جلس يونس على مقعده المعتاد على رأس المائدة الخالية، زائغ البصر لا يعلم ماذا يفعل وكيف يجد ابنته التي فرت هاربة دون أثر. لقد بحث عنها طوال الليلة دون جدوى وعاد لمنزله مع انفاس الصباح. تُرى هل أصابها مكروه؟ لقد كانت دائماً صلبة وقوية، ولكنها لم تبيت ليلة خارج جدران هذا المنزل. تُرى كيف باتت ليلتها وأين؟ استفاق يونس على صوت الباب يكاد أن يتهشم من يد الطارق عليه. قام يونس دون اهتمام ليفتح لمأمون الثائر بالخارج.
مأمون: مش قولتلك عارف مكانها وموانس معاها؟ اديك جيت قعدت ولا على بالك وسايبني أنا أمسح الأسفلت عشان ألاقي بنتك. يونس: عايزني أعمل إيه؟ مأمون: تقولي هي فين؟ نظر له يونس بقرف ثم عاد ليجلس على مقعده. مأمون: ماهو اسمع يا يونس، قعدتك دي وراها حاجة. قولي وراها إيه عشان أعرف، لحسن وحياة كل جنيه دفعته على مزاجك طول السنين دي، لسففك التراب لحد ما تقول لي على مكانها. يونس: قعدتي وراها إيه؟ مأمون: أيوه يا يونس، وراها إيه؟
يونس: وراها خيبة.. وراها خيبة راجل فاشل ومالوش قيمة. أنا ضيعت بنتي بنفسي زي ما ضيعت أمها. جوزتها بإيدي لواحد زيك عشان ألاقي مزاجي، يبقى بذمتك أنا بني آدم؟
قطعه مأمون: بقولك إيه يا يونس، أنا ماليش في قصة ذكرياتك الحزينة وكتاب حياتك ده. والواحد زيي ده هو اللي شربك وشغلك وداري على بلاويك طول السنين اللي فاتت دي لجل عيون المحروسة. ولو مكنش كده كان زمانك مرمي في السجن. فلو الحكاية هترسي على مفيش، يبقى إحنا فيها. تريحلك 15 سنة على البورش لحد ما يبان لك صاحب. لم تهتز شعرة بيونس ولم يحرك له ساكناً،
بل نظر لمأمون بلا اهتمام: اعلى ما في خيلك اركبوه. أنا ما يهمنيش غير إني ألاقي بنتي. سكت مأمون قليلاً ثم جلس بجوار يونس، بعد أن شعر أنه بالفعل لا يعرف مكان شمس، فهو لم يراه كذلك قبل اليوم منذ معرفتهم. فقال له محاولاً استدراك الموقف واستعادة زمام الأمور بيديه: وأنا ما يخلصنيش سجنك يا أبو نسب، إحنا برضه عشرة وأصحاب، قعدة مزاج واحدة. بس فتح مخك كده وفكر معايا، بنتك ممكن تكون راحت فين؟
أنت يا جدع انت ملكش قرايب.. أهل.. أمها مكنش ليها حد؟ إيه نزلتوا من كوكب تاني؟ أجابه يونس دون أن ينظر له: مكناش في مصر خالص، أنا كنت شغال في الخليج واتنصب عليا هناك، فجيت هنا بعد ما خسرت كل حاجة. نظر له مأمون بتشكك: ممم.. يعني وقبل ما تسافروا مكنش ليكم أهل؟ يعني شمس ملهاش خالة.. خال.. عمة.. عم؟
نظر له يونس مع كلماته الأخيرة وصاح به غاضباً: لا ملهاش يا مأمون. إحنا مقطوعين من شجرة، وقفل بؤك على كده يا مأمون. ثم أضاف مستنكراً: أنا بتي ضاعت بسببي وانت قاعد تحقق معايا وعامل لي س وج؟ ماتسيبني يا أخي في اللي أنا فيه؟ صاح به: واللي انت فيه ده هيخلص لوحده، انت إيه يا جدع انت البرود اللي انت فيه ده؟ ماتقوم تدور على بنتك. يونس: أنا دورت في كل المستشفيات والأقسام مفيش فايدة، لو كانت في حتة من دول كان بان لها أثر.
مأمون: يعني إيه؟ يونس: يعني أنا خايف البت تكون عملت في نفسها حاجة. قال بفتور: عموماً يا يونس، لو بتك عايشة هتبان، ولو ماتت جثتها هتبان. ختم مأمون جملته وخرج وصفع الباب خلفه، تاركاً يونس غارقاً في تفكيره وحيرته. نزل مأمون من عند يونس وهو عاقد العزم على إيجاد شمس بأي سبيل. قابل أحد رجاله يدعى سعد، يعمل معه وهو بمثابة ذراعه الأيمن، رجل سوابق، ميت القلب، يعمل في أي شيء قد يجلب له المال. مأمون: سعد تعالي عايزك.
سعد: أوامرك يا كبير. مأمون: في شغلانة عايزك فيها الأول لوحدك، وشغلانة تانية هيبقى معاك الرجالة. سعد: اللي تؤمر بيه يحصل. مأمون: الشغلانة الأولانية عايزك تجمع لي معلومات عن اللي اسمه يونس ده، هو وأهله وعيلته كلها، له حد ولا مالوش، عايشين ولا ميتين، ومراته كمان. سعد: أوامرك يا كبير. طب والشغلانة التانية؟ مأمون: لا دي لما تعرف كل اللي قولتلك عليه، هتجي لي وساعتها هقولك هنعمل إيه بقى في الشغلانة التانية.
قال جملته الأخيرة وهو ينوي شراً يتطاير من عينيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!