الفصل 15 | من 26 فصل

رواية انت سندي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ايمان سلامة

المشاهدات
20
كلمة
2,494
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

دخل صالح حجرة المكتب متوكئًا على عصاه في تؤدة وهدوء ظاهري، لا ينم عن ما يعتريه من قلق وتحفز. دخل خالد وهشام وشمس وراءه. صالح: تعالوا اقعدوا هنا قدامي. لم يسبق لشمس أن دخلت حجرة المكتب. حجرة واسعة يتوسطها مكتب شيك مصنوع من خشب الأبنوسي ومطعم بالنقوش الذهبية. يوجد صالون جلدي ومكتبة هائلة عامرة بكتب في كافة المجالات، وإن كان أغلبها كتب قانون. يبدو أن خالد يعمل خلال تواجده بالمنزل هنا في مكتب والده.

جلس صالح على أحد مقاعد الصالون الجلدي، ممسكًا عصاه بكلتا يديه، واضعًا ذقنه على يديه في هدوء. وجلس الثلاثي حوله. صالح: كنت هتضرب أخوك يا خالد؟ خالد: أنا آسف يا بابا. حضرتك عارف إني عمري ما أفكر أمد إيدي على أي حد وخصوصًا هشام، بس أصله قال كلام… سكت خالد وخفض رأسه في أسف. صالح: وانت يا هشام بتطرد بنت عمك من بيتي وكأن البيت ده مالوش صاحب. ولا أكمني مبقتش زي الأول خلاص، اعتبرتني مش موجود؟

هشام: بعد الشر عليك يا بابا.. ما عاش ولا كان اللي يفكر في حضرتك كده. حضرتك صاحب البيت ده وكبيره وهتفضل كده طول حياتنا. صالح مكملاً حديثه وكأنه لم يسمع جملة هشام: وانتي يا بنت أخويا كنتي حتمشي من البيت كده من غير ما تقوليلي ولا حتى تعبري عمك الراجل اللي أكبر من أبوكي. طب ياستي كنتي استني سلمي عليا. قالها بسخرية وهو ناظر أمامه دون النظر في وجه أحد منهم.

خالد: بابا شمس ملهاش ذنب. نظر لها بحزن. هي صحيح غلطانة إنها كانت هتمشي بس ا…

قاطعه صالح وهو يزأر غاضبًا: كلكم غلطانين. انت غلط لما سبت نفسك لغضبك وكنت هتمد إيدك على أخوك لولا إن ربنا بعتني في الوقت ده. مش عارف إيه اللي ممكن كان يبقى حاصل دلوقتي. وانتي غلطي لما استصغرتي عمك وقررتي تاخدي بعضك وتمشي وكأنك كنتي بايته في فندق أو بايتة عند ناس ميهمهمش أمرك. هيصحوا الصبح يلاقوكي مشيتي هيكملوا حياتهم عادي كأنهم لا شافوكي ولا عرفوكي ولا كانك جيتي. أما انت يا هشام… أشار صالح

لابنه الأصغر بغضب عارم: أنا كأني باصص لواحد معرفوش، مش ابني اللي أنا كبرته وربيته. ابني اللي شوفته راجل وحملته أمانة وقبل عليا وعلي نفسه إنه يرجع يعاملني زي المغفل ويفهمني إنه مقدرش يوصل لحاجة. طب ولما عرفت وكنت بتسافر بعدها برضه عشان تجيبلي أي أخبار عنهم كنت بتعمل إيه؟ بتسافر تتفسح مع صحابك وتيجي تستغفلني؟

صعق هشام عندما أيقن أن والده سمع كل ما دار بينهم. تجمعت الدموع في عينيه. لم يخطر بباله أبدًا أن يغضب والده لهذا الحد، بل إنه لا يوجد لديه في الدنيا أحب من والده وعمته وأخوه. هم كل ما لديه من الدنيا بعد موت أمه، ولا يريد فقدانهم. قام هشام من مجلسه ليسقط على الأرض أمام أبيه مترجياً

إياه: يا بابا أنا مفكرتش كده أبدًا ولا حتى فكرت بيني وبين نفسي إني أبص لحضرتك البصة دي. بالعكس، أنا كان كل هدفي أحميك وأبعد حضرتك عن أي مشاكل أو انفعال لأني خفت عليك وعلى صحتك. صالح ساخطًا: ليه شايفني رجعت عيل صغير ومستني إنك تحميني؟ ولا ما عشان تعبت شوية خلاص رجعت عيل صغير في نظرك وقررت تاخد القرار بدالي؟ ما تحجر عليا أحسن. انتشل هشام يد والده من موضعها على

العصا ليقبلها وهو يبكي: أبوس إيدك يا بابا. أنا مقدرش أسمع منك الكلام ده. الله يخليك حضرتك عارف إنك كل الدنيا عندي وأنا والله ما فكرت كده أبدًا. صالح وهو ما زال يزأر بغضب: مدام شايفني كبير أوي كده يبقى كان لازم تيجي تقولي وتعرفني اللي عرفته وأنا اللي أقرر وأختار، مش كده برضه يا باشمهندس؟ ولا انت خفت حد ييجي يقاسمكم في الميراث؟

انتفض هشام صائحًا: لا يا بابا والله لأ. أنا مبفكرش كده أبدًا وحضرتك عارفني كويس أوي. حضرتك صاحب المال وصاحب كل حاجة. أنا ماليش إني أسألك حضرتك فيه. صالح: أمال إيه اللي خلاك حتى متشورش أخوك الكبير وتاخد رأيه؟ إيه اللي خلاك تكتم الموضوع وانت عارف إني بتنشأ على خبر عنهم؟ هشام: لاني خفت عليه والله يا بابا. عشان عارف خالد شهم مش ممكن هيعرف ويقف. كان هيحاول يدخلهم حياتنا وكان هيورط نفسه معاهم.

صالح: يبقى انت فعلاً زي ما أخوك قال، كنت خايف على اسمك وسمعتك، مش خايف عليا. طأطأ هشام رأسه باكيًا ولم ينطق بحرف. كانت شمس تراقب الحديث ببكاء صامت. لقد هالها غضب عمها. هذا الرجل الطيب الهادئ أصبح في لحظة كالإعصار. لم تفكر لحظة عندما قررت الذهاب في كل ما ذكره عمها، وكيف لها أن تدرك كيف يفكر الكبار ومن أين ستعرف الأصول. لم تفكر سوى في أن تبتعد بلهيبها عن هذا البيت الجميل. تحدثت أخيرًا

بعد أن استجمعت شجاعتها: حتى لو هشام فكر كده يا عمي، فده من حقه. ده مهندس متفوق زي ما حضرتك قولت، ليه مستقبل وخايف عليه. ومن حقه يخاف على صحة حضرتك وعلى اسمك وسمعتك اللي بنيتهم في سنين، وعلى سمعة أخوه المحامي اللي الناس بتلجأ له في مشاكلها وبيثقوا فيه. مكنش ينفع يحط اسمنا جنب اسمكم في أي جملة مفيدة. فيه حاجات كتير حضرتك متعرفهاش. نظر هشام لها بدهشة. لم يتوقع أن تدافع عنه هي بالذات.

صالح ساخرًا: وإيه هي الحاجات اللي أنا معرفهاش يا بنت أخويا؟ مش كان واجب عليكي تيجي وتعرفيهالي بدل ما تاخدي بعضك وتمشي؟

شمس وهي منهارة في البكاء: كان نفسي.. كان نفسي أوي أجي وأترمى في حضنك وأفضل أعيط وأحكي. أحكي كل حاجة وجعتني من يوم ما وعيت على الدنيا. كان نفسي أرمي حمولي عليك وأنا واثقة وعارفة إن حضرتك هتقدر تسندني. بس خفت. خفت على قلبك الجميل ما يتحملش اللي هتعرفه. لما عرفت من عمتي إن حضرتك جالك أزمة من فترة بسيطة. مقدرتش ياعمي والله. حضرتك مش عارف أنا حسيت بإيه أما اترميت في حضنك. ارجوك يا عمي متظلمنيش. أنا مفكرتش في أي حاجة وأنا بمشي غير إني أبعد بمشاكلي عنكم. وكل اللي حضرتك قولته ميجيش في بالي، لأني ببساطة كبرت لوحدي. محدش علمني.

اقترب صالح منها بعد أن توقف بصعوبة وهو دامع العينين ووقف أمامها بصمود. ترك عصاه لتسقط أرضًا، فاجفلوا جميعًا ونظروا له بخوف أن يسقط. وضع صالح سبابته على قلبه مخاطبًا شمس: القلب ده زي الصخر. انتي متعرفيش شاف واتحمل إيه؟ ولا يقدر يتحمل إيه؟ عمك مش ضعيف يا شمس ويقدر يشيل حمولك وحمولكم كلكم. أنا لسة ما متتش. صالح الزهيري لسة بصحته ويقدر يحمي ولاده لآخر نفس في عمره.

وضع صالح يده على كتف شمس يدفعها برفق للأسفل لتجلس هامسًا: جايز أكون اتأخرت إني أسمعك، لكن لسة فات الأوان. احكي كل اللي في قلبك يا بنتي. ارمي حمولك على كتف عمك العجوز ده وهتشوفي هو يقدر يعمل إيه. انهارت شمس بكاءً وهي تفرك يديها بقوة. لا تعلم من أين تبدأ. ونظرت لهشام بأسف، فهي تعلم أنه لا يريد ذلك، ولكنها لا تستطيع الكتمان أكثر من ذلك. لقد أصابها عمها بالسلاح الأكثر فتكًا بها: العطف والاحتواء. ظلت شمس تحكي وتبكي

وكأنها تتطهر من كل شيء: أول حاجة كان المفروض حضرتك تعرفها من امبارح إني جاية هربانة. هربت من بيتنا لما بابا جوزني بدون علمي. ولما روحت المحكمة عشان أشوف حل قابلت هناك خالد واتعرفنا وجابني معاه. يمكن ده القدر والنصيب. كان ممكن أروح القسم أعمل محضر أو أهرب ومفكرش أعمل أي حاجة، لكن كأن ربنا بعتني المحكمة عشان ألاقيه ويوصلني ليكم. انهر صالح جالسًا مع أول كلماتها. فبرغم قوته لم يتخيل أن يفعل يونس أخوه ذلك.

سألها بجزع: وأمك سابته يعمل كده؟ أماني مش ممكن تقبل بحاجة زي كده. سألها صالح لتجيب: ماما اتوفت وأنا عندي ٦ سنين. واحد جه بيتنا كان عايز يموت يونس، لكن ضربها بداله بالغلط. أجفلوا جميعًا على صوت صابرين داخل الحجرة. لا يعلمون متى دخلت وما الذي سمعته، ولكنها صرخت بلوعة: يا حبيبتي يا أماني! انتي بتقولي إيه يا شمس؟ بتقولي إيه؟ أجلس خالد عمته وأعطاها الماء وحاول تهدئتها.

نظرت صابرين لشمس باكية: أنا كان قلبي حاسس إنك فيكي حاجة. كنتي بتتنفضي في حضني وبتعيطي، لكن مفكرتش إنك تكوني شايلة هموم للدرجة دي. أشار لها صالح بعينيه لتصمت كي تكمل شمس ما بدأته، فقد خاف أن تتراجع عن الكلام خوفًا على عمتها.

ظلت شمس تحكي ما مرت به خلال طفولتها، كيف اهتمت بها خديجة، وكيف عملت بالتنظيف، وكيف كان يونس يعاملها، وكيف كانت تحافظ على نفسها وتكافح من أجل يوم أن تتخرج وتأتي للقاهرة. كانت العبرات تسيل من عيني صالح في صمت وهو ينظر لشمس بعينيه الجميلتين والحزن يكسو كل لمحة بوجهه. حتى نطقت آخر كلماتها. كان خالد منكس الرأس، وكأنه هرب من النظر إليها، حيث إن قلبه لم يعد يحتمل رؤية المزيد من آلامها. هشام كان يبدو مصدومًا وملامحه يملؤها الأشفاق، فهو كان يتخيل شكلًا آخر للحكاية. وقد اعتقد أن شمس أصبحت جزءًا من البيئة التي نمت فيها. صابرين كانت تبكي بشدة بصوت مكتوم وتمسح دموعها.

صالح: اتحملتي كل ده بس عشان تخلصي جامعتك وتيجي؟ شمس بثقة: أيوه يا عمي، كل اللي كان يهمني إني أتخرج وأشتغل وأبعد عن يونس خالص. صالح: وهو فين يونس دلوقتي؟ شمس: معرفش عنه حاجة من بعد ما مشيت. حس إني هربت. محسش.. بس الأكيد إنه حتى لو حس مش هيدور عليا، بس غير عشان هيخاف من مأمون الراجل اللي جوزني ليه، لأنه راجل خطير جدًا ومؤذي. هز صالح رأسه بفهم، ثم قام للمكتب أحضر ورقة صغيرة وقلم ووضعهما أمام شمس، مربتًا

على كتفها بحنان: اكتبيلي عنوان بيتكم في إسكندرية. وقف خالد وهشام بفزع. خالد: حضرتك ناوي على إيه يا حاج؟ صالح: ناوي أروح أشوف أخويا. هشام: أيوه يا بابا، لكن… صالح: ملكش دعوة انت خالص. ولو عايزني أسامحك وأنسى اللي انت عملته؟ متحاولش تتدخل في الموضوع ده إلا إذا كنت ناوي تساعد بنت عمك اللي انت طردتها امبارح من غير ما تعرف حتى فيه في حياتها إيه. نكس هشام رأسه خجلًا وهزها بالموافقة. خالد: طيب يا حبيبي، ممكن أجي معاك.

صالح: لأ. محدش هييجي معايا. خالد: إزاي ده؟ يا بابا بعد إذنك اعمل اللي حضرتك حابه واحنا معاك، بس على الأقل خلينا نكون مطمنين عليك. وبعدين جايز عمي ميقابلش حضرتك زي ما حضرتك فاكر. هو ممكن يكون تحت تأثير حاجة أخدها ويعمل حاجة لحضرتك. صالح: ساعتها يبقى ربنا بعتني ليه عشان ياخد حقه مني بعد السنين دي كلها. قال جملته الأخيرة ناظرًا لصابرين التي بادلته النظرة دون أن تتدخل بالحوار أو تحاول منعه من الذهاب.

اندهش خالد من الجملة الأخيرة وهو يحاول الفهم من والده. وشمس تنظر لعمها بفضول. خالد: حق إيه يا بابا اللي لعمي عندك؟ صالح: يونس عمره ما شرب سيجارة حتى ولا كان ليه في الجو ده. ده كان راجل بيدير شركة وليه اسمه وسمعته بين الناس. ولو كان وصل إنه بقى مدمن فـ أنا السبب. اندهشوا جميعًا وهم ينظرون لصالح في انتظار تفسير.

صالح: أنا اللي وصلته للطريق المسدود ده. أنا اللي سيبته لوحده واتخليت عنه وهو ضعيف لحد ما هرب وبعد وساب نفسه للقرف ده. أنا.. أنا مش حد تاني. نظر صالح لصابرين معللًا: إحنا غلطنا زمان غلطة كبيرة أوي ولازم دلوقتي ندفع تمنها ونصلحها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...