الشخصيات: -خالد محامي شاب عمره ٢٦ سنة، طويل ورياضي البنية، وسيم، صاحب عيون عسلية وشعر أسود ناعم وذقن حليق دائماً بحكم عمله كمحامي. -شمس بنت جميلة ذات ملامح هادئة يشوبها الحزن، متوسطة الطول ومحجبة، طالبة بكلية آداب قسم ترجمة، عمرها ٢٢ سنة. -يونس، والد شمس. -أماني، والدة شمس، توفت عندما كانت شمس طفلة صغيرة ولكنها مذكورة في الأحداث. -صالح، والد خالد. -صابرين، عمة خالد، وهي من قامت برعايته هو وأخوه بعد وفاة والدتهم.
-هشام، أخو خالد الأصغر، عمره ٢٤ سنة، يشبه خالد إلى حد ما ولكنه يختلف عنه في الطباع. -يحيى، صديق خالد ودفعته، شاب طيب ومرح، وأقرب الناس له، وهو دائماً يستشيره في كثير من الأمور خصوصاً ما يخص القضايا والموكلين. -مأمون، صاحب يونس والد شمس. -أماني المكان: مدينة الإسكندرية الزمان: ٢٠٠٧
في أحد بيوت الإسكندرية الواقعة في إحدى المناطق الشعبية البسيطة، جلس يونس على المقعد المتخاذل وهو منكس الرأس، وعينه تبحث في مفرش المنضدة كأنه يعد ما فيه من زهور. جلست زوجته بجواره والحسرة تملأ وجهها الجميل. أماني: برضه خدت آخر فلوس في البيت وجبت بيها الهباب ده. يونس: … أماني: حرام عليك يا يونس، أنا مش عارفة إيه اللي جرالك ومش عارفة أنت بتعمل كدة ليه. ده إحنا مكنش فيه حد زينا، بيت وشركة وفلوس، مين يصدق اللي جرالنا ده.
يونس: … أماني: هو كل اللي يخسر في شغله ولا يواجه مشكلة يعمل زيك كدة ويهرب من مشاكله بالشكل ده لحد ما كل حاجة تضيع. لو كنت مسكت نفسك شوية وصلبت طولك ووقفت من تاني على رجلك كان زمانك عوضت خسارتك وزيادة، لكن بدل ما تعمل كدة دفنت راسك في الرمل ودفنتني معاك بالحيا وهربت بشرب الهباب ده اللي مبيجبش غير الخراب. يونس: بعد صمت طويل وهو مازال على وضعه وعينيه تتأرجح على مفرش المنضدة صاح بها: يوووووووه كفاياكي بقي!
هتضيعي الدماغ، هو كل يوم الأسطوانة دي. لو زعلانة على البيت والفلوس ومش عاجبك، يالا الباب يفوت جمل. أماني وقد
ترقرق الدموع في عينيها: أنا عارفة إنك مش في وعيك وإلا ما كنتش تقولي الكلام ده. أنا رغم كل حاجة هفضل جنبك ومش هسيبك، بس لازم ترجع لعقلك. الحاجات دي مش هتخليك مبسوط، بالعكس دي هتضيعك وتضيعنا معاك. لو مكنش عشان خاطري يبقى عشان خاطر بنتك شمس، مينفعش تشوفك كدة كل شوية. دي عيلة ولما بتشوفك كدة بتخاف منك. يرضيك تخاف منك وأنت أبوها اللي المفروض يكون الأمان بالنسبة لها. زفر يونس بضيق وقد
بدا عليه أنه فاض به الكيل: يووووووه كفاية بقي! أنا ماشي ومش قاعد لك فيها.
خرج يونس وصك الباب خلفه بقوة حتى بدا أنه سينخلع من مكانه. أجفلت أماني ثم نظرت للباب المغلق بيأس، وبدأت الدموع تنهار على وجهها الجميل. وضعت رأسها على يديها فوق المنضدة وانخرطت في بكاء مرير، لا تعلم ماذا تفعل. ليعود يونس الذي كان لها كل الدنيا، وقد وقفت أمام كل معارض من أهلها لتكون زوجته، وتركت مدينتها وحياتها وتعليمها الذي لطالما حلمت باستكماله لتكون معه وبجانبه. دار أمام عينيها شريط الذكريات، لتنتبه على يد صغيرة تربت على رأسها برقة.
شمس: مالك يا ماما بتعيطي ليه؟ ابتسمت أماني لمجرد سماعها صوت ابنتها الطفولي. نظرت لعينيها الصغيرتان الجميلتان وقالت لها: أبداً يا حبيبتي، تعالي أسرحلك شعرك. أجلست أماني شمس على قدميها وراحت تسرح لها شعرها الذهبي الطويل الذي كان كخيوط الشمس، ليكون لها نصيب من اسمها. وراحت تغني لابنتها الصغيرة لتحاول أن تهدئها وكي لا تشعر الطفلة بما يعتريها من حزن. أماني: عارفة يا شموسة، أنتِ أحلى حاجة في حياة ماما. شمس ببراءة: بجد؟
أماني: طبعاً، وأنا بحبك أكتر من كل الدنيا دي. نفسي تكبري وتبقي قوية ويبقي ليكي مستقبل كبير. ردت شمس بطريقة مضحكة: وأبقى عروسة؟ أماني بحنان: طبعاً، بس الأول لازم تذاكري كويس وتبقي شطورة في المدرسة عشان أفرح بيكي وتكملي تعليمك لحاااااد ما تخلصي الجامعة، عشان العلم ده أقوى سلاح. ردت شمس بفضول: يعني إيه؟
أماني: يعني هيخليكي تبقي قوية وتقدري تعتمدي على نفسك. لما تبقي دكتورة ولا مهندسة ولا مدرسة، هيبقى ليكي وظيفة ومستقبل يا حبيبتي. وأوعي في يوم تسيبي تعليمك عشان أي حاجة، أنتِ فاهمة؟ قالت جملتها الأخيرة وقد تجمعت الدموع في عينيها. نظرت لها شمس في عدم فهم، ولكنها أجابت في طاعة محببة: حاضر يا ماما. أماني بحزن وكأنها تشعر أنها لن تكون مع ابنتها
عندما تأتي تلك الأيام: أنا عارفة يا قلب ماما إنك لسة يادوب عندك ٦ سنين ويادوب لسة داخلة المدرسة ومش هتفهمي الكلام ده. بس بكرة يا بنتي تكبري وتفهمي كلامي ده. مين عارف هكون معاكي ولا مش هكون موجودة. شمس بطفولة: أمال هتروحي فين يا ماما؟ ضحكت أماني بحزن وحملت
صغيرتها وقالت لها بحنان: خليكي فاكرة الكلام اللي قولتهولك ده يا شمس دايماً، أوعي تنسيه. واوعديني دايماً تنفذيه وكل ما تنجحي دايماً ادعيلي حتى لو مكنتش موجودة. وعد يا شموسة. شمس وقد بدا النوم يتسلل لعيونها الصغيرة وبدأت رأسها تغفو على كتف والدتها وقالت بنعاس: أوعدك يا ماما. ذهبت أماني بصغيرتها للفراش وضمتها لتستغرق في النوم، لتفزع بعد وقت لا تعلم مقداره على صوت دقات تكاد تفتك بباب
البيت وصوت جهوري ينادي: يا يووووونس افتح يا يونس، أنا عارف إنك جوه. بهتت أماني ودب الرعب في أوصالها. احتضنت صغيرتها وتسللت بها خارج حجرة النوم المجاورة للباب متوجهة إلى آخر المنزل لتبتعد بصغيرتها عن الباب وهذا الصوت المفزع حتى لا تفزع الصغيرة. ولكن هيهات فالشقة صغيرة ولا تتعدى الصالة بضعة أمتار بسيطة.
جلست أماني على الأرض في أحد الأركان محتضنة صغيرتها، ووضعت يديها على أذني الصغيرة حتى لا يصلها الصوت المرعب ووابل الشتائم الموجهة ليونس وسكان البيت. الرجل بغضب رهيب: مش هسيبك يا يونس، النهاردة يا قاتل يا مقتول! يا فلوس البضاعة اللي شربتها يا روحك يا يونس! شمس برعب: ماما هو عمو ده بيزعق ليه وعايز إيه من بابا وبيخبط جامد ليه كدة؟ أماني في محاولة يائسة لتُطَمئِن صغيرتها بصوت هامس لكي لا يسمعه
الزائر الغاضب خلف الباب: متخافيش يا حبيبتي، بابا هييجي دلوقتي يمشيه. ركل الرجل باب الشقة بقوة فانكسر الزجاج، وظهرت أماني وصغيرتها من خلفه للرجل الغاضب. وما إن ظهرت ملامحه المرعبة ووجهه المليء بالندبات، صرخت أماني وراحت تردد في رجاء محموم: يونس مش هنا، والله يونس مش هنا، سيبنا في حالنا أنا وبنتي ملناش دعوة. ولكن الرجل راح يصرخ: أنت بتتحامي في مراتك وبنتك يا يونس؟ طيب أنا هعرف أجيبك.
أدخل الرجل يده الضخمة ليفتح الباب من خلال الزجاج المكسور، وما هي إلا لحظات وأصبح داخل الشقة. راح يبحث عن يونس في كل مكان دون جدوى، وأماني تحتضن صغيرتها في رعب وتنكمش على نفسها كمن تريد أن تختبئ داخل الحائط وليس فقط بجواره. تعالت صرخات وبكاء الصغيرة، فما كان من الرجل إلا أن صرخ بصوته الهادر: اكتمي يابت!
صمتت الصغيرة في رعب. ارتجفت أماني ووضعت يدها على فم صغيرتها خوفاً عليها من هذا الوحش، وهي مستمرة في الانكماش بجلستها في ركن الصالة وابنتها في حضنها، وهمست في أذن صغيرتها: متخافيش ياحبيبتي، بابا هييجي دلوقتي يلحقنا. سمع الرجل همسها فضحك بسخرية: يلحقكم؟ ده هو اللي هيبقي ورا موتكم الليلة دي. تقدم الرجل نحو أماني والشر يتطاير من عينيه، فارتعبت وغطت وجهها بيدها وهي ما تزال محتضنة شمس تحاول أن تخبئها بيدها الأخرى.
أمسك الرجل بيدها التي كانت تغطي بها وجهها بقوة وجذبها بعنف، ليقف وهو يصرخ بغضب: جوزك فين يا ولية؟ بكت أماني بحرقة: معرفش والله ما أعرف، خرج من بدري ومقالش رايح فين، معرفش عنه حاجة. الرجل: أنتِ هتنطقي ولا أذبحك الليلة دي، أنتِ والسنيورة الصغيرة دي. صرخت أماني: لاااا! لأ! أبوس إيدك بنتي ملهاش دعوة، دي عيلة صغيرة. اعمل فيا اللي انت عايزه بس سيبها. كانت شمس تشاهد الموقف برعب وهي ملتصقة بالحائط
وتبكي بحرقة وتقول بطفولة: سيب ماما يا عمو، ربنا يدخلك الجنة، سيبها يا عمو. الرجل ردًا على أماني: متقلقيش، مانا هعمل بس هعمل فيكم انتوا الاتنين. وضع الرجل يده على رقبة أماني محاولاً خنقها: أنا هدفع تمن البضاعة اللي شربها دي وهشرب من دمكم. في تلك اللحظة ارتفع صوت يونس من خلفهم صائحًا: سيبها يا سعيد، لحسن أخلص عليك. التفت سعيد ليجد يونس يقف على باب الشقة ممسكاً بيده قطعة كبيرة من زجاج الباب المكسور.
قفز الشر من عيني الرجل وهم ليفتك بيونس وقد أخرج مطواه من جيبه وقد فتحها وهو يقترب ليونس: لما نشوف مين فينا اللي هيخلص على التاني الليلة دي يا يونس، يا البضاعة يا موتك. واجهه يونس وقد بدا عليه عدم الخوف، وقد كان يحاول أن يلم شتات نفسه بسبب السم الذي تعاطاه. وقد أمسك الرجل بتلابيبه ووضع المطواة على رقبته. اهتز يونس وسقطت قطعة الزجاج من يده تاركة جرحًا غائرًا في يده، لتصرخ أماني: يووونس!
حانت من الرجل التفاتة باتجاه صرخة أماني، ليستغلها يونس محاولاً الهروب من قبضة الرجل. وقف يونس أمام أماني وشمس قائلاً لسعيد: اللي بيني وبينك مالوش دعوة بمراتي وبنتي. أنا قدامك أهو، كدة كدة ميت، اعمل فيا اللي انت عايزه وسيبهم. رد سعيد بغضب أعمى: لا هسيبك ولا هسيبهم، يا تجيب بضاعتي يا هموتكوا هنا كلكم وهسيبك للأخر وهخلص عليهم قدامك. رد يونس بثبات يدل
على أنه ليس في كامل وعيه: البضاعة، أنت عارف إن خلاص مش هعرف أرجعهالك. حتى لو موتهم مش هرجعلك بضاعتك. شوف عايز إيه عشان نخلص الموضوع. في تلك اللحظة هجم سعيد كالإعصار على يونس صارخًا: عايز أخلص عليك يا يونس. التفت يونس ليهرب من المطواة، لتستقر بصدر أماني الواقفة خلفه. حل الصمت مكان الصراخ، وكأن كل شيء توقف. نظرت أماني للمطواة بذهول والدماء تنزف منها كالشلال. يونس كأن أصابه الشلل وهو محدق لأماني والدموع تتجمع في عينيه.
صرخت شمس: مامااااا! وارتفع بكاؤها: ماما اتعورت. سقطت أماني وقد خارت قواها، ليتلقاها يونس وهو ينظر لها بصدمة وقد تفق: ينادي عليها: أماني، أماني، متسيبينيش يا أماني، أنا مقدرش أعيش من غيرك، أنتِ عارفة إنك كل حاجة ليا. أمسكت أماني يد يونس بضعف، وقد بدأت
الدماء بالهروب من وجهها: يونس، وصيتي شمس. شمس تتعلم يا يونس مهما حصل. شمس يا يونس. رفعت إصبعها بالشهادة وسقطت يدها من فوق يده، وهو ينظر ليدها بذهول وقد سلمت روحها لبارئها. وتركت يونس كالتمثال بجوارها تتساقط الدموع من عينيه بصمت وصوتها يتردد في أذنيه بكلماتها الأخيرة.. شمس يا يونس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!