيمن. دخل بلهفة يبحث عن كنزه الصغير. استقبله الجميع بترحاب.
توجه بسرعة لمكان شوق وهو يطمئن عليها، ثم تحدث بعتاب:
"كده يا شوق؟ كل لما أحب أشوفك ألف وراكي كده، ليه مش تقعدي في البيت؟ أنا مش بحب الخروج الكتير من البيت."
"تحدثت بطفولة: أعمل إيه يا يونس؟ أنا لسه صغيرة، ماينفعش أفضل في البيت لوحدي. عشان كده كل لما يخرجوا ياخدوني معاهم."
اقتربت الخادمة تبلغهم وجود المحامي.
نظر لأمه وأيمن بحيرة. تحول تعجب لما هتف المحامي بأنه يريد جميع الورثة حتى يفتح الوصية.
"هتف خالد بتعجب: ورثة مين ووصية إيه؟"
"تحدثت فردوس بضيق: أنا نسيت أبلغك إن شهاب اتوفى، والمحامي كان ينتظر خروجك من المستشفى عشان يفتح الوصية."
لم يظهر على خالد أي اهتمام من أجل الوصية، ولا الحزن من خبر وفاة أبيه.
"وهتف برفض: ورث إيه وبتاع إيه؟ إحنا مش عايزين حاجة منه."
نظر له المحامي بعدم تصديق من رفض ثورة بتلك الحجم، لكن ليس له دخل، هو يقوم بوظيفته فقط.
لذلك هتف:
"استلموا الحاجة وبعد كده أنتم براحتكم تبيعوها أو تفرقوها على الجمعيات الخيرية. أنا عبد المأمور."
ثم تركهم وذهب بعد أن فتحها أمام الجميع.
جلس خالد بعد ذهاب المحامي وهو يسأل والدته:
"مات امتى؟"
"من شهرين بعد ما دخلت المستشفى بأسبوع، جالنا الخبر."
"لازم تشوري أخواتك يا خالد قبل ما ترفضي."
"نظر لها بأعين متسعة: فيما آخذ رأيهم؟ أنا مش هدخل فلوس حرام على أخواتي، كله قرش منه قذر."
"الورث حلال يا خالد يا ابني، حتى لو كان مصدره مخدرات، ربنا يطهره لمجرد أن المال يصبح ورث بيكون مالحلال."
"كان هذا رد الجد أنور."
"أنا يا جدي مش عايز أي حاجة تفكرني بيه، عايز أنسى كل حاجة تخصه. هو مكنش موجود في حياتنا وهو حي، إزاي أخليه موجود بعد الموت؟ لو كان ينفع أغير اسمي وأمحى اسمه من جنب اسمي كنت عملته."
"تعكر صفو يومه وفرحة رجوعه. استغفر في سره وهو يحدث نفسه: منكد عليا حي وميت، حسبي الله."
استأذن خالد من الجد أنور بأنه يأخذ زينب ويجلسوا في حديقة الفيلا.
وعندما وافق، تحركوا للخارج. جلسوا على مقعد بين الزرع وهتف خالد:
"كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع."
"نظرت له بإهتمام: خير، سمعك."
"أنا عارف إنك ممكن تكوني متضايقة من موضوع وجودنا في الفيلا مع أيمن، لأنك مش هتكوني براحتك، بس أنا ضعفت قدام دموعه اضطريت أوافق. وفي نفس الوقت نجهز شقتنا، لو مرتحناش نرجع بيتنا بأي حجة. أيه رأيك؟"
"تحدثت بحنان: أنا وأنت عشنا عمرنا محرومين من حنان الأب. أنا بسبب وفاة بابا وأنا صغيره، رغم أن أمي وجدي مش قصروا معايا بحبهم وحنانهم، لكن الأب مختلف. يمكن أنا وأنت اللي نقدر ونحس بالفرق ده لأننا اتحرمنا منه. وأنت باباك عايش بس يعتبر ميت. لكن حقيقي أنا حسيت الحنان ده مع بابا أيمن في نظرته، في تصرفاته، في حبه وحنانه على أخواتك وخصوصاً نديه. وهو إنسان محترم جداً، ولا ده إحساسي بس؟"
"خالد بإبتسامة: لا عندك حق. متعرفيش لما بيحضني بكون زي الطفل الصغير اللي مش عايز يخرج من حضن أبوه، من جمال الإحساس ده."
"طيب يعني حبيبي مش منزعج؟"
"ابتسمت بحب: لا حبيبك هيكون كويس في أي مكان أنت فيه."
ابتسم بحب وهو يهتف:
"الباشا صرف لي مرتب شهرين، أيه رأيك نروح نجيب فستان الفرح؟"
"ضحكت زينب: أنا عملته من زمان، هو والبدلة بتاعتك كمان."
"نظر لها بعدم تصديق: بجد عملتيه امتى؟"
"تلافت بعيونها سحابة حزن وهي تهتف: بعد دخولك المستشفى بأسبوع، اليأس والحزن تمكن مني ودخلت في حالة صعبة لدرجة إني مكنتش بنام إلا لما آخد حقنة مهدئ. الدكتورة طلبت مني أفكر في حاجات إيجابية عشان أقدر أخرج من حالتي دي، ما لقتش حاجة أجمل من فستاني وبدلتك. كل يوم أسهر عليهم لحد ما أتعب وأنام مكاني، وأنا بعشم نفسي إنك راجع بالسلامة لحضني تلبس البدلة وأنا ألبس فستاني، والحمد لله ربنا كان رحيم بينا كلنا ورجعت بألف سلامة وحلمي يتحقق وهلبس فستاني عشان أزف لحبيبي."
كلماتها دائماً مثل البلسم لروحه. هتف بحب:
"حبيبك بيستنى بعد بكرة بفارغ الصبر عشان يضمك بحضنه."
***
"يلا يا حبيبي أدهم رن علينا كام مرة."
"روان: طيب ثواني أنا خلصت أهو."
خرجت ومراد يصفر:
"قلبي يا ناس على العسل بتاعي، كل مادة تحلوي أكتر من الأول، ارحمني."
اقتربت منه بحب:
"أنا بحلو لأني معاك وبين إيديك، أنت سبب جمالي وكلامك ده يزيدني فرحة."
"انحنى يقبل يدها التي على صدره: أنا بقول بلاها أدهم أو خالد، وخلينا في بيتنا أحسن، أصل أنا عايز أكتشف سبب الجمال ده كله إيه."
"لا يا سيدي، ماليش دعوة. أنا مش بخرج من زمان وعايزة أحضر أي حاجة، إن شاء الله سبوع."
"خلاص نحضر، ولما نرجع نشوف موضوعنا ده."
ركب سيارته ثم تحرك. وجد أدهم والحرس في انتظاره. توجهوا للحفل الذي كان في الحارة.
توقفوا بشكل يبهر الأعين ويرعب القلوب. عندما نزل أدهم ومراد و خلفهم عدد كبير من الجاردات.
استقبلهم خالد بترحيب كبير. جلسوا في الصوان وحضر المأذون وبدأ مراسم كتب الكتاب.
"مالت روان على مراد: فاكر يوم كتب كتابنا؟"
"رَمَقها بحب: أكيد طبعاً، مافيش حاجة تخصك بنساها. كل حركة أو همسة ممكن أحكيلك عليها. كل حاجة حصلت من يوم ما ده دق ليكي وهي جوه مش تفارقني، وكل أحلامي أمنياتي في الحياة إنك تفضلي معايا متبعديش عني لحظة. بحبك، بحبك يا مراد. أنت عوض ربنا اللي بحمده عليه ليل نهار."
"تعانقت العيون في نظرة عشق جميلة."
"فاق من تأثيرها على انطلاق الزغاريد."
"بقولك إيه؟ أنا مش قادر أتحمل أكتر من كده، يلا بينا."
"بس يا حبيبي."
"مافيش بس، يلا وإلا أرتكب جناية هنا."
أخذ يدها وتسلل دون أن يراه أحد.
***
"يبدو عليه الضيق وعدم الراحة."
"سألته عشق: مالك يا حبيبي؟ في حاجة مضايقاك؟"
"أبداً، أنا كويس."
"طيب ليه مش حاسة بكده؟"
"ما تشغليش بالك أنتِ."
"همست بحب: ماليش غيرك أشغل نفسي بيه."
"تمتم بصبيانية: مراد خد روان وهرب رايح يعيش حياته، ويونس قاعد جنب شوق ومش مخليها تتحرك."
كاد يكمل عندما أتت سناء تطلب من عشق الذهاب معها لأخذ رأيها في شيء.
توجهت معها للداخل وهي تشرح لها ما تريد من صنع جو رومانسي لخالد وزينب.
"عشق بهدوء: لا يا حبيبتي، ماينفعش كده في وش اللي رايح واللي جاي."
"وقفت تضبط المكان، وفردوس وندي تساعدها حتى انتهى."
"سناء وفردوس بإعجاب: تسلم إيدك يا عشق، ذوقك يجنن."
"تسلمي يا طنط."
"نتظر ندي على سيد حتى ينادي خالد حتى يبارك لزينب. وزينب تجلس بخجل في الغرفة التي جهزتها عشق لعشاء رومانسي للعروسين."
"أتى خالد وزغرد الجميع، واحتضنته كل من سناء وفردوس على التوالي."
"زينب بتستناك جوه عشان تتعشوا مع بعض."
"خالد برفض: ما ينفعش الوقت عشان الناس اللي بره."
"ندي برفض: ملكش دعوة، بابا أيمن وسيد هـايسدوا مكانك."
"دلف إلى الداخل، وجد الطعام موضوع على طاولة مزينة بالشموع، وهي تجلس بخجل تفرك يديها."
"تحرك تجاهها، غزت جسده رعشة لذيذة من فكرة أنها أصبحت حلاله على سنة الله ورسوله، مما زاد فرحته وقلبه يرقص بين ضلوعه من تلك المشاعر التي تملكتـه عندما طـل على ملامحها الرائعة."
"ثم جلس جوارها وهو يهتف بشغف: ألف مبروك يا زوبة."
"مازالت تفرك يدها وهي ترد: الله يبارك فيك يا حبيبي."
"مرر عيونه عليها بوله: أنتِ اللي قلب حبيبك وعمره الجميل اللي عمره ما تخيل إن ممكن يشوفه. آآآه لو تعرفي أنا حاسس بأيه الوقت يا زوبة، لما بقيتي على اسمي."
"لم تنطق وهو يكمل بندم وأسف: أنا مش عارف أقعد للعشاء معاكي عشان الناس اللي بره، بس هاكل معاكي حاجة على السريع عشان القمر بتاعي ما يزعلش."
ابتسمت له بخجل، تريد الاعتراض على تركه لها، لكن حياءها يمنعها.
ابتسم على نظرتها الخجولة وهو يردف:
"بس قبل الأكل عايز منك حاجة ضروري، ياريت مش تزعلي مني أو تفهميني غلط."
"رفعت عيونها بإهتمامه."
"في نظرتها وشدة جمالها، وأخرج أنفاسه ببطء يحاول السيطرة على مشاعره التي تضرب بجسده مثل صاعقة."
"فولت عالي وهو يهمس: هو أنتي كنتي ناقصة جمال؟ يظهر إنك هتزعلي فعلاً."
"تتابع تعبيرات وجهه التي تتغير بين الثانية والأخرى بحيرة، لا تعلم ما حدث عندما وجدت نفسها في أقل من الثانية أسرها بين أسوار أحضانه القوية، وقبلها بنهم ورغبة أهلكت عفته كثيراً."
"ظل يقبلها فترة كأنه غريق وهي طوق النجاة. نسي نفسه ونسي الناس، يعيش لحظات من الجنة ينعم بشهدها ودفء قربها الذي تحول في لحظة فزع عندما شعر بإنسيابها من بين يده. وعندما رفع وجهه يطالعها، وجدها فاقدة الوعي بين يديه من هول ما عاشته في تلك اللحظات."
"ضربها بهدوء على وجنتيها: زينب، حبيبتي، فوقي."
"أسف، لكنها لم تستجب."
"مال على الطاولة يجذب كوب ماء وهي مازالت بين أحضانه."
"جاء بكوب الماء ينثره على وجهها: فوقي يابت، الله يخرب بيتك، هنروح في داهية، هيقولوا عملت فيكي إيه؟"
"فتحت عيونها بتعب: في إيه؟ أنا فين؟"
"ضمها لصدره براحة وهو يهتف بمرح: منك لله يا شيخة، سايبتي ركبي كل ده عشان بوسة. أومال لو كنت عملت حاجة تانية هتموتي في إيدي."
"تحدثت بخجل وهي تبتعد عن أحضانه: أرجوك ما عنتش تعمل كده تاني."
"اتسعت عيونه مما تقول: ألا تعلم أنه دخل جنتها وتذوق شهد قربها، ولن يستطيع أحد على إيقافه أو إخراجه من نعيمها، حتى لو هي نفسها؟"
"وجدها مازالت تنتظر رده."
"لينظر لها بخبث وهو يهتف: أوعدك ما عدتش تتكرر لحد يوم الفرح، مقدرش أوعدك بأي حاجة تانية."
فتح تليفونه وهو يزيل أثر الروج من شفتاه ويمسح لها. وقبل جبينها:
"أشوفك بعد ما المعازيم تمشي."
ثم أكمل بتهديد:
"أوعي تنامي، أنا بقولك أهو."
***
"أخذها أدهم ونزل أمام البحر مثل يوم كتب كتاب ندي."
"ضم يدها بين دفء يده، يدها يسير بها وهو يهتف: عارفة أنا حاسس بأيه الوقت؟"
"نظرت له وهي تسأله بفضول: أيه يا حبيبي؟"
"أوقفها أمامه وحجزها من خصرها بين يديه وتحدث بهيام وعيونه تلتهم ملامحه بشغف: أنا هقولك مشاعري ليكي في شعر."
ابتسمت له بفرحة وهي تنتظر ما يقوله بلهفة:
"أقسم بقلبي الذي أحبك وهام بعشقك
إن لا أطيق البعد عنك ولو للحظات
فإن غبت عني تغيب روحي
أظل حبيس الإنتظار حتى أحدثك
حتى تطفيء لهيب شوق قلبي
أنت من حققت حلمي المستحيل
كتبت اسمك على قلبي
ووضعت صورتك بين العين
وأصبحت لا أرى ولا أتخيل غيرك
وأصبحت بــــك مفتون."
"ضمته بقوة ودموع: معقول كل ده جواك ليا يا أدهم؟"
"أنا اللي بعشقك يا حلم عمري اللي اتحقق بلقائك، ربنا ما يحرمنيش منك أبداً يا حبيبي."
***
وصل مراد المنزل وهو يبحث عنها بعيناه. يشتاقها بجنون.
ألا يهدئ ذلك القلب أبداً من العشق الذي يجري في وريده مجرى الدم من أجلها.
كم غريب هذا العشق، داء ودواء. قد يجعلك تعيش في سعادة فوق السماء، وقد يخسف بك الأرض تحت رمال الحزن والتمني.
ظل سنوات يموت من البعد، والآن يتنفس عشقها بكل حب وهيام.
مراد، مجرد نطق اسمه فقط أحياه. ماذا قد يحدث إذا اقترب ولمسها بيمناه؟
تحرك تجاهها كـمغيب، لم يتكلم، فقط يتأملها، يمرر عيونه على كل شبر في جسدها بعشق.
حرك أنامله عليها بنعومة نزولاً وصعوداً حتى أغمضت عينيها وتمنت قربه.
قضوا ليلة في غاية الروعة، لكن دائماً لا تكتمل الفرحة.
حيث صرخت روان من الألم.
توتر مراد وهو يتحرك حولها بضياع، لا يعلم ماذا يفعل.
قام بالاتصال على أدهم الذي رد بسرعة عندما تكرر الاتصال ورأى رقم مراد. علم أن روان تلد.
فتح الخط، سمع صراخ مراد كأنه هو الذي يتألم.
"طلب منه أدهم الهدوء حتى يعرف كيف يتصرف."
"ولكنه لم يستطع فعل شيء وهي في تلك الحالة."
"أردف مراد برعب: لا يا أدهم، مش هقدر أسوق وهي بالحالة دي، أرجوك تعال بسرعة."
"قفز أدهم من الفراش بسرعة البرق لأنه يعلم أن خوفه عليها سوف يضعفه، وخاصة وهي بتلك الحالة."
"هتفت عشق بتوتر: اتصل بالمستشفى، تبعت إسعاف ياخده."
"تعبها يزيد ومراد مش هيعرف يتصرف."
"قبلها أدهم وهو يؤكد كلامها: عندك حق، بس روحي صحي أمي بسرعة."
"ارتدت عشق أسدال وتوجهت لغرفة غادة التي قامت بسرعة ترتدي ملابسها."
"قابلهم أدهم ونزلوا بسرعة، ركبوا السيارة ثم تحركوا."
"اتصل بمراد وهو في الطريق. سمع صراخ أخته وبكاء صديقه وهو يصرخ به: بسرعة يا أدهم، روان بتموت."
"أدهم بخوف: بعد الشر عليها، الإسعاف في الطريق، يوصل قبلي. اجمد كده يا مراد، هي محتاجة وجودك الوقت."
"بسرعة يا أدهم، أرجوك مش قادر أتحمل منظرها ده."
"وصلت سيارة الإسعاف، وقف أدهم بسيارته وجدهم يدخلونها السيارة ومراد منهار جوارها."
"وصلوا المستشفى ودخلت غرفة العمليات، بينما جلس مراد على الأرض جوار الباب ودموعه تسيل."
"جلس أدهم جواره: مالك يا مراد؟ أنت عمرك ما كنت ضعيف."
"خرج صوته محشرج من البكاء: أنا مع أي حد مش ضعيف إلا روان يا أدهم، أنت عارف هي إيه بالنسبة ليا؟ دي حب عمري وكل حياتي. لو حصل لها حاجة مش هقدر أتحمل. أنت مش عارف أنا كنت عامل إزاي وهي بتتألم قدامي، كنت حاسس بروحي بتروح مني، كنت بموت من خوف خسارتها."
"انقبض قلب أدهم وربت على كتفه: إن شاء الله تخرج بالسلامة وتفرح بإبنك."
"على مقربة منهم تجلس عشق تحتضن غادة وهي تطمئنها بأنها سوف تكون بخير."
***
"الله أكبر، الله أكبر، بسم الله ما شاء الله."
"بدر منور يا زوبة، ربنا يحميكي يا قلبي."
"ابتسمت بخجل: شكراً يا ماما."
"قبلتها سناء وظلت ندي تزغرد بسعادة متناهية: أخويا يستحق تلك الملاك ولا يستحقها غيره، فهو كان لهم الأب والسند والحماية. لقد فتحوا عيونهم عليه، كان الأب والأخ، ورغم صغر سنه لم يجرحهم في يوم ولم يشتكي أبداً من ثقل الحمل."
"يقطعها من نفسه لأجلهم."
"خرجت في يد جدها، وخالد يقف تحت وعيونه معلقة بالسلم ينتظر ظهور ملاكه. يشعر بالتوتر الشديد. لا يعلم كيف يتحكم في نفسه أمامها الآن، يخاف عليها من جموح مشاعره الثائرة داخله مثل حمم بركانية لا يستطيع إخفاق ثورتها."
"أصدقائه يقفون خلفه يشدوا من أزره. توتره واضح وضوح الشمس لجميع الأعين."
"مال عليه هاني: أهدي كده يا وحش، بلاش تكسفنا."
"ضحك سيد على غضب خالد الذي يخفي خلفه توتره."
"أوعي يا خالد تكون من الناس اللي ينطبق عليهم مثل: من بره هلا هلا ومن جوه يعلم الله."
"كتم هاني ضحكته."
"بينما رمقه خالد بنظرة حارقة وهو يتحدث من بين أنفاسه: بايخ، على فكرة. أحمد ربك إنك جوز أختيك، كنت عرفتك إن بره وجوه واحد."
"نظر سيد وهاني لبعضهم وانفجروا في الضحك."
"كاد يخرج به جام توتره لولا نزول ملاكه التي خطفت أنفاسه بطلتها البهية، قطعة من الحسن والجمال كأنها منحوتة الجنة."
"لم ينتظر نزولها بل صعد وحملها بين يديه مثل عصفور صغير، تحت صدمة البعض وضحك البعض الآخر."
"نزل بها السلم تحت خجلها وتوجه بها إلى القاعة."
"هتفت سناء من بين ضحكتها: الواد اتجنن يا عيني، ده كان كويس وبعقله. ربنا يسامحك يا زوبة."
"عشق بضحك: والله قولتلها الكلام ده من فترة، مصدقتنيش."
"فردوس بسعادة: سيبوا ربنا يهني. تعب كتير يا قلب أمه وربنا أراد أن يعوضه."
"تمتمت عشق بفرحة: عندك حق يا طنط، بعد الصبر جبر."
"وضعها على كرسي الكوشة وجلس جوارها: ممنوع تقومي من جنبي، لا فيه رقص ولا غيره عشان ما ارتكبتش جريمة النهاردة، حتى لو صحباتك طلعوا برضه، لا."
"حاضر يا سي خالد، اللي تأمر بيه."
"نظر لها بذهول: مالك يا زوبة؟ لهجتك اتغيرت كده ليه؟"
"تتلاعب بمشاعره التي تتأجج أمامها، وهتفت بخبث: أبداً يا حبيبي، أنا زي ما أنا، بس الوقت أنت بقيت جوزي وحبيبي وواجب عليا الطاعة."
"تحدث بهمس: بت، أنتي أنا أصلاً مش على بعضي، مش ناقصة سهوكة."
"ضحكت وهي تداري وجهها بيدها."
"ابتسم على تصرفها، واقترب منها وهو يهمس: مين علمك الخبث ده يا روح."
"نظرت له بغرام وهي تهتف: أبداً يا حبيبي، بدلع عليك شوية."
"خالد بخبث: طب اثبت على وضعك ده لحد ما يتقفل علينا باب واحد يا روح حبيبك."
"كادت ترد عندما صدعت موسيقى أغنية ( لعيونك ) إليسا."
"جذبها وقام يرقص على نغماتها."
"في عيونك لغز وأسرار ❤️
في عيونك رحله ومشوار
في عيونك حسيت بأمان ❤️
في عيونك قلبي أنا غرقان"
"على كيفك وديني على كيفك و ناديني و خليني في عيونك"
"تتحرك خطواتهم على نغمات الموسيقي."
"حتى انتهت الرقصة. لم يرد إبعادها عن أحضانه، لكنه اضطر أن يجلسها عندما صعد أصدقائه للرقص معه."
"فرحة كبيرة القلوب يملؤها الحب والفرحة."
"بعد انتهاء الزفاف، ركب خالد السيارة وخلفه جميع السيارات حتى المطار. لقد حجز له أيمن تذاكر للإمارات حتى يقضي شهر العسل في ڤيلته هناك."
"لا أحد يصدق أن خالد البادي جارد الذي لم يكن يملك ثمن شوز لأخيه أو درس أخته، يعوضه الله بهذا الشكل، يقضي شهر العسل في دولة الإمارات ويعيش في فيلا."
"لكن الله وعد الصابرين بعوض يتعجب له أهل الأرض والسماء. كم أنت رحيم يا الله."
"(إن صبرتم أجرتم وأمر الله نافذ، وإن ضجرتم كفرتم وأمر الله نافذ)."
يتبع…
رواية إنت عمري الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم امل مصطفى
في الصباح،
نزل زين وخلود يفطروا في الخارج قبل إن يذهب بها جامعته.
توجه بها لإحدى الكافيهات،
ورغم إنهم من الأثرياء لكن كل شيء جذب اهتمامها.
دائما القاهرة بحياتها الصاخبة وشوارعها المزدحمة تخطف العيون.
سألها زين باهتمام:
"المكان عجبك؟"
تحدثت بحماس:
"كل حاجة هنا عجبتني، تحسي أننا في عالم مختلف عن حياتنا."
أحب حماسها وأراد تشجيعها حتى لا تشعر بغربة.
غمز وهو يهتف بتلاعب:
"طيب يا ستي، ليكي عليا كل يوم تروقي عليه فيه نروح مكان جديد."
تورد وجهها بخجل من مغزى كلماته،
تنهره بصوت منخفض:
"زين بطل هزار، إحنا حوالينا ناس."
ضحك بقوة لفتت نظر الجميع،
مما زاد إحمرارها.
لم يرحم خجلها وهو يهتف:
"حبيبتي أنت يا أحمر يا قمر، والله لولا إننا في الشارع كان فاتي بقطف براحتي."
لم تعد تستطع الإحتمال،
وقفت هو أيضا ومازال وجهه مبتسم من خجلها.
تتابعها عيون الحضور،
من الفتيات تحسدها على هذا الشخص المرح.
تحركت بخطوات سريعة،
بينما هو دفع الحساب وخرج خلفها.
يجذبها من خصرها تحت خجلها وهو يهتف:
"يلا يا مزة الصعيد ونوارة كلية الهندسة."
دارت ابتسامتها حتى لا يزيد في إخجالها.
ركبت جواره وتحرك بها حتى وصل ودخل من البوابة.
نزل من السيارة بشكله الرجولي الخاطف للأنظار،
ببشرته السمراء الجميلة وجسده المتناسق وتلك النظارة التي زادت هيئته وسامة.
توجه لبابها، فتحه وتناول كف يدها بين يده،
و توجه بها ليرى مواعيد المحاضرات وأيامها،
حتى يظبط أموره على مواعيدها حتى يفرغ نفسه في أوقات عودتها.
الكثير من العيون تتابع دخولهم الغريب،
وهو يمسك يدها مثل طفل صغير يخاف عليه من الابتعاد،
بينما هي تتحرك جوارها بخجل ورضوخ.
وصل بها أمام قاعة المحاضرات الخاصة بها،
واعطاها جدول محاضرتها الذي صوره بهاتفه.
وقف أمامها يتحدث بحنان،
يعلم جيدا رهبتها من المكان والأشخاص الذين يختلفوا عنها في كل شيء،
لذلك أراد دعمها عندما هتف:
"قبل ما تخلصي بعشر دقائق تلاقيني هنا في انتظارك، وأي حد يضايقك توقيفه عند حده وتبلغيني، اتفقنا؟"
هزت رأسها بموافقة.
يكرر كلماته:
"لو حصل أي حاجة رنه بس تلاقيني قدامك، أوعديني إن وقت ما تحسي بأي خوف أو قلق تكلميني."
هتفت بحب:
"حاضر أوعدك، وبعدين أنا ليا مين غيرك أحتمي فيه؟"
تركها وخرج في طريقه لمكان عمله الجديد.
ظلت تتابع ابتعاده بتوتر وهي تتنهد بحب.
سمعت خلفها صوت أنثوي:
"هييح يقطع الحب وسنينه، مين المز ده يا عسل؟"
التفتت لها خلود باستغراب:
"نعم."
ابتسمت لقاء وهي تهتف:
"نعم الله عليكي يا عسل، بقولك مين القمر ده؟ قريبك؟ خطيبك؟ أخوكي؟ ويارب يكون أخوكي، أصله عشش في الجمجمة."
طالعتها خلود بزهول تحول لغيرة وهي تهتف بحدة:
"جوزي يا قمر، يعني شيلي الفكرة خالص من دماغك."
وتركتها وابتعدت وهي تحدث نفسها:
"عديمي حياء."
لكن تلك لقاء لن تتركها،
عندما ركضت خلفها تضحك وهي تهتف:
"طب بس استني يا عسل، مالك خلقك ضيق كده ليه؟ أنا بهزر معاكي، هو أنت مش بتحبي الهزار؟"
وقفت خلود تتحدث بقوة:
"بهزر بس أي حاجة بعيد عن زين."
"الله اسمه زين، اسمه حلو قوي، اسم على مسمى."
فنخت خلود بغضب:
"وبعدين معاكي أنا صعيدية، وربنا يكفيكي شرنا لما نغير على رجالتنا، ممكن تروح فيها أرواح."
ضحكت لقاء بمرح:
"والله بهزر معاكي، أنا بحب الضحك والهزار."
ثم مدت يدها تعرف نفسها:
"أنا لقاء الفرقة الأولى."
خلود وهي تمد يدها:
"وأنا خلود الفرقة الأولى برده."
جذبتها لقاء وهي تشجعها:
"تعالي اعرفك على الشلة بتاعتنا."
سألتها خلود بتعجب:
"لحقتي تعرفي ناس وتكوني شلة؟ أمتى احنا لسه أول يوم، ولا أنتم كنتم مع بعض في ثانوي؟"
"لا أنا أول يوم ولسه بتعرف، بس كل ما أرتاح لواحدة بصمها لشلتي، تعالي اعرفك عليهم."
تحركت خلود جوارها وتوقفت أمام ثلاث فتيات وشابين.
توقفت خلود وهي تسألها:
"هي الشلة فيها شباب؟"
لقاء:
"أه أكيد، احنا زملاء."
خلود باعتذار:
"أسفة مينفعش."
نظرت لقاء بحيرة:
"ليه بس؟ دي صداقة محترمة ومافيش أي تعدي، وبعدين كده كده بنقعد جنب بعض وبنحضر العملي وكله مع بعض، هتفرق إيه؟"
خلود وهي تبتعد:
"أسفة جدا بعد إذنك."
توجهت للمدرج، اختارت مكان به بعض الفتيات وجلست.
لم تجد الوقت لإلتقاط أنفاسها عندما وجدت أحدهم يجلس جوارها وهو يهتف:
"الجميل أسمه إيه؟ أنا طلال."
نظرت ليده بضيق وهي تهتف:
"لو سمحت ابعد روح مكان تاني."
تف بضيق وهو يسحب يده:
"أنا أقعد في أي مكان، احنا هنا مش في مدرسة وكل واحد يعرف تختة."
ردت بعنف:
"طيب اشبع بالمكان، أنا سيباه وماشية."
**********
عند عشق،
ضمتها وهي تبكي:
"هتوحشوني يا ولاد على عيني أبعد عنكم."
ثم قبلة خالد قلب تيته:
"نعمة على عيني بعدك عني بس ماقدرش أسيب عمي أكتر من كده."
عشق بحنان:
"كفاية عياط يا ماما بقى، إحنا نجيلك ونكلمك فيديو."
غادة وهي تحتضنها:
"والله هنبقى نيجي بس لما روان تشد حيلها شوية."
يونس بملل:
"وبعدين بقى في وصلة العياط دي، أنا تعبت. فرحانين تعيطوا زعلانين برده تعيطوا."
ثم وجه حديثه نعمة:
"بعدين ما أنا قولتلك يا ماما تعالي نعيش هنا، أنتي اللي مش موافقة."
نعمة:
"مافيش حد يقدر يخلع جذوره بعد العمر ده ويعيش في مكان غير اللي أتربى عليه."
هتف بحزن:
"يعني لما أجي أتجوز هنا تعيشي هناك وأنا هنا مش ممكن؟"
نعمة برفض، فهي لم تستطع العيش دونه:
"لا يا حبيبي عمري ما أبعد عنك."
**************
دخل غرفتها وجدها تنام بعمق،
وإبنته تفتح عينها وتلاعب نفسها.
إقترب منها بحنان وحملها:
"قلب بابي وضحكته أنتي يا حبي."
ابتسمت وهي تحرك يدها على وجهه بعشوائية:
"تخطف القلوب."
إستنشق رائحتها بمتعة كبيرة:
"أنا بحبك قوي لأنك حتة من روحي، بس عمر ما حد ياخد مكانها في قلبي.
نفسي أخليها أسعد إنسانة في الدنيا.
عارفة يوم ميلادك حاسيت أني بكرهك عشان الألم اللي عاشته وحست بيه، بس لما شوفت ملامحك اللي شبها صفيت على طول وسامحتك."
تجلس خلفه وهي تهيم به عشقا،
لم تتخيل وجود حب بهذا الشكل وما يزيد إستغرابها أن يكون من نصيبها.
كلما تذكرت نفسها وهي تركض خلف وائل لتشتري منه الإهتمام والحب،
تلعن نفسها الغبية وتشعر بالإشمئزاز.
شعر بها وهي تضمه من الخلف،
وقبلة عنقه بنعومة جعلته يغمض عيونه بشوق ومتعة.
وضع صغيرته ثم التفت يجذبها لتصبح على قدمه:
"صباح الجمال على عيون حبيبي."
روان بخجل:
"فين الجمال ده بعيون منفوخة وشعر منكوش؟"
شغرز أنامله بين خصلات شعرها حتى يعيد ترتيبهم وهو يبتسم:
"إنتي ليكي صورة واحدة في عيوني مش بشوف غيرها، حتى بعد ما نعجز هفضل شايفك البنوتة الجميلة اللي خطفت قلبي."
إقترب منها وكاد يقبلها عندما بكت الصغيرة فجأة.
التفت لها مراد بضيق وهو يردف:
"أنتي يا بنت حد مسلطك عليا، وقت ما أقرب منها تعيطي، مانتي بقالك ساعة صاحية وساكتة."
ضحكت روان بأنوثة وهي تقبله بنعومة:
"وقف بغضب طفولي: أه أصل أنا ناقصك أنتي كمان."
ثم ترك الغرفة بضيق وضحكات روان تلاحقه لتزيد حنقه.
*************
في الجامعة عند خلود.
"مش تحن بقى يا قمر، بقالك شهرين وبرده تقلان علينا."
لم ترد خلود أو تعير أي إهتمام،
مما جعله يشتعل من الغيظ،
وخاصة عندما رأى نظرة السخرية في عيون أصدقائه.
لأنه دائما يتكبر بينهم بانجذاب الفتيات له،
ولا يوجد فتاة واحدة تستطيع مقاومته،
وهاهي حاول معها بكل الطرق على مدار شهرين لكنها لا تلين وأصبح محط سخرية أصدقائه.
تحركت بعيد عنه وهي تشعر بالضيق،
وقف خلفها.
ابتعدت إلى مكان آخر،
بينما اقتربت منها لقاء وهي تتحدث:
"إيه رأيك تيجي تتمشي معانا بنات بس مافيش أولاد؟"
خلود معتذرة:
"ماينفعش لأن زين جاي ياخذني، خليها مرة تانية إن شاءالله بس نكون بنات بس."
"طيب."
ثم نظرة خلفها:
"لسه بيضايقك؟"
أردفت خلود بضيق:
"ده شخص بارد جدااا، لو كان عندنا هناك كان أخواتي قتلوه."
إقترب منها مرة أخرى.
أردفت لقاء:
"مش رجولة إنك تضايق وحدة مش عايزة تتعامل معاك، الراجل بجد ما يفرضش نفسه على حد."
نظر لها بسخرية وهو يتحدث:
"خليكي في حالك ولا عشان مافيش حد معبرك."
تحركت خلود تبتعد بسرعة،
كاد يمسك يدها عندما شعر بكلبشة من فولاذ تمسك معصمه.
رفع عيونه قابلته عيون زين الوحشية التي تجلده دون كلام.
وقفت خلود بحماية خلفه وهو يتحدث لذلك الحقير بعنف:
"أنت بايع نفسك ولا إيه؟ عارف لو كنت لمستها كانت إيدك دي وحشتك."
ثم ضغط عليها بقوة وهو يكمل:
"بس للأسف عندي اللي يفكر في الحاجة ومش يعملها ياخد نفس عقاب اللي عملها."
ثم كسر يده التي بين يديه،
مما جعل الآخر يطلق صرخة ألم عالية.
لم يكتفي زين بذلك بل لكمه بقوة أوقعته وخسر إحدى أسنانه.
إقترب أصحابه لمساعدته لكن وقفة زين ونظرته جعلتهم يرتعبوا ويقفوا مكانهم.
تعلقت بخوف وإرتعاش بذراعه،
ضمها تحت ذراعه وتحرك بها للخارج دون كلام.
ركب سيارته وهو يسألها عن حدث،
قصت له كل ما كان يفعله.
توقف بالسيارة فجأة وتحولت ملامحه لأخرى متوحشة وأنفاسه تتلاحق من غضبه،
ثم التفت لها بضيق:
"أنا قولتلك إيه من أول يوم؟ لو حد ضايقك رنه بس أكون معاكي."
تحدثت بتوتر:
"كنت خايفة أزعجك في شغلك."
صرخ بغضب:
"يولع الشغل والدنيا كلها ولأن واحد حقير زي ده يلمسك.
أول وأخر مرة يا خلود."
الموضوع كان ممكن يطور وياخدك في عربيته.
نظرة له بصدمة.
هز رأسه:
أه هنا غير عندنا، كل يوم عشرات حالات خطف، تحرش واغتصاب.
عشان خاطري أعملي اللي بطلبه منك، ضروري.
اردفت بتوتر:
حاضر يا حبيبي، وأسفه على اللي حصل.
***************
في غرفة فهد، تأملها وهي تنام، قلبه يتألم من أجلها.
لقد تغيرت ملامحها، تغيّر كبير، برز عظم وجهها من قلة الطعام وكثرة النوم.
جلس جوارها وهو يحدثها بحنان:
ماسه حبيبتي فوقي بقي يا قلبي، وحشتيني قوي.
فتحت عينها بتعب.
ابتسمت له بضعف وهي تهتف:
وأنت كمان وحشتني.
وضع وجهه بين عنقها وهو يتحدث بشوق:
لقد حرم منها منذ فترة، حتى الكلام والطعام الذي كانت تشاركه كل يوم فقده في كثرة نومها.
وحشتيني ووحشني وجودك بين إيديا، مش مصدق أني بعيد عنك.
بقالي 3 شهور كتير قوي عليا يا عمري.
حركت يدها على ظهره بحنان:
أنا قولتلك أكتر من مرة أنا معاك، بس أنت اللي رافض.
ضمها أكتر لأحضانه:
خايف عليكي يا قلبي، كفاية التعب اللي أنتي فيه.
أكمل بحنان:
اللي أنا فيه أهون مليون مرة من حالتك الصحية دي.
همست له بحب:
حتى لو قولتلك أنت كمان وحشني!!
ابتعد عنها يتأمل نظرتها ويتأكد من صدق كلماتها، هل فعلاً تريده أم تقول ذلك لإرضائه.
نظرتها الراغبة جعلته يشتعل ذاتياً، لم يحتاج أكثر من مجرد نظرة اشتياق أثارت بحر مشاعره الهادئة حولته لفيضان أغرقهم معاً في بحر من العسل.
********
في غرفة عشق، كانت تتحدث لأول مرة بتلك الحدة مع أحد عندما هتفت لمن معها على الطرف الآخر:
اعرفي أنت وأخوكي إنكم في غربة ومافيش عندكم حد يشيل حد، ومسير الصغير يكبر.
على فكرة هم هنا عايشين كويس ومش محتاجين وجودكم، الكل هنا جنبهم ويرعوهم واحنا أحن منكم كتير، بس نقول إيه أهل وغصب عنهم قلوبهم بتشتاق لأولادهم.
كلمي أخوكي واتفقي معاه، أنا متكفلة بكل شيء من تذكرة الطيارة والفترة اللي هيقيموها عندكم، وكمان هعطيكوا تعويض تحملكم ليهم الفترة دي.
عايزة في خلال يومين يكون متصل بيهم، يقولهم أن ظروفه كانت صعبة ولما ظبطها عايزهم عنده، يومين وممنوع حد منهم يعرف أن أنا اللي طلبتو.
لو مرتحوش معاكم، أوعدك أن حتى جنازتهم مش هتمشوا فيها.
ثم أغلقت الخط وانفجرت في بكاء شديد.
كيف يكون الأبناء بتلك القسوة بعد تعب الأهل ومعاناتهم حتى يصلوا بهم بر الأمان.
دخل أدهم وجدها تبكي، سألها بلهفة:
مالك يا قلبي، حصل إيه؟
عانقته عشق وهي تبكي:
القسوة بقت كتير في القلوب، بتحايل على أولادهم علشان يحنوا ويجبروا خاطر أهلهم في الكبر ويكلموهم.
عايشين في إيطاليا من سنين طويلة وعندهم شغلهم الخاص.
المكالمة كل كام شهر، مافيش مرة جمعوا من بعض ياخدوهم شهر كل سنة حتى لو ظروفهم ضيقة، كنت عذرتهم بس مافيش سبب للجحود ده.
أونكل ناجي وطنط فتون مافيش أحن منهم.
تألم على حالتها وقلبها الذي لا يتحمل القسوة وهو يحدثها:
حبيبتي مش كل الناس زي بعض، في أولاد بيتعبوا ويشيلوا من بقهم علشان أهاليهم.
أنت عملتي اللي عليكي، ولو زعلانة أنا ممكن أقرصهم قرصة صغيرة تربية.
نظرت له بلهفة وهي تسأله:
بجد يا أدهم نعرف نعمل حاجة؟
غمز لها بمرح:
شوفي إيه يعجبك وأنا أعمله، هو أنت فاكرة أن معارفي واتصالاتي تقتصر على مصر بس؟
مسحت دموعها وهي تبتسم:
خلاص، لو متعملوش حلو معاهم نتصرف إحنا.
رن هاتفه برقم فهد.
فتح الخط بسرعة وظل يسمع ما يقوله في صمت.
ثم هتف:
طيب يا فهد، شوف عايز تيجي إمتى وأنا أحجزلك.
تمام، بكرة الصبح تجيلك سيارة إسعاف مجهزة تنقله.
لا متقلقش، ده مركز كبير ومتطور بتديره دكتورة أجنبية للحالات الحمل الحرجة، هكون في انتظارك.
تابع المحادثة بإهتمام وبعد إغلاق الخط سألته:
بردة حالة ماسه مش بتتقدم؟
لا، بيقول كل ما التعب بيزيد.
فعلاً ماما نعمة وكل البيت زعلان جداً على وضعها.
رواية إنت عمري الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم امل مصطفى
رواية إنت عمري الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم امل مصطفى
كان أدهم، وفهد، وسالم في طريقهم إلى الداخل، عندما اصطدمت كرة صغيرة بقدم سالم . انحنى يلتقطها وهو يبتسم، هاتفًا:
– عندكم حد بيلعب كورة؟
تعجب أدهم، فلم يكن يتوقع شيئًا كهذا، وهتف مستنكرًا:
– لا، ابني لسه صغير!
وما هي إلا لحظات حتى اقتربت فتاة في حياء، تطلب منهم الكرة بصوت خفيض. مدّ سالم يده مبتسمًا:
– اتفضلي.
بينما رحّب بها أدهم بلطف:
– أخبارك يا آنسة فريال؟ نورتينا.
لم ترفع عينيها، وهي تردّ بصوت خافت:
– منور بأهله... بعد إذنك.
تحركت مبتعدة، وعيون سالم تتبعها بصمت.
أما فريال، فعادت إلى صديقتها ووجهها محمّر من الحرج. ألقت الكرة على عزة بضيق وهي تهتف:
– ابقي العبي لوحدك بعد كده! خليتيني شكلي وحش وأنا بجري ورا الكورة، وألاقي نفسي وسط ثلاث رجالة! هيقولوا عليّ إيه دلوقت؟
وقفت عزة ببرود، واقتربت منها تمرر يدها على كتفها بحنان، قائلة:
– الكتكوت بتاعي يتكسف؟ يا ختي... كميلة!
بينما سألتها عشق بهمس:
– هو أدهم معاه حد؟
جلست بندم، وقالت:
– آه، معاه اتنين رجالة لابسين جلاليب.
---
في تلك الأثناء، كانت فردوس تبكي في غرفتها، يغمرها الحزن والعجز. لا تعلم كيف تتصرف، ولا مع من تتحدث.
دخل أيمن الغرفة بابتسامة:
– فوفه، حبيبتي... إنتِ فين يا قمر؟
لكنه عبس فور أن رآها جالسة، تعطيه ظهرها. اقترب من الفراش، حتى صار أمامها، فوجدها تمسح دموعها بحزن. جلس بسرعة، يسألها بلهفة:
– مالك يا فردوس؟ حصل إيه؟ الولاد كويسين؟
تأملته بصمت، وأعصابه كانت قد تدمرت من الخوف. قال بتوتر:
– في إيه يا فردوس؟ اتكلمي، أرجوكي!
هتفت بصوت مرتجف، تخشى ردة فعله:
– في أخبار مش كويسة... وخايفة من رد فعلك.
مدّ يده، يحركها على وجنتيها بحنان:
– تخافي مني أنا؟ أنا أيمن... حبيبك.
ليتها لم تتحدث، أو ليتني صُبت بالصمم، ولم أسمع تلك الكلمات التي غرست في جسدي كالسِهام، بلا رحمة، على يد أقرب الناس إلى قلبي...
قالت:
– أنا حامل... ومش عارفة إزاي! أنا باخد برشام!
اتسعت عيناه بصدمة، وكرر كلماتها:
– بتقولي... بتاخدي برشام؟ إيه؟ مش ممكن!
نكّست رأسها بحزن، فرفع ذقنها بيده، وهتف:
– بتبكي وتقولي "أخبار مش كويسة"؟! ده ربنا عوّضني بعد العمر ده بحِتّة منك! عمري ما كنت أتخيّل أن حاجه زي دي تحصل ...
شهقت، وهي تفهم خطأه لحالتها، وهتفت بسرعة:
– والله الموضوع مش زي ما أنت فاهم! أنا بتكلم عن الحياة والناس... أنا جدة! ومعايا خالد... راجل، ما شاء الله.
الناس مش بترحم، ومش عارفة الولاد هيتقبلوا الوضع ولا لأ!
وقف مبتعدًا، فقد جُرح من تفكيرها. هي تبحث عن رضا الجميع... إلّا هو!
وقفت تمسك يده برجاء:
– أرجوك يا أيمن!
جذب يده، وهو يهتف بحزن:
– أرجوك؟! آخر حاجة كنت أتوقعها منك إنك تفكري في مشاعر الكل... إلا أنا!
مش متخيلة أنا حاسس بإيه؟! وأنا حلمي المستحيل اتحقق في لحظة!
من غير إراده مني تمنيت طول عمري يكون ليا طفل... من صلبي، ومنك إنت بالذات! وبعد ده كله ألاقيكي شايلة همّ وزعلانه؟!
لو كنتي بتحبيني، كنتي فرحتي... ومفكرتيش في حد غيري.
ثم ترك الغرفة، وابتعد.
---
بعد يومين، لاحظ خالد أن أيمن تغيّر. به شيء يخفيه، وأمه أيضًا عيونها منتفخة، وصامتة دائمًا. أراد أن يعرف ما حدث، لكنه فضّل أن يتركهم حتى يتصافوا.
في المساء، طلب أيمن جمع العائلة. لاحظ الجميع التوتر بينهما، بينما وقف أيمن يتحدث بحزن:
– أنا طلبت أجمعكم النهاردة، لأن عندي موضوع مهم... وبما إنكم عيلتي الوحيدة، حبيت أرجع لكم قبل ما أتصرف.
جذب كلامه انتباه الجميع، ثم هتف بعتاب:
– فردوس... حامل.
شهقت البنات، بينما وقف الأولاد يركضون إليه ويحتضنونه بسعادة.
أما خالد، فقد ظلّ صامتًا... يعلم أن هناك المزيد.
أكمل أيمن بصوت منخفض:
– فردوس زعلانة... وشايفة إن حملها مني كارثة وفضيحة ليها وليكم. نسيت مشاعري أنا... وللأسف مفكّرتش فيها. علشان كده، حبيت آخد رأيكم. واللي هتقولوا عليه، أنا هنفذه من غير كلام... ننزل الطفل؟ ولا نسيبه؟
هتف الجميع دون تردد:
– نسيبه طبعًا!
سالت دموع فردوس بصمت... لم تكن تتوقع أن موقفها يجرحه بهذا الشكل. أيمن ينزف من الألم، وللمرة الثانية، تكون هي سبب جرحه... وهو الذي عاش عمره من أجلها.
كانت الشهور الماضية الأجمل في حياتها، حولها من ربة منزل ذابلة، إلى سيدة قصر مدللة. وماذا أعطته بالمقابل؟!
ابتسم لهم بحزن، وهو يقول:
– أتمنى تقدروا تقنعوها... بعد إذنكم.
تابعته بنظرات ملتاعة، بينما جلست بجوارها زينب وندى. تحدثت ندى بحنان:
– ليه عملتي كده يا ماما؟ وكسرتي فرحتكم؟
نظرت لها فردوس بخوف:
– خايفة عليكي يا حبيبتي... من مسخرة أهل جوزك، وحماتك، على أمك اللي حملت في السن ده! وعلى شكل أخوكي بين أصحابه...
أرادت ندى التخفيف عنها، فهتفت بسخرية:
– مسخرة إيه يا مزّة؟! دي حاجة ترفع الراس! إن أمي لسه صغيرة وبتخلف... مش هم اللي عجزوا!
أما خالد، فكان صامتًا منذ بداية الجلسة. كانت فردوس تترقب رأيه بشدة. فقرر أن يريحها:
– أولًا، يا أمي... ده أمر ربنا، وملناش دخل فيه.
– وعلى أصحابي وشكلي قدام الناس؟ ميهمنيش رأي حد. دي حياتنا، ومحدش ليه فيها غيرنا.
– أنا كل اللي يهمني دلوقت إنك تصالحي بابا أيمن... شكله موجوع من رد فعلك جدًا، وهو ميستحقش كده.
---
---
---
لم تصعد فردوس إلى غرفتها، بل خرجت إلى الحديقة تنتظر عودته. لم تجف دموعها، وكانت تراجع نفسها مرارًا وتكرارًا. علمت كم كانت قاسية عليه برد فعلها وكلماتها. حاولت التواصل معه، لكن هاتفه كان مغلقًا.
وبعد مرور ساعتين، عاد أيمن إلى المنزل، حزن شديد يملأ قلبه، يشعر بأنه كبر فوق عمره مما فعلته. أوقف سيارته وسار بأكتافٍ متهدلة نحو الباب، لكنه لم يصل إليه، عندما سمع صوت نداء فردوس.
حاول التماسك، ورسم البرود على ملامحه، حين رآها تقبل عليه بلهفة. ألقت عليه التحية، فردّها ببرودٍ وعدم اهتمام.
سالت دموعها مرة أخرى، وهي تشعر بنفوره وعدم رغبته في الحديث. هتفت بصوت متهدّج من البكاء:
– ممكن نقعد نتكلم مع بعض شوية؟
رفع عينيه، والتقت نظراته بعينيها المنتفختين من البكاء:
– لسه في حاجة عايزة تقوليها؟ أظن الموضوع منتهي... وإنتِ خدتِ قرارك.
أمسكت كف يده برجاء:
– أرجوك يا أيمن، اسمعني.
تحرك بجوارها بقلبٍ موجوع، من رد فعلها وعيناها المتورمتان من البكاء. هو الذي أخذ على نفسه عهدًا بتعويضها عن ما عاشته مع طليقها.
جلست، وجلس أمامها، يضع كفيه على الطاولة، ينتظر حديثها.
ابتلعت ريقها، تحاول جمع أفكارها، لعلها تنهي الحزن الذي بينهما.
قالت بصوت متهدّج:
– أيمن... بالنسبة لفردوس، الجنة اللي فُزت بيها بعد صبر طويل، على عذاب ومرار الحياة مع أسوأ شخص ممكن إنسان يقابله.
أنت الجبر اللي جه بعد الصبر.
أنا، قبل ظهورك في حياتي، كنت جثة... مالهاش أي قيمة.
حياتي كلها كنت بعافر علشان أوصل ولادي لبر الأمان.
كنت مدفونة حيّة، ويئست إن حد ينقذني. استسلمت للموت، ومع آخر نفس خرج مني... لاقيتك.
انتشلتني بكل قوتك، زلّلت التراب من على جثتي، ورديت فيها الروح.
يعني حياتي دلوقتي... ملكك أنت.
أنا آسفة إني جرحتك. آسفة إن الموقف شتّتني، ونسّاني إنك الوحيد اللي ليك الحق فيه.
رفعت كفوفه بين يديها، وانحنت تقبلهما بحب ودموع، مما جعل كل حصونه تنهار. وقف، وجذبها إلى صدره، يقبّل رأسها بحنان:
– قلبي وجعني قوي من رد فعلك اللي مكنتش مصدقه!
بقي إنتِ حبّيتي ولادك، وحافظتي عليهم... اللي من أكتر راجل بتكرهيه.
والطفل اللي جاي مني... تنفريه وتبقي كارهة وجوده؟
هتفت بنفي سريع:
– أبدًا يا أيمن! ابنك هيبقى أغلى الغاليين.
أنا دايمًا كنت بتمنى ولادي يكونوا شايلين اسمك، حتى من قبل ما أقابلك.
وحمدت ربنا إن مافيش واحد منهم خد جينات أبوهم، وإلا كنت مت بحسرتي!
ضمها بقوة:
– بعد الشر عليكي... إياكي تقولي كده تاني.
ثم ابتسم:
– إيه؟ مش هنحتفل بأجمل خبر؟!
ابتسمت، وهي تمسح دموعها:
– أكيد طبعًا نحتفل.
أخذها تحت جناحه، وتوجّه بها إلى غرفتهم.
---
في تلك اللحظة، دخل خالد غرفته، وأغلق الشباك وهو يبتسم. اقتربت منه زينب، وسألته:
– اتصالحوا؟
هزّ رأسه مؤكدًا:
– أيوة... بابا أيمن عاشق، والعاشق ميقدرش يزعل من حبيبه مهما جرح فيه.
تنهد قليلًا وأكمل:
– رغم إني انصدمت من موقف أمي...
إزاي حبيتي ولاد الراجل اللي بهدلك ودمر حياتك؟
وزعلتي لما حملتي من أكتر شخص بتحبيه؟
بس... أنا عذرها. هي خافت من كلام الناس ومعايرتهم.
لكن إحنا خلاص... بعدنا عن الحارة، وعن الناس اللي بتحشر نفسها في كل حاجة.
كان المفروض تفرح وتعيش حياتها بقى.
---
---
في تلك الشقة التي خُصصت لإقامة والد ماسة وأخيه خلال فترة علاجها، ساد الهدوء بعد يوم طويل من المتابعات والزيارات. جلس سالم إلى جوار أخيه إبراهيم، وكانت ملامحه تحمل شيئًا من التردد، لكن عينيه كانتا تلمعان بشيء من الحسم.
قال سالم وهو ينظر أمامه بثبات:
– أنا شُفت بنت في بيت أدهم… وعجبتني جدًا. وعايز أطلبها رسميًا.
انتبه إبراهيم على الفور، بينما قفزت صفاء من مكانها تصيح بفرحة غامرة:
– يا ألف نهار أبيض! ألف مبروك يا حبيبي!
لكن إبراهيم رفع يده قليلاً وقال بهدوء:
– استني يا صفاء… نفهم الأول. هي تبقى قريبة أدهم؟
هز سالم رأسه نافيًا:
– لا، صديقة مراته. ولما فهد سأله عليها، قال إنها إنسانة محترمة جدًا وأخلاقها عالية.
ابتسم إبراهيم وأومأ برأسه قائلاً:
– يبقى على بركة الله. كلّم فهد يشوف لنا ميعاد معاهم. ولو في قبول، نشرع في الجواز على طول. كفاية عزوبية لحد كده.
وفي مساء اليوم نفسه، كانت عشق تمسك هاتفها، تُجري اتصالًا بفريال. وما إن ردت فريال حتى بادرتها عشق بحماس:
– فريال، عندي لكِ خبر مش طبيعي! سالم، أخو ماسة، عايز يتقدملك.
تجمدت فريال لثوانٍ، قبل أن تنطق بدهشة:
– سالم؟! هو يعرفني منين؟ ده ما شافنيش غير دقيقة لما خدت الكورة منه!
ضحكت عشق وقالت:
– باين إن الدقيقة كانت كفاية بالنسبة له! قال إنه شاف فيك حاجة مختلفة، وسأل فهد عنك، وأكدله إنك محترمة وأخلاق.
تلعثمت فريال وهي تقول:
– بس… ده قرار كبير. أنا مش مستعدة ليه … ومش عارفة بابا وماما هيقولوا إيه.
طمأنتها عشق:
– قولي لهم، وهو هييجي البيت رسمي مع أهله. مش جاي يلعب.
---
في صباح اليوم التالي، كانت فريال تجلس مع والدتها في المطبخ، مترددة في فتح الموضوع. لكن نظرات والدتها كانت كفيلة بجعلها تتكلم:
– ماما، في عريس طلبني… عن طريق أدهم زوج عشق .
رفعت الأم رأسها بدهشة:
– عريس؟! إمتى وفين؟ هو شافك قبل كده؟
– شافني مرة بس… بعت يسأل زوج عشق ولما شكر في اخلاقي، طلب يتقدم رسمي.
دخل والدها في تلك اللحظة، لتعيد عليهما فريال الكلام. ساد الصمت لبرهة قبل أن يتحدث والدها بحزم:
– هكلم عشق وأسأل عليه ولو كويس يبقي علي خيرة الله
---
مرت أيام قليلة، وكان سالم يقف أمام منزل فريال، بجواره أخوه إبراهيم وصفاء، . استقبلهم والد فريال بكثير من التحفظ، لكن كلماته كانت موزونة، ورحب بهم بأدب.
بدأ الحديث بين العائلتين، وتحدث سالم بثقة وهدوء:
– أنا مشفتش فريال كتير، لكن شفت منها الاحترام والحياء، وده كفايه يخلي قلبي يرتاح ليها.
وأنا جاي النهارده أطلبها على سنة الله ورسوله.
نظر والد فريال إليه طويلًا، ثم التفت إلى ابنته الجالسة بخجل في طرف المجلس:
– فريال، رأيك إيه يا بنتي؟
نظرت فريال إلى الأرض، وصوتها بالكاد خرج:
– موافقة يا بابا… لو حضرتك شايف إنه مناسب.
ابتسم الأب أخيرًا وقال:
– طالما بنتي مرتاحة، يبقى على بركة الله.
امتلأ البيت بأجواء البهجة، وعقدت الخطبة في جو عائلي دافئ، حيث تجمعت القلوب على النية الطيبة والاحترام المتبادل.
كانت فريال، للمرة الأولى منذ زمن، تشعر بالطمأنينة. لم يكن سالم رجلاً وسيماً فقط، بل كان ناضجًا، صادقًا في كلماته، ومتحمسًا لحياة تبدأ بالحب والاحترام.
أما سالم، فكان يشعر كأنه حاز على كنز، وكل لحظة تمر قربها، تثبّت في قلبه أنها "الاختيار الصح".
---
اجتمعت فريال مع صديقتها المقربة عشق، و جلسن في الحديقة الخلفية للبيت، تحت ضوء القمر الهادئ، فيما كانت عزة تُعدّ بعض المشروبات الساخنة في المطبخ وتأتي بها إليهن بعد قليل.
عشق كانت تحدق في وجه فريال بإمعان قبل أن تبتسم بمكر وتقول:
– هااا... إيه رأيك بقى في العريس؟ لسه بتقولي ده واحد شفته دقيقة وكنت بجري ورا كورة؟
ضحكت فريال بخجل، ثم نظرت إلى السماء و ردّت بهدوء:
– مكنتش أعرف إن الدقيقة دي هتغير كل حاجة في حياتي.
اقتربت منها عشق، وضعت رأسها على كتفها بدلال وقالت:
– يعني بنحمد ربنا على الكورة اللي جات برجلك؟
هزّت فريال رأسها والابتسامة لا تفارقها:
– الحمد لله...
في تلك اللحظة، عادت عزة بصينية الشاي وجلست قربهما، وقالت بمرح:
– أحب أنا جو العيون والكلام الكبير ده، بس أنا اللي شايفة أنه داخل حامي علينا وعايز الخطوبه والفرح في يوم واحد !
انفجرن بالضحك جميعًا، لكن فجأة خفتت ضحكة فريال، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنظر لعشق بعينين ممتلئتين بالصدق والامتنان:
– تعرفي يا عشق... أنا عمري ما كنت أتخيل إني ممكن أعيش بعيد عن بيتنا، عن بابا وماما، عنكم. كنت دايمًا لما أسمع كلمة "غربة" قلبي يقبض.
أمسكت عشق بكفها برقة وسألتها:
– طب إيه اللي خلاك تقبلي فجأة؟
أجابت فريال بصوت خافت:
– سالم.
نظرتا إليها في ترقب، فأكملت وهي تسرح في الذكريات القريبة:
– من أول مرة اتكلم معايا، وأنا حاسة إن في أمان في صوته، في نظراته. كان بيبصلي كأني شيء نادر،
كأنه شايفني بعيونه غير اللي كل الناس بتشوفني بيها. ولما زارنا مع أهله، حسيت إن قلبه جاي قبل رجله. ساعتها بس... حسيت إني ممكن أسيب بيتنا، بس هبني بيت تاني معاه.
صمتت الفتاتان للحظة، تتأملان صدق كلماتها، ثم هتفت عزة:
– طالما كده، يبقى أنا بطالب بجائزة نوبل للكورة اللي خلتكوا تتقابلوا!
ضحكت فريال بحرارة، بينما عشق همست لها:
– إنتي هتبقي عروسة جميلة، وربنا كاتب لك الخير معاه. وأنا واثقة إنك هتبقي مبسوطة معاه .
مدت فريال يدها تمسك بكف عشق، ثم بكف عزة:
– من غيركم، مكنتش اوصل للثبات اللي أنا فيه دلوقتي. أنتم سندي … ربنا يخليكم ليا.
---
لم تمر سوى أيام قليلة على الخطبة، حتى بدأ الحديث الجدي عن موعد الزفاف. في العادة، كانت مثل هذه الأمور تأخذ وقتًا، لكن هذه المرة كان الوضع مختلفًا. سالم، منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا وصريحًا:
– مش عايز أطوّل الخطوبة… لو في قبول منكم، نبدأ نجهز على طول.
جلس مع والد فريال ووالدتها يتحدث بهدوء، لكن عينيه كانتا تفضحان لهفته. فريال أيضًا، كانت تبدو خجولة لكنها موافقة، ولم تُبدِ أي اعتراض.
تدخل والدها أخيرًا وهو يسأل بابتسامة خفيفة:
– مستعجل ليه يا سالم؟ لسه الناس ما لحقتش تفرح بيكم.
رد سالم بصدق لا يخلو من الحرج:
– أنا هسافر بعد شهرين شغل خارج البلد، ومش حابب أسيبها من غير ما تكون على ذمتي. كمان… أنا عايز أبدأ حياتي معاها بسرعة، من غير تأجيل.
نظرت الأم إلى ابنتها التي احمرّ وجهها خجلًا، لكنها أومأت برأسها في صمت. ابتسم الأب وقال:
– طالما ده طلبك، وإنتوا متفاهمين، يبقى نبدأ نجهز من بكره.
---
بدأت أيام التحضير تمر كالعاصفة. الجميع كان مشغولًا، وفريال كانت بالكاد تستوعب ما يحدث حولها. للمرة الأولى، ترتب غرفتها لتصبح "غرفة عروسة"، تجرّب فساتين، وتقابل مصممي الكوشة، وتختار الدعوات. وبين كل لحظة وأخرى، كانت تسرق دقيقة لتكلم سالم على الهاتف.
– متخيل يا سالم؟ أنا هبقى مراتك كمان أسبوعين!
ضحك من قلبه، ورد بلهفة:
– وأنا مش مصدق إني خلاص لقيتك. كنت فاكر إن نصيبي اتأخر، طلع مستنيك.
أما عشق، فكانت الأكثر حماسة في البيت، تتحرك كالنحلة، تتابع كل تفصيلة، وتمازح فريال طوال الوقت:
– اتجوزي بسرعة يا فريال، لحسن الولاد في الحارة هيقعدوا يعضّوا صوابعهم ندم!
---
في جلسة هادئة قبل الزفاف بأيام، جلست فريال مع والدتها في المطبخ. سألتها الأم بخفوت:
– إنتِ مرتاحة يا بنتي؟ كل حاجة ماشية بسرعة.
ابتسمت فريال وهي تمسك بكف والدتها:
– آه يا ماما، مرتاحة جدًا. سالم مش بس راجل، ده أمان، وأنا كنت محتاجة الأمان ده من زمان.
مسحت الأم على شعر ابنتها برقة، و همست بدعاء:
– ربنا يكتب لك السعادة يا بنتي، ويجعله سندك في الدنيا.
---
اقترب يوم الزفاف، وكانت القاعة تتزين بالأبيض والورود الهادئة. في قلب الحفل، وسط التهاني والزغاريد، وقف سالم يضع الخاتم في إصبع فريال، وهمس لها بهدوء:
– من النهارده، كل يوم هيكون لنا... مع بعض.
ابتسمت له، والدموع تلمع في عينيها.
– وكل يوم... هيكون أحلى بيك.
******
عند فهد
خرجت ماسة من المستشفى بعد تحسن حالتها بشكل لافت، و الابتسامة لا تفارق شفتيها، تلك التي كانت بالأمس باهتة و مكسورة.
كانت تسير إلى جوار فهد، وقد بدا عليه الإرهاق الممتزج بالامتنان، عينه تراقب خطواتها وكأنها تمشي فوق قلبه.
ركبت السيارة بهدوء، وأمسك يدها دون أن يتحدث، لم تكن الكلمات تكفي لتصف كم كان خائفًا من فقدانها، لكنها عادت، أقوى و أهدأ وأكثر إصرارًا.
---
مرت الشهور التالية كأنها قطوف من الجنة، لم يتأخر فهد لحظة في الاعتناء بها، كان يلازمه في كل خطوة، يحمل عنها عبء الأيام، و يحيطها بحب لم تشهده من قبل.
صحتها تحسنت، وروحها ازدادت إشراقًا، حتى جاء … يوم ولادة التوأم.
مرّت الساعات ببطء ثقيل، وكل دقيقة تحمل في طيّاتها قلقًا و مزيجًا من الدعاء والصمت. كانت ماسة في غرفة العمليات، تستعد لاستقبال أول أطفالها، والتوأم الأول في عائلة المنشاوي .
في الخارج، اجتمع الجميع في صالة الانتظار وكأنها بيت صغير اجتمع فيه النبض الواحد. كانت عشق تمسك يد والدتها بخوف، وعيناها لا تفارق باب العمليات.
جلس فهد على الكرسي المواجه للباب، لا يتحدث، لا يتحرك، عيناه كأنهما نُزعتا من وجهه و سُكنت في الداخل مع ماسة.
كان صوت أجهزة التنفس و الإشعارات في الداخل يختلط مع خفقات قلبه، وكلما مضت دقيقة، انحنى ظهره أكثر، و كأن الانتظار سلبه قوته.
جلس الجد المنشاوي الكبير في زاوية الغرفة، ساكنًا بصمته، يُسبّح بهدوء، ويداه تمسكان بمسبحته التي لم تفارقه يومًا،
لكن ملامح وجهه كانت مختلفة... فيها رجاء وخوف، وفيها لهفة لا تليق إلا بأب يخشى على قلب حفيدته التي لم ينجبها.
وفجأة... فتح الباب.
خرجت الممرضة وهي تبتسم، ثم قالت بنبرة هادئة:
– مبروك، المدام ولدت توأم... ولد وبنت، الأم بخير، بس محتاجة راحة.
ما إن نطقت حتى اندفع فهد واقفًا، ارتج جسده بالكامل، و تقدّم خطوتين لا يدري بعدها أيتكلم أم ينهار.
نزلت دمعة حارة على وجنته، أول دمعة تخرج من حصنه الذي ظل سنوات مشيدًا على الخوف والصبر.
ركضت عشق نحو الممرضة تسأل عن ماسة، بينما صفاء
احتضنت فهد وهي تبكي فرحًا:
– ألف حمد وشكر ليك يا رب... ألف حمد وشكر!
---
دقائق قليلة مرت قبل أن تُفتح أبواب غرفة الإفاقة، و تُدفع ماسة على سريرها ببطء نحو الغرفة الخاصة.
كانت مرهقة، ووجهها شاحب، لكن ابتسامتها الخافتة عند رؤية فهد وهو يركض نحوها كانت كافية لبعث الحياة في المكان.
انحنى عليها، أمسك يدها، ووضع جبينه فوقها، كأن روحه استعادت مكانها.
– ولد وبنت يا ماسة... والله نورتي الدنيا.
هزت رأسها ببسمة مرهقة، ثم أغمضت عينيها مطمئنة، فقد عاد قلبها إليها على هيئة فهد وصوته.
---
دخل الجميع الغرفة بهدوء، و احدًا تلو الآخر، ومع كل شخص دخل، امتلأت الغرفة بدفء جديد.
ثم دخل الجد المنشاوي الكبير، يتقدم خطواته بثقل سنين، لكنه كان يحمل بين يديه شيئًا مختلفًا… دعاء الأجداد.
اقترب من الحاضنة التي وُضع فيها الطفلان، مد يده بثبات، ورفع الطفل الأول – الولد – بين يديه، ثم همس في أذنه:
– الله أكبر… الله أكبر.
أذّن له كما فعل لابنه من قبل، وكما يأمل أن يُفعل له يوم رحيله. ثم أذّن للبنت، و قبّل جبينها.
جلس بعدها على الكرسي، يضم الطفلين على صدره، و تغمره دموع الرجولة الصامتة:
– أولاد فهد… أولاد المنشاوي.
---
خرج بعدها إلى الجميع وقال بصوته الحاسم:
– عشر عجول، العقيقة تكون في ساحة الدار الكبير، يتوزع لحمها على الغريب قبل القريب… عائلة المنشاوي استقبلت النور.
ضحك الجميع، وبكت صفاء، و احتضنت ابنتها ماسة وهي تقول:
– دي فرحة ربنا بيكافئنا بيها بعد سنين صبر.
---
كان ذاك اليوم ذكرى لا تُنسى.
الصور التي التُقطت، الدعوات التي رُفعت، الابتسامات التي تناثرت في الهواء، جعلت من تلك الولادة ميلادًا جديدًا للعائلة بأكملها…
و لفهد، كان الميلاد الحقيقي لقلبه، حين سمع كلمة "بابا" على لسان الزمن.
*******
بعد شهر بمنزل أدهم
نزلت درجات السلم بفرحة متناهية الحدود، لقد قتلها الشوق في تلك الفترة التي ابتعد فيها عنها.
لأول مرة منذ زواجهما، يتركها كل تلك الفترة.
ركضت نحوه بفرحة، استقبلها بين أحضانه بشوقٍ غامر، رفعها وهو يقبّلها.
ـ "وحشتيني... وحشتيني يا عشق الروح ونور العين."
ـ "إنتَ اللي وحشتني قوي، قوي يا أدهم. أول وآخر مرة
تبعد عني كل ده... أنا كنت بموت من شوقي ليك."
ـ "أوعدك ماعادش هتتكرر، لأنك وحشتيني أكتر بكتير... مكنتش مركز في أي حاجة."
نسي أمه وابنه، وظل ينهل من شهدها في محاولة فاشلة لإخماد نيران شوقه الثائر.
قالت بعشق، وهي تحرّك أناملها الدافئة على صدره:
ـ "يعني عايز تفهّمني إنك بين الأجنبيات دول، مافيش واحدة لفتت نظرك كده ولا كده؟"
ضحك بصخب، وهو يمسك يدها ويقبّلها:
ـ "هو كان في واحدة لفتت نظري قبلك علشان تلفت بعدك؟!"
ثم غمز لها بمرح:
ـ "رغم إن ده ما يمنعش إنهم حاجة جبارة... من الآخر."
هتفت بغيرة، وهي تضربه على صدره:
ـ "طب خليهم ينفعوك!"
جذبها قبل أن تبتعد، لتقع على صدره مرة أخرى.
مرر عينيه على ملامحها بعشق، ورفع بعض خصلات شعرها بأنامله، وهو يتحدث بحنان:
ـ "مليون مرة أقولك... و لآخر يوم في عمري..."
وضع يدها على قلبه:
ـ "ده فتح علشانك وقفل تاني عليكي. لا بشوف، ولا بسمع، ولا بحس غير بعِشق... عشق بس، هي اللي ملكتني."
ضمّت نفسها أكثر لحضنه، قلعته الحصينة:
ـ "وأنت كمان يا أدهم... من قبل ما أشوفك، وأنت فارس أحلامي. وبعد ما شوفتك، بقيت كل أحلامي.
ربنا يخليك ليا... إنتَ عمري الجميل اللي ابتدى بوجودك.