المكان: محكمة الأسكندرية الزمان: وقتنا الحالي وضع خالد أنامله سريعا ليعدل ربطة عنقه في عجالة ليطمئن من انضباطها. ثم نظر في ساعته وقد بدا عليه التوتر فقد تأخر على موعد الجلسة ويخشي أن يصل بعد بدء المحكمة في قضية موكله دون وصوله.
نصحه يحيي صديقه وألح عليه أن يبيت ليلته في الإسكندرية كي لا يتأخر على الجلسة، ولكنه أصر على العودة للقاهرة حيث بيته الذي لا يطمئن إلا بالعودة إليه. فقد تعود الأزمة لوالده وهو يخاف أن يحدث ذلك وهو غير موجود بجواره.
خالد لا يتحمل أي شيء على والده، وكيف لا وهو رجل عظيم وأب حنون أفنى عمره في تربية أبنائه. ورغم وفاة زوجته وهو ما زال في ريعان شبابه ورجولته، إلا أنه فضل البقاء دون زواج احترامًا لذكري زوجته وحرصًا على أولاده الصغار.
صالح ليس زوجًا وأبًا عظيمًا فحسب، هو إنسان عظيم مع كل الناس، لم يتأخر يومًا عن شخص يحتاج عونه ومساعدته. فخالد ما زال يذكر كيف ثار عمال وموظفو المصنع عندما قرر والده التقاعد جزئيًا نظرًا لظروفه الصحية. فهو لم يعد قادرًا على هذا المجهود ولم يكن الأمر سهلًا عليه كذلك، فبينه وبين هؤلاء العمال والموظفين مئات الذكريات والحكايات التي تجمعه بهم. فهو بمثابة أب لهم جميعًا وعاملهم طوال سنوات كأفراد أسرته وليس كرؤساء له. ولذلك لم يستطع التقاعد تمامًا، ولكنه قرر وبناءً على تعليمات الطبيب أن يقلص ساعات عمله وأن لا يذهب للمصنع كل يوم.
توقفت الأفكار فجأة عن التداعي في عقل خالد حين لاحظ أنه أوشك على الوصول للمحكمة. طلب من سائق سيارة الأجرة التوقف عندما شاهد عن بعد الزحام المروري أمام المحكمة نتيجة توقف سيارات الترحيلات لأصحاب القضايا من المحتجزين وسيارات الأمن المتواجدة دائمًا تحسبًا لحدوث أي شغب وغيرها من السيارات التي تتواجد أمام المحكمة يوميًا لدواعي جلسات القضايا المختلفة من المحكومين وذويهم وغيرها من سيارات الأجرة والبائعين.
توجه خالد للمحكمة بخطوات واسعة وهو يغلق أزرار بدلته مخترقًا الزحام. فقد أوشكت قضيته على البداية، حيث هاتفه يحيي في الطريق وأبلغه أن أمامه ربع ساعة على الأكثر وليس أمامه سوى دقائق قليلة.
صعد خالد درجات سلم المحكمة وهو يكاد يقفز الدرجات من سرعته. وفي طريقه سقطت عيناه على فتاة تجلس بمفردها في ركن على تلك السلالم الرخامية. كانت تضع يدها على رأسها وتنظر كل حين إلى السماء ويبدو عليها أنها تناجي ربها والدموع تسقط من عينيها في صمت. لم يشعر خالد بنفسه إلا وقد ثبت نظره على الفتاة، لا يعلم لماذا توقف للحظات عن الصعود وهو يشاهدها ولا يملك أن يتحرك وكأن الزمن توقف للحظات. ولكنها كانت كافية ليسأل خالد داخله
وكأنه يتحدث مع الفتاة: "ياترى حكايتك إيه؟ ياترى مين ليكي هنا بتبكي عشانه؟ أبوكي ولا أخوكي ولا يمكن جوزك؟ بهت خالد عندما وجد نفسه قد توقف عن الصعود، خجل من نفسه واستكمل طريقه وهو ينفض الأفكار عن رأسه محدثًا نفسه: "نركز في قضيتنا بقى لحسن زمان الحاجب هينادي عليها دلوقتي."
اقترب خالد من الدرجة الجالسة عليها الفتاة وبصره ما زال ثابتًا عليها. حانت منها التفاتة، فالتقطت عيناها الممتلئة بالدموع عينيه. شعر خالد بنغزة قوية في قلبه وقد ازداد نبضه قوة. انقبض صدره لعيونها الدامعة. لا يعلم السبب، ليست أول مرة يرى فيها فتاة تبكي، خصوصًا أمام المحكمة، فهذا المكان دائمًا مليء بدموع الحزن وصرخات الألم والندم. ولكن لماذا أحس بهذا الشعور تجاه هذه الفتاة بالتحديد؟
لا يعلم كيف اقتلع نفسه من أمام المحكمة وكيف أصبح بالداخل ليجد موكله يهرول باتجاهه وكأن الحياة عادت له بعد الموت. "إيه يا أستاذ اتأخرت كده ليه؟ أنا افتكرتك مش جاي." "لا طبعًا يا أستاذ إبراهيم مجيش إزاي؟ أنا وعدت حضرتك بالبراءة وإني مش هتخلي عنك، وإن شاء الله ربنا يوفقنا وأكون عند حسن ظن حضرتك." "طب يلا يا أستاذ لحسن القضية اللي شغالة دي اللي قبلنا على طول."
لف خالد وإبراهيم قاعة المحكمة وما لبثا أن سمعا رقم القضية واسم إبراهيم وخصمه. بدأ خالد في وضع ملفه وأوراقه التي أعدها بدقة. هو محامٍ مجتهد وكفء رغم حداثته بالمهنة. لطالما حلم أن يصبح محاميًا ليدافع عن حقوق الأبرياء والمستضعفين. كان يقرأ دائمًا في القانون حتى قبل أن يدرسه. كان متابعًا لجلسات القضايا والمحاكمات وكان يحللها ويستخرج ما بها من ثغرات. كان يحزنه دائمًا أن المهنة بها فاسدون ككل مهنة، لا يهمهم إلا جمع المال، ولكنه كان يردد دائمًا أن المحامي الفاسد مثله مثل الطبيب الفاشل، كلاهما قد يقتل بريء أو يتسبب في انهيار حياته.
بدأ خالد في مرافعته، عارضًا على القاضي كل ما يخص القضية. كانت القضية حادثًا على طريق إسكندرية الصحراوي. فإبراهيم يعمل بين القاهرة والإسكندرية، وقد كان الشاب المشترك معه في الحادث تحت تأثير المخدرات، وقد أثبت خالد ذلك رغم صعوبته. فالشاب ابن رجل أعمال ذو سطوة وعلاقات، ولذلك كانت القضية في طريقها لأخذ منحنى آخر، وكان إبراهيم سيتحمل الحادث بأكمله رغم أن الشاب الآخر هو المتسبب في الحادث.
إبراهيم كان يحمل بسيارته أجهزة حواسيب خاصة بالشركة دمرها الحادث، وكان على وشك أن يفقد عمله ومستقبله. ولكن خالد أنقذه حين قبل القضية وحصل على كاميرات الطريق التي تثبت أن الشاب هو سبب الحادث وما يثبت وقوع الشاب تحت تأثير المخدر، وكذلك ما يثبت التزام إبراهيم في القيادة حيث أنه ليس لديه مخالفات سابقة.
ظل خالد يقدم الأوراق للقاضي ويتحدث معه عن كل تفصيلة في القضية بمنتهى الدقة والتركيز. وبالرغم من ذلك، لم تغب عن عقله لحظة تلك الفتاة القابعة بالخارج على سلم المحكمة. تري ما همها؟ تمنى خالد بداخله لو يجدها حين يخرج. لولا استعجاله لدخول القضية لكان تحدث معها قبل دخوله، ولكن إرادة الله حالت دون ذلك وهو مؤمن بأن أمر الله خير.
تم الحكم في القضية ببراءة إبراهيم وتغريم الشاب مصاريف القضية وتعويض إبراهيم عن تلفيات الحادث من الأجهزة والسيارة. اطمأن خالد للحكم وخرج دون أن يستمع لباقي الحكم. خرج كالمشدوه وكأن هناك قوة تجذبه. خرج مسرعًا يبحث عنها بعينيه حتى وقعت عيناه عليها جالسة كما تركها. لم تتحرك قيد أنملة ولم تتوقف كذلك عن البكاء.
حمد ربه لأنه وجدها ما زالت جالسة، ولكن انقبض قلبه لبكائها كل ذلك الوقت. واقترب منها عازمًا على مساعدتها. لا يعلم لماذا؟ هل لأنه محامٍ وهي في المحكمة وبالتأكيد مشكلتها لها علاقة بصميم تخصصه؟ أم هل لأنه لا يتأخر أبدًا في مساعدة أي محتاج؟ أم.. لأنه لا يعلم ما هذا الذي يشعر به في قلبه منذ أن وقعت عيناه عليها وتلاقت عيونهما.
خالد ليس من هؤلاء الشباب الذين ينظرون للبنات ويتلمسون الأعذار للتحدث معهم، فهو طوال عمره متزن وعاقل وملتزم للحدود دائمًا في علاقاته بالجنس الآخر سواء من الزملاء أو الموكلين. ولكن هذه المرة مختلفة، لماذا؟ لا يعلم… تقدم خالد نحوها، انحنى في أدب جم وبصوت هادئ رحيم سألها: "أقدر أساعدك في حاجة؟ نظرت الفتاة له بيأس من وراء دموعها: "نعم؟ كرر خالد جملته: "أقدر أساعدك بحاجة؟ ردت الفتاة بصوت خفيض: "لأ شكراً."
خالد وقد شعر أن اللقاء على وشك الانتهاء، فهو لم يتعود أن يفرض نفسه أو يزعج أي فتاة: "متأكدة؟ هزت الفتاة رأسها إيماءً والدموع تتساقط من عينيها دون النظر إليه. خالد باستسلام: "طيب تمام، ربنا إن شاء الله يحلهالك من عنده.. بعد إذنك." هم خالد بالنزول ولكنه توقف فجأة عندما سمعها تسأله على استحياء: "هو حضرتك محامي؟ ابتسم بهدوء والتفت إليها وهو يجيب بهدوء: "أيوه يا فندم وتحت أمر حضرتك في أي حاجة."
صمتت قليلاً وهي تنظر للفراغ، ثم انتصبت واقفة ونزلت الدرجات التي كانت تفصل بينهما ووقفت أمامه. لم تنتبه لنظراته التي تفحصتها بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فقد تفحص وجهها وملابسها ولغة جسدها. لقد تعود على ذلك في مهنته، فالفراسة جزء من مهنة المحامي الذي يقابل ويعامل مئات الناس. ولكن لا يعلم لم كان يتفرس فيها بفضول، فقد كان يرغب لو يتجاوز الدقائق والساعات ويعرف كل شيء عنها. "هل يمكن أن أستشيرك في قضيتي؟ " قالتها برجاء.
تعمقت عيناه بعينيها وقد انتابته الشفقة تجاهها، فهي صاحبة القضية إذن وليس أحد ذويها كما كان يعتقد في البداية. "طبعًا أكيد، تحت أمرك." قالها خالد بكل ثقة. ردت بهدوء: "طيب." وما إن شرعت في الكلام حتى تذكر جلستها الطويلة على السلم في الشمس وأنها بالتأكيد تشعر بالعطش، خصوصًا أنه لم يرى معها أي شيء ولا حتى حقيبة يد. "طيب معلش استأذنك نقعد هنا قريب نشرب حاجة ونتكلم." نظرت له بشك، طمأنها مستكملًا
حواره: "المنطقة ورا المحكمة كلها قهاوي، لو كنتي لاحظتي الموكلين بيقعدوا مع المحامين هنا عادي، متقلقيش." نظر لها وهو يبث فيها الثقة لتطمئن له. "سألته: يعني ينفع بنت تقعد على القهوة عادي؟ "رد خالد بود: أيوه متقلقيش، هنا البنات هتلاقيها أكتر كمان من الشباب، تمام؟ "ردت مستسلمة: تمام."
سبقها خالد بعدة خطوات كي لا يخجلها أو يضعها في موضع إحراج. في النهاية لا يصح أن تسير بجانبه. وصل خالد المقهى قبلها بلحظات، فهو كان يمشي ببطء رغم أنه تعود على السير بسرعة، ولكنه راعى أنها تلحقه. انتظرها حتى وصلت. اختار خالد منضدة في صدر القهوة حتى تطمئن بالناس حولها ولا تشعر بالحرج. وصلت ونظرت حولها فوجدت بالفعل المقهى مليئًا بالسيدات والفتيات وليس قاصرًا على الرجال كما هو متعارف عليه، فالكثير من المحاميات وحتى الموكلات في القضايا يلجأن للمقهى في مقابلاتهن بخصوص القضايا حيث أنها مكان قريب من المحكمة.
"خالد: تشربي إيه؟ نظرت لساعتها وقد أدركت أن الساعة اقتربت من الثانية. إنها جالسة أمام المحكمة من الساعة الثامنة صباحًا، لعلها تجد حلًا لما هي فيه. أدركت كم من الوقت مر عليها وهي تجلس والشمس تلفح رأسها وقد بدأت تشعر بالصداع يزحف إليها. كم تتوق لكوب من الماء البارد المنعش، ولكنها خجلت منه وأجابت برأس منكس: "شكراً، أنا مش عايزة أعطل حضرتك أكتر من كده، هم سؤالين وهنمشي على طول." "أجابها
بصدق: مفيش عطلة ولا حاجة، أنا خلصت كل شغلي ومعنديش أي حاجة دلوقتي وحضرتك مش معطلاني إطلاقًا." ثم استرسل مكملاً حديثه: "أنا تحت أمرك في أي حاجة.." صمت برهة وهو يتوقع طبيعة المشكلة التي قد تكون لدى فتاة كتلك. "حضرتك عندك مشكلة نزاع ميراث ولا حاجة؟ نكست رأسها وقالت بيأس: "ياريت." نظر لها خالد بدهشة وتعاطف: "أمال إيه؟ صمتت عندما لاحظت فتى الشاي قادم ليتلقى الطلبات. أخبره خالد أن يحضر لها عصير ليمون وزجاجة من الماء.
نظرت للأرض بخجل وهمست له: "شكراً." ثم أكملت فجأة بحزن والخجل يعتريها: "أنا… أنا والدي جوزني بدون علمي." بهت خالد من جملتها، نظر لها بصدمة، ولكنها كانت تنظر في الأرض. لم يشعرها بصدمته حتى لا يحرجها وتسترسل في الحديث. حاول أن يبتلع غصة في حلقه عندما علم بطبيعة الأمر ودون أن يدرك أحس بخيبة أمل وسألها ليفهم الأمر: "إزاي يعني؟ هو حضرتك عندك كام سنة؟ "٢٢ سنة."
"طيب يعني مش قاصر.. معلش ممكن أفهم إيه ظروف وملابسات الموضوع يعني هو ليه مثلًا عمل كده ومعرفكيش؟ إنتي مكنتيش موافقة على العريس؟ لا يعلم لماذا سألها هذا السؤال، هل من أجل القضية أم من أجل أن يعرف عنها أكثر؟ وقد أثارت فضوله هذه النقطة بالتحديد. "قالت بحزن شديد: لأ طبعًا أنا مكنتش عايزة أتجوز أصلًا، لا ده ولا غيره، أنا عايزة أخلص جامعتي." "هو إنتي لسه بتدرسي؟ "أيوه، في سنة رابعة كلية آداب قسم ترجمة."
أصابه الذهول، فهي إذًا متعلمة ومثقفة، لماذا قام والدها بذلك؟ وهل لا يزال هناك آباء يفكرون بتلك الطريقة العقيم؟ "ووالدك مش عايزك تخلصي تعليمك؟ قالت بنبرة سخرية: "ميفرقش معاه، أتعلم متعلمش، أعيش أموت، المهم عنده ي….." صمتت وهي تسيطر على انفعالها وكأنها تريد أن تصرخ، ولكن سكتت وقد احترم صمتها، فهو بالرغم من كل شيء أبوها الذي أنجبها ورباها، وهي بالتأكيد لا تريد أن تفضحه على رؤوس الأشهاد.
"طيب انتي عايزة ترفعي قضية على والدك دلوقتي؟ قالت بخجل وهي تنظر لعينيه وكأنها ترجوه أن لا يتخلى عنها: "أنا معنديش فلوس أرفع قضية." "أجاب بكل ثقة: ماعليكي من الفلوس دي، آخر حاجة نتكلم ونفكر فيها. المحاماة زيها زي الطب مهنة إنسانية، وأنا وغيري كتير بناخد قضايا بدون مقابل طول الوقت. لو معملناش كده نبقى منستحقش لقب محامين." "طيب والمصاريف؟ "أجاب بتفهم: متشغليش بالك، دي بتكون حاجات بسيطة. قوليلي إنتي محتاجة تعرفي إيه؟
قالت بنبرة واثقة لأول مرة منذ رآها: "هو مش الجواز بدون موافقة العروس، خصوصًا لو مش قاصر، يعد باطل؟ أجابها بإعجاب بثقافتها: "أيوة طبعًا." سكتت قليلاً لتفكر في السؤال التالي، ونظرت للأرض بخجل وقالت على استحياء: "هو صحيح لو هربت من الراجل ده يقدر يطلبني في بيت الطاعة؟ نظر لها وقد اغتاظ من الفكرة: "إنتي ليه بتسألي السؤال ده؟ "عشان والدي قالي إنه هيعمل كده."
"ممم طيب، سيبك من الكلام ده دلوقتي وخلينا نبدأ خطوة خطوة. إحنا محتاجين الأول إنك تعمليلي توكيل رسمي عام في القضايا عشان أرفعلك قضية بطلان الزواج. الأول إحنا لو ابتدينا في خطواتنا بسرعة هنسبقه وساعتها حتى لو رفع طاعة مش هيعرف يعملك حاجة."
نظرت له بصمت، ولكنه تفهم أنها لا تملك المال كما أنها فتاة بمفردها، ويبدو من كلامها وعدم وجود حقيبة معها أو أي شيء أنها لن تتمكن من عمل توكيل أو غيره. أدرك خالد أنها في مأزق حقيقي وقد رق قلبه لحالها. نظر خالد لها بحنان وهز رأسه بتفهم ثم قال لها: "طيب هاتي بطاقتك وأنا هتصرف." "أجابت بهدوء: أنا معييش بطاقة." "ليه؟ راحت فين؟ "رفعت يديها باستسلام وقالت في لا مبالاة وكأن الأمر لا يعنيها، وكأن الأوراق والنقود
والدنيا كلها لا تعنيها: أنا معييش حاجة خالص.." ثم نكست رأسها وقالت بانكسار: "مشيت من غير ما آخد أي حاجة، مأخدتش حتى كتبي." قالت جملتها الأخيرة وهي على وشك البكاء. رق خالد لحالها، تمنى لو استطاع أن يأخذها في حضنه ويربت على رأسها ويقول لها: "هوني على نفسك." وشعر كم هي حريصة على دراستها. "طيب ممكن تديني بياناتك وأنا هتصرف؟ قالت باستسلام: "حاضر."
"محتاج اسمك وتاريخ ميلادك وعنوانك الموجود في البطاقة لو متذكرة. رقم بطاقتك طبعًا ياريت." "بصراحة مش حافظاه." قال بهدوء ليخفف عنها: "طيب مفيش مشكلة." أخرج خالد من حقيبته قلمًا وورقة بيضاء وشرع في الكتابة، ثم توقف فجأة ليباغتها بالسؤال: "صحيح، إنتي سألتيني عند المحكمة إن كنت محامي، عرفتي إزاي؟
أشارت بإصبعها على ملابسه ببساطة، ولكنه لم يفهم. ثم نظر لنفسه فجأة ليجد أنه كان لا يزال مرتدي روب المحاماة الذي كان يرتديه خلال مرافعته بقضية إبراهيم. شعر خالد بالاحراج الشديد أنه خرج من المحكمة مسرعًا بحثًا عنها وأنها سارت من المحكمة للمقهى وهو مرتديه دون أن يشعر. ضحك خالد بخجل قائلًا: "صح، هكون إيه صحيح بالروب ده؟ ظابط؟
فابتسمت رغما عنها، ولكنه ظل ناظرًا لها فقد ابتسمت لأول مرة منذ أن رآها. سحرته ابتسامتها الرقيقة. شعر أنه يعرفها منذ زمن بعيد، لا يعلم خالد لماذا يشعر هذا الشعور منذ أن وقعت عيناه عليها لأول مرة، وكأن هناك رابط بينهما، وكأنها ليست المرة الأولى التي يراها بها. وهذه الابتسامة أكدت له ذلك. هز خالد رأسه كأنه أراد أن يستفيق من خواطره وشرع في الكتابة وهو يقول بجدية: "طب يلا اديني بقى بياناتك." "اسمي شمس.. شمس يونس الزهيري."
توقف خالد عن الكتابة وهو يحدق بها في ذهول. "إيه؟ قولتي اسمك إيه؟ صمتت في عدم فهم وسألته: "هو فيه حاجة ولا إيه؟ كرر خالد سؤاله وهو ينظر لشفتيها برجاء أن لا يكون ما سمعه منها في المرة الأولى خاطئًا: "قولتي اسمك إيه؟ قوليه تاني كده." كررت شمس الاسم ثلاثيًا وكرر خالد نفس رد فعله، ولكنه اقترب منها فجأة وقال بحنان بالغ: "إنتي شمس؟؟؟ اندهشت شمس من طريقته وقالت بحدة: "فيه حاجة يا أستاذ؟ هو حضرتك تعرفني؟ ابتسم خالد ابتسامة
واسعة وهو يقول بسعادة: "أنا خالد يا شمس.. خالد صالح الزهيري.."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!