تحميل رواية «انت لي» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
طوال عمري أحلم أن أقابل جنية شابة، صغيرة وجميلة وأنيقة، قادرة على التشكل بالصورة التي ترضيني. من أجل ذلك استمتعت بكل قصص الجان وشاهدت على التلفاز كيف تبدو الجنية أنيقة وجميلة ببياض الثلج في فيلم مملكة الخواتم. قرأت روايات العم حسن الجندي ولم أرَ خلالها إلا الرعب وفكرت في نفسي: لماذا كل هذا الجحيم؟ الأوصاف المرعبة؟ أين ذهبت الرومانسية والدلال؟ عملت على نفسي وزرعت بجوار منزلنا حديقة كبيرة المساحة، زرعتها بأشجار كبيرة وكل أنواع الورد وعشب أخضر على الأرض. سمعت جدتي تقول إن الجنيات لا يظهرن إلا بعد ا...
رواية انت لي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اسماعيل موسى
كانت كل قلاع الشمال قد سقطت أمام جيوش القائد تيكن، ولم يتبقى له إلا قلعة اوتاخ. كان تيكن يضرب بقبضة من حديد حتى سبقته سمعته أنه المارد الذي لا يرحم، تلك الشهرة التي سمحت له بالاستيلاء على عدد من القلاع دون قتال. مستسلمة رافعة الراية البيضاء، سقطت القلاع، رغم ذلك سمح تيكن لجنوده باغتصاب نساء جن القلاع المستسلمة، وقتل كل قاطنيها وتعليق جثثهم على أسوار القلاع. كانت مذبحة هائلة، تضخمت مقولة أن تيكن لا يمكن أن يهزم. وهربت فلول الجان تجاه قلعة اوتاخ، آخر حصن منيع بالشمال. كان تيكن يرسل طبيعة جنوده، حراس أقوياء من الغيلان والفيلة والدببة المتوحشة، تحرق القرى وتنشر الرعب.
كان تيكن يجهز خططه وكان عليه الانتظار حتى انقضاء الشتاء لصعوبة تقدمه خلال الثلوج. لم يكن في عجلة من أمره وقام بفرض حصار على قلعة اوتاخ حتى يمنع عنها المؤونة والعتاد.
كانت كيرا آخر شخص رأى يوسف. وعندما أخبرت هيترا بذلك، لم تبدِ هيترا سعادتها. كانت تعلم أن يوسف خلال رحلته سيفقد ذاكرته وربما يحب فتاة غيرها. هناك شيء آخر كان يزعجها، عدم إمكانية التواصل معه داخل أسوار مدينة الأشئ. إن المعاهدة التي أبرمت تحرم ذلك. كانت مجموعة من حكماء الجن قد وضعوا تعويذة لا يمكن كسرها لعدم إمكانية أي جني العبور لداخل أسوار تلك المدينة.
قالت كيرا لهيترا: "لماذا أنت منزعجة إذا كنتِ واثقة أن ذلك البشري قادر على إنقاذنا؟"
أجابت هيترا: "أنا لم أفقد ثقتي بيوسف أبداً، لكن أخشى أن يصل للحقيقة بعد أن يكون تيكن قد قام بتدميرنا."
كانت هيترا في الآونة الأخيرة قد قامت بتمهيد نفق يسمح لنساء وأطفال الجن الهرب إذا سقطت قلعة اوتاخ. كان ذلك أكثر همها، الأطفال والنساء. كما أنها حاولت التواصل مع الأنصاف، وكان عددهم كثير جداً لكنهم رفضوا التعامل معها رغم كرههم لتيكن. قالوا: "إذا لم يظهر صاحب التميمة والسيف فلا أمل لنا، لماذا نقتل أنفسنا في سبيل قضية خاسرة."
وضحت لهم هيترا أن صاحب التميمة سيظهر، لكنهم قالوا: "عندما يظهر كما تقول كتبهم سينضمون إليه."
لم يكن لديها أي طريقة لإقناعهم وكان عليها أن تلزم الصبر والدعاء لصاحب التميمة.
كان آدم وأنتونيتا ينتظرون دورهما لدخول القلعة، وكان معتاداً أن يتم فتح أبواب القلعة صباح ذلك اليوم الذي وصلا خلاله للعاصمة. لكن ذلك تأخر. كان هناك شيء غريب يحدث داخل أسوار القلعة، شيء هام وخطير دفعهم لعدم السماح لأي شخص بدخول القلعة.
تجمعت الحشود أمام باب القلعة الكبير تنتظر بفارغ صبر أن يسمح لهم ببيع بضائعهم والعودة لقراهم مثل كل مرة.
لم تفتح أبواب القلعة ذلك اليوم ولا اليوم التالي، واضطر آدم وأنتونيتا أن يناما أمام باب القلعة مثل الكثير من شعب مدينة الأشئ.
كان الملل قد تسرب لرهط كبير من العامة وانصرف معظمهم، إلا أن أنتونيتا قالت إنهم سيفتحون البوابة وطلبت من آدم أن يتحلى بالصبر.
كان آدم جالساً متكئاً على جذع شجرة يهش الذباب ويقضم أظافره عندما اقترب موكب كبير وحاشية أنيقة كانت تتقدمهم فتاة تمتطي ظهر جواد أسود يحيط بها الحراس من كل ناحية.
عندما اقترب الموكب من البوابة، وفور رؤية الجواد لآدم، انتابته حالة من الهيجان ومرق بصاحبته بأقصى سرعة مبتعداً عن الموكب تجاه آدم. حاول الحراس أن يلحقوا به دون فائدة، وكان الجواد على وشك الإطاحة براكبته حتى وصل آدم الذي وقف أمامه. رفع الجواد قائمتيه الأماميتين، لم يتحرك آدم من مكانه، وعندما لمس الجواد عاد إليه هدوئه.
الفتاة التي انبهرت بما شاهدته طلبت من آدم أن يرافقها لداخل أسوار القلعة. وسمح له الحراس بالدخول أخيراً. كانت الفتاة ابنة قاضي المدينة وعرضت عليه أن تستضيفه في قصرها، لكن آدم اعتذر لها، قال إنه سيبيع بضاعته ويعود لمنزله.
تم لآدم ما حضر من أجله، وكان على وشك الخروج من باب القلعة الكبير، لكنه تأخر عن الموعد بنصف ساعة، فقد كان الوقت عصراً، إنه وقت نزالات المدينة.
سأل آدم أنتوليتا: "ماذا يعني ذلك؟"
قالت أنتوليتا: "إنه أحد قوانين مدينتنا، كل يوم بعد العصر تقام نزالات مميتة، يحق خلالها لكل فرد أن يطلب أي شخص بينه وبينه نزاع للقتال في الساحة العامة. قالت إن الكبار لا يتقاتلون، إنهم يجعلون عبيدهم يقومون بتلك النزالات. إذا أرادوا الانتقام من شخص لا يروق لهم، كل ما عليهم أن يطلبوه للنزال ويوكلوا شخصاً مدرباً وقاتلاً لخوض النزال عوضاً عنهم."
"لكننا بعاد عن كل ذلك، سنقضي ليلتنا وبالصباح نرحل."
"يمكننا مشاهدة تلك النزالات؟"
"من بعيد يا آدم، من بعيد."
بعد قليل اجتاحت الحشود ساحة المدينة وأخذت بطريقها آدم وأنتونيتا وفرقتهم عن بعض.
جعل آدم يتابع النزالات والوحشية التي تقام بها، دماء منثورة، أعضاء مقطعة، نواح وضحكات، خليط فوضاوي لانعدام الإنسانية. حتى وقعت عينه على ابنة قاضي المدينة التي سمحت له بدخول المدينة.
كانت هناك جالسة بين وصيفاتها، لكن ليس لوحدها. على مقربة منها كانت تجلس عدة فتيات لديهن وصيفات أيضاً، لكن من بينهن كانت واحدة يبدو أنها مهتمة بالنزال القائم، حيث كانت تصفق بيدها وتضحك. كان الشخص الذي يخوض النزال يتلقى التعليمات بإشارة من يدها.
اقترب آدم من ساحة القتال. كان هناك شاب نحيف يترنح بضربات رجل متوحش أسمر البشرة. كان بطول مترين قوي البنية وملامحه قاسية وبغيضة.
حمل ذلك الرجل الشاب النحيف فوق يديه وتركه يسقط على الأرض من عل. صرخ الشاب من قوة السقطة. ونظر ذلك للرجل تجاه تلك الفتاة التي أشارت إليه أن يجره من شعره ويمسح به أرض ساحة النزال. فعل الرجل ما طلب منه، قبل أن يضع قدمه فوق رأسه ويصرخ: "كيف نتجرأ بالنظر لأسيادك؟"
لم يستطع الشاب الحركة. "ستموت الآن تحت نظر والدتك الحقيرة التي لم تعلمك الأدب." وأشار بيده لسيدة تقف وحيدة صحبة فتاة غارقة بدموعها. حول آدم نظره تجاه تلك المرأة وابنتها، والتقت عينيه بها. كانت نظرة مطولة ترجته خلالها دون كل الناس أن ينقذ أخاها. كانت الفتاة قد أشارت لمقاتلها أن ينجز على ذلك الشاب. رفع الرجل الشاب مرة أخرى بسهولة واستعد أن ينفذ حركة كسر الظهر بإسقاطه على كلتا ركبتيه.
شيء ما حرك آدم لداخل ساحة القتال حين سمع صوت أنتوليتا: "آدم."
أدم، التفت آدم للخلف سعيداً برؤية أنتوليتا، لكن قبل أن يتراجع خطوة للخلف، حكم الساحة منعه من ذلك. "طالما أن قدمك وطأت أرض ساحة النزال فأنت الخصم الآن."
ترك الرجل الشاب النحيف المحطم ووجه نظره تجاه آدم.
رواية انت لي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم اسماعيل موسى
حملت المرأة وابنتها ابنهما من الحلبة فاقد الوعي وجلسا بمكان قريب يتابعان النزال المرتقب.
كان الحماس قد غمر العامة والتفوا حول الحلبة كحيوانات جائعة.
بالجهة الأخرى، كانت الفتاة التي تتحكم بذلك المقاتل اشتعلت غضباً.
اقتربت من الحلبة وصرخت: "ضرغام بلا تعليمات، أريدك أن تقتله!"
ارتسمت ابتسامة على وجه ضرغام.
صرخ بعض المشجعين: "اقتله، اقتله."
كان نزالاً غير عادي وأدركت أني ميت.
عندما حاولت الهرب، منعني العامة.
ألقوا بي لداخل الحلبة كطوبة مغصوبة على أمرها.
اقترب مني ضرغام ووجه لكمة قوية لوجهي.
صددتها بكوعي، وانزلقت على الأرض ووجهت له ركلة بقدمه اليمنى أجبرته على الانحناء على الأرض.
قبل أن أقفز بكلتا قدمي وأرفسه بصدره.
تكوم ضرغام على الأرض.
كنت أنفذ حرفياً التمرينات التي رأيت صاحب قارب العبور ينفذها دون إرادتي.
مجرد آلة حرب محشوة بيد قائد متمرس.
ألزمت ضرباتي الحشود على الصمت.
اقتربت ابنة قاضي المدينة ولوحت لي بيدها.
وقف ضرغام مرة أخرى واندفع نحوي كثور هائج.
ضممت قبضتي ولكمته في فم صدره ولويت قبضتي.
صرخ ضرغام من الألم وهو يمسك معدته.
"كن مكاني!"
ركضت نحوه وقفزت فوق كتفه وضربت رأسه بكوعي اليمنى بكل قوة.
ضربات متكررة سريعة.
خر ضرغام بمكانه وسقط أرضاً.
أشار حكم الساحة لانتهاء النزال.
حملوا ضرغام.
كنت أنا أبحث عن انتونيتا.
وجدتها هناك بجوار الشاب تحاول إنعاشه.
أقسمت علينا والدة الشاب أن نقضي ليلتنا بمنزلها.
حملنا الشاب وكان منزلها على أطراف المدينة في زقاق قذر.
كأنه مثلي قمامة.
أرقدنا الشاب على حصيره من القش.
وقبل أن تستريح مؤخراتنا على مصطبة من العجين أمام المنزل، اقترب منا حارسان يتقدمهما كهل يرتدي قلنسوة بيضاء.
"ها قد بدأت المشاكل!" خمنت انتونيتا.
اقترب منا الرجل الكهل وسأل: "أين المدعو آدم؟"
أظهرت نفسي أمامه لكن بحذر.
عاينني الكهل قبل أن يقول: "أنا طبيب الأميرة جوانا، ابنة قاضي المدينة. أرسلتني سيدتي لمعالجة جراح الشاب الفقير."
اصطحبنا الطبيب لداخل المنزل.
والدي راح يعالج الشاب فاقد الوعي.
عدد لنا الطبيب اثنتي عشر كسراً، وعشرات الكدمات والتمزقات.
لكنه سيعيش، أكد الطبيب.
"لدي رسالة لك من سيدتي."
مد ورقة مطوية لي.
فردت الورقة وقرأتها بعيون انتونيتا.
"أتت في خطر محدق. سيرا، ابنة قائد الجيش، تعتبرك عدوها الأول. وليكن بعلمك لا أحد يستطيع أن يقف أمام رغبات سيرا. لدي معارفي لذلك عليك أنت ووصيفتك أن تقصدا بوابة المدينة. ستجد هناك جوادين. عليك أن تنطلق فوراً وتغادر المدينة."
"لنذهب!" قررت انتونيتا.
منحنا الحراس أحد الجوادين وانطلقنا تجاه بوابة المدينة.
كان الجوادان مقيدان بشجرة.
قلت لانتونيتا: "هل تستطيعين ركوب الخيل؟"
ترددت، قالت: "أجل."
رفعتها فوق أحد الجوادين وارتقيت جوادي.
كانت البوابة قريبة.
لكن قبل أن نصل هناك، كانت هناك مجموعة من الجنود.
قائدهم يصرخ بحارس البوابة.
انزوينا خلف مبنى قديم وانتظرنا رحيله.
ألقى ذلك القائد تعليماته وقصد منزل السيدة العجوز وابنها.
عندها انطلقنا تجاه البوابة.
كانت الرسالة واضحة: هناك شخص سيساعدكم.
اقتربنا من البوابة وأشار لنا حارس أن نترجل ونتبعه.
قال: "اتبعوني سأخرجكم خارج الأسوار."
من باب صغير قدنا الجوادين خلف الحارس.
قبل أن نصل خارج الأسوار، استوقفنا حارس قوي.
أشار لنا صاحبنا أن نهرب.
رفعت انتونيتا فوق جوادها وارتقيت جوادي.
بينما كان الحارسان يتبارزان.
استطعت الهرب بجوادي إلى خارج الأسوار، لكن انتونيتا تعثرت وسقطت على الأرض.
تركت جوادي وعدت لانتشالها، لكن الحراس أحاطوا بنا ولم أستطع مقاومتهم.
كبلونا بالحديد واقتادونا خلفهم كالرعاع.
كان السواد حالك.
سرنا لفترة طويلة تجرنا الأحصنة حتى وصلنا باب قلعة كبيرة.
أدخلونا خلاله.
اقتادونا داخل رواق طويل انتهى بزنازين كثيرة.
ألقوا بي داخل إحداهن.
بعدها اقتادوا انتونيتا ولم أراها مرة أخرى.
لوقت طويل لم أتوقف عن الصراخ، السب واللعن.
أرجوهم أن يشرحوا لي سبب اعتقالنا.
لم أتلقى أي رد.
التصقت بجدار الزنزانة بقلة حيلة ويأس.
بعد مدة طويلة سمعت خطوات تقترب.
فتاة عشرينية متنمرة يتبعها حارس خانع يحمل مقعداً.
أشارت بيدها، وضع الحارس المقعد بيد مرتعشة.
جلست الفتاة على المقعد خارج الزنزانة تنظر إليّ لمدة طويلة دون أن تنطق بكلمة.
"أنت؟ أنت؟"
لم أكن راغباً في الكلام لذلك لم أرد عليها.
"ألا تسمعني؟"
ظللت أرسم أشكالاً على تراب الزنزانة بأصابعي دون أن أنظر إليها.
وقفت الفتاة بمكانها وظلت تضحك بصوت عالٍ جعل جدران السجن ترتعش.
التف حولها عدد من الحراس كانوا يقفون برعب وارتباك.
سحبت سيفاً من جراب أحد الحراس ولوحت به في الهواء.
"لا يرد عليّ،" كانت تخاطب أحد الحراس، "هل يمكنك أن تخبرني ماذا أفعل عندما يحدث ذلك؟"
"تقطعي رقاب، تذبحي، تعذبي يا أميرتي سيرا!"
كنت أشاهد فيلماً عربياً مكرراً رتيباً وغبياً.
لكن ما حدث بعد ذلك أجبرني على تغيير معتقدي.
بضربة واحدة أطاحت سيرا برأس أحد الحراس.
أشارت بالسيف تجاهي وصرخت: "أدبوه حتى يعرف قدره!"
انفتحت الزنزانة وأحاطوا بي وأنا أنظر لرأس الحارس التي تدحرجت تحت قدمي.
تلقيت ضرباً بكل مكان من جسمي حتى سقطت أرضاً وتلطخ وجهي بالتراب.
جروني بقرب سيرا وكل وجهي ينزف دماً وألقوني تحت قدميها.
كنت منتهياً غير قادر على الحركة.
أمسكت شعري وصرخت: "من أنا؟"
قلت: "لا أعلم!"
بظهر يدها صفعتني على وجهي.
"من أنا؟" سألتني.
"مرة أخرى؟"
قلت: "لا أعلم!" أجبت بزعيق.
"أستطيع أن أفعل ذلك طوال الليل!" قالت وهي تصفعني على وجهي مرة أخرى!
"من أنا؟"
"أنت مجرد فتاة وقحة ولئيمة ومغرورة!"
قهقهت سيرا مرة أخرى وارتعش الحراس من حولها.
أشارت لأحد الحراس أن يقترب وطلبت منه أن يتبول على وجهي.
فعل الحارس اللعين ما طلبته وكانت مثانته خزان مياه.
"اللعنة عليكي يا قذارة الغربان المتعفنة!"
"انظروا ماذا يقول، هذا الفتى يعجبني. أقسم بكل الآلهة أنه يعجبني."
أشارت لحارس اقترب منها.
همست بأذنه كلمات فأنطلق بسرعة تجاه نهاية الطريق.
قبل أن يعود الحارس ويصل إلينا، سمعت صرخات انتونيتا.
حاولت أن أبصر انتونيتا بعيني المتورمة.
قلت لها: "اتركي الفتاة، مشكلتك معي أنا!"
"تهمك؟"
"قلت لك اترك الفتاة."
"حبيبتك؟ عشيقتك؟ عاهرتك؟"
"اصمتي، أنتِ العاهرة الكبيرة!"
لم تتمالك سيرا نفسها تلك المرة.
ظلت تصفع انتونيتا المكبّلة بلا رحمة وهي تحدق بي بانتصار.
"قلت لك اتركيها!!"
"ليس قبل أن تعلم من أنا؟"
"مرة أخرى، من أنا؟"
قلت: "لا أعلم، أنت سيرا ابنة قائد الجيش ربما!"
"لا!" صرخت سيرا وهي توجه لكمة لمعدة انتونيتا.
"أنا سيدتك وسيدتها، ستركع أمامي، تعترف بذلك وتطلب غفراني."
رواية انت لي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم اسماعيل موسى
كانت هيترا تشعر بقتامة تغلف كل أشكال الحياة من حولها، وكانت ترى وجه يوسف في كل ركن بالقلعة. أكثر ما يؤلمها أن تكون هي دون غيرها السبب في تعاسة أو موت يوسف. إلا أن تلك الليلة استيقظت هيترا صارخة. لم يكن تيكن قد هاجم القلعة، ولا حتى أنها فقدت والدها. كان هناك شيء أكبر، يوسف يعاني من خطر محدق، هكذا أخبرها قلبها. وقلب هيترا لا يكذب أبداً.
خرجت من باب القلعة وكانت المناطق المحيطة بالقلعة خالية إلا من كتائب حراسة الجن الملتفة حول النار من زمهرير البرد. كان القمر ينظر إليها من الشرق ونخلتا أوكاتا شامختان حول السبيل. لم تدري بنفسها إلا وهي تبكي.
قالت: "يا قمر، إذا كان يمكنك الوصول ليوسف، فابلغه سلامي. قل له إن هيترا تشعر بالوحدة وتشتاق لمزاحك الثقيل."
ولما رأت أن القمر تلك الليلة حزين، توجهت للرياح وطلبت منها أن توصل الأخبار ليوسف. وحدها الرياح تصل لكل الأماكن. خبأت رسالتها مع نسمات ريح الفجر ودلفت لداخل القلعة.
"أن لا أستطيع أن أفهم لماذا يطلب كل متكبر عندما يشعر بالنصر من خصمه أن ينحني أمامه؟ وماذا قد يعني ذلك بالنسبة له؟ أن البشر لا يكتفون بالنصر أبداً، يبحثون عن شعور أكبر اسمه الإذلال."
"انحني وقبل قدمي بعدها، ربما، ربما!! أعفو عن عاهرتك!!"
"لن أفعل حتى تنشق الأرض ويبتلعك جحيمها!!"
"واو، واو، ألم أقل لكم إنه يعجبني؟" صرخت سيرا بانتصار. "أنا لا أحب النصر السهل، أحب الانتصارات المغموسة بالكرهة والإذلال، الدم والخسة."
طلبت من أحد الحراس أن يمزق ملابس انتونيتا. قبل أن يمد يده نحوها، صرخ آدم: "سأفعل ما تأمرين به!!"
"الحب، اللعنة عليه، الآن أنت مستعد أن تفعل أي شيء من أجل عاهرتك؟ وهذا ما أرغب أنا به."
كان آدم قد انحنى نحو قدمها يقبلها، لكنها ركلته في وجهه. "لا، لا. لا، ليس قبل أن أطلب أنا ذلك منك؟ لم أعد راغبة بتقبيل قدمي. إن ذلك غير كاف لاعتدال مزاجي الذي عكرته."
طلبت منهم أن يلصقوه بالجدار. "أنا أعلم ما أريده الآن. يا حراس اغتصبوها أمام عينيه."
صرخ آدم بلوعة ويأس يطلب غفرانها، لكن الحراس استمروا بتمزيق ملابس انتونيتا. عندما أصبحت عارية، وكان آدم قد أغمض عينيه ووضع رأسه بين يديه، توقفوا بإشارة منها.
"يجب أن تنظر حتى لو اضطررت لأن أفتح عينيك بيدي."
صرخ آدم: "ما كل هذا الشر الذي يسكنك؟ أنت شيطانه."
"وأنت حثالة مثل معظم البشر، ما الذي دفعك أن تتدخل بشؤني؟ لماذا أنقذت ذلك الشاب؟ أتعلم ما سببته لي من هزيمة أمام فتيات المدينة؟ لا يمكنك أن تعلم ذلك، لكن تلك العاهرة ابنة القاضي تحدتني من خلالك ويجب أن تنال عقابك!!"
"عاهرتك تلك سأرسلها لحاكم المدينة. عبده يتناوب على مضاجعتها كل سيناتورات المجلس، كل ليلة، كل ليلة تصرخ من المتعة والألم."
كان أحد الحراس قد حضر وبيده ختم العبودية الحديدي. ختمت انتونيتا في عنقها، وختم آدم هو الآخر. "الآن أنتم عبدين ولا تنطبق عليكم قوانين المدينة، لأن تلك السافلة طلبت من والدها أن يرسل مذكرة تفتيش لقصري. لقد أعلمني الحارس بذلك منذ قليل. هناك شخصين حرين تم احتجازهم بلا ذنب!"
"أنا لا أستطيع أن أدرك مقدار غباء البشر، أن السادة يفعلون ما يرغبون به لأنهم فوق القانون الذي كتب لخدمتهم وسعادتهم."
"الآن وقد رأيت انكسارك وبكائك مثل غيرك من الرجال، لم أعد راغبة برؤيتك. خذوا تلك العاهرة لقصر الحاكم، أخبروا كبير خدم القصر أنها عذراء، هدية من سيرا لصاحب نعمتنا وسيدنا المبجل توفسين، لأن ذلك العجوز الهمجي الضعيف جنسياً يحب العذراوات. أما عنك أنت، مم، إلى سجن القلعة ليعمل بالمناجم."
اقتادوا آدم مع مجموعة من العبيد لسجن القلعة. تم إجراء الكشف الطبي على العبيد وأودعوهم السجن العمومي شديد الحراسة.
بأحد الأركان التصق آدم بالجدار يبكي بلا توقف، محملاً نفسه ذنب كل ما حدث لانتونيتا وما سوف يحدث لها.
من ناحية أخرى، اقتدت انتونيتا لحرم القلعة مع مجموعة من الفتيات تم جمعهن من كل أرجاء المدينة. احتجزوهن بغرفة الكشف لحين وصول طبيب القصر لإجراء كشف العذرية.
شعرت انتونيتا أن حياتها تحطمت، وأنه باللحظة التي سيقوم أي شخص بلمسها فيها، ستقتل نفسها. وجعلت تبحث عن أي أداة تستخدمها لقتل نفسها.
وصل الطبيب وبدأ إجراء الكشف على الفتيات. كان العدد كبير وكان الطبيب يسجل بدفتره: مقبول، غير مقبول. حتى وصل لانتونيتا. نظر الطبيب إليها بطرف عينه وكتب: غير مقبول!
سأله أحد الحراس: "لماذا غير مقبول؟ تلك الفتاة أرسلتها الأميرة سيرا؟"
"تلك الفتاة لديها مرض معدي، انظر لوجهها." كان النمش يغطي وجه انتونيتا. صمت الحارس ولم يتحدث مرة أخرى.
تم توزيع الفتيات حتى خلت الغرفة إلا من الطبيب وانتونيتا.
"ألا تعرفيني؟" سألها الطبيب.
"لا أعرفك أيها السيد المحترم!"
رفع الطبيب غطاء رأسه. هنا تذكرته انتونيتا، أنه نفس الطبيب الذي عالج شاب الساحة.
قبل أن تتحدث انتونيتا، طلب منها الطبيب الصمت. "يا حارس خذ تلك العبدة لمطبخ القصر." وغمز لها بعينه.
كانت زنزانة آدم بآخر نفق طويل ومظلم شديد الحراسة. وكان الحراس لا يتوقفون عن الدخول والخروج تجاه غرفة حجرية بها ما يشبه نصب من المعدن يحمي شيئاً قيماً. لم يكن آدم مهتماً بكل ذلك، لكن أحد سجناء المدينة أخبره أن تلك الغرفة أهم غرف المدينة، وهنا يحتفظون بقلب التميمة وسر الحكم. تذكر آدم التميمة وبحث عنها في جيبه. عندما وجدها، أخفاها مرة أخرى بسرعة، حيث كان يشع منها ضوء خافت.
لم ينم طوال تلك الليلة.
في الصباح، اقتادوه للعمل بالمناجم. وعندما عاد، وجد السجن مملوءاً بالحراس، الكهنة والمشعوذين، وحاكم المدينة نفسه داخل السجن يصرخ بغضب في الكهنة والمشعوذين يطلب منهم أن يتصرفوا.
ألقوا بآدم في زنزانته، وسمع أحد الحراس يخبر زميله أن قلب التميمة قد بدأ بالاشتعال والتوهج منذ الأمس.
اجتمع مجلس النواب وأصدر حاكم المدينة عدة قرارات واجبة التنفيذ بأجل رجعي: يتم إغلاق كل أبواب المدينة ولا يسمح بدخول أو خروج أي شخص منها. يتم القبض على كل شاب في المدينة وإيداعه السجن بعد تفتيشه عارياً بحثاً عن تميمة سحرية سوداء يمتلكها أحد المتمردين بغرض هدم استقرار المدينة وفتح حرب مع الجن.
قال كبير المشعوذين: "هل يمكنني أن أتحدث يا ولي النعمة؟"
سمح له حاكم المدينة بالكلام.
"أرى يا سيدي أن نقتل كل شخص شاب بالغ، بذلك نضمن أن لا يستخدم أي شخص التميمة."
فكر الحاكم للحظة قبل أن يبارك له رجاحة عقله وسداد رأيه. "سنفعل ذلك من أجل رخاء مدينتنا."
رواية انت لي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم اسماعيل موسى
تم الضرب بقبضة من حديد على كل منازل العامة واقتياد شبابها.
العامة والفقراء يتسببون بالمشاكل دومًا.
ما السبب الذي قد يدفع الطبقة الأرستقراطية للتمرد والثورة والخيانه؟
لا شيء، دومًا لا شيء.
لكن التمرد عادة ينطلق من قاع المجتمع، حيث الفئات الفوضوية، الحاقدة، اللئيمة، الكسولة، العالة، المتشرّدة.
كانت تلك حيثيات القبض على الشباب، والتي نطق بها رسل الحاكم بكل أرجاء المدينة.
نُصبت المشانق بالساحات، وعُلقت الأجساد بالتساوي في كل الأماكن العامة بالمدينة.
كانت مجزرة وحشية، قتل الجنود واغتصبوا كل الجرذان الضالة القاطنة العشوائيات.
كانت موجة من العذاب لم يسلم منها آدم وباقي العبيد، الذين تعرضوا لكل أنواع التنمر والإذلال.
رغم ما قام به الحاكم وأصدره من قرارات، ظل قلب التميمة مشتعلًا.
وقف وحيدًا كناقوس خطر أمام كل ذلك القبح.
كان على الكهنة والمشعوذين أن يجدوا مبررًا مناسبًا لطمأنة الحاكم.
اتفقوا فيما بينهم أن يختلقوا قصة.
أن التميمة تشتعل كل مئة عام، لقد ذُكر ذلك بكتبهم ومخطوطاتهم.
كان مبررًا مناسبًا، خاصة بعد أن تم قتل كل شباب المدينة.
وهمسوا بأذن الحاكم أن الأوضاع الراهنة وما يحوط المملكة من مخاطر يستدعي فرض ضرائب جديدة.
على الشعب أن يبدي تعاونه ويظهر مدى حبه وولائه لوطنه وحاكمه.
إنها لحظة فارقة في تاريخ الوطن، وعلى كل الشرفاء أن يقفوا على قلب رجل واحد خلف قائدهم.
عم الحزن منازل الفقراء، وانتشرت الغربان بكثافة تلتهم جثث الأبرياء.
كل من حاول أن يدفن ابنه أو قريبه تم القبض عليه وإيداعه السجن.
كان قد مضى عشرة أيام على القبض على آدم، ذاق خلالها كل أنواع الذل والتعذيب.
كان ينام فور دخوله زنزانة، ولا يستيقظ إلا للذهاب للعمل بالمناجم.
في اليوم الحادي عشر، عندما استيقظ، وجد رسالة ملقاة بين قدميه.
فتح آدم الرسالة، والتي كانت من ابنة قاضي المدينة، تخبره خلالها أن أنتونيتا بخير ولم يصيبها أي سوء.
إنها تقيم بمطبخ الحاكم، وأن عليه الصبر حتى تتمكن من إيجاد طريقة لإخراجه من السجن.
شعر آدم بالسعادة، فهو وإن كان يكِد في المناجم، إلا أن أنتونيتا كانت شغله الشاغل.
وحيث شعر أنها بخير، انتابته فرحة ليس لها حدود.
خارج الزنزانة، كان القلق بادٍ على وجوه الحراس.
أن قلب التميمة المشتعل ينذرهم بالمخاطر القادمة.
كان مئة جندي يحرسون التميمة، كل أربع ساعات يتم تبديلهم.
انتاب الفضول آدم، الذي لم يكن يتذكر أي شيء عن قلب التميمة وما يعنيه ذلك.
سأل أحد الحراس، والذي قام بتوبيخه وكاد أن يضربه بالسيف، لولا تدخل حارس كان يراقب آدم من بعيد.
صرف الحارس زميله الغاضب وأخبره أنه سيتولى نوبة الحراسة.
همس ذلك الحارس لآدم أنه من عيون ابنة القاضي، وأنه لن يسمح لمكروه أن يصيبه.
حكى لآدم قصة قلب التميمة، وكيف أنها تحمي مدينة "اللاشيء" من ممالك الجان، وأن الاحتفاظ بها يضمن سلطة الحاكم.
شعر آدم أن كل ذلك لا يعنيه، وأن المهم بكل ذلك أن أنتونيتا بخير.
عندما انتصف الليل، شعر آدم بحاجته أن يفرغ مثانته، وكان حمام السجن قرب التميمة.
اصطحبه أحد الحراس نحو الحمام.
بطريقه نحو الحمام، كلما اقترب آدم من قلب التميمة، ازدادت اشتعالًا.
لكن عندما كان على بعد عشرة أمتار منها، اشتعلت تميمته هي الأخرى، وشعر أن جسده ينجذب بلا قوة منه نحو قلب التميمة.
الآن كان هناك شعاع متصل بين جسد آدم وقلب التميمة.
شعاع أفزع حرس قلب التميمة ودفعهم للهرب مذعورين، يركضون لا يلوون على شيء.
التصق جسد آدم بالتميمة.
مد آدم يده وسحب قلب التميمة.
كانت القطعة الناقصة التي تكمل التميمة.
عندما اكتملت التميمة، شعر آدم بصداع يأكل رأسه، بينما راحت كل قلاع المملكة ومبانيها تتصدع وتنهار.
ركض آدم خلال النفق نحو المخرج، والقلعة تتهادى من فوقه ومن خلفه.
كان عليه أن يبحث عن أنتونيتا مهما كانت النتيجة.
دلف لغرف الخدم، وهناك وجد أنتونيتا تصرخ مثل غيرها.
جذبها خلفه وهو يشبه ملاكًا مضيئًا.
خارج القصر، حيث الساحة الكبيرة، كانت اللعنة قد انزاحت.
الشعب الذي فقد ذاكرته عاد ليتذكر كل شيء.
حتى أن آدم تذكر كنيته وسبب حضوره لتلك المدينة.
كان آدم يعبر الحشود التي تصرخ: الموت للظلمة، الموت للحاكم، الموت لكل قوى الشر.
كان ضوء التميمة قد خبا، ووقفا معًا بين الناس يشاهدون سقوط القلعة ودمارها.
فجأة، اقتربت كتيبة مجهزة بالسلاح تحوط فتاة تغطي وجهها بقناع.
وقفت الفتاة بين حراسها، والتي بدأت توجه كلامها للعامه.
صرخت: لقد ظهرت الحقيقة أخيرًا.
هذا الشعب الذي عانى يستحق الأفضل.
انظروا كيف حلت لعنة الآلهة على الجاحدين الحقراء.
بدأت الحشود تطرق لتلك المتحدثة التي تشعر بآلامهم.
"الآن سأقوم أنا بتنفيذ العدالة بأولئك الظلمة."
ونذعت قناعها.
عمت همهمة داخل الحشود: إنها ابنة قائد العسكر، إنها مثلهم شريرة، يجب أن نقتلها.
لكن سيرا كان لها أعوانها داخل الحشود، والذين عملوا على الهتاف باسمها.
استغلت سيرا كل ذلك، وكانت خططت لكل حركة ستقوم بها.
أمرت الحراس أن يحضروا والدها قائد العسكر والمتهم الأول أمام الشعب.
"أنا أكره الظلم، وأكره الظلمة. إن ذلك الرجل كلكم تعرفونه، إنه والدي."
"لطالما حاولت بشتى الطرق أن أدفعه عن ظلم الشعب وعدم تعذيبهم، حتى ضاق بي وحبسني داخل القصر وقام بتعذيبي."
ومدت يدها، وكانت بها سحجة كبيرة.
"والآن عليه أن يدفع الثمن."
"يا حراس!" وصرخت سيرا، "باسم كل الشباب الذي شنق ظلمًا دون سبب، أمركم بشنقه."
رفعت المشنقة، وعلقوا بها جسد الرجل، والذي تم الآن بسرعة تغطية وجهه بحيث لا يمكن لأي شخص أن يتعرف عليه.
صرخ بعض الناس: سيرا العادلة، سيرا القديسة، سيرا، سيرا.
أشارت لهم سيرا بالصمت، وطلبت إحضار حاكم المدينة وباقي المسؤولين.
تم شنق كل الأشخاص أمام الشعب.
ارتفعت الصيحات: سيرا ملكتنا، سيرا قائدتنا.
العامة تتبع الصوت العالي.
هنا تقدم آدم غير مصدق ليفند ويوضح كذب تلك المرأة.
لكن سيرا كانت منتبهة.
عندما رأته صرخت: "وهذا أحد الخونة، اقبضوا عليه يا حراس، يجب أن يشنق الآن."
رواية انت لي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم اسماعيل موسى
يثور الشعب ضد حاكمه الظالم وحكومته الفاسدة، يثور بعد أن يقضي عقود من الخنوع.
إن الشعوب لا تثور إلا إذا ما عاد هناك ما تخسره.
تثور للخلاص من حاكم فاسد لتنصب حاكمًا أكثر فسادًا منه.
الفارق الوحيد أن الأخير بات يعلم الثغرات التي سمحت بنجاح الثورة فيعمل على طمسها وإغلاقها.
ليس ذلك فحسب، بل يعمل على الانتقام من ذلك الشعب الذي نصبه في أعلى سلطة دستورية بالبلاد.
لا يعد الأمر كونه شخصيًا، لكن من يثور مرة قد يثور مرة أخرى.
إن الشعوب تعاقب نفسها بنفسها دون أن تمس الأجساد النجسة التي ستحكم وتتحكم ما دامت أحياء.
"اقبضوا على المتمرد، اقبضوا على الخائن!"
انطلقت الصيحات.
كانت موجة من الفوضى وكان آدم بمفرده.
ظل يصرخ ويصرخ ولم يسمع إلا صدى صوته المرتد من جدران القلعة التي راحت تتحطم محدثة دويا وغيمة من الغبار غطت كل العامة.
كانت فرصة سانحة لآدم للهرب إلا أنه لم يجد أنتونيا.
هرب تجاه البوابة المفتوحة أمام جموع الشعب، ارتقى جوادًا شاردًا ووقف على بوابة المدينة يحاول أن يجد أنتونيا.
أما أنتونيا، التي لم تستطع الهرب، فقد أمسك بها الجنود.
كان آدم قد غير ملابسه، ارتدى ملابس حارس قتله العامة.
اقترب مرة أخرى من الحشود وكانت أنتونيا تنتظر دورها الآن لتشنق.
لكن النجدة أتت من ابنة قاضي المدينة.
كان لديها أعوانها أيضًا.
قالت: "إن تلك الفتاة بريئة وتستحق محاكمة عادلة. لسنا دولة بربرية وعلينا أن نثبت ذلك الآن."
سيرا لم تكن مستعدة لخسارة مكاسبها ولا تشاء بخلق عداوة غير مأمونة العواقب.
ستكون حاكمة المدينة بعد قليل وسيكون لديها وقت كاف للتخلص من كل أعدائها.
وصلت رسالة لآدم من ابنة القاضي: "عليك الهرب حتى تستقر الأوضاع، أنتونيا لن يمسها أي سوء."
انطلق آدم وكان قد تذكر مهمته الأساسية.
هيترا تنتظره بفارغ الصبر.
تأكد من وجود التميمة وقاد جواده تجاه الشمال حيث سيتمكن من عبور النهر.
كانت الطرقات تعج بآلاف العامة والعبيد الذين يقصدون العاصمة.
لطالما ارتفع سقف الأماني مع كل تغيير.
شق طريقه بصعوبة وهناك، قبل أن يصل البوابة الشمالية، رأى إريك تون يغني مع مجموعة من العبيد قاصدين العاصمة.
"إريك تون، إريك تون؟"
حملق إريك تون بالفارس الذي ينادي باسمه.
كان وجهه ملطخًا بالزيت والتراب مع ذلك عرفه يوسف.
"سيدي!"
وانحنى إريك تون رأسه.
"اركَب يا إريك تون، لدينا مهمة تنتظرنا!"
"هل تمزح معي؟ إريك تون قصير، أنت تعلم ذلك. هيا ارفعني، دعنا ننطلق لنحرر ممالك الجان. إريك تون مستعد."
حمله يوسف ووضعه على الجواد خلفه وانطلق تجاه القارب.
كان صاحب القارب ينتظرهم.
نقله للضفة الأخرى وأخبرهم أن تيكن استولى على كل الممالك ويحاصر قلعة أوتاخ.
"كتائب الجان تبحث عنك يا يوسف، أنصحك أن تلتف حول الجبال ولا تتخذ الطريق المباشر تجاه أوتاخ."
كان عليهم أن يقطعوا المستنقع سيرًا على الأقدام مرة أخرى.
إريك تون لم ينس ما حدث المرة الماضية.
"سيدي، عليك أن تكون بالطليعة. إريك تون سيتبعك ويحمي ظهرك."
خاض يوسف المستنقع وتبعه إريك تون يدندن بإحدى أغنيات العبيد التي تعلمها.
عندما بلغا منتصف المستنقع، أضاءت التميمة.
كان شعاعها يخترق السماء.
"إريك تون! هناك من يتبعنا، اقترب مني؟"
"إريك تون لا يرى إلا الأوساخ والحشائش، كيف علمت ذلك؟"
"لأن التميمة تضيء عندما يقترب الجان!"
ارتعش إريك تون لسماع تلك الكلمات والتصق بسيده.
انتهى المستنقع وقابلهم حارس الممر.
"من أنتم؟ ليس مسموحًا لكم بعبور الممر."
"أنا إريك تون يا سيدي، ألا تتذكرني؟"
"حتى لو كنت صاحب التميمة ذاته، غير مسموح لك بعبور الممر."
قال آدم: "يا حارس الممر، يا حامي البوابة، من تحمي؟"
"أحمي ممالك الجان، تلك وظيفتي التي أوكلت لي."
"من وضعك حارسًا على الممر؟"
"حكماء الجان وشيوخهم يا بشرا."
"ألا تعلم أن حكماء الجان وشيوخهم قتلهم تيكن؟ إنه الآن يحاصر قلعة أوتاخ وإذا لم تسمح لنا بعبور الممر سينتهي عالم الجان ولن يكون لديك ما تحرسه."
"إن تلك المنطقة محايدة ولا أستطيع نقض العهود!"
"وهل تعتقد أن تيكن يصون العهود؟ إنه الآن يغتصب بنات الجان وعذرواتهم، يقتل الشيوخ ويصلب الأطفال."
"دعنا نمر إذا كانت لديك رغبة أن ترى عالمكم ينمو مرة أخرى!"
كانت كتيبة الجان المطاردة قد اقتربت منهم، لكن ضوء التميمة منعهم من الاقتراب.
ألقى حارس الممر عباءته الأرجوانية وقال: "اعبروا الآن، سأتولى أنا كتيبة الجان."
"فليحفظك الله يا سيدي،" ردد إريك تون وهو يركض تجاه الممر.
رواية انت لي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم اسماعيل موسى
يركض إريك تون عندما يرغب بسرعة فائقة، إنها اللحظة الوحيدة التي تشعر خلالها أنه جني.
تبعت إريك تون بذهن مشتت حتى بعد أن عبرنا الممر، لا أدرك ما علي فعله أو أي طريق علي اختياره.
قفز إريك تون خلال الحفرة، عندما وصلت وجدته ينتظرني ليدفعني لأعلى.
رفعته من ساقيه حتى تشبث بالصخر وصعد، ثم مد لي يده.
خارج الحفرة حيث يمتد الممر الفسفوري، كان علينا أن نختار الطريق الذي سنقطعه.
رغم أن صاحب القارب قال: "التفوا حول الصخور"، إلا أن ذلك لم يبدو لي أمر سهل.
لم نكن نحمل طعام ولا ماء، والصحراء المقفرة تمتد أمامنا إلى ما لا نهاية.
"سنهبط الجبل ونسير بمحاذاة سلسلة التلال حتى نصل مرادنا"، قال إريك تون.
تناولنا بعض الفاكهة واستعدينا للنزول.
بين الصخور ظهرت غزالة، كانت قريبة لدرجة سمحت لي برؤيتها.
كان مظهرها مختلف، ولاحظت أنها تنظر إلينا.
مشيت تجاه الغزالة، وما إن اقتربت منها حتى ركضت، لكنها توقفت في مكان آخر قريب.
مشيت مرة أخرى تجاهها، وتبعني إريك تون.
هنا لاح لنا طريق ضيق يابوي بين الجبال.
"إريك تون، إنها ليست غزالة على ما أعتقد!؟"
حملق إريك تون بالغزالة، "إنها من ذوات الأربع على ما أعتقد؟"
قلت له: "اصمت واتبعني".
كلما اقتربنا من الظبية ركضت، كانت تركض ثم ما تلبث أن تتوقف.
كنت الظبية دليلنا خلال الرحلة، أدركت ذلك وتبعتها بثقة عالية.
سرنا لمدة يومين خلف الغزالة، والتي كانت تنام على مقربة منا عندما يهبط الليل.
الفاكهة التي جمعناها كادت تنفذ، وكان ذلك أكبر همنا.
ثم إن إريك تون بدأ يتذمر ويطلق أفكارًا شريرة، من قبيل أن تلك الظبية أحد جنود تيكن وأنها ستوقع بنا.
قبل نهاية اليوم الثالث، وصلنا نهاية الطريق، كان هناك معسكر أسفل الجبل.
"ما رأيك يا إريك تون؟"
"إن الرايات التي أراها هنا غريبة وليست أعلام تيكن، لكن ذلك لا يعني أنهم جنود مسالمون. أرى أن ننتظر حتى ينتصف الليل ثم نتسلل خلال المعسكر ونواصل طريقنا."
كانت الغزالة قد اختفت، وبدا أنها أتمت مهمتها، فلم نلمحها مرة أخرى.
انتصف الليل، وبدأنا تسلق الصخور نحو الأسفل بهدوء حتى لا نحدث جلبة.
تبعني إريك تون، وكانت إحدى مواهبه الجديدة التي اكتشفتها مقدرته العظيمة على تسلق الصخور.
بعد أن هبطنا، التصقنا بالصخور وتأكدنا أن لا أحد قد شعر بنا.
كان الجنود منشغلين باحتفالات ليلية.
قال إريك تون: "علينا أن نعبر من خلالهم دون أن يشعروا بنا".
اقتربنا من المعسكر، وكان مظهر الجنود مرعب.
كانوا انصافًا لكنهم بأحجام تفوق إريك تون بمراحل، كان مظهرهم متوحشًا.
لحاهم طويلة وشعر رؤوسهم، عراة إلا ما يستر العورة، كانوا عملاقة نصف بشريين.
سرت خلف إريك تون، والذي بخفة يد حمل صينية فارغة وعبر بين الجنود.
بينما اضطررت أنا للسير خلفه ببرودة دم.
قال إريك تون: "ماذا تفعل؟ سوف توقع بنا"، لك يكد يتم كلمته حتى صرخ أحدهم: "دخلاء! جواسيس!".
ركض إريك تون بكل سرعة، وركضت أنا على غير هدى داخل المعسكر.
وجدت خيمة منعزلة دون حراسة وانسللت لداخلها.
ساعدني الظلام على ذلك.
كانت الغرفة مملوءة بالأسلحة والصناديق، سيوف، حراب، نبال.
اختبأت خلف أحد الصناديق، وكنت أسمع صوت الجنود بالخارج يطوفون بمشاعلهم بحثًا عنا.
بعد أن فتشوا كل الخيم، لم تتبق إلا خيمة الأسلحة.
أحاطوا بها وأدركت أنني ميت.
كان هناك سيف مغروس بمنتصف الخيمة.
قبل أن يدخلوا، سحبت السيف ولوحت به!
انفتحت الخيمة وبرق السيف بشعاع شق سماء الظلمة وأنا أركض للخارج.
ركع كل الأنصاف أمامي وهم يرددون: "المختار ظهر! المختار ظهر!".
وقفت أرمقهم، كانوا ينظرون للسيف بخنوع حتى سمعت صوتًا متوحشًا يقول: "مستحيل أن يكون المختار! انظروا لجسده! إنه مجرد ساحر بشري!".
صرخ الجنود: "من يستطيع أن يحمل السيف هو المختار!".
قال للرجل: "إنه ليس المختار وسأثبت لكم ذلك".
بسرعة أحاط بنا الجنود، وتقدم مني ذلك الرجل يحمل سيفه الطويل.
ضربني بالسيف والتقى الفولاذ بالفولاذ، شعرت بقوة السيف بيدي.
كان قد شكل اتحادًا بجسدي.
الضربة التالية تلقيتها بسهولة، وعندما ضربته بسيفي انقسم سيفه نصفين.
"المختار! المختار!" صرخ الجنود.
انحنى ذلك الرجل أمامي، قال: "نحن أتباعك المخلصين، سنتبعك إلى مكان تختاره".
رواية انت لي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم اسماعيل موسى
تم القبض على إريك تون مختفيًا داخل جوال من القماش.
"لقد قبضنا على هذا النصف اللعين مختبئًا داخل الخيمة يا مختار."
تهلل وجه إريك تون فور رؤيته يوسف يمسك السيف البارق بيده. بقوة نزع نفسه من بين الجنديين.
"احترامًا لذاتك يا سيدي لم أقاومهم. إنهم لا يعرفون مع من يتعاملون. أنا إريك تون، لقد عملت بالمناجم وتقطيع الأحجار. زُج بي داخل حلبات المصارعة لأنازل أسودًا وثيرانًا وحيوانات متوحشة. وها أنا أقف هنا بلا خدش واحد يا قائد. لقد تعمدت عدم العراك معهم لكن يجب أن يدركوا كنيتي. أنا إريك تون مصارع الثيران!"
"لقد رافقت السيد برحلة الألف يوم وقمت بحمايته من الحراس واللصوص، قطاع الطرق وها أنا أعامل معاملة الحيوانات؟" صرخ أحد الحراس.
"إذا كان ذلك النصف يرافق المختار فليس مستبعدًا أنه ذو قوة خارقة."
سار إريك تون يتبختر حتى وصل يوسف ووقف بجواره.
"أنا قائد كتيبة الاستطلاع، قائد جيش المقدمة، حامي القلاع والبحار. قد أكون نصفًا لكنني لست كما تعتقدون."
بجله الجنود وهللوا له.
"علينا أن نتواصل مع قلعة أوتاخ. على هيترا أن تعلم أنها ليست بمفردها بعد الآن."
"نحتاج قوة خفيفة تتحرك بسرعة لتعلمها بتحركنا. سيكون إريك تون قائد كتيبة الاستطلاع وسنتحرك نحن خلفه."
اختار إريك تون مجموعة قوية من الجنود وانطلق نحو قلعة أوتاخ. لملم الجند خيامهم واستعد جيش الإنصاف للتحرك.
شقوا طريقهم بين جبال من الجليد. كانت مسيرة صعبة خلال العواصف الرعدية. بعد أسبوع وصلوا مشارف قلعة أوتاخ ودخلوا من خلال نفق سري. كانت هيترا بانتظارهم صحبة والدها وكبار القادة.
كان جنود تيكن يحاصرون القلعة ويستعدون للهجوم. كانوا يختبرون أسوار القلعة باحثين عن أضعف نقط لمهاجمتها.
كان لقاء يوسف بهيترا لقاءً مفعمًا بالمشاعر والشجن. من كان يتوقع أن يلتقوا بتلك الطريقة وسط حرب وشيكة.
أصر يوسف أن يتزوج هيترا قبل بدء الحرب غير المأمونة العواقب.
"إذا كنت سأموت فعلى الأقل ستكون هيترا زوجتي."
وافق والدها وتم الزواج وسط عاصفة من القلق والفرحة.
كان عليهم أن يضعوا خطة الحرب. ولم يخفِ القادة ووالد هيترا قلقهم رغم علمهم أن يوسف يحمل التميمة والسيف برق.
كان عليهم أن يستمعوا لخطة يوسف والذي قال إنه يحتاج لحفر نفق أسفل سور القلعة ناحية جيش تيكن. لم يفهمه أحد من القادة المعترضين.
"ما فائدة أن نحفر نفق؟ إن مواجهات تيكن بأرض خلاء هو أشبه بالذهاب للموت. المفترض أن نحفر نفق للهروب للجبال."
تركهم يوسف يتجادلون وقصد تابعيه من جيش الإنصاف وطلبوا منهم أن يحفروا نفقًا من داخل القلعة تجاه ساحة الحرب الخارجية. لم يفهم معظم الجند ماذا كان ينوي، لكن ذلك غير مهم. إذا كان هو المختار الذي وعدهم بالخلاص والفكاك من اللعنة فإنهم مستعدون لاتباعه حتى الجحيم.
خلال حفر النفق لم يقصد يوسف مخدعه ولا مرة. كان يساعد الجند بحفر النفق الطويل ولم يتركهم ولا لحظة. احتاج حفر النفق أسبوعًا كاملاً. كان جيش تيكن خلاله قد بدأ مهاجمة القلعة وكان حراس قلعة أوتاخ يقاومون باستماتة على الأسوار. وحدثت بلبلة كبيرة عندما رفض يوسف التخلي عن أي جندي من الإنصاف لمساعدة حرس قلعة أوتاخ. حتى أن والد هيترا نفسه كان قد رفض خطة يوسف وأكد عدم جدواها. لكن هيترا، دون الجميع، كان لديها ثقة عمياء بيوسف. ساعدت بكل قوتها في حفر النفق ووضع الركائز الخشبية.
كان إريك تون قد عاد للتو من مهمته التي أرسله إليها يوسف. رجع مغبرًا يلهث ككلب. جذب يوسف من كم قميصه وتبعته هيترا.
"اسمع يا قائد، إنه جيش جرار لا أول له ولا آخر. مئات الآلاف من الجنود والغيلان والعمالقة والوحوش والكيانات الشريرة. هناك حيوانات ضخمة لها أنياب مسعورة تتبع الجند. واحد منها فقط كفيل بقتل عشرة جنود في دقيقة. أريدك أن تفكر مرة أخرى في جدوى خطتك. أرى يا قائدي أن نهرب ونترك القلعة، ليس لنا أي فرصة هنا."
رواية انت لي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم اسماعيل موسى
جذب يوسف إريك تون من عنقه بخشونة.
"إياك أن تذكر أي كلمة من ذلك أمام الجنود يا إريك تون."
ثم فكر لدقيقة قبل أن يقول:
"إريك تون، تناول طعامك. لديك مهمة أخيرة ستقوم بها من أجلي."
تذمر إريك ورفع يده فوق كتفه وهو يقول بنبرة أقرب للبكاء:
"لماذا أنا كل مرة؟"
قال يوسف:
"لأنك قائد كتيبة الاستطلاع اللعينة، محارب الثيران، رفيق رحلة الألف ميل."
أحنى إريك تون رأسه بخنوع وهو يستجدي هيترا:
"لقد قلت ذلك لحظة انفعال لا أكثر."
لكن يوسف أوضح أن تلك المهمة بالذات لا يصلح لها إلا شخص بذكاء وعبقرية إريك تون.
رفع إريك تون صدره وقال:
"إني مستعد للموت من أجلك يا قائد."
اختلت هيترا بيوسف محاولة أن تفهم ما ينتوي فعله. انتهز يوسف تلك الفرصة وضمها إلى صدره وغمرها بالقبل. ولم تمنع هيترا بل جذبته تجاه قبو قلعة أوتاخ العظيمة. وهناك تمت طقوس الزواج المعتادة.
عاد يوسف أكثر نشاطًا وحيوية. كان قد وضع التميمة فوق صدره بينما علق سيف البارق بحزامه. صعد أسوار قلعة أوتاخ ووضع يده فوق التميمة ليخفي شعاعها.
خارج القلعة كانت قد تجمعت جيوش الشر، مئات الآلاف منها. حيوانات بأشكال مرعبة تطوف حول أسوار القلعة.
"إذا تمكنا من الصمود حتى عودة إريك تون، أعتقد أن لدينا فرصة."
حتى تلك اللحظة لم يكن يوسف قد أخبر أي شخص عن خطته. كان يلف داخل أسوار القلعة ويعاين نقاطًا معينة. وجند الجان يرمقونه بسخرية.
كانت مهمة إريك تون تقتضي الالتفاف خلف معسكر العدو حيث توجد قرية مشهورة بصناعة أشد أنواع الزيوت قابلية للاشتعال. أن يحضر أكبر كمية ويعود في وقت لا يتعدى يومين.
اصطحب إريك تون معه مجموعة من الفدائيين وتسلل بين دروب الجبال دون أن يخبر أحد عن وجهته كما طلب منه يوسف.
عندما وصل القرية أدرك ما يستطيع تيكن أن يفعله. كانت كل منازل القرية محترقة، وأجساد أهلها معلقة على الأشجار، والغربان تحوم حولها.
قصد إريك تون المكان الذي حدده يوسف وحمل براميل مملوءة بالزيت دون أن يتعرض طريقه أي شخص. كانت مهمة سهلة على غير المتوقع.
وصل إريك تون القلعة وطلب منه يوسف أن يخفي براميل الزيت بحيث لا يعرف مكانها أي شخص. ساعدته هيترا على اختيار مخبأ مهجور لا يعرفه أحد غيرها.
كانت جيوش تيكن قد بدأت مهاجمة القلعة. ذلك الوقت قاد يوسف جند الإنصاف للدفاع عن قلعة أوتاخ.
قال لهم:
"يجب أن تحموا أسوار أوتاخ حتى يختفي القمر، مهما كلفنا الأمر."
دافع الإنصاف عن أسوار القلعة بكل قوة وتكبدو خسائر مهولة. مع ذلك لم ينجح أي جني باختراق دفاعات القلعة.
كانت قد مضت ثلاثة ليال عندما بدأ القمر يختفي ويرحل وحل الظلام. ظلام أبدي تغمره ندف ثلج تكاد تجمد الجسم.
طلب يوسف عقد اجتماع شامل لقادة أوتاخ وملكها والد هيترا. تحدث بصوت مسموع حتى يصل لكل أذن:
"الليلة سنخرج لمحاربة تيكن خارج أسوار القلعة. إن لقاءنا داخل أسوار القلعة هو بمثابة كون بطيء."
اعترض البعض ووافق البعض، لكن يوسف كان قد اتخذ قراره، والإنصاف خلفه يدعمونه.
هبط ظلام تلك الليلة المنتظرة ومعه أوقدت نار جيش العدو. آلاف بقع النار ظهرت خارج أسوار القلعة. ولاحظ يوسف حركة غير معتادة خارج أسوار القلعة. من بقعة مخفية راقب جند تيكن والذين كانوا يقومون بدوريات مستمرة أمام بوابة القلعة منتظرين أي هفوة أو صوت أنين باب يفتح.
رواية انت لي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم اسماعيل موسى
قام يوسف وجيش الإنصاف بصد هجمات تيكن طوال تلك الليلة والليلة التي تليها. تكومت آلاف الجثث تحت أسوار قلعة أوتاخ واختلطت دماء الإنصاف مع جيش الأشرار. قاتل يوسف بضراوة وأعمل سيفه بارق في أعناق جند جيش تيكن، كل ذلك والتممية محتجبه بعيدًا عنه.
لم ينم يوسف طوال تلكم الليلتين، كان قد وضع على عاتقه أرواح قاطني قلعة أوتاخ، أهل هيترا حبيبته.
حتى طلب منه إريك تون أن يرتاح لبعض الوقت لأن اللحظة الحاسمة على حد قوله اقتربت، وأنه عندما تحين تلك اللحظة يرغب أن يكون يوسف بكامل قوته وحيويته، لأن حربه مع تيكن هي الأهم.
استجاب يوسف لتوسلات إريك تون، وانتهز ذلك الوقت في تحضير خطة الحرب والتي حرص أن تكون سرية. لم يكن حاضرًا إلا هيترا ووالدها. انبلج الصبح وكان يوم الحسم الذي خطط له يوسف. عمل هو وجند الإنصاف على نقل براميل الزيت سريعة الاشتعال داخل النفق الذي قاموا بحفره.
عندما حلت أول نقطة رمادية في ثوب تلك الليلة، أمر يوسف بفتح باب القلعة، من خلفه جيش الإنصاف مدججين بالسلاح. كان يوسف يتقدمهم بدرع أزرق مزين بألف ياقوتة حمراء. كانت كتيبة فخمة من عشرة آلاف جندي مدججين بالحديد والفولاذ تصرخ باسمه: "المختار، المختار".
اندفعت جيوش تيكن لتُحيط بهم، وسرعان ما علت معمعة الحراب والسيوف. كان يوسف يمتطي جوادًا أدهم واخترق صفوف جيش تيكن يضرب بسيفه بارق محدثًا خلخلة بصفوف جيش تيكن. من خلفه جند الإنصاف يحاربون بكل شرف على قسم نولامند. حمي وطيس المعركة وتكاثر القتلى وداستها حوافر الخيل.
أحاط جيش تيكن بجيش الإنصاف من الناحية الجنوبية والناحية الشمالية. كان الليل قد انتصف عندها، ارتفع بوق قلعة أوتاخ التاريخي.
داخل النفق بدأ انسحاب جيش الإنصاف بعد أن أشعلت براميل الزيت محدثة دخانًا رهيبًا حجب الرؤية وحول الليل لكتل من الضباب.
اندفعت جيوش تيكن المسعورة من الشمال والجنوب تحارب بعضها بعد انسحاب جيش الإنصاف السريع. عشرات الآلاف من القتلى، بحور من الدم، عمالقة، غيلان، وحوش تتصارع بعضها في كتل من الدخان والضباب.
عندما أشرقت الشمس تبين فظاعة المذبحة التي حدثت. كانت الساحة غارقة بجثث جيش تيكن. لم يفهم أحد ما حدث، هكذا صرخ قائد الجيش: "لماذا كل القتلى من جيشنا فقط؟"
كان يوسف يتابع الحرب من خلف أسوار قلعة أوتاخ، وكانت أول مرة يرى فيها تيكن على حقيقته، مارد عملاق بشع المظهر يجر خلف جواده المسحور سيفًا بطول فرع شجرة محدثًا حفرة عميقة خلفه. وقف تيكن أمام بوابة القلعة وندت منه صرخة مدوية رهيبة. كان القسم الأعظم من جيشه قد قُتل وأصبحت الأعداد متقاربة الآن.
كانت اللحظة التي انتظرها يوسف قد حانت. جمع كل جند قلعة أوتاخ، كبار القادة. بعد ما حدث، ما كان ليشك شخص واحد أنه المختار. قال يوسف: "حانَت اللحظة يا أهل قلعة أوتاخ، اللحظة التي تقتصون فيها من ذلك المارد ومن كل ما فعله بجنسكم. الآن،" وأشار إليهم، "الأعداد متقاربة. الفولاذ سيقابل الفولاذ والغلبه لمن يمتلك القلب الأقوى، لمن يدافع عن قضية."
صرخ صوت ضعيف من بين الجند: "وتيكن ماذا سنفعل معه؟ تيكن بمثابة جيش بمفرده؟"
كان يوسف لازال يرتدي درعه الأزرق المزين بألف ياقوتة حمراء، وبدأ من خلاله أميرًا حقيقيًا. شق صفوف الجيش بجواده الأدهم، ورفع سيفه البارق عاليًا. "أنا لتيكن، وتيكن لي! عليكم بمن مثلكم، أما أنا إذا كنت المختار فعلاً فعلي أن أثبت ذلك."
علت أصوات جند الإنصاف: "خلفك يا مختار، خض بنا غمار المعركة، النصر لنا." ارتفع منسوب الشجاعة بين جند جيش الجان وصرخوا هم الآخرين: "إلى المعركة."
انفتحت بوابة قلعة أوتاخ مرة أخرى، لمعركة أخيرة تحدد مستقبل عالم الجان. تقدمت صفوف جيش الإنصاف في البداية.
مائة كتيبة مدججة بسيوف من الفولاذ، يرتدون دروعًا ملونة، حمراء، خضراء، صفراء، زرقاء. من بينهم تحيط كتيبة خاصة بيوسف كانت ترتدي دروعًا حديدية كاملة باللون السماوي، كانت كتيبة هيترا كيرا وأميرات الجان.
اصطف الجيشان في مقابلة بعضهما. حملقت العيون ببعضها، عاين كل جيش قوة الجيش الآخر. كان جيش تيكن تتقدمه العمالقة والغيلان، بعض الحيوانات غريبة الشكل، وكان تيكن خلف جيشه يصرخ بالأوامر.
أشار يوسف بسيفه بارق تجاه تيكن بعلامة متحدية وأنشد يقول:
"أنا يوسف بن عامر، ما يأكل السبع نائبي،
أنا، كالأسد وسط الجبل وبراح،
أنا الفتى البشري أنا غائظ العدا،
عمر نائبي في الرجال ما راح.
عندي شراب الدم في حومة اللقا أحلى وألذ من شراب الراح،
وعندي طعين الرمح في صدر فارس أحلى وألذ من وصال ملاح."
كانت تلك مطلع القصيدة التي أعدها إريك تون من أجل سيده يوسف. لكل أمير قصيدة، وإريك تون كتب قصيدة من أجلك يا أمير الإنصاف.
رواية انت لي الفصل الأربعون 40 - بقلم اسماعيل موسى
كانت حيوانات الأرصوص عنيفة ومتوحشة للحد الذي كان يمكنها من الانقضاض على جسد جندي مع جواده. هاجت الأحصنة وابتعدت عن طريقها، وراح الرعب يدب في أوصال جيش قلعة أوتاخ.
كانت خمسة كتائب من الجان تحاصر يوسف وفرقته النسوية. أشار يوسف لهيترا أن تتولى القيادة، وترجل عن جواده. انسَل من بين الجند. كان يدرك أنه لقتل حية عليك أن تبدأ برأسها.
لكن تيكن، الحذر، أدرك خطته واعترضت طريقه حيوانات الأرصوص العملاقة. نزع يوسف درعه وطرحه على الأرض وأصبح عاري الجسد. انطلق شعاع تميمته يحرق أجساد الجان وحيوانات الأرصوص.
لكن تيكن هجم بآلاف الجند مانعًا شعاع التميمة من الانطلاق. كادوا يطبقون على يوسف الذي أشعل سيفه بارقًا يمينًا ويسارًا. لكنه مجرد شخص واحد، مهما كانت قوته، فإنها غير كافية لهزيمة جيش.
هنا ارتفع صياح إريك تون، وكان يقود عجلة حربية حديدية تجرها ثيران معصوبة العينين. كانت الحرب تضخ زيتًا يندفع كالنافورة فوق رؤوس جيش تيكن.
عندما تنبه يوسف، تناول قوسًا ناريًا وجعل يصوب على النقاط التي يعبرها إريك تون. اشتعلت أجساد جيش تيكن وحيواناته المتوحشة، وولّت فزعة هاربة لا تروم شيئًا. احترقت صفوف جيش تيكن وسُمح للحريق أن تتسع رقعته.
لم يقف تيكن مكتوف اليد وهو يشاهد جيشه يحترق بنيران إريك تون. يوسف تناول حربته وصوبها تجاه صدر إريك تون. ربما تلك اللحظة التي سيتذكرها إريك تون طوال حياته، لأن يوسف افتداه بجسده واعترض طريق الحربة. وكانت تلك هي اللحظة التي غيرت مجرى الحرب.
قبل اصطدام الحربة بجسد يوسف، تحول لكتلة من الضوء. اتحدت التميمة مع سيفه البارق مع جسد يوسف لتحوله لكتلة متوحدة. سقطت الحربة أرضًا، وكان قد عم الصمت ساحة المعركة. حتى انبرى يوسف مرة أخرى بظهور مغاير.
كانت نجاة يوسف المستحيلة من حربة تيكن قد فجرت الحكاية بصدور جيش قلعة أوتاخ. ولم يعد بمقدور تيكن أن يتراجع الآن. تقدم تيكن تجاه يوسف، والذي سار تجاهه بدوره. والتقى السيفان الفولاذيان بوسط ساحة الحرب. راح كل فريق يتابع ما يفعل قائده.
تلقى يوسف ضربات تيكن بثبات. وعلى عكس ما توقع، كان سيفه البارق أكثر خفة، فلم ينهك في صد هجمات تيكن.
ربع ساعة من الكر والفر، والتميمة تطلق شعاعها في صدر تيكن، والذي كان جسده يتجدد باستمرار. كان تيكن قد استولى على آلاف الأرواح وبدأ مسيطرًا على المعركة، وغير قلق من شعاع التميمة.
كان على يوسف أن يتقدم أكثر من جسد تيكن. كان يسعى لضربة واضحة تصيب جسده، لكن سيف تيكن الطويل منع كل ذلك.
كان تيكن يضرب يوسف بسيفه دون هوادة، ويوسف يصد ضربات تيكن دون فرصة لتوجيه ضربة موجعة لجسده.
أطبق جيش تيكن على جند قلعة أوتاخ، منتهزين فرصة أن شعاع التميمة مصوب تجاه جسد تيكن. وراح جيش قلعة أوتاخ يبلى بالعديد من القتلى والجرحى.
"واحدة بواحدة!" صرخ تيكن وهو يرمق يوسف بعيون مشبعة. منطلقًا بأقصى سرعة تجاه تيكن، كان يوسف يعلم أنه يحتاج لتلك المراوغة ليصل لجسد تيكن. لكن أكثر ما كان يؤلمه أن يكون إريك تون هو ذلك الشخص الذي سيتلقى تبعات تلك المناورة.
قبل أن يصل إليه، طرح تيكن جسد إريك تون بسيفه الجبار، لكن بطريقة عرضية كأنه يهش ذبابة. طار جسد إريك تون لعشرات الأمتار ليصطدم بجدار قلعة أوتاخ. رغم الألم، كان يوسف يعلم أنه عليه ألا يفوت تلك الفرصة. حمل على تيكن بضربة صاعقة جزت ذراعه الأيمن، ففصلته عن جسده.
سقط سيف تيكن، لكنه سرعان ما تناوله بيده الأخرى. تلك الانحناءة السريعة التي سمحت ليوسف بتمرير ضربة أخرى شقت صدر تيكن طوليًا.
كان جسد تيكن يلتئم من تلقاء نفسه، حتى أن ذراعه التي فصلت نمت مرة أخرى بشكل أكثر بشاعة. لكن قوة تيكن أصبحت أقل، ولاحظ يوسف ذلك من ثقل ضرباته التالية.
كان جيش قلعة تيكن قد أوشك على الفناء، وإريك تون يصرخ من الألم بجوار جدار القلعة. هنا أدرك يوسف ما عليه فعله. ليس من الضروري أن يتمكن من الوصول لجسد تيكن، كل ما عليه فعله أن يسمح لتيكن من الاقتراب من جسده. أدرك أن الخلاص من تلك المعاناة لن يكون إلا من خلال التضحية.
ركض يوسف تجاه تيكن، والذي كان يرمقه بابتسامة ساخرة حيث أصبح يوسف في مرمى سيفه. لوح سيفه بطول ذراعه وضرب يوسف بالسيف ضربة كفيلة بشقه عرضيًا عدت مرات متتالية. لكن السيف المنطلق توقف بمكانه عندما تحول شعاع التميمة ناحيته.
قفز يوسف وبكلتا يديه ضرب تيكن في رأسه. غاص سيفه البارق بجسد تيكن، شاقه لنصفين حتى الخصر. وحتى لا يلتئم مرة أخرى، قطع يوسف رأسه وأشعل بها النيران. هنا طارت من خلالها آلاف الأرواح التي تحولت لفراشات ملونة.
فرت جيوش تيكن بعد فقد قائدها. ولاحق شعاع التميمة الهاربين محرقًا بطريقه كل الأجساد التي تمكن من الوصول إليها. ركض يوسف تجاه إريك تون المحتضر وتلمس جسده. ولم يلحظ إصابة واضحة بجسده.
"مما تعاني يا إريك تون؟"
بصوت واهن قال إريك تون: "اطلب منهم يا سيدي أن ينحتوا تمثالًا لتخليد ذكراي. تمثال ينتصب بساحة كل قلعة مهزومة. عشرات التماثيل تليق بتضحية إريك تون."
كان يوسف على وشك البكاء عندما حضرت هيترا.
"قف يا إريك تون!!" خاطبته هيترا بنبرة آمرة.
وقف إريك تون لكن بترنح. كان يمسك رأسه وقال: "أشعر أن قطارًا قد عبر فوق جسدي!"
"أنت بخير؟" صرخ يوسف غير مصدق.
قالت هيترا: "إن درع السولاتين الذي طلب مني إريك تون صنعه من أجله ليتمكن من حمايتك لا يستطيع أي نصل من اختراقه!"
جذب يوسف إريك تون من عنقه. "تماثيل تخلد ذكراك؟"
"كنت أمزح يا زعيم!"
"كبر دماغك. عقابًا لك يا إريك تون، قال يوسف: ستكون خادمي الشخصي بعالم البشر حيث سنستقر أنا وهيترا!"
تذمر إريك تون: "لقد انتهت فترة خدمتي، أنا مستقيل! ثم إن إريك تون لديه حبيبة الآن ويرغب بتكوين أسرة."
"حبيبة؟ من تلك الغبية التي قد تقبل بشخص مثلك؟"
"أنا!!" ردت فتاة فائقة الجمال من كتيبة الأميرات الخاصة.
استقر يوسف وهيترا بقلعة أوتاخ لبعض الوقت، حيث أقامت الاحتفالات والولائم لعدة ليالي متتابعة.
كان الجزء الأكبر من مهمته قد انتهى. للعودة لعالم البشر، كان عليه أن يعبر نفس الطريق، لكن ليس بمفرده تلك المرة، بل صحبة هيترا. عبرت به هيترا الصحاري والقفار حتى وجدا نفسيهما بنفس البركة التي غاص يوسف خلالها.
عندما وصل لصخور الجزيرة مرة أخرى، كان الوقت ليلًا. وفكر يوسف إن كان صاحب القارب لازال ينتظره. نادى يوسف صاحب الصندل وسمعه يرد عليه من بعيد: "ها قد عاد الأمير المحارب."
داخل الصندل، جلس يوسف على الأريكة يحتسي الشاي مع العم فتحي، بينما الرياح تدفع الصندل تجاه كورنيش الأقصر.
"عليك أن تخبرني بقصتك حتى أدونها بالألواح المقدسة. أنت أول بشرى عابر وأول بشرى عائد."
شرع يوسف يقص على العم فتحي قصته، وهنا تذكر أنتونيتا والطريقة التي تركها بها.