تحميل رواية انذار بالحب بقلم نور زيزو pdf
بقلم نور زيزو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في فصل الشتاء البارد وأصوات الرعد تملأ المكان وتضرب الأذان، كان ضجة الشجار وصوت الصراخ يخرج من المنزل. حتى فتح باب المنزل المكون من طابقين، وكانت سيدة تتشاجر مع فتاة بعمر ابنتها. فدفعت "نيللي" المرأة الخمسينية من عمرها، بوجه عابس، ابنة زوجها المتوفي "نور" خارج المنزل بملابس بيتها، البيجامة القطيفة وعبارة عن بنطلون وسترة قطنية تصل لأعلى ركبتيها، وحذاء وردي مصنوع من الصوف للمنزل. صرخت "نيللي" ب "نور" بقسوة قائلة: "ما دام راكبة دماغك وبتكسري كلمتي بعد كل دا وتعبي وتربيتي فيكي، يبقي مالكيش عيش فى بي...
رواية انذار بالحب الفصل الأول 1 - بقلم نور زيزو
في فصل الشتاء البارد وأصوات الرعد تملأ المكان وتضرب الأذان، كان ضجة الشجار وصوت الصراخ يخرج من المنزل.
حتى فتح باب المنزل المكون من طابقين، وكانت سيدة تتشاجر مع فتاة بعمر ابنتها. فدفعت "نيللي" المرأة الخمسينية من عمرها، بوجه عابس، ابنة زوجها المتوفي "نور" خارج المنزل بملابس بيتها، البيجامة القطيفة وعبارة عن بنطلون وسترة قطنية تصل لأعلى ركبتيها، وحذاء وردي مصنوع من الصوف للمنزل.
صرخت "نيللي" بـ "نور" بقسوة قائلة:
"ما دام راكبة دماغك وبتكسري كلمتي بعد كل دا وتعبي وتربيتي فيكي، يبقي مالكيش عيش فى بيتي يابنت زُهير."
أقتربت "نور" بهلع إلى الباب ودموعها تنهمر على وجنتيها بغزارة. لا تُصدق أنها تُطرد من منزل والدها. ثم قالت بذعر:
"أتقي ربنا وخافي منه، تأخدي كل اللى حيلة أبويا وعايزة ترميني فى الشارع؟"
وضعت "نيللي" يديها على الباب تمنعها من الدخول، حادقة فى هذه الفتاة المنهارة بلا رحمة ودون أن يرجف لها جفن أو تشفق عليها. ثم قالت بقسوة ولا مبالاة:
"والله أنا مضربتهوش على أيده عشان يكتبلي البيت والورشة، ولو علي رميك فى الشارع.. فأه أنا هرميكي فى الشارع ما دام مبتسمعيش كلامي وجابلي المشاكل والصداع لحد عندي."
صرخت "نور" بها بانفعال شديد وضربت الباب بقدمها من الغيظ والانهيار قائلة:
"هو يا تجوزيني غصب عني لواحد أنا بكرهه ومش طايقاه، يا ترميني فى الشارع؟ فى شرع مين دا؟ حرام عليكي."
لم تبالي بحديثها وهزت كتفها باستنكار. ثم ربتت "نيللي" على ذراعها ببرود. ثم هتفت قائلة:
"خلي شهادتك يا ست الدكتورة تنفعك.. يمكن الشهادة والكلية يأكلوكي، ولا الكلية تأويكي من برد الشتاء وكلاب السكك."
أغلقت "نيللي" باب المنزل. ووقفت "نور" تنظر حولها بصدمة. والساعة قد تجاوزت العاشرة مساءً ولا تملك مكان تذهب إليه فى هذه الساعة. شعرت بحرج شديد من نظرات الجيران والمارة عليها. فأخرجت هاتفها من جيب بيجامتها ونظرت به مطولًا، مُترددة فى الاتصال بمن؟ أخفت شعرها تحت طاقيتها المصنوعة من خيوط الصوف قدر الإمكان وسارت فى الطريق بعيدًا. لا تملك مال أو مأوي تذهب إليه.
وصلت إلى قرب البحر وجلست على المقعد الصخري. لترى امرأة تقدم لها وردة حمراء كبيرة وجذابة. لترفع "نور" رأسها للأعلى. فتبسمت المرأة العجوزة لها بسعادة. رغم دموع "نور" التى أختلطت مع حبيبات المطر. وقالت:
"خدي الوردة يابنتي، متخافيش. الفرج من عند ربك."
أومأت "نور" لها بنعم. متيقنة أن خالقها لن يتركها وحدها. وأخذت الوردة منها. فكبرت بسمة السيدة من لمس "نور" للوردة. وقالت بحماس:
"الفرج قريب وطريقه كل مخاطر، لكن لكل خطر ووجع سعادة. وأنتِ سعادتك هتكون فى وجعك يا بنتي. لكن خدي بالك من طيبتك لتموت مع القسوة والنار تحرقك بدل ما تشفيكي."
لم تفهم "نور" كلماتها. فنظرت للوردة. ثم رفعت نظرها من جديد لترى السيدة العجوزة قد أختفت تمامًا من أمامها. وسقطت ورقة من الوردة على الأرض. لتنحني "نور" وتأخذ الورقة. وهناك كانت الصدمة الأكبر لها. حين رأت كلمات محفورة على الورقة الحمراء:
"سيقتلك الحب بعد أن يمزقك أربًا."
أرتعبت "نور" من هذه الكلمة وهرعت من مكانها هاربة. ويدها تحتضن الوردة بشدة وأحكام. لم تصدق أن هذه السيدة العجوزة كانت دجالة وتقرأ طالعها وتنذرها بقدوم حُب مشؤوم لها. وصلت إلي زقاق ضيق ومظلم. فمرت به ربما تختبي فيه حتى شروق الشمس.
***
فى مكان أخر تحت أمطار الشتاء القوية الباردة وغزارتها. هرع رجل فى الثلاثينات من عمره مُصاب تحت الأمطار فى الأزقة. محاولًا الأختباء من مجموعة من الرجال يحاولون التخلص منه بقتله وسلب روحه. يضع يده على الحائط مُتكئ بها ربما تساعده فى السير. والأخرى على بطنه حيث جرحه من الطعن. والمطر بلل جسده كاملًا. حتى فقد كل طاقته. وتوقف عن السير مُستسلمًا للموت من شدة الألم الذي يشعر به ويمزق أحشائه.
لكنه شعر بجسد صغير ودافئ يرتطم بصدره. ويدي ناعمة تحيط بخصره. رائحة اللافندر أخترقت أنفه. سقطت الوردة من يد "نور" حين تشبثت بهذا الرجل الجريح وجسده الكبير كاد أن يسقط منها ويسحبها معه. جلست على الأرض به. فكان هذا الرجل لم يفقد وعيه كليًا. وحين رأت الدماء الغزيرة وجرحه انتفضت رعبًا. ثم قالت:
"خليني أساعدك ونروح المستشفى."
كادت أن تقف. لكنه تشبث بيدها بقوة يمنعها من الذهاب للخارج. وهولاء المترصدين يبحثون عنه بالخارج. رؤيته لم تكون واضحة حتى يرى ملامح وجه هذه الفتاة. لكنه ميز أنها أنثي من صوتها الرقيق بدفئه. تمتم بهدوء قائلًا:
"لا، مستشفي لا."
أخرج الهاتف من جيبه وأعطاه لها. فنظرت "نور" له. وكان به موقع لمكان ما. نزعت شالها الصوف الوردي من عنقها ووضعته على الجرح. لتضغط على الجرح بقوة تحاول السيطرة على الدماء التي تسيل بقوة. قالت بتمتمة:
"الجرح عميق ومستحيل توصل لهناك حي. أنا دكتورة لكن لسه فى تانية طب مقدرش أساعدك."
أو يرن هاتفه بهذه اللحظة. فأجابت "نور" وأخبرت المُتحدث بمكانها. وحين وصل بعد دقائق ورأي رئيسه فى هذه الحالة قال بذعر:
"سُليمان."
حمله بصعوبة إلي السيارة السوداء رباعية الدفع. فصعدت "نور" معه بدون إدراك لتصرفها. فقط تفكر فى إنقاذ هذا المريض. فتحاول قدر الإمكان مساعدة "سُليمان" فى النجاة. سيطرت على الجرح فى الطريق. حتى وصلوا إلى منزل مكون من طابقين معزول عن المدينة قرب البحر. وكأنه بُني على الصحراء. وبجواره على بُعد مخزن من طابق واحد فقط وكبيرة.
خيطت "نور" الجرح جيدًا. بعد أن أحضر مساعده الأدوات الطبية اللازمة. تحدث الشاب بهدوء قائلًا:
"أنا زين وأنتِ مين؟"
"نور، دكتورة نور." قالتها بلطف. ثم تابعت بهدوء قائلة:
"هو هيحتاج راحة وعناية. دى مسكنات لازم يأخذها ومضاد حيوي مهم لصحته وللجرح. يُفضل لو تأخده للمستشفى."
كادت أن تذهب. لكن منعها "زين" بقوة وقال:
"أسف يا دكتورة بس لحد ما يفوق سُليمان حضرتك مستحيل تخرجي من هنا."
أتسعت عيني "نور" على مصراعيها بصدمة ألجمتها كليًا. فقالت بذعر:
"أنا مستحيل أفضل هنا."
تقدمت خطوة للأمام لكي ترحل. لكن الصدمة الأكبر لها حين أخرج "زين" مسدسًا من خلف ظهره ووضعه فى رأسها. وصرخ "زين" بقوة قائلًا:
"متحاوليش تعاندي لأني مش أمام جامع قصادك، أنا أسهل ما عليا أخلص منك فى البحر."
"دادة سميرة."
أزدردت لعابها بخوف شديد من كلماته. وحدقت بها مُرتعبة. حتى جاءت سيدة فى الستينات من عمرها ترتدي عباءة سوداء وحجاب أسود. وقالت:
"نعم."
"خديها للأوضة اللى تحت لحد ما سُليمان يفوق ونشوف هنعمل معها أيه؟" قالها بحدة وتهديد. أبتلعت "نور" لعابها بصدمة ألجمتها من الخوف. أخذتها "سميرة" فى صمت وأدخلتها للغرفة. ثم قالت بحزن ويأس:
"متلوميش حد غير قدرك يا بنتي اللى وقعك فى طريق سُليمان الصياد."
خرجت وأغلقت الباب. تأففت "نور" بذعر والخوف الذي تملكها بهذه اللحظة مما سار إليها. تمنت لو عاد الزمن بها لتركت هذا السُليمان يموت وحده هناك ولم تقدم على مساعدته. أرتجفت بخوف مع ملابسها المبللة وهؤلاء لم يعروا أى اهتمام لها. جلست أمام المدفأة ربما تشعر بالدفء وتتوقف عن الأرتجاف. حتى غاصت فى نومها من التعب على الأرض.
***
فى اليوم التالي وصل "عامر" المحامي الخاص بـ "زُهير" إلى منزل "نيللي" وأخبرها بما وصل إليه. فقالت بصدمة ممزوجة بالغضب السافر:
"يعنى أيه؟ مش هقدر أبيع البيت والورشة."
تحدث "عامر" بنبرة جادة غاضبًا هو الأخر:
"ما أنتِ اللى كان لازم تتأكدي من الوصية قبل ما تعملي عملتك. أهو زُهير طلع غير الوصية من وراكي وخلي بنته تملك 60% فى الأملاك. دا غير أن البنك كلمني وطلع سحب كل الفلوس من حسابه فى البنك وأستأجر خزينة فى البنك باسم نور ويا عالم حط فيها الفلوس ولا ايه. جوزك سحب مبلغ فوق الربع مليون جنيه وأختفي وأدعي ميكونش الخزينة دي فيها فلوس أو وصية جديدة تغير كل دا وأنتِ متملكيش عقد بيع واحد ملكك."
تأففت "نيللي" بضيق شديد وحكت جبينها بأصابعها غاضبة مما ألت إليه الأمور. وخصيصًا أنها قامت بطرد "نور" من المنزل والآن لا تعرف لها طريق. فتمتمت بضيق قائلة:
"معلش كله يتعوض. أنا هقوم ألبس وأروح المستشفي لنور وأضحك عليها بكلمتين وعلى رأي المثل أن كان لك عن الكلب حاجة قوله يا سيدي."
وقف "عامر" يعترض طريقها قبل أن ترحل من أمامه. وتفحص ملامحها الجميلة، بشرتها البيضاء وعيونها العسليتين الجميلتين مع شعرها الكيرلي الأسود. رغم بعض الخصلات البيضاء التى بدأت تظهر به. ثم قال:
"أفتكري أن حياتك متوقفة على البنت دي. نور عندها كتير وأنك ترميها كدة غلط فهمتي يا نيللي."
"أمال كنت عايزني أسيبها فى بيتي عشان تقيد حريتي، ولا تحس باللي بينا. نور لو حست أن ممكن يكون بينا حاجة هتشك فى موت أبوها. ورغم أنها لسه مجرد عيلة 20 سنة لكن نور متعلمة وفاهمة وفى الزمن دا متخافش غير من اللى متنور ومتعلم ودا مش أى تعلم دي دكتورة." قالتها "نيللي" بهدوء. ثم مرت من أمامه لتصعد إلى الأعلي. فغادر "عامر" المنزل بضيق من خسرته لأملاك "زُهير" وأمواله الذي سحبها من البنك.
***
فتح "سُليمان" عينيه صباحًا بتعب شديد فى انحناء جسده وخصيصًا خصره المصاب. وكان يرتدي بلوفر ذات اللون الرمادي وبنطلون أسود. تألم وهو يعتدل فى جلسته. ففتح "زين" عينيه على مصراعيها من النوم بعد أن سمع صوت أنين ألمه. هرع إليه وقال:
"أخيرًا فوقت، الحمد لله. حاسس بحاجة؟"
وقف "سُليمان" من فراشه بضيق. ويده تلمس خصره من الوجع. ثم قال:
"مش مهم حاسس بأيه، المهم أنى أخذ بتأري وأدفع كرم الهواري تمن اللى عمله؟"
أومأ "زين" بنعم. ووجه عابس غاضبًا. ثم قال بإستياء حاقدًا:
"كنت عارف أنها عملته، محدش يقدر يغدر بيك غيره. وديني لأدفعه الثمن بس أرتاح."
أمسك "سُليمان" قميص "زين" بقوة من ياقته وسحبه نحوه. فقال بضيق وعينيه يتطاير منها الشر ونار الأنتقام:
"أرتاح!! أنا مش هرتاح غير لما أقطع رأسه هو وكل أهله وأمحي على من وجه الأرض زى ما عمل فى ملكة."
تنهد "زين" بهدوء بعد ذكر اسم زوجة "سُليمان" المتوفية. وقال بنبرة خافتة:
"حق ملك هيرجع يا سُليمان لو على رقبتي."
دفعه "سُليمان" بعيدًا. ثم خرج من الغرفة. وخلفه "زين" يتحدث بقلق شديد:
"ممكن تقعد فى السرير أنت جرحك لسه حي يا سُليمان وكدة بتأذي نفسك وبس."
وصلوا للطابق السُفلي. و"سُليمان" لا يسمع له. حتى ظهرت "سميرة" أمامهم من المطبخ وتحمل صينية طعام. فقال "زين" بفضول قائلًا:
"رايحة بالأكل دا فين؟"
أجابته "سميرة" بنبرة هادئة بعد أن نظرت إلى وجه "سُليمان" الشاحب بتردد:
"هدخله للبنت اللى جوا ولا هنسيبها تموت من الجوع."
نظر "سُليمان" إلى "سميرة" بعدم فهم. ثم إلى "زين" وسألهما بفضول:
"بنت مين؟"
نظر "زين" إليه بهدوء وقال بتكبر كأنه قد نسي أمرها وتذكر الآن:
"اه دى البنت اللى أتصلت بيا أمبارح عشان أجيلك وعالجت جرحك."
ذهب ثلاثتهم إلى الغرفة. وفتحت "سميرة" أولًا الباب. فوجدوها تنام على الأرض أمام المدفأة ومنكمشة فى ذاتها كالجنين تضم ركبتيها إلى بطنها. ذهبت "سميرة" إليها تقظها. فزعت "نور" من مكانها حين لمستها "سميرة". وقالت بذعر:
"فى أيه؟"
رأت "سُليمان" يقف على الباب وبجواره "زين". أعتدلت فى وقفتها وغطت شعرها بالطاقية الصوفية جيدًا. رأها "سُليمان" بملابس بيتها وأقدامها حافية. لا يُصدق أن هذه الفتاة قابلته فى الشارع بهذه الهيئة. تقدمت "نور" بانفعال شديد. ثم قالت:
"بقيت كويس، أهو. صحي ممكن أمشي؟"
تقدم "زين" للأمام خطوة. فأبتلعت "نور" لعابها بقلق وتذكرت المسدس الذي يحمله. فعادت خطوة للخلف بتوتر. ثم قالت بتلعثم:
"أنت قولت أني مش هخرج ألا لما يصحي. أهو صحي."
ظل "سُليمان" صامتًا ينظر إلى وجهها. ولا يصدق أن هذه الفتاة الساذجة أسقطها القدر فى طريقه. فتاة فى مقبل عمرها تملك جسد نحيف وقصيرة ذات بشرة بيضاء رغم شحوبها الآن وشفتيها الزرقاء. لديها زوج من العيون الرمادية تحمل براءة ودفء رغم أرتجافها من الخوف الآن. تحدث "زين" بقسوة ونبرة جادة صارمة:
"قولتي أنك دكتورة."
تنحنحت بحرج منه. ثم قالت:
"لسه فى تانية طب، ليه؟ أنا مش هعالجه قولتلك وديه مستشفى."
تبسم "سُليمان" بسخرية مُرعبة. ورغم بسمته لكنها كانت بسمة مُرعبة جعلت الفزع يحتل جسدها الضئيل. فقالت:
"أنا عايزة أمشي؟"
سحب "سُليمان" "زين" من يده للخلف. ليتقدم هو خطوة للأمام. ناظرًا بها بوجه بارد ونظرات ثاقبة كالصقر. وقال:
"تمشي منين؟ من هنا؟ ألعني قدرك اللى جابك هنا، لتكوني فاكرة دخول الحمام زى خروجه."
أنفعلت "نور" بجنون من كلماته وتقدمت خطوة للأمام نحوه. فرفعت رأسها إليه ترمق عينيه. وقالت بصراخ غاضبة من حديثه وقسوته:
"ألعن قدري!!، أنا همشي حتى لو غصب عنك ولو تقدر تمنعني أمنعني، أنت فاكر نفسك أيه؟ هتحبسني هنا أنا ممكن أبلغ عنك. صحيح خيرًا تعمل شرًا تلقي وأنت أشر خير أنا عملته."
أبتلعت البقية من كلماتها بصدمة بعد أن شعرت بدوران فى رأسها فى أقل من ثواني بسبب الأنفعال. وأهتز جسدها كليًا. فحدق بها "سُليمان" وقبل أن يسأل شيء سقطت فاقدة للوعي أمامه. ليتشبث بها بذراعه. فأسرع "زين" بالأقتراب وحملها عن "سُليمان". ثم أخذها للفراش. كانت باردة كقطعة من الثلج بسبب ملابسها المبللة التى بقت بها ليلة كاملًا.
رواية انذار بالحب الفصل الثاني 2 - بقلم نور زيزو
"مستشفي السلام"
وصلت نيللي للمستشفي وسألت عن نور في الأستقبال ليخبرها الموظف بعدم تواجدها.
قررت الذهاب إلى كلية الطب وهناك رأت صديقة نور في الكلية وكانت منه.
فتاة بجسد ممشوق وترتدي فستان أزرق بكم وعليه سترة جلدية بيضاء وحذاء رياضي وتلف حجابها المموج بالألوان وبشرة قمحاوية وعيني بنية واسعة وجميلة.
فسألت نيللي بهدوء قائلة:
-- أزيك يا منه؟ مشوفتش نور، أنا روحت للمستشفي وسألت ملاقتهاش.
رمقت منه هذه السيدة بأشمئزاز ثم قالت بقلق:
-- لا مجتش النهاردة وأتصلت بيها تليفونها مقفول … هى مش فى البيت أنا كنت هعدي عليها بعد الكلية.
تنهدت نيللي بأغتياظ من أختفاء نور وبسببها لن تحصل على شيء فقالت بتذمر:
-- لا، أكيد لو فى البيت مش هجي أدور عليها هنا.
غادرت نيللي تاركة منه في حالة من القلق على صديقتها التى أختفت بلا سبب ولا تعرف عنها شيء.
جربت الأتصال بها من جديد لكن الهاتف مُغلق كما هو مما زاد القلق بداخل منه.
"منـــزل سُليمان الصياد"
أستيقظت نور مع أذان المغرب وكانت سميرة بجانبها وتضع لها الكمادات الدافئة.
أبعدت المنشفة عن جبينها بضيق وفركت عينيها قليلًا لكنها سرعان ما صرخت بهلع حين رأت ملابسها قد تبدلت.
فقالت بصدمة:
-- أنتوا عملتوا فيا أيه؟
نظرت سميرة إلي يديها التى تتشبث بملابسها بخوف وتبسمت فقالت:
-- متخافيش أنا اللى غيرتلك الهدوم، كنتِ عايزة الحمي تقضي عليكي أكتر بهدومك، المفروض تشكريني.
رفعت نور حاجبها ببرود ثم قالت بسخرية:
-- أشكرك!! فعلا شكرًا أنكم خطفوني هنا، لأول مرة أكون ندمانة أنى أنقذت مريض من الموت حتى لو وظيفتي أجبرتني على ده.
ضحكت هذه السيدة على تذمر هذه الفتاة الصغيرة وحتى غضبها كان طفولي.
سألتها سميرة بعفوية:
-- أنتِ اسمك أيه؟
-- نور…. أيه دا وأنتِ مالك هتطلعيلي بطاقة.
قالتها نور بتذمر غليظ فضحكت سميرة أكثر عليها وقالت:
-- لا يا ستي مش هطلع لك بطاقة، تحبي تأكلي أيه؟ انا هعملك اللى عايزاه.
عقدت نور ذراعيها أمام صدرها وبداخل بركة من الغضب الكامن بسبب تقيدها هنا ثم قالت بهدوء:
-- أى حاجة عايزاها.
أومأت سميرة إليها بنعم فقالت نور بلطف وحرج منها:
-- ممكن تجبيلي طرحة.
رمقت سميرة وجه هذه الفتاة وأدركت أنها محجبة ولهذا كانت تتشبث بطاقيتها جيدًا.
فأحضرت لها حجاب لتسرع نور وتلفه تخفي به شعرها الأسود الجميل.
ثم أخذتها سميرة إلى طريق المرحاض وفى طريقها كانت تتفحص المكان.
منزل جميل بألوانه الزاهية وأثاثه الأبيض وهناك بأحد الزوايا مقعد أرجوحية وبجواره مكتبة مليئة بالكتب وغرفة أخر بالطابق الأول أم الثاني فلم تصعد به نهائيًا.
دخلت للمرحاض وغسلت وجهها ثم بدأت بالوضوء وسألت سميرة عن وجهة القبلة.
وصلت حتى يعود سُليمان أو زين كي تذهب من هنا.
بالمخزن المجاور للمنزل كان من الخارج يشبه المخزن لكن من داخله يشبه ساحة المعركة ويسكنه الكثير من الرجال المقاتلين ويترأسهم زين بعينيه الثاقبة.
أقترب زين من غرفة المكتب الخاصة بـ سُليمان وهناك كان ينظر إلى صورة رجل مُلثم بجوار جسد فتاة ملك الغارقة فى بركة دماء.
دلف زين وحين رأى وجهه حزين وعينيه تملأها الدموع أدرك أنه ينظر إلى صورة زوجته ملك التى قُتلت غدرًا.
(فــــــــــلاش بـــــــــــــــاك)
وقع سُليمان عقد الصفقة مع الرجال الصينيين ومع خروجه من المكان وصله رسالة من كرم محتواها (مبروك الصفقة الجديدة يارب هديتي تعجبك يا سُليمان).
تساءل عن هديته التى أرسلها لكن الصدمة كانت عندما أتصل به ضابط الشرطة ليخبره أن زوجته توفيت فى حادث سيارة.
وعندما رأي تسجيل الكاميرات السيارة تدهس زوجته التى لم يمر على زواجهما ثلاثة أشهر أدرك أنها الهدية التى تحدث عنها كرم خصيصًا أن السيارة مرت على جسد زوجته مرتين مُتعمدًا السائق قتلها نهائيًا هي وجنينها الموجود فى أحشائها.
فاق من شروده على صوت زين الذي قال بحدة:
-- والله لنرجع حقها يا سُليمان.
مسح سُليمان دموعه بهدوء ثم نظر على الرجال من الزجاج وقال بجدية:
-- عرفت ليه أنا حرمت عليهم الحب، عرفت ليه أهم قاعدة عندنا أننا منحبش، الحب ضعف يا زين، بيقتلك وأنت لسه حي بتتنفس، أنا مستحيل أسمح لحد منهم يجرب اللى جربته واللى مش عاجبه قانوني يمشي.
ألاقي بالأوراق على المكتب بأشمئزاز فنظر زين لها ليجدها أوراق بعض الرجال المقدمين للعمل معه وكلًا منهم معترض على بند عدم الأرتباط لطالما كان عضوًا فى فريق سُليمان الصياد ويحمل على صدره وشم التنين.
تنحنح زين بهدوء ثم قال:
-- إحنا حرين فى حياتنا يا سُليمان لكن حياتهم لا، سيبهم اللى عايز يتجوز أو يحب مالناش دعوة، الرجالة تعبت وبسبب الخوف منك بسيبونا ودايمًا رجالتنا بتتغير، مش سهل تلاقي حد وتثق فيه فى شغلانتنا دى يا سُليمان ومش أنا اللى هعرف دا.
وقف سُليمان بتنهيدة قوية من مقعده وألتف حول المكتب حتى وصل أمام زين ومسك مؤخرة رأسه وقال بنبرة مٌرعبة قائلة:
-- هى فين اللى حبتها يا زين؟ سابتك أول ما عرفت أنت شغال أيه، ملك فين يا زين؟ مراتي اللى قبلت بشغلي وقرفي كله الله يرحمها، الرجالة دى يا أما هتتسيب وتتكسر قلوبها زيك لمجرد شغلانتهم يا أما هيموتوا ويبقوا مجرد وحوش زي أنا، إحنا أتخلقنا عشان دراعنا وقوتنا بس الحب والكلام دا مش لينا إحنا يا زين.
أومأ زين إليه بنعم ليترك سُليمان عنقه وأستدار لكي يقف أمام الحائط الزجاجي الذي يمنعه عن رجاله الموجودين فى حلبة المصارعة ووضع يديه الإثنين فى جيوب بنطلونه.
قاطع صمت نظراته للجميع صوت زين يقول:
-- هنعمل أيه فى الدكتورة اللى فى البيت.
تنهد سُليمان بهدوء ثم قال بجدية صارمة لا نقاش بها:
-- خليها، إياك تتطلع من باب أوضتها قبل ما أتأكد أنها مش مزقوقة علينا من كرم الهواري.
أندهاش زين من جملته فأقترب منه ووقف جواره يحدق بوجهه ولا يصدق هذه القساوة وتحجر القلب الذي بها صديقه وقال:
-- دي بنت بريئة كل هدفها كان أزاى تنقذك وتوقف نزيفك، مستحيل تكون ليها علاقة بالزبالة دا.
ألتف سُليمان له بحزم ورفع حاجبه منبهرًا بدفاع زين عن هذه الفتاة المجهولة وقال بصرامة:
-- بريئة، فى واحدة بريئة ومحترمة تركب عربية مع رجالة متعرفهمش، وتروح معاهم بيتهم، متتخدعش فى المظاهر يا زين مفيش حد عنده ضمير أوى كدة لدرجة أنها تلاقي واحد سايح فى دمه وفى شارع مقطوع وتجري عليه، هى لو نموذج للأدب والبراءة أيه اللى هيوديها لشارع مقطوع، والشارع دا بالذات أنا دخلته استخبي فيه لانه مقطوع ومفهوش غير شمامين ومتسولين.
صمت زين قليلًا يفكر فى حديث سُليمان.
ربما لديه القليل من الصحة فهذا المكان والتوقيت الليلي الذي عثرت به نور على سُليمان لا يناسبان هيئتها وأخلاقها التى تظهرها.
ألتف سُليمان إلى المكتب بتعب ووضع يده على خصره المصاب ثم قال بهدوء:
-- أعرف عنها كل حاجة خلال ساعات، دا لو عايزها تطلع من بيتي وتطول فى عمرها يوم لأن لو شكي بقي أكيد أنا هقطع رأسها وأبعتها هدية لكرم الهواري يا زين من غير تفكير.
جلس زين على المقعد بحالة أندهاش من تحول صديقه إلى وحش خصيصًا مع هذه الفتاة التى أنقذت حياته أمس وقال بتلعثم مُتسائلًا:
-- هتقتل بنت !!
تبسم سُليمان بمكر شديد وهتف بهمس خبيث قائلًا:
-- اه وأفتكر أنى مش أمام جامع يا زين أنا مجرم وقاتل مأجور بأخد فلوس عشان أقتل وأسهل ما عليا قتلها وأنت أكتر واحد عارف دا، أنا الصياد.
قاطع حديثهم دخول أحد الشباب مُرتدي بنطلون أسود وفنالة بحمالة رمادية وقال بعفوية:
-- المنصور بيه وصل.
أومأ إليه سُليمان بنعم لكي يدخل وألتف يجلس فى مكانه.
جلس على المقعد الخاص به ودلف هذا العميل رجل خمسيني يرتدي عباءة رجالية ويحمل فى يدها نبوته الخشبي.
رحب به زين وجلسوا مع سُليمان فقال:
-- مش هطول عليكم، أنا عندي بضاعة ومحتاج تخرج من الجمارك.
أشار إلى مساعده ليفتح حقيبة ووضعها فوق المكتب كان بداخلها أموال كثيرة فقال المنصور:
-- دول 250 ألف جنيه مقدمة وبقيت الأرنب هيوصلك لما البضاعة توصلتني.
أشار سُليمان بنعم وقال:
-- خدهم يا زين، إن شاء البضاعة تكون عندك على أخر الأسبوع.
تبسم هذا الرجل بهدوء ثم قال:
-- تفتكر لو الموضوع سهل كنت جيتلك من المنصورة يا سُليمان، خلي بالك البضاعة دى الحكومة شامة ريحتها.
عاد سُليمان للخلف بظهره بثقة وهو لا يأبي شيء ولا يهاب أحد او يملك ما يخسره ثم قال:
-- وعشان الموضوع مش سهل أنت جيتلى من المنصورة وأنا كلمتي عهد وقولتلك أخر الأسبوع وأزاى دى بتاعتي أنا، كل اللى عليك أنك تجهز على الأرنب أرنب تاني.
أومأ المنصور بنعم وقال:
-- وانـا مش هرد لك كلمة يا سُليمان.
غادر مع زين ليخبره اكثر عن البضاعة.
وقف سُليمان بتعب من جرحه وعاد إلى المنزل سيرًا فرأي ظلها خلف النافذة تقف هناك.
رأته نور يسير نحو المنزل رجل فى أول الثلاثين من عمره ذو لحية كثيفة وحاجبيه مثلها بعيني بينة داكنة كحبيبات القهوة رغم حدتهما كالصقر مُرعبة خالية من الأمان والراحة بل تحمل غضب ورعب بين جفنيه ورموشه الطويل تزيده خوفًا.
عريض بجسده الطويل وأكتافه كأنه بطل ملاكمة، يمسك خصره بألم وخطواته بطيئة كأنه يزحف على الأرض مُنهكًا.
فقالت بتذمر:
-- يستاهل.
أبتلعت لعابها بعد أن رآها فأرتجفت خوفًا منه وأغلقت النافذة سريعًا ثم أختبئت خلف الحائط منه.
تقدم إلى المنزل فأستقبلته سميرة بخوف من تعبه وأخذته إلى غرفته بالأعلي.
رأت قميصه الأسود مبلل لترفعه من الأسفل ودهشت عندما رأت جرحه ينزف بغزارة بسبب حركته وكيف لشخص كان على وشك الموت أمس أن يتحرك كل هذا اليوم دون أن يبقي فى الفراش.
تحدث بحدة صارمة:
-- حد يعمل كدة فى نفسه؟ أنا هروح أكلم زين يجي يوديك المستشفي.
مسك يدها بأحكام وقال:
-- لا يا دادة سميرة مفيش داعي، أديني بس المسكن وأنا هنام شوية.
-- تنام والدم اللى سايح دا هسيبك تتصف منى ويجرالك حاجة.
قالتها بضيق شديد وخوف من فقده.
تأفف بضيق من حديثها وهى تعلم كم هذا الرجل عنيدًا ولن يستمع إليها أو يلبي طلبها فخرجت من الغرفة بحيرة وفكرت قليلًا ثم ذهبت إلى غرفة نور.
رأتها تجلس فى الفراش مهمومة وحزينة من بقاءها هنا فقالت بهدوء:
-- معلش أنا عارفة أنك مش طايقانا كلنا بس عشان خاطر ربنا تيجي تشوفيه.
تذمرت نور بضيق وهى تتذكر كيف راته مُنهكًا فى الخارج وقالت بعناد هى الأخري:
-- ماليش دعوة يكش يموت حتى.
صرخت سميرة فى وجهها بضيق من كلمتها هاتفة:
-- ألف بعد الشر عنه، أنتِ مش دكتورة هتسيبيه قصادك كدة، دا مريض.
وقفت نور من مكانها غاضبة وقالت بأنفعال شديد:
-- وأنا أستفدت أيه من مساعدته فى المرة الأولى، خطفني وحابسني زى الكلبة هنا، دا ميستاهلش مساعدتي ولا حتى شفقة منى.
أخذت سميرة يد نور فى يدها بترجي وعينيها ترمق هذه الفتاة البريئة وقالت بلطف:
-- حقك عليا أنا، أوعدك أكلمه يمشيكي من هنا بس تعالي معايا تشوفيه.
تنهدت نور بضيق ثم وضعت حجابها فوق رأسها بأغتياظ من طيبة قلبها التى تتحكم بها.
أخذتها سميرة للأعلي حيث غرفته، قلبها كان يرتجف من هذا الشخص المجهول لكان حالته أمس وهو مُلقي فى الطريق بعد تعرضه للهجوم يثير الشفقة.
فضولها يقتلها لمعرفة ما حدث ولما يرفض الذهاب إلى المستشفي.
قاطع شرودها صوت دق الباب من سميرة بعد بلوغهما الطابق الثاني ثم دلفت أمامها فقالت بلطف:
-- سُليمان، أنا جبت دكتورة نور تشوفك.
فتح عينيه وهو مُستلقي على فراشه بتعب وقال بضيق:
-- أطلعي برا يا سميرة.
-- عشان خاطري أنت رفضت تروح مستشفي خليها تشوفك حتى.
قالتها سميرة بترجي وقبل أن يعارضها، دلفت نور التى سمعت الحديث وعنادها.
ثم جلست أمامه بالأكراه دون أن تنظر إليه مسكت قميصه.
ليم
سك يدها باحكام يمنعها من لمسه فرفعت نظرها إليه بغيظ رغم رجفة قلبها من لمسه لها وسحبت يدها منه وقالت:
-- لتكون فاكرني هموت واعالجك، أنا مجبرة لأنك مريض وللأسف دى شغالتي فياريت متقاومش خليني أخلص بسرعة لاني مش طايقة أشوفك أصلًا.
تأفف بضيق من طريقتها الغليظة وهى بحجم عقلة الأصبع لكن تتحداه ونظر إلى الجهة الأخري.
فرفعت قميصه بضيق لتري دماءه مما جعلها تتنهد بضيق من إهماله للجرح وقسوته على بدنه رغم أن يجب عليه الأهتمام بصحته أكثر من أى شيء.
أحضرت سميرة صندوق الإسعافات الأولية وبدأت تطهر حرجه دون أن تنظر إليه وتعمدت تؤلمه بالضغط على الجرح أكثر من مرة.
فيفاض به الأمر ونظر إليها بضيق من ضغطها على جرحه كأنها تنتقم منه.
رفعت نظرها إليه بسخرية وقالت:
-- معقول وجعتك!!
كز على أسنانه بأغتياظ منها لتتابع ما تفعله ثم وضعت لاصقة طبية على حرجه وقالت:
-- دى أخر مرة هعالجك طالما كاره دا اترزع فى السرير أو روح مستشفي.
رفع حاجبه إليها بضيق شديد من ألفاظها معه ثم قال:
-- مبقاش ألا العيال كمان اللى هتقولي أعمل أيه، أطلعي برا ونصيحة لوجه الله متخلينيش ألمحك مرة تانية لأني مش همسك نفسي عنك أطول من كدة.
كزت على أسنانها بغيظ مُستشاطة غضبًا من طرده لها بعد أن عالجته بدلًا من شكرها ووقفت مرة واحدة بأنفعال لتشعر بدوران فى رأسها وسقطت مكانها مرة أخري.
نظر إليها بهدوء ورآها تمسك جبينها وتغمض عينيها فقال:
-- أنتِ كويسة؟
لم تجيبه وحاولت فتح عينيها الأثنتين معًا مرات متتالية.
وضع يده على جبينها ليراها ساخنة كالجمر.
دفعت يده بعيدًا عنها بقوة ووقفت من جديد لكي تغادر الغرفة.
خرجت بصعوبة وقدميها تزحف على الأرض خوفًا من تحريكها أكثر حتى وصلت للدرج وأتكأت على الدرابزين حتى عادت إلى غرفتها بتعب.
لتلقي بجسدها على الفراش ونزعت حجابها ثم نظرت إلى الطعام الموجود بجوار الفراش وهى ترفض تناوله بحيرة.
أتأكله حقًا حتى لا تمرض أم تظل على موقفها رافضة اكل شيء فى هذا المنزل ربما يسممها.
ركضت منه فى الكلية بسرعة جنونية والقلق يحتلها بعد أن سمعت من الطلاب أن هناك شاب يبدو ثري يسأل عن نور فى كل مكان.
ظلت تسرع فى خطواتها حتى وصلت إليه فمسكته من يده بالقوة وأدارته إليه.
نظر زين إلى هذه الفتاة بأندهاش من تصرفها فقالت بلهث:
-- أنت بتسأل على نور؟
تفحصها من الرأس لأخمص القدم.
فتاة جريئة وتتحدث بثقة ترتدي بنطلون أسود فضفاض وقميص نسائي أصفر بأكمام وتلف حجابها.
نزع نظارته السوداء وقال بجدية:
-- اه، تعرفيها؟
عقدت منه ذراعيها أمام صدرها بغرور وتنفست الصعداء من كثرة الركض تجمع أنفاسها وتهدأ من روعة رئتيها ثم قالت:
-- أعرفها لكن معرفكش أنت؟
تأملته وهو شاب غير مألوف عليها يملك 29 عامًا ولديه شعر بني طويل من الأعلي وخفيف من الجانبين بدون لحية وعينيه خضراء ضيقة وبشرة بيضاء طويلًا ونحيف الجسد رغم قوته البدنية التى تظهر بهيئته مُرتدي بنطلون جينز وقميص أبيض.
نظر زين إليها وقال:
-- انتِ منه؟
رفعت حاجبها إليه بأندهاش من معرفته بأسمها وهكذا بصديقتها وقالت بجراءة دون خوف يتملكها من الغرباء:
-- اه وحضرتك بقي تعرفني منين؟ وبتسأل على نور ليه؟ أنت مين؟
تبسم زين على جراءة هذه الفتاة وأخذ خطوة نحوها بثقة ثم قال:
-- قالولي لو عايز تعرف نور هتلاقي الجواب عند منه.
تنحنحت منه بضيق من قربه منها وعادت خطوة للخلف بأرتباك ولم تنكر أنه وسيم جدًا كما سمعت من الطلاب أن شاب يشبه قمر البدر يبحث عن صديقتها.
ظهرت ربكتها فى تصرفها ثم قالت:
-- نور فين؟
-- عند.
قالها بغرور وعينيه تلمع ببريق الإعجاب بهذه الفتاة التى توردت دون سبب وأحمرت وجنتيها لمجرد أقترابه قليلًا منها.
ضحكت منه بسخرية على جوابه ثم قالت:
-- ههههه كداب أكدب كدبة تتصدق طيب.
أخرج هاتفه بعد أن رفع حاجبه إليها بغرور وثقة ثم أتصل على سميرة وقال:
-- أدي التليفون لدكتورة نور.
أعطاها الهاتف فوضعته على أذنها بتردد.
لتسمع صوت صديقتها المبحوح ونبرتها الهادئة فصرخت بقلق قائلة:
-- نور، أنتِ فين؟ أنتِ مجنونة أزاى تسيبي بيتك نيللي قالبة عليكي الدنيا … مش مهم كل دا أنتِ فين لما أشوفك هحكيلك.
أبتلعت نور لعابها بخوف من هذا الرجل الذي يقف أمامها ويحمل مسدسًا كتهديد لها حتى لا تتحدث بشيء عما يحدث معها فقالت نور بخوف:
-- أنا كويسة يا منه، متخافيش … مالكيش دعوة بنيللي الست دى مالهاش أصلًا حاجة عندي و متقولهاش حاجة عني، أنا هبقي أحاول أكلمك عشان ضيعت تليفوني فى البيت.
أخذ زين الهاتف من يدها بالقوة قاطعًا حديثهما لتتذمر منه على طريقته ومنعها من محادثة صديقتها أكثر وقالت:
-- أنت متخلف ما تقول هاتي التليفون أنت بتأخده وأنا بتكلم.
أغلق الهاتف ووضع فى جيبه ببرود قاتل ثم قال بعيني ثاقبة كالصقر:
-- أتاكدتي أنها عندي، نتكلم بقي.
فتحت هاتفها بمكر لم يتوقعه وألقطت صورة له ثم أغلقت الهاتف سريعًا وقالت:
-- أنت فاكرني جبانة ولا هخاف منك، أنا معرفكش ولا نور تعرفك والحاجة الوحيدة اللى أعرفها أن الوضع مريب ونور صوتها مش مطمني وأنا هطلع على القسم دلوقت وهبلغ عنك وهديهم صورتك وهم بقي يتصرفوا معاك ويشوفوا أنت مين وعامل أيه؟
أتسعت عينيه على مصراعيها من تفكير هذه الفتاة الذكية التى أسرعت بخطواتها تبتعد عنه فركض خلفها حتى خرجت من الجامعة وعبرت الطريق ليعبر الطريق خلفها وهو يحاول منعها من الذهاب إلى الشرطة.
مرت من أسفل كوبري الجامعة وهو خلفها يناديها حتى مسك يدها أخيرًا كالصقر الذي حصل على فريسته للتو ويلهث بقوة وعينيه تحدق بها بأغتياظ فقال:
-- أنتِ مش قد اللى بتعمليه؟
حاولت جذب يدها من قبضته القوية التى تعتصر عظامها بها وقالت:
-- ولا أنت قد اللى بتعمله…. سيبني لأحسن أصوت وألم عليك الناس … ألحقووووني.
لم ترى أحد بهذا المكان سوى رجلين هناك فطلبت مساعدتهما لكن سرعان ما بدأت بالصراخ حين أخرج الرجلين مسدسات من ملابسهما وبدأوا يصوبوا عليها.
أنتفض زين فزعًا وهو يعلم أن من أسبوع غُدر بـ س
رواية انذار بالحب الفصل الثالث 3 - بقلم نور زيزو
ذُعرت "منه" مما تراه والرجل يتقاتل أمامه بسكينه بمهارة، ولم تقل مهارة خصمه مثله تمامًا مما أطال العراك بينهما. السكاكين الحادة تجرح أجسادهما وتتطلق العنان للدماء تسيل من عروقهما.
دفع "زين" الرجل بقدمه بقوة في بطنه ليسقط أرضًا، والتف لينظر إلى "منه" والرجل الذي يقف جوارها. فسحبها بخوف من "زين" ليوقفها أمامه كدرعه الواقي من "زين"، ووضع المسدس في رأسها هذه المرة ثم قال:
"لو قربت خطوة واحدة هقتلها."
تبسم "زين" بعفوية وهو يمسح دماء فمه بيده التي تمسك السكين، غير مبالٍ بشيء. ثم تقدم خطوة نحوه هاتفًا بثقة:
"بسرعة، ليه محسسني إنك قابض على مراتي يا غبي."
ابتلع الرجل لعابه من الخوف مع تقدم "زين"، بينما "منه" تستشاط غضبًا من كلمته وسط بكاءها. فلم يكتفِ بتوريطها بين أيادي الأشرار، بل يطلب قتلها أيضًا.
أبعد الرجل المسدس عن رأس "منه" وما زال ذراعه يمسكها بإحكام. وصوب المسدس نحو "زين" وبسرعة البرق، فور تحريكه للمسدس عن رأسها، أطلق "زين" سكينه في وجه الرجل ليصيب يده ويسقط المسدس منه. تألم الرجل من السكين المغروس في يده فسحبها بقوة من يده وركل وجهه بقدمه.
أقترب ليبدأ عراكه مع هذا الرجل الثاني، لكن توقف فجأة عند ظهرت سيارة من العدم وصعد بها الرجل. وكادت أن تدهس "زين" و"منه" التي يمسكها بإحكام بقبضته، فسقط بها أرضًا وهي أسفله.
طاح السائق بالأرض طايًا من السرعة، ثم دفعته "منه" بعيدًا عنها بغضب سافر ودموعها لم تجف بعد. فسأل بهدوء:
"أنتِ كويسة؟"
صفعته على وجهه بقوة من الألم الذي يتملكها والخوف الذي احتلها. فكز على أسنانه وهو يعض شفته السفلية بغيظ من صفعتها ووقف قبل أن يرد الصفعة لها. وألتف ليغادر، فجهشت في البكاء بقوة وصوت عالٍ.
ألتف إليها بتذمر من بكاءها وقال بانفعال:
"بتعيطي ليه دلوقت؟ مش ضربتني خلاص."
أجابته ببكاء وصوت مبحوح غاضبة:
"عشان أنت حيوان. كنت عايزة يقتلني."
أقترب منها من جديد وجثى على ركبتيه أمامها بتنهيدة قوية خرجت من ضلوعه في وجهها، ثم قال:
"بغض النظر عن لسانك اللي عايز قصة زي إيدك بالضبط، بس حقك عليا أكيد. ما كانش قصدي يقتلك يعني، أنا كنت بخوفه."
رفعت رأسها المحنية للأسفل حتى تتقابل عيونهما معًا. نظر إلى دموعها التي لوثت وجنتيها وكحلها الذي أفسدته هذه الدموع الحارة، وشهقتها الطويلة لم تتوقف بعد. تنحنح بحرج من النظر إليها وقال:
"إيدك ناشفة، مش إيد دكتورة دي."
رفعت يدها لكي تصفعه من جديد بغيظ أكبر، ليمسك يدها قبل أن تفعل، وتحولت نظراته التي تتطاير منها الشر وجعل جسدها يقشعر أمامه. قال بحدة صارمة:
"أنا عَدّيتها مرة، لكن المرة الجاية هقطعها وده بجد. أنا مبشيلش حمل قطع الأيد مرتين، وشلته مرة من دقيقتين بالضبط."
صرخت به غاضبة بعد أن جذبت يدها من قبضته بقوة، مُتحاشية النظر إليه قائلة:
"أنت زبالة كمان عشان ماشي وسايبني في المكان ده لوحدي. فين رجولتك يا منعدوم الرجولة يا أبو قلب حجر أنت؟"
تحاشى النظر إليها وهو يقضم شفته السفلية بأسنانه من الغيظ، محاولًا كبح غضبه قبل أن تفلت أعصابه عليها ويفقد سيطرته على فتاة برقة البسكويت ستكسر من أقل شيء. وقف من مكانه أمامها مباشرة وقال:
"أنا قولت لسانك عايز قصة. قومي."
مد يده إليها لتنظر إليها مطولًا، ثم وقفت وحدها مُتجاهلة مساعدته تمامًا، ثم قالت:
"شكر. مش عايزة حاجة من متحجر قلب زيك."
قوست شفتيها للأسفل بحزن ووجه عابس، وسارت أمامه ليظل يمشي خلفها ببطء على وتيرة خطواتها الهادئة حتى صعدت لسلاليم الجامعة وعبرت الطريق. ذهب حيث سيارته الفخمة وأنطلق ليمر من أمام الجامعة ورآها واقفة على الطريق تنتظر سيارة الأجرة بملابسها وتحاول أخفاء اتساخ الملابس بحرج من نظرات الجميع.
أقترب منها وأوقف سيارته أمامها لتتسع عيناها على مصراعيها من جمال سيارته وفخامتها التي تظهر ثراء هذا الرجل. فقاطع شرودها بحديثه الموجه إليها من النافذة قائلًا:
"ارْكبي يا أم أربعة وأربعين لسان."
ظلت تحدق به بخوف وأقتربت من النافذة ووضعت يديها عليها بجراءة واشمئزاز، ثم قالت:
"عشان تخطفني زي نور مش كده، على فكرة أنا لسه مغيرتش رأيي وهتطلع على البوليس."
تبسم بخبث شديد، ثم أخرج هاتفها من جيبه لتتسع عيناها ولا تعرف متى أخذه. فتبسم "زين" وهو يتذكر عندما سقط عليها وأستغل الفرصة ليسرق الهاتف منها. فقال بعفوية:
"اتفضلي. بلغي تحبي أوصلك للقسم بنفسي."
ضربت سيارته بقدمها من الغيظ بطريقة طفولية أضحكته، ثم قال بجدية قاطعًا ضاحكاته بعبوس متحولًا:
"هتركبي ولا أمشي ومفيش تليفون."
نظرت حولها بقلق وتردد، ثم فتحت حقيبتها وأخرجت منها قلمًا ودونت نمرة سيارته على يدها قبل أن تصعد. فضحك أكثر على غباءها. أغلقت باب السيارة بعد أن جلست جواره وقالت بحيرة لم تفهم أمره:
"بتضحك على إيه؟"
قاد سيارته وتركها على وضع القيادة بدون سائق ليتحكم نظام السيارة بالقيادة دون الحاجة إليه. ألتف لكي يسحب يدها بقوة وفتحها، ثم قال:
"أصل أنا واخدك كلك. هتستفادي إيه من نمرة العربية. يعني لو قتلتك مش هيصعب عليا قطع إيدك أو غسلها مثلاً."
رمقته بصمت وتملكها الخوف لبرهة. أيمكنه قتلها حقًا؟ وتذكرت مهارته في القتال وكيف هزم رجلين بسكينه حتى فرا الاثنان منه هربًا. سحبت يدها منه بخوف وعقدت ذراعيها أمام صدرها بقلق ونظرت إلى النافذة. تبسم وعاد يمسك مقود السيارة ليقودها هو بسرعة تتجاوز السرعة المحددة وتهور.
رن هاتفه باسم "سُليمان"، لينظر إلى "منه" بقلق. فرفض استقبال الاتصال وقال:
"تحبي أوصلك فين يا أم……"
قاطعته بضيق شديد من تلقيبه لها قائلة بأنفعال بعد أن التفت إليه:
"اسمي دكتورة منه."
أندهش من حزنها على الرغم من لسانها السليط. سألته بجدية:
"نور فين؟"
"تعرفيها منين؟" قالها بجدية.
لتقول بهدوء:
"من زمان، من ساعة ما كانت في الإعدادية. والله أنا أكتر حد عارفها ومتأكدة إنها ما أذتكش في أي حاجة. نور متعرفش تأذي حد، هي بتتأذي من اللي حولها بس."
أوقفتها عن الحديث رنين هاتفها برقم "نيللي"، فنظرت إليه بتعاسة وقالت بأختناق:
"أدي أول أذى في حياتها… ألو."
فتحت مكبر الصوت ليسمع "زين" صوت "نيللي" الغاضب وهي تصرخ بأنفعال، كادت أن تفقد أعصابها من اختفاء "نور"، خصيصًا أنها مفتاح الحصول على المال:
"هي فين؟ لسه مكلمتكيش يا منه ولا أنتِ مخبية عليا، ماهو محدش هيديرها عني غيرك. دي عبيطة ومتعرفش تعمل حاجة، انتِ اللي بتخططي وتدبري كل حاجة."
نظرت "منه" إلى "زين" بسخرية وقالت بحدة:
"معرفش يا طنط هي فين؟ وخلي بالك أنا هطلع على القسم وهقدم بلاغ عن اختفاء نور والبوليس بقى يشوف مين اللي له مصلحة يخبيها ولا يعمل فيها حاجة."
أرتاعبت "نيللي" من كلماتها وقالت بتعجل:
"أنتِ مجنونة! هخبييها ليه وأنا أكتر واحدة محتاجة ليها. أنا طردتها بس من البيت والجيران كلهم يشهدوا على ده. أنا حرة مش عايزة أربي واحدة أبوها فضلها عليا خلاص، اللي كان بيربطني بيها مات، لكن معملتش فيها حاجة يا عيني. روحي دوري على صاحبتك في الشقق، شوفيها كانت تعرف مين ومصاحباه وعشان كده رافضة تتجوز."
صرخت "منه" بها بانفعال شديد قائلة:
"اخرسي! نور أشرف منك ومن ألف واحدة من عينتك دي. نور اتربت في بيت أمام جامع مع جدها مش زيك في الشوارع. وعمومًا أنا عارفة هدور على صاحبتي فين؟ وقسمًا بالله لو طلعتي عملتي فيها حاجة ما حد هيقف لك غيري."
أندهش "زين" من جراءة هذه الفتاة، ورغم معرفتها أن "نور" معه، لكنها تتحدى هذه المرأة التي لا يعرف عنها شيء لأجل صديقتها. أغلقت "منه" الهاتف ونظرت إليه بضيق قائلة:
"أنا عايزة أشوف نور، لازم أطمن عليها."
صمت قليلًا ولا يعرف ماذا يفعل. فقال بجدية:
"احكيلي الأول حكايتها وبعدين أخليكي تشوفيها."
تنحنحت "منه" بحيرة مترددة في التحدث مع هذا الغريب عن صديقتها، لكنها لا تملك خيار سوى الحديث. بدأت تتحدث بهدوء قائلة:
"عايز تعرف إيه؟ بنت مسكينة كانت عايشة مع أسرتها وبابا الراجل الصناعي اللي عنده ورشة عربيات، لحد ما والدتها اتوفت وباباها اتجوز نيللي بعدها. نور راحت تعيش مع جدها أمام جامع لحد ما ربنا افتكره من خمس سنين. ووقتها كان كاتب شقته باسم نور حفيدته الوحيدة، لكن باباها كان عايز فلوس يكبر الورشة وباع الشقة ورجعت تعيش مع مرات أبوها وحقيقي ست لا تطاق متعرفش حاجة عن الرحمة، بس نور تحملت عشان تتخرج من الطب وأهو هتبقى دكتورة وتقدر تعتمد على نفسها. لحد ما باباها اتوفى من قريب وكتب كل حاجة لمراته، وأديك زي ما سمعت طردتها من البيت."
استمع "زين" إليها وشعر بصدق يلمس قلبه من حديثها. أوقف سيارته جانبًا، ثم ترجل منها وأغلق الباب واتصل على "سُليمان". أخبره بما علم به عن هذه الفتاة التي يهددها بالقتل، في حين أنها لا تعرف شيء عنه، وكل ما في الأمر مجرد قدرها جمعها به. فقال:
"أنا دورت كتير، البنت مالهاش أي علاقة بكرم. مجرد طالبة في الطب حلمها تبقى دكتورة يا سُليمان. البنت دي ذنبها الوحيد وقدرها السيء هو اللي جمعها بيك في مكان غلط."
نظر "سُليمان" لهذه الصورة التي يحملها في يده بعد أن وصلته على المنزل، وكانت لـ "نور" تحتضنه جدًا حين أغمي عليه في الطريق، ووجهها مشوه بشيء حاد ومكتوب عليه بالدم. سأرسل لك هدية جديدة. تحدث بجدية قائلًا:
"تفتكر يا زين؟"
أومأ إليه بنعم، فتحدث "سُليمان" قاطعًا لكل تفكير وحديث "زين" قبل أن يبدأ قائلًا:
"قدرها اللي جمعها بيا أو حتى كرم، البنت دي مستحيل تطلع من بيتي يا زين غير جثة هامدة."
أغلق الهاتف دون أن يترك مجال للنقاش. فنظر "زين" إلى "منه" الجالسة بالداخل تحدق به كأنها تنتظر الجواب، فتأفف بضيق ثم صعد إلى السيارة بوجه عابس وقال:
"أوصلك فين؟"
نظرت "منه" له بأستغراب ثم قالت:
"مش هتوديني لنور؟"
"مينفعش، على الأقل دلوقتي مينفعش."
قالها بهدوء، ثم فتح هاتفها بأصبعه بالقوة رغمًا عنها وهي تتألم وتقاومه، ثم حذف صورته نهائيًا ومن سلة المهملات أيضًا وأعطاها الهاتف. ثم قال:
"لما يسمح الوقت هتلاقيني عندك، أو هتلاقي نور نفسه."
لم تفهم شيء من إصراره، فقالت بحدة:
"صدق اللي قال متثقش في وعود الرجالة."
ترجلت من سيارته غاضبة في منتصف الطريق ليرحل "زين" دون أن ينتظر أو يمنعها، بل أنطلق بسيارته بسرعة جنونية كأنه تخلص منها نهائيًا. تذمرت "منه" منه وطلبت بهاتفها سيارة أجر من التطبيق الخاص بالسيارات وعادت إلى منزلها.
وصل "زين" إلى المنزل غاضبًا وحين دلف إلى المكتب تحدث بضيق من تصرف "سُليمان" وقال:
"هتأذي بنت بريئة يا سُليمان، متخليش كرهك من البنات يعمك و….."
توقف عن الحديث عندما رأى الصور منثورة على المكتب ومترصدًا ظهر الآن خلف هذه الفتاة. أبتلع كلماته بدهشة وأخذ أحد الصور من فوق المكتب في يده ينظر بها لا يستوعب ما يراه، بل مصدومًا مما يراه الآن وتذكر ما حدث مع "منه" وكيف هدده الرجل بقتل هذه الفتاة التي لم تظهر سوى دقائق معه، لكن هذه الدقائق القليلة كلفتها حياتها وعرضتها للخطر. والآن صديقتها لا تقل خطرًا عنها.
رواية انذار بالحب الفصل الرابع 4 - بقلم نور زيزو
تأفف "سُليمان" غيظًا بعد أن سمع حديث "سميرة" عن هذه الفتاة المتمردة وقال بأغيظ:
--يعني إيه؟ اتصرفي يا سميرة خليها تاكل أي حاجة. هتفضل قاطعة الأكل كده لحد امتى؟ فهميها إن طريقتها دي مش هتغير قراري، هي مش هتطلع من هنا يعني مش هتطلع. واللي عايزاه تعمله، فخليها تاكل وتعيش لحد ما يجي ليا مزاجي وأخرجها بدل ما تخرج من هنا جثة.
سمعته "نور" من الداخل وأستشاطت غيظًا من حديثه وقسوته، ففتحت باب الغرفة وخرجت إليه غاضبة وتتحدث بصوت مرتفع قائلة:
--مزاجك إيه؟ أنت فاكرني جارية عندك ولا إيه؟ ولا تكون فاكر نفسك اشتريتني بفلوسك.
ألتف "سُليمان" إليها بزمجرة، منفرًا من النظر إليها حتى صوتها يشمئزه. رمقها بنظرات خبيثة ماكرة تحمل الكره والغضب من كل شيء بها وبحياتها الرمادية كما علم. فتاة بحجم عقلة الأصبع، رغم هدوئها حياتها تعيسة كما سمع من "زين"، إلا أنها قوية بقدر ضعفها. فتاة لم يقابل مثلها من قبل، تحمل الشيء ونقيضه في نفس ذات اللحظة، تبكي وتتشاجر في نفس اللحظة، تصرخ وتكتم أوجاعها في نفس البرهة. شعور الذنب يقتله منذ أن رأى صورها الممزقة والتهديد الصريح له بقتلها. ما ذنبها حتى تعيش هذا الحياة، لكنه لا يملك خيارًا آخر سوى تحمل حمايتها حتى يقضي على عدوه.
نظر "سُليمان" إليها بصمت، منتظرًا أن تبوح بما تحمل في طياتها، ربما تهدأ وتتقبل الوضع. نظرت "نور" إليه بضيق من صمته الذي يثير استزفزها أكثر وأكثر، فقالت بضيق:
--ما ترد، إيه البرود ده.
عقد حاجبيه بغيظ شديد من كلمتها، بينما أندهشت "سميرة" من طريقته وأتسعت عينيها حين مسكها "سُليمان" بقوة من ذراعها وجذبها إليه غاضبًا، وعينيه يتطاير منها الشر والمكر. فأبتلعت "نور" لعابها من الخوف حين قبض عليها كالأسد الذي حصل على فريسته للتو وعلى وشك ألتهمها بأسنانة ونيران غضبه. تحدث بنبرة مرعبة قائلاً:
--أنا مش هتحملك كتير، وأوعي تفتكري أن لسانك الطويل ده هيأثر فيا ولا هيخليني أرجع في كلامي. أنتِ لسه على نيتك، متعرفيش أنتِ فين ولا واقعة مع مين؟ أنا الحاجة اللي بتجيبلي صداع بدفنها في الأرض، فبلاش تستعجلي على المتر في متر اللي هتتحطي فيها.
فدفعها بقوة بعيدًا عنه، فأمسكت "سميرة" بها قبل أن تسقط. وكانت "نور" ترتجف خوفًا من هذا الرجل الصلب المرعب، جحوده وقسوته تقتل من يقف أمامه. ولو كانت المشاعر تقتل لكانت "نور" للتو جثة هامدة من جحوده. ذهب من أمامها لتبتلع "نور" لعابها وصرخت به حتى يسمع كلماتها:
--حسبي الله ونعم الوكيل فيك، أنا بسببك هسقط في الكلية يا ظالم، الله يلعن اليوم اللي قابلتك فيه... ياريتني سبتك تموت.
عادت إلى غرفتها باكية، رغم أنه سمع حديثها وألتف قبل أن يغادر المنزل ليراها تسير إلى غرفتها باكية. خرج بعد تنهيدة قوية من المنزل وسار إلى هذا المخبأ الذي يحمي به رجاله. وفي طريقه ظل يفكر في حديث "زين" عن حياتها وكم تسعى جاهدة للتخرج من الكلية لأجل الحياة والاستقرار. لم تغب للحظة واحدة عن عقله في التفكير، كيف يساعدها ويحميها من أذى هو السبب به بنفس الوقت.
***
خرجت "منه" من المحاضرة عصرًا وذهبت إلى المستشفى مع أصدقائها. وهناك وجدت "زين" يقف ينتظر أحدًا. ذهبت نحوه مسرعة وكان ينظر في الهاتف ومتكئ على سيارته واضعًا نظارته الشمسية على عينيه. وقفت أمامه وقالت ببرود:
--كابتن.
رفع نظره سريعًا حين سمع صوتها ونزع النظارة عن عينيه قائلاً:
--هو أنتِ؟
--آه، فين نور؟ بقالك أكتر من 15 يوم مختفي مع أنك وعدتني تأخدني ليها أو تجيبها.
تأفف بهدوء ولم يجيب عليها، فسألته بفضول أكثر:
--طب هي هتيجي الامتحانات ولا لا؟ دي ممكن تعيد السنة كلها لو متجتش.
تنهد "زين" بهدوء شديد وهو لا يملك جوابًا، فإذا لم يأذن لها "سُليمان" بنفسه بالحضور لن تستطيع أن تضع قدمًا واحدة خارج منزله. أنتبهت "منه" لشروده فرفعت يدها قليلًا إلى ذراعها لتحركه بلطف قاطعة شروده حين قالت:
--أنت سامعني؟
أومأ إليها بنعم عاجزًا عن إفادتها نهائيًا، فقالت:
--أنت قلتلي اسمك إيه؟
نظر مطولًا لعينيها، هذه الفتاة الجميلة التي شغلته من أول لحظة رآها بها. فتاة سرقت عقله بعينيها البنية الواسعة وحجابها الذي يزين وجهها الدائري. مرتدية فستان أسود وفوقه سترة جينز وحذاء أبيض رياضي بحقيبة ظهر صغيرة الحجم، وتعلق بذراعها البالطو الأبيض الخاص بها. سألها بحيرة من أمره:
--فطرتي؟
تعجبت لسؤاله وأستقامت بظهرها في وقفتها بانتباه لسؤاله، ثم قالت بتردد:
--لسه، ليه؟
--تعالي أفطرك.
قالها وألتف لكي يفتح باب سيارته، وأنبأ أنها لم تتحرك خطوة واحدة. فقال:
--اركب يا منه.
تنحنت بحرج من نظراته وقالت بحدة ووجه عابس:
--والله ودا بإمارة إيه؟ أكيد مش هركب ولا هروح أفطر مع حد معرفهوش، أنت مين عشان أفطر معاك ويبقي عيش وملح.
--بلاش وأسف ليكِ.
قالها بحدة ثم صعد إلى سيارته وأنطلق في طريقه بعيدًا، مهمومًا بقلب منقبض جعله يأتي إليها، لأجل رؤيته فقط. وهذا ما أصابه بألم، فشخص منبوذ مثله لن يجد منها الحب ولن تقبل به فتاة مثلها في حياته. نظرت إلى سيارته وهي تغادر بأندهاش، فلم يصر على طلبه أو محادثتها. قوست شفتيها للأسفل بحزن شديد فقالت:
--في داهية.
دلفت للمستشفى عابسة لتُصدم برؤية "نيللي" فأبتلعت لعابها بقلق وأستعدت لأستقبال حديثها بلا فائدة أو أهمية. أقتربت "نيللي" منها وقالت بقلق مصطنع:
--نور فين يا منه؟
تنهدت "منه" بأختناق شديد ثم قالت:
--وأنا هعرف منين؟ هو أنا اللي طردتها من البيت؟ ما تروحي تدوري عليها بعيد عني.
--نور مالهاش حد غيرك يا منه، متعمليهمش عليا.
قالتها "نيللي" بأختناق، فتأففت "منه" بضيق أكثر من هذه المرأة. ورغم كل شيء، فلعته مع صديقتها، ما زالت تمثل دور الأم والاهتمام الكاذب في عينيها. تنهدت "منه" بأشمئزاز وقالت بحدة:
--قلت لحضرتك معرفش، وعن إذنك عشان مش فاضية.
ذهبت "منه" خلف أصدقائها تلحق بها. خرجت "نيللي" من المستشفى غاضبة ثم صعدت بسيارة منتظرها على الطريق، وكان بداخلها "عامر". فقالت بضيق:
--برضو مصرة أنها متعرفش، هتكون راحت فين نور؟ دي متعرفش حد ولا عندها صحاب غير منه ومعهاش جنيه واحد تأجر به مكان حتى ذهابها وتليفونها في البيت. قولي واحدة مطرودة حافية ومتملكش حاجة غير البيجامة اللي عليها، هتروح فين؟
تأففت بضيق ونظرت من النافذة.
***
جلست "نور" في غرفتها غاضبة وبداخلها نيران تأكل جوارحها. نشبت هذه النيران بين ضلوعها تحول كل ما بداخلها إلى رماد، تبقى من حريقها. الأيام تمر وهي حبيسة هنا بين قبضان منزله. أقتربت الامتحانات ومستقبلها على وشك الدمار. لا تعلم أي دمار واحتلال احتله هذا السليمان لأيامها وحياتها بالإكراه والقوة. لما يمارس قوته وتسلطه عليها؟
قاطع تفكيرها صوت المفتاح بالباب. فتحت "سميرة" الباب ووضعت الطعام أمامها على الفراش ثم قالت:
--كُلي يا بنتي، أنتِ في الأيام اللي قعدتيها هنا خسيتي النص ووشك دبل.
--مش هاكل حتى لو وصل الأمر أني أموت من الجوع.
قالتها "نور" بنبرة غليظة حادة والتمرد يتملكها الآن. تنهدت "سميرة" بهدوء ثم جلست أمامها على الفراش وقالت بهدوء:
--معلش يا بنتي، نصيبك وقدرك، إن شاء الله تتحل من عند ربنا.
تنهدت "نور" بأختناق ودمعت عينيها بحزن على ما يحدث معها. ورغم كل شيء تحملت وقبلت بكل بلاء جاءها، لكن الآن ستخسر حتى كليتها، فأي قدر قاسي هذا كتب لها. تمتمت بحزن شديد:
--أنا استحملت كل حاجة حصلت في حياتي عشان الكلية وقولت هستحمل قساوة كل الناس وكل الخسائر عشان أنجح بس، حرام هو يعمل فيا كده، بيردلي جميل أني أنقذته وساعدته بتدمير حياتي، أنا غلطانة يعني أني نجيته وأنقذت حياته بيعاقبني أني السبب في أنه لسه بيتنفس.
جففت "سميرة" دموعها بلطف بأبهامها ثم قالت بلطف:
--هتتحل يا حبيبتي، أنتِ بس قدرك اللي جمعك مع سليمان الصياد، والحمد لله أنك مسمعتيش عنه قبل كده.
نظرت "نور" إليها بحيرة من كلماتها وهي لا تفهم شيئًا من هذه الكلمات، فماذا به حتى يتحدث الجميع عنه بهذا الخوف ولما دائمًا يصفوه بالرعب كأنه وحش. لتقول:
--ماله؟
أبتلعت "سميرة" لعابها بهدوء ثم غادرت الغرفة قبل أن تجيب عليها. لم تتحمل "نور" سجنها في منزله. فتحت شاشة التلفاز على قناة الأغاني ورفعت الصوت لأقصى درجة، ثم مسكت المقعد وكسرت النافذة. ونظرت قليلًا على الباب لتتأكد أن "سميرة" لم تسمع صوت الانكسار، وتسللت من النافذة لتجرح قدمها في أسفل الركبة اليسرى من حافة قطعة الزجاج، لتصرخ بصوت مكتوم. وجلست على الأرض تتألم، لكنها تحملت ووقفت تزحف بصعوبة على الأرض. كان المكان خالي من أي شيء ولا أثر لأي طريق قريب، فظلت تركض رغم جرحها بعيدًا عن منزله.
كان واقفًا في غرفته يفكر في كلماتها وما سمعه من "زين" عن حياتها التي تتوقف على نجاحها في الكلية. فتح باب الدولاب ليغير ملابسه فوجد بها وشاحها الوردي المليئة بدمائه، وكانت ترتديه في هذه الليلة الرعدية وأنقذته به. مسك الوشاح وأخرجه من الدولاب لتسقط منه الوردة الحمراء التي أخذتها من السيدة العجوز الدجالة التي أخبرتها عن الحب وأنذرتها من قدوم حب ملأ بالمخاطر وسيعرضها للوجع والحزن رغم مشاعره الجميلة التي ستملكها بقلبها البريء. تنهد باختناق وحيرة ثم أرتدي قميصه الرمادي وخرج من الغرفة تاركًا الوشاح بوردته على الفراش التي سقط منها ورقة حمراء لم تذبل بعد وتحمل بداخلها كلمات قليلًا "سيطيب القلب بحب الجميلة يا وحش".
ترجل للأسفل ووجد "سميرة" جالسة تشاهد مسلسلها الهندي، فسأل بهدوء:
--هي فين؟
--في أوضتها منشفة دماغها زي ما هي، أنا تعبت منها شوفلك حل معاها بقى.
تنهد بهدوء ثم أتجه إلى الغرفة حاسمًا أمره على تركها تذهب للجامعة من أجل مستقبلها. ولأول مرة "سليمان الصياد" يتخلى ويتنازل عن أمر صدره لأجلها هذه الطبيبة. كأنها جاءت لتعالج جرح قلبه وحياته عوضًا عن جرح جسده. دق الباب بلطف بعد تنهيدة يحكم أعصابه عليها حتى لا تبكي كالأطفال كما هي. مرات متتالية ولم يجد جوابًا منها أو صوت، ففتح الباب بضيق ودلف "سليمان" إلى الغرفة الخاصة بها ليُصدم عندما وجد الغرفة فارغة والنافذة مكسورة. أقترب من النافذة بذعر ليري أثر دمائها وقطعة من فستانها عالقة في قطعة الزجاج. نظر إلى الطريق فرآها بعيدًا وقد أقتربت من وكر رجاله. فتنهد بأختناق وركض للخارج مسرعًا والخوف تملكه في هذه اللحظة من ذهابها إلى هناك. أنتفضت "ميرة" بذعر من جريه بلهفة والخوف يتملكه، متعجبة مما حدث ودخل للغرفة ورآها فارغة. ركض كالمجنون حتى يلحق بها قبل أن تدخل إلى هذا المكان الملغم بالرجال وهو لا يثق بما سيفعلون عندما يرونها. ولأول مرة يعترف بأنها جميلة وجمالها قد يوقعها في مصائب مع هؤلاء الرجال المحرومين من النظر إلى أي أنثى. فماذا إذا سقطت عليهم فتاة من أجمل مخلوقات الله سبحانه الذي أبدع في خلقها حتى تخطف نظر كل من يراها.
سمعت "نور" صوت من داخل هذا المكان فتمنت أن يساعدها أحد في الهرب من هنا. وجدت الباب مفتوحًا فدلت وهي تتألم من قدمها ودماءها التي تسيل على قدمها بغزارة من الجرح، لكنها صُدمت عندما رأت هذا العدد من الرجال الأقوياء وأجسادهم الضخمة، ولا تُصدق أنها تقف أمام حلبة مصارعة خاصة بالرجال. والجميع يتقاتلون، والقليل يجلسون هناك على الأريكة والمقاعد يتسامرون ويضحكون. أتسعت أعين الجميع عندما رأوا فتاة في هذا المكان المهجور وكيف ظهرت هذه الفتاة هنا؟ أبتلعت "نور" لعابها بخوف وتشبثت بفستانها المقطوع من قدميها تداري جسدها وحجابها الفوضوي. عادت خطوة للخلف لكنها صُدمت بجسد قوي ألتفت إليه بذعر وقالت:
--أنا آسفة، جيت غلط.
تبسم هذا الشاب بمكر حين رأى ملامحها الجميلة وبراءتها، فقال بمكر:
--ولا يهمك، تحبي نساعدك في حاجة.
أقترب منها خطوة وهو يتمتم لها بخبث:
--إحنا تحت أمرك والله في أي حاجة كدة ولا كدة.
قالها وهو يضع يده على ذراعها لتنتفض بذعر وعادت للخلف بخوف منه وقالت بأرتجاف واضح:
--شكرًا.
حاولت أن تمر؛ لتخرج من هذا الوكر الذي وقعت به، لكنه منعها وأقترب أكثر لتعود خطوة للخلف مما جعلها تتسلل للداخل رغمًا عنها حتى ألتف القليل حولها والبقية يضحكون متراقبين ما سيفعلون أصدقائهم. حاول أحدهم لمس ذراعها فصرخت بذعر، بينما أقترب نفس الشاب يراوغها حين مسك طرف حجابها بغزل وقال:
--استني بس هنتكلم من غير خوف، أنتِ خايفة من إيه يا حلوة؟ يخربيت جمالك.
حاولت دفع يده ليجذب حاجبها بقوة فأنتزع في يده. أرتعبت "نور" منهم وحاولت إخفاء شعرها بيديها. وللحظة شعرت أنها ستموت هنا ولا تملك سواه هذا الوحش، فوحده من يشعر بالأمان الآن. فرغم قسوته ووحشته، لكنه لم يجرأ على لمسها أو إهانتها بهذه الطريقة المرعبة. فقالت بتلعثم ودموعها تتساقط من جفنيها الصغيرين على وجنتيها:
--أنا عايزة أروح عند سليمان.
أبعد الجميع فور ذكرها لاسمه، وبهذه المنطقة لا يوجد "سليمان" إلا واحد... رئيسهم المرعب الذي سيقتلهم إذا كانت هذه الفتاة تخصه حقًا. تشنج جسد الشاب وتصلبت يديه الممسكة بحجابها بعد سماع اسمه، وأقترب أكثر منها بنية الاعتذار وتقديم الحجاب لها خوفًا من غضب هذا الرجل الذي سيفصل رأسه عن جسده بعد قطع يده التي لمستها إذا علم بما فعله للتو معها. لكن "نور" أرتعبت أكثر حين تقدم ودفعته بقوة بعيدًا عنها صارخة بها بذعر قائلة:
--إياك تلمسني تاني يا حيوان...
بنفس اللحظة التي فُتح بها باب المكان الحديدي، وكان "سليمان" الذي سمع جملتها ورآها تدفع هذا الشاب أرضًا وفي يده حجابها. أستشاط غيظًا من تصرف رجاله وزاد غضبه عندما رأى شعرها الأسود رغم نعومته فوضوي من سحب الحجاب عنه منسدل على الجانبين بعشوائية. أبتلعت لعابها بذعر ورأته هناك، مما جعل قلبها ينتفض بأرتباك وطمأنينة قليلة أنها ستنجو من هؤلاء الذئاب. ودون أن تشعر ركضت إليه مرتعبة من هؤلاء الرجال، وكل من ألتف حولها حاول لمس جسدها الصغير. أرتطمت بجسده دون وعي فتشنج "سليمان" من فعلتها، لكن سرعان ما أستوعب الأمر بعد أن سمع صوت بكاءها وأنهيارها ويديها تتشبث بملابسه من الخلف بأناملها الصغيرة بأحكام ليدرك قدر الخوف الذي تملكها من رجاله. نزع قميصه عن جسده وعينيه ثابتة على هذا الشاب الذي يمسك حجابها ووضع القميص فوق رأسها يخفي شعرها عن أنظار الجميع لتتشبث به جيدًا. أبعدها عنه بلطف وتقدم للأمام بخطواته لينحني الجميع له، وهي لا تفهم سبب أتصالها بهذا المكان وكيف علم بوجودها هنا؟ رأته يمر من جانب طاولة مليئة بالأسلحة الحديدية كالسكين والساطور والمطرقة وغيرهم... سحب سكينًا من فوقه وقطع أصابع هذا الشاب بحركة احترافية ليسقط الحجاب منه أرضًا، فصرخت "نور" بذعر، بينما صرخ الشاب بألم. مسك "سليمان" فك وجهه رغم ألمه ولا يبالي بصراخ هذا المختل الذي شجعه عقله على لمسها ومضايقتها، ثم قال بنبرة عالية هزت جدران المكان وجعلت "نور" تنتفض من قوتها:
--مين سمحلك تلمسها؟ هاااااا!
أرعب الجميع من صرخته الأخيرة وألقى بالسكين لقائد هؤلاء الشاب وكأنه يخبره برسالته. وقال بحدة:
--أنا اللي يخالف أوامري ميت ومالهوش عزاء.
ألتف لكي يغادر وعيناه ترمقها، تقف أمامه مصدومة من فعلته وكيف قطع أصابع هذا الرجل بهذه السهولة. ظلت تنظر نحو الشاب وقائده يقترب منه، فأخذ "سليمان" رأسها يدفنها في صدره رغمًا عنها وقال بجدية صارمة هامسًا إليها:
--متبصيش.
سكنت بين ذراعيه بخوف وقد ترجم عقلها ما سيحدث الآن. حاولت أن تنظر خلسًا بخوف يقوده الفضول لتري هذا الشاب أصبح جثة على الأرض بعد أن طعن بالسكين في قلبه، فحاولت استيعاب الأمر وأهتز جسدها من هول الصدمة ليتشبث بها "سليمان" جيدًا قبل أن يغلبها الخوف وأثر الصدمة وأنحني قليلًا لكي يحملها. خرج بها وهي على ذراعيه من المكان كالجبل الجليدي لا يشعر بشيء. تطلعت به قليلًا وهي لا تصدق حقيقة هذا الرجل الذي وقعت معه، وقد أدركت للتو معنى تحذير الجميع لها عنه؟ وضعت رأسها على كتفه من التعب مستسلمة للخوف الذي احتلاها وقالت بتلعثم:
--أنت هتموتني زيه؟
نظر "سليمان" إليها ورأى وجهها شاحبًا وبدأ جسدها يرتجف، وهذه الرجفة احتلت صدره منها، فقال بهدوء:
--سألتي مين بيكون سليمان الصياد؟ أنا قاتل يا دكتورة واسم الصياد دا مش من فراغ، فلو كان شغلك إنقاذ الناس فشغلي أنا قتلهم. ملعون القدر اللي جمعك بيا وأنتِ من عالم غير عالمي ودنيا غير دنيتي، أنا دنيتي مفهاش حد ببراءتك ولا طفولتك، أنا دنيتي فيها وحوش وذئاب.
تمتمت بصعوبة في التنفس مما تسمعه وتعيشه الآن وقد رأت بأم عينيها حقيقته المرعبة:
--حرام نلعن القدر، ربنا يزعل مننا... اااااه.
أغمضت عينيها بأستسلام للألم الذي يحتلها الآن. نظر إلى وجهها بعد أن فقدت الوعي كليًا ودلف بها إلى المنزل لتراها "سميرة" ففزعت من هيئتها وملابسها الممزقة وقميصه الذي وقع عن رأسها ليظهر خصلات شعرها. فتحت له باب الغرفة ووضعها بالفراش ثم قال:
--هاتي الإسعافات الأولية يا سميرة.
أومأت إليه بنعم ثم خرجت مسرعة. تطلع بوجه هذه الفتاة ووضع الغطاء عليها يخفي أقدامها العارية من فستانها الممزق ثم غادر الغرفة مسرعًا. قابله "سميرة" فقال بجدية:
--فوقيها عشان تعالج نفسها، أنا مش هجيب دكاترة يا سميرة أو سيبها تموت عشان أخلص من همها.
علم "زين" بما حدث وكيف قتل أحد رجاله بسبب طبيبته الصغيرة. سأله "زين" بأندهاش:
--أنت فعلًا عملت اللي سمعته؟
صرخ "سليمان" وقد فاض أمره وباح بما يحمله من غضبه تاركًا العنان له قائلًا:
--إزاي يتجرأ ويلمسها رغم أنها قالت له عايزة سليمان، عرف أنها تخصني وأتجرأ ولمسها.
تأفف بانفعال مما أدهش "زين" وخصوصًا من كلمته "تخصني"، منذ متى وهذه الفتاة تخصه وهو لم يتعرف بقبولها كطبيبة له حتى؟ للحظة شعر أن صديقه على حافة الوقوع ببئر العشق الذي لا سبيل للخروج منه. لا يعلم كيف جعلته "نور" الفتاة البريئة أن ينطق كلمة "تخصني" بهذه السهولة وهو من حرم الحب على رجاله وأصدر الموت عقوبة للعشق، فمن يعشق هنا يقتل؟
رواية انذار بالحب الفصل الخامس 5 - بقلم نور زيزو
نظرت "نور" من النافذة أثناء جلوسها على الفراش لتجده أحاط النافذة بالحديد حتى لا تفر منها مجدداً. تنهدت بهدوء وهى عاقدة ذراعيها أمام نافذتها، فدلفت "سميرة" إليها وقالت:
- صباح الخير، عاملة إيه دلوقتي؟
لم تجب عليها "نور"، فتنحنحت "سميرة" بهدوء وقالت:
- سليمان عايز يتكلم معاكي.
أدارت "نور" نظرها لهذه السيدة والآن يطلب رؤيتها بعد أن حبسها هنا وجعلها تخيط جرحها بنفسها، فأي قسوة هذه منه؟ قالت بتذمر:
- مش جاية.
وبعد إلحاح من "سميرة"، اتكأت عليها وذهبت إلى غرفة مكتبه، وتركتها "سميرة" على الباب لتتدخل بخطوات بطيئة من جرح قدمها، فقالت بتذمر عابسة:
- نعم.
رفع نظره إليها ليراها تسير بصعوبة من جرح قدمها. كانت بحاجة للمساعدة في حالتها هذه. تنحنح بهدوء وقال:
- اقعدي.
- مش عايزة أقعد.
قالتها بحدة، وما زال مشهد قتل هذا الرجل يلازمها ويرعبها من الاقتراب إليه، فرمقها بنظرة مخيفة. ابتلعت لعابها بهدوء وجلست خوفاً منه لتقول:
- أفندم.
أعطاها هاتفاً، فنظر إليه مطولاً، فقال:
- أنا هسمح لك تروحي الكلية عشان امتحاناتك، لكن خلي بالك، دا بشروط، مفيش حاجة هنا مجاناً.
نظرت مطولاً إليه بحيرة وقالت بتمتمة:
- كتر خيرك والله، هتتشرط كمان.
أجابها بجدية صارمة حادة:
- آه بشروط، ولو مش عاجبك بلاش، ارجعي أوضتك.
تذمرت منه ورفعت نظرها به بعبوس حادة، ثم قالت:
- خلاص، هو عشان ماسكني من أيدي اللي بتوجعني، اتفضل سمعني.
رفع حاجبه بغرور وعاد بظهره للخلف باسترخاء، ثم قال:
- أولاً، فيه عربية هتوديكي وتجيبك، وكده كده انتِ مالكيش مكان، حسب معلوماتي إنك مطرودة من بيتك.
شعرت بحرج من معرفته بحياتها الخاصة، وتابع حديثه بثقة حادة:
- ثانياً، ممنوع منعاً باتاً تتكلمي مع حد في أي حاجة تخصني، أو تتأخري دقيقة بعد ميعاد كليتك.
نظرت للجهة الأخرى بغيظ منه، ثم قالت باختناق:
- ما تربطني بسلسلة زي الكلبة أحسن.
أجابها ببرود سافر يثير أعصابها قائلاً:
- لو لازم الأمر هعملها، متستعجليش.
نظرت إليه باختناق وكادت أن تضربه بهذا الهاتف في رأسه وتقضي عليه كلياً، فتبسم بمكر، ثم قال:
- ويكون في علمك، لو اتأخرتي دقيقة واحدة، همنعك من الامتحان اللي بعده، ومتحاوليش تهربي مني لأنك مش هتعرفي. ولو في بطن الحوت هجيبك. أنا سليمان الصياد، قاتل وتاجر مخدرات ورئيس أكبر عصابة في مصر، وأنا معترف بكده. فواحدة بحجم عقلة الإصبع مش هتفلت مني. وحذاري تتصلي ومترديش عليا... رقمي متسجل عندك، لو حسيتي بأي حاجة أو حد مشبوه قريب منك، كلميني على طول.
تنحنحت بحرج، ثم قالت بفضول من ثقته التي تثير غضبها:
- فخور بنفسك كأنك أحمد زويل... مش خايف أخرج من هنا على القسم وأبلغ عنك؟
تبسم بمكر خبيث إليها، ثم قال:
- كان البوليس نفعك لما أبوكي اتقتل؟
نظرت إليه بصدمة ألجمتها من كلمته الأخيرة، وقالت بتمتمة:
- أنت بتقول إيه؟
أخرج لها بعض الأوراق من الدرج الخاص بالمكتب وألقى بها على المكتب لتراهما، بينما يقول:
- أنتِ مش دكتورة، إزاي مخدتيش بالك إن حد قتل أبوكي بالأدوية؟
نظرت للأوراق بصدمة ألجمتها، وبدأت الدموع تنهمر على وجنتيها بغزارة. انتفض جسدها وهي تضع يدها على فمها بانهيار تام. بدأت تفكر في الفاعل ومن له استفادة من قتل أبيها، ليقول "سليمان" بمكر:
- متفكريش، واحدة زيك عمرها ما هتعرف توصل لدماغ المجرمين.
وقفت من مكانها لتغادر، لكنها توقفت والتفتت إليه في منتصف المكان، وعقلها قد خدر تماماً من هول الصدمة كالمشلول، عاجزة عن التفكير. قالت بضعف وصوت مبحوح:
- سليمان.
رفع نظره إليها باندهاش من جمال اسمه بصوتها الدافئ ونعومته رغم بكاءها وشهقاتها التي تملأه. نظرت إليه بضعف وكأنها تترجاه وتستنجد به، ثم قالت:
- أنا عايزة أعرف اللي عملها. أنا عايزة حق بابا.
وقف "سليمان" من مقعده والتف حول المكتب، ثم وضع يديه الإثنين في جيوبه، متقدماً إليها بخطواته حتى وصل أمامها، فقال بهدوء بارد كالجليد:
- أنتِ عارفة أنا بأخد كام في حاجة زي دي؟
شهقت بوجع مزق قلبها للتو، وهي لا تملك أي شيء تدفعه له. ثم رفعت نظرها إليه وقالت بحسرة تمزقها وذكريات والدها تقتل عقلها:
- أنا معنديش فلوس أديهالك، اعتبرها تمن حياتك اللي أنقذتها.
تبسم بخبث شديد من كلماتها، وكأنها تساومه ببكاءها الطفولي، وانحنى قليلاً إليها ليكون بمستواها، ناظراً بعينيها الباكيتين، ثم قال بمكره:
- وأنا كمان أنقذت حياتك من أسبوع، أنتِ متخيلة لو مكنتش جيتلك كانوا عملوا فيكي إيه؟ هفضل أدفع تمن حياتي اللي أنقذتيها كام مرة في نظرك؟
ابتلعت لعابها ودموعها تسيل على وجنتيها، فقالت بألم:
- طب أنا معيش فلوس، طب خدني أنا... اشتريني أو احبسني هنا العمر كله، أنا راضية. شغلني عندك، أي حاجة، أنا معنديش حاجة أديهالك والله يا سليمان.
عينيها الباكيتين ودموعها التي تسيل على وجنتيها الحمراوين من البكاء. رموشها التي تغطيها الدموع الحارة ورجفة جسدها. شهقتها الأليمة التي تمزق ضلوعها قبل أن تخرج منها. كل شيء بها يوجعها، جعله يتلذذ بهذا الانكسار الذي يراه بها وحالتها التي ترثى لها. فقال:
- تتجوزيني؟!
اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة من طلبه، وعقلها يتساءل إذا كان طلب أم أمر. نظر إلى صدمتها وجسدها الذي تجمد مكانه، فقال بجدية بعد أن استقام في وقفته بغرور وكبرياء:
- فكري لحد الساعة 9 بليل، لو وافقتي هكتب عليكي بليل وبكرة الصبح هتكوني في جامعتك، ومهرك هيكون اللي قتل أبوكي.
لكن لو اتأخرتي على 9 ودقيقة يا دكتورة اعتبري أن عرضي ملغي.
غادر المكتب ببرود تاركها خلفه في صدمتها، لتجلس على أقرب مقعد لها.
نظرت إلى ساعة الحائط، وكانت قد اقتربت من الساعة التاسعة حقًا، ودموعها لا تجف. ذكرياتها مع والدها تؤلمها كثيرًا وتمزق عقلها الصغير. هذا العقل الذي لا يليق بخبث ومكر هذا العالم بأكمله، بدءًا من زوجة والدتها وحتى هذا سليمان الذي لا تعرف عنه شيئًا.
دلفت "سميرة" إليها وقالت:
- فكرتي؟
التفتت "نور" إليها بقهرة ودموعها لم تجف حتى الآن، فقالت:
- القرار صعب. إزاي أتزوج واحد معرفش عنه حاجة غير إنه مجرم وقاتل، وحقيقته لوحدها كفيلة تخليني أرفض.
جلست "سميرة" أمامها على الفراش، ثم قالت بلطف بعد تنهيدة أليمة:
- سليمان ولد يتيم، اتربى في ملجأ بعد ما أهله اتخلوا عنه هو وأخته التوأم مع زين. في الأول كان مكسور الجناح، وأولاد الملجأ كانوا بيتنمروا عليه ويضربوه. وفي يوم اتفقوا عليه هو وزين وضربوه واغتصبوا أخته قصاد عينه. ولما فاق من الضرب عرف أنها ماتت. من يومها وهو اتحول كليًا وبقي حد تاني. ولما خرج من الملجأ قرر يبقى قوي بالمال والسلطة، واشتغل مهما كان الشغل إيه، مهموش حاجة غير إنه يكون قوي. وعشان أكون صريحة معاكي، مفيش حاجة غير مشروعة معملهاش. قتل وسرقة وخطف وتجارة مخدرات أو آثار عادي بالنسبة له. لحد ما...
توقفت عن الحديث بسرعة، فانتبهت "نور" إلى كلماتها وقالت بفضول سافر:
- لحد ما إيه؟
وقفت "سميرة" من مكانها بخوف من هذا الرجل المنتظر جوابه بالخارج، وقالت:
- مفيش. الساعة تسعة إلا دقيقة، قرري بسرعة لأنه مبيرجعش في كلامه.
تنهدت "نور" بهدوء، ثم خرجت مع "سميرة" ورأته جالسًا بغرور على الأريكة، ويضع قدم على الأخرى، واضعًا يد في جيبه والآخر يحمل بها كوب زجاجي خاص بقهوته الفرنسية باللبن. رفع نظره إليها بهدوء صامت، فقالت بقلق:
- موافقة بس بشرط.
وضع كوبه على الطاولة بغرور ووقف متكبرًا أمامها، وقال بحدة:
- مش موافق. وقتك انتهى.
مر من جانبها لتتشبث بذراعه بيديها الاثنتين، فنفض ذراعه بعيدًا عنها بقوة باشمئزاز من لمسها، رغم أنها تمتمت بترجٍ قائلة:
- سليمان اسمعني بالله عليك.
أشاح يدها بعيدًا عنه باستنكار كأنها نكرة أو شيء مقزز لمسه، وقال بانفعال شديد:
- إياك تلمسني مرة تاني، كفاية أني متحملك دكتورة.
عادت خطوة للخلف باكية، ثم قالت بانهيار تام:
- آسفة، مقصدتش. أنا بس عايزك تسمعني من فضلك.
تنهد باختناق ونظر إلى "سميرة" الواقفة حزينة على حال هذه الفتاة التي ترتجف، وأشارت إليه بأن يتخلى قليلًا عن غروره وتكبره ليستمع إليه، فـتأفف بخنق وقال:
- أولًا اسمها طلب وأنا أقبل أو أرفض. ثانيًا سمعيني، لكن لو كلامك معجبنيش اعتبري أني مسمعتش حاجة.
أومأت إليه بنعم باستماتة كأنها حصلت على فرصة للنجاة، وقالت:
- أنا موافقة أتجوزك بس على الورق بس، يعني يا ريت كل واحد يستقل بأوضته.
قهقه "سليمان" ضاحكًا بقوة، ولأول مرة تراه يضحك هكذا. تعجبت من ضحكاته الكثير ولا تعرف سبب ضحكاته، فقال بسخرية قاتلة:
- انتِ فاكرة نفسك ست ولا إيه؟ ولا فاكرني هتجوزك لسواد عيونك... يكونش أنا عاشقك في الضلمة؟
لم يترك لها مجالًا للرد، فسحبها من يدها إلى غرفة المكتب، وكان "زين" جالسًا مع المأذون كأنه كان واثقًا من موافقتها. عقد قرآنهما. نظر "زين" إليها بشفقة على حالها وما وصلت هذه الفتاة إليه مع صديقه المتعجرف. لكنه تأكد الآن من طلب "سليمان" للزواج منه، أن صديقه ورغم تكبره وعناده الذي لا مثيل له قد فتن قلبه بها.
وقف "سليمان" من مقعده وقال بحدة صارمة:
- تعالي.
تقدم بخطواته إلى الأمام ليغادر المنزل، وهي خلفه متعجبة أنه سمح لها بالخروج، لكنها صدمت عندما أدركت أن هذا الطريق سيقودها في نهايته إلى نفس المكان. وصل بها إلى المكان، وحين رآه الجميع وقفوا احترامًا إليه في صمت. لتقول:
- أنت جبتني هنا ليه؟
جلس على مقعده بغرور، ثم قال بقسوة واضحة في نبرته:
- عالجيهم يا دكتورة.
التفتت إليه بصدمة ألجمتها، وكيف يكن أول شيء يطلبه أن تقترب من هؤلاء الرجال المجانين. أين رجولته لكي يسمح لها بلمس رجال حاولوا أن يتعدوا عليها. اتسعت عينيها على مصراعيها حين ألقى "زين" حقيبة كبيرة أمامها وجعل أحد الرجال يفتحوها، وكانت مليئة بالأدوية وأدوات طبية. نظرت إلى "سليمان" باندهاش ليشير إليها بأن تبدأ.
ابتلعت لعابها بتوتر، وجلست على المقعد، وأصطف الرجال أمامها صفًا، وبدأت تعالج جروح الجميع حتى لو كان الجرح مجرد خدش صغير. ظل يراقبها وهي تعمل وعينيها لم تنظر بوجه أحد منهم، متحاشية النظر إلى الجميع. جلس أمامها شاب وتتطلع بملامحها الجميلة رغم حزنها، ثم قال بهمس خوف من أن يسمعه "سليمان":
- أنتِ مرتبطة؟
رفعت نظرها إليه بدهشة، وهو الوحيد الذي تجرأ على التحدث إليها. وكانت نظرتها وحدها كفيلة بأن تخبر "سليمان" عن جراءة هذا الشاب، ليقول بحدة:
- كان عندي حق يا زين.
التفت الجميع إليه، وأولهم "نور" التي رأته يقف من مكانه ويسير نحوها، متحدثًا بلهجة مخيفة:
- مهما كانت قوتهم لسه بيلينوا قصاد أي حاجة حلوة أو وحشة. مهما كنت ضهرهم، هيفضلوا يكسروا قانوني وقواعدي لو قابلوا واحدة جميلة.
اتسعت عين "زين" الذي فهم عقل "سليمان" للتو، وسبب إحضاره لها هنا الآن. حتى يعلم الخائن الذي يعارض أوامره. من سيتجرأ على النظر إلى امرأة جاءت معه دون أن يخشاه. وبنفس اللحظة اعترف وأمام الجميع أنها جميلة حقًا...
مسكه "سليمان" من مؤخرة رأسه ودفعها في الطاولة الموجودة أمامها، لتنتفض "نور" من مكانها خوفًا من قوته وقسوته، ليقول:
- عجبتكِ؟
لم يجبه هذا الشاب بحرف واحد. فقال بحدة:
- لما حاجة تخصني تعجبك يبقى لازم تتخطني عشان تأخدها. وأنا هطلع جدع معاك في جولة واحدة واللّي يكسب ياخدها.
نظرت "نور" إليه باستحقار وتقزز، فالآن هي زوجته، لكن يتراهن عليها مع رجل آخر. فقالت باشمئزاز منه:
- أنت...
التفت إليها بنظرة أرعبتها من مكانها وجمدت قلبها محله، فابتلعت كلماتها قبل أن تتحدث. نظر "زين" إليه باندهاش لا يقل شيئًا عن "نور"، وكيف يتراهن مع أحد على زوجته، حتى وإن كان واثقًا من فوزه، فربما يشاء القدر أن يخسر، كيف سيفعلها؟ وقف الجميع جانبًا إلى جانب، وصنعوا دائرة كبيرة يتوسطها "سليمان" وهذا الشاب الذي لا يصدق بأنه سيتعارك مع "سليمان"، فمنذ أن انضم لهذه العصابة ولم يرى أحد من قبل "سليمان" يقاتل نهائيًا، والآن سيرون مهارته. وقف "زين" بجانب هذه الفتاة الباكية، ثم قال بهمس:
- متخافيش، سليمان مببيخسرش.
لم تجبه، بل ظلت تحدق بهذا الرجل الغليظ. بدأ "سليمان" بلكمة قوية ليثير غضب هذا الشاب، لكن بعد هذه اللكمة بدأ الشاب ينتصر بلكماته المتعددة. اتسعت عين "زين" الذي يراه يتعرض للضرب المبرح، متعجبًا من هزيمته، فقبضته وحدها كفيلة بإغماء هذا الشاب كليًا من قوتها. سقط "سليمان" على الأرض، ليتملك هذا الشاب الغرور بعد انتصاره على رئيسه الذي يخشاه الجميع. كان "سليمان" شاردًا بذكرياته مع "ملك" التي تؤلمه بسبب زواجه من فتاة أخرى، واضطراب قلبه أمام "نور" الذي لا يفهم سببه، وكأنه يعاقب نفسه بهذا الضرب. رفع الشاب يديه بحماس وينظر للجميع، حتى وصل أمام "نور"، فأخذ "زين" خطوة يقف أمامه يمنعه من لمسها، وهو لا يعرف بأنها زوجة هذا الرئيس الغليظ. تحدث الشاب بحماس قائلًا:
- هو اللي حط الجائزة مش أنا.
تخطى "زين" ونظر إلى "نور" التي عادت للخلف خطوة واحدة بخوف من هذا الشاب، فقال بحماس:
- أنتِ مرتبطة؟ اسمك إيه؟
لم تجبه، فلمس معصمها بأنامله يمرر سبابته على كفها. تمتمت بتلعثم خائفة تناديه قائلة:
- سليمان.
كاد أن يقترب هذا الشاب منها، لكنه توقف بصدمة ألجمته حين مسكه "سليمان" من لياقته وجذبه للخلف، وبدأ يلكمه بقوة. ومن لكمته الأول نزف وجه هذا الشاب، ومع نهاية لكماته كان وجهه أشبه بالوجه الذي دهسته سيارة من كثرة الدماء، حتى تدخل "زين" وفصله عن هذا الرجل بقوة، ليصرخ به قائلًا:
- سيبني يا زين... سألتها مرتبطة ولا لأ، أجاوبك أنا، إنها مراتي.
انتفض الجميع من كلمته، وأولهم هذا الشاب الذي أدرك أن اليوم هو يوم موته بعد أن تجرأ ولمس زوجة هذا الشرس. غادرت "نور" باكية بقدمها المجروحة، فأسرع للخارج خلفها، وهو يمسكها من ذراعها ويقول:
- أنا مقولتيش تمشي...
اتسعت عينه على مصراعيها حين صفعته على وجهه بقوة، ولم تخشاه كمن بالداخل. وصرخت به ببكاء وانهيار:
- أنت فاكرني إيه؟ جارية عندك بتبيع فيها زي ما تحب. إياك تفكر توريني وشك تاني، أنت أزبل حد أنا شوفته. ملعون أبو اليوم اللي شوفتك فيه يا أخي.
ظل يحدق بها بصدمة ألجمته من صفعتها، وعينيه يتطاير منها الشر والانتقام. سارت بعيدًا عنه، لكنها سقطت من قدمها المجروحة التي تؤلمها رغم عنها. جهشت في البكاء من عجزها على المغادرة والسير. ضعفها الذي يجعل الجميع يتحكم بها، فظلت مكانها تبكي بقهرة وانهيار تام دون أن تحاول الوقوف. تركها وعاد إلى المنزل لتفرغ كل طاقتها في البكاء...
كانت "منه" نائمة في فراشها، حتى رن هاتفها يقاطع نومها ويوقظها، فقالت بلطف وصوت نائم:
- مين؟
أتاها صوته الحاد يقول:
- صحيتك ولا إيه؟
عرفته من صوته ونبرته الحادة، فقالت باختناق:
- وأنت مالك؟ عايز إيه؟
- والله لسانك عايز قصة. أنا مغلطتش، كنت عايز أقولك أن صاحبتك هتكون في الجامعة الصبح.
انتفضت "منه" من مكانها في الفراش وبعثرت شعرها الفوضوي بيدها، وقالت بحماس:
- بجد!
شكلك بتضحك عليا أحلف يا زين
تبسم على حماسها وقال بجدية:
- وأنا أعرفك عشان أهزر معاكي يا بت أنت
تحدثت بحماس متجاهلة كلماته ويدها تفرك عينيها حتى تستيقظ جيدًا:
- أحلف يا زين
- والله يا ستي، هتدفعلي كام بقي
عقدت حاجبيها بغيظ من طلبه وقالت بأستنكار:
- أيه النتانة دي أنت مستني واحدة لسه بتدرس مجرد عيلة تدفعلك، فين الشهامة والرجولة دا أنت راكب عربية لو أشتغلت عمري كله مش هجيبها أصلًا يا جعان أنت
ضحك على كلماتها رغم عبوسها وجديتها في الحديث ثم قال بعفوية:
- دا قر ولا حسد
تبسمت "منه" بعفوية ثم قالت بتلقائية:
- الإثنين
ضحك "زين" على كلمتها وهو يداعب الرمال في الأرض بحذائه واقفًا أمام بوابة المخزن لكن توقف عن الحديث حين رأي سيارة تقترب من مكانهم فقال بجدية:
- أنا هقفل دلوقت
لم ينهي جملته بل ألجمته الصدمة حين رأى السيارة عن قرب وكانت سيارة "كرم" الذي دخل عريب الأسد بنفسه
رواية انذار بالحب الفصل السادس 6 - بقلم نور زيزو
جففت دموعها بسرعة جنونية حاولت الوقوف بصعوبة.
نظر كرم مطولًا عليها غير مصدق بأن هناك فتاة موجودة بعرين هذا الأسد.
أخذ خطوة نحوها ليدقق بملامحها فأدرك أنها نفس الفتاة التى وصلته صورها معه فتبسم بخبث ثم قال:
--أنتِ دكتورة نور… شكلك صغير أوى
تعجبت من هذا الرجل العجوز الذي يعرفها وهى لأول مرة تراه.
مجرد النظر إليه جعلها تشعر بعدم أرتياح.
لكمه زين بقوة على وجهه على سهو بعد أن سحب نور بعيدًا وقال بخبث:
--وجاي لهنا برجلك
هجم رجال كرم علي زين وقبل أن يتعاركوا سمعوا ضرب عيار ناري قريب.
أستدارت نور لترى سليمان يمسك مسدسًا ويقترب.
أشار كرم لرجاله بأنه يعودوا للخلف حتى وصل سليمان أمامه وأخذ نور فى يده يخفيها عن ناظري هذا الرجل والتهديد الذي جاءه إليه كفيل بأن يخفيها عن عيني كرم.
وضع المسدس فى صدر كرم قائلًا:
--أمشي، خد كلابك وأمشي من هنا
تبسم كرم بغرور ووضع يديه فى جيوبه ثم نظر بعيني سليمان وقال:
--أنا جاي أباركلك يا سليمان على الجواز، مبروك بس خلي بالك للماضي يعيد نفسه
كز سليمان على أسنانه بقوة ثم قال بأختناق:
--خلي بالك أن قبل ما الماضي يعيد نفسه لازم نقفل حساب القديم وأنا حقي مبأخدوش بالغدر ….. أستعد وغور قبل ما ينفد صبري عليك
تبتسم كرم بعفوية ثم نظر إلى نور التى أختبأت خلف سليمان مُتناسية غضبها منه وما فعله من قليل ثم قال:
--خلي بالك منه يا عروسة ومن نفسك قبله أصل اللى بتدخل حياة سُليمان الصياد بتكون حياتها ثمن قذرته ……….
قاطعه سليمان الذي ضربه فى رأسه بمؤخرة مسدسه وكاد أن يضربه أكثر لكن أوقفه يد نور الصغيرة التى تشبثت بذراعه بأحكام وقالت:
--سُليمان
توقف متشنجًا وعينيه تحدق بوجه هذا الرجل وأنفاسه تخترق ضلوعه بقسوة تمزقها.
ثم ألتف إليها وحملها على ذراعيه ليعود بها إلى منزله.
نظرت إلى ملامح وجهه الملأ بالكدمات من هذا الشاب الذي تعارك معه ودموعه التى تلألأت فى جفنيه رغم صموده فألتزمت الصمت رغم أن الفضول يقتلها لمعرفة سبب إنكساره ودموعه.
أحترمت حزنه ووجعه المجهول حتى وصل إلى غرفتها ووضعها بالفراش وألتف لكي يغادر فتشبثت بذراعه وقالت:
--سُليمان
ألتف إليها مُنهكًا ونظر إلى يدها رغم تهديده لها بعدم لمسه لكنها لم تتوقف عن فعل ذلك.
صوتها الدافئ فى نطق اسمه وطريقتها فى لفظه جميلتين.
رفع نظره إلى وجهها الملاكي رغم أثر البكاء عليه فقال:
--أنتِ مبتسمعيش الكلام وعصيانك دا هيكلفك كتير يا دكتورة
مسك دقنها بقوة وجذبها بقسوة لتتألم من فعلته وعينيها تدمع من جحوده فقالت:
--سُليمان أنت بتوجعني
--القلم دا أنتِ هتدفعيه تمنه غالي أوى، أنتِ فتحتي على نفسه باب جهنم يا حضرة الدكتورة
دفعها بقوة للخلف لترتطم رأسها بالفراش ثم غادر فجهشت باكية بأنهيار.
دلف إلى غرفته بوجع يشبه الصخرة التى تكتم دقات قلبه وتحجب أنفاسه.
نظر إلى صورة ملك الموجودة فى محفظته وقال بتمتمة باكيًا:
--أنا مخونتكيش يا ملك، أنا مقدرش أخونك يا حبيبة قلبي
قاطعه صوت دقات الباب فأغلق المحفظة ومسح دموعه ثم فتح الباب ليراها تقف أمامه رغم بكاءها وتحمل عبلة الإسعافات الأولية فأستدار إلى الداخل لتدخل نور خلفه وجلست أمامه قائلة:
--مش هعمل دوش، أنا هعالج جروحك وأمشي على طول
ألتزم الصمت ولم يعارضها أو يمنعها كما كان من قبل فأعتبرت صمته موافقة.
فتحت علبة المطهر ومررت بقطنة بيضاء على جروحه وهذه الخدوش بلطف.
نظر لها عن قرب ولطفها فى مداوة الجروح كأنها كالنسيم الدافئ تطيب الروح قبل الجسد.
ما زالت ترتدي حجابها أمامه رغم أنه أصبح زوجها الآن لكن جاءته بهذا الحجاب.
وضعت لاصقة على جرحه الموجود فى جبينه بلطف وتنحنحت بحرج بعد أن أنهت مهمتها وقالت:
--أنا أسفة مكنش قصدي أضربك بس حقيقي أنت اللى أستفزتني وحسستنى أنى سلعة بتتباع وأنت بتراهن علي
نظر مُطولًا إليها بحيرة من أمرها وشعر بتوتر قلبه وضرباته من نظراتها الهائمة ليغادر الغرفة هو أولًا.
تفحصت الغرفة جيدًا وكان باب الدولاب مفتوح وشالها به.
أسرعت إلى هناك وسحبتها ؛ لتصدم عندما رأت الوردة به ومعها الورقة الحمراء لتقرأ ما بها ودُهشت أن الحب الذي تحدثت عنه الدجالة والخطر كان هو سليمان ففزعت بذعر ثم خرجت من الغرفة راكضة للأسفل.
وقفت منه أمام باب المدرج بقلق تنتظر ظهور صديقتها كما قال زين لكنها لم تأتي فقالت بتمتمة وجه عابس:
--رجل كذاب حقيقي صدق اللى قال متثقش فى وعود الرجال
ظهرت سيارته أخيرًا بعد طول أنتظر لتهرع إليها بحماس.
نظر زين إلى نور فى المرآة أولًا ليراها جالسة صامتة مهمومة وشاحبة من الحزن فقال بلطف:
--اتمنى زى ما أتفقنا متتكلميش فى حاجة مع حد عشان مصلحتك يا دكتورة
نظرت نور إليه فى المرآة وسألته بقلق متوترة:
--تفتكر سليمان هيساعدني
ألتف إليها برأسه ثم قال:
--تعرفي أنك أول واحدة تناديه بأسمه، حتى مراته الله يرحمها لحد ما كتب عليها كانت بتناديه بريس
أتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها وتساءلت عن زواجه فلم يخبرها أنه تزوج من قبل فقالت بدهشة:
--هو كان متجوز
--واللى شوفتيه أمبارح قتلها هي وابنها اللى في بطنها
قالها زين بنبرة حزينة فزادت صدمة نور أكثر وأدركت سبب دموعه أمس وكم الوجع الذي رأته فى عينيه فقالت بفضول:
--ليه؟
تبسم زين على منه التى وصلت إلي سيارته مُسرعة وقال مُتجاهل سؤالها عمدًا:
--صاحبتك وصلت يا دكتورة ومتنسيش اللى اتفقنا عليه
ترجل من السيارة أولًا ينظر إلى منه فنظرت إلى هذا الشاب ذو الشخصية المختلفة وتبسمت بحماس قائلة:
--فين نور؟ جبته
نظرة إلى خصلة شعرها التى هربت من أسر حجابها الأسود وتأمل جمالها جيدًا وهى تقف أمامه مُرتدية فستان أصفر به بعض الفراشات السوداء من الأسفل فوقه سترة سوداء جلدية وتلف حول عنقها وشاح من الصوف أصفر اللون.
كانت جميلة بقدر لا يصدقه عقل زين ولا تستوعبه عينيه وأنه يرى بشرية فأيقن بأنها مجرد حورية هبطت من السماء أمامه.
تحدث بجدية صارمة:
--خبي شعرك يا بت
رفعت يدها سريعًا إلى رأسها تخفي خصلة شعرها وقالت بعفوية:
--والله هى اللى طلعت …. أيه دا وأنت مالك أصلًا؟
تبسم على تلقائيتها التى تجيبه قبل لسانها السليط وفتح باب السيارة الخلفي لتترجل منه نور.
فعانقتها منه بحماس وأشتياق إلى صديقتها وقد أطمن قلبها وهدأ روعها برؤيتها سالمة.
غمز زين إلى منه بعينيه فتبسمت بعفوية بسمة مُشرقة وأبتعدت عن نور بخجل من نظرته وأخذت يدها فى يديها بأمان وقالت:
--وحشتيني يا نور عيني، عاملة أيه؟ تعالي نقعد فى أى مكان وتحكيلي
تنحنح زين بحرج كأنه يذكر نور بألا تتحدث عن شيء مع صديقتها فرمقته نور بأرتباك لتضربه منه بأغتياظ منه وقد فهمت تلمحيه فقالت بغيظ:
--أنت لئيم ومكار
أندهشت نور من علاقة منه بهذا الرجل وشعرت بخوف عليها من أن تعلق معه وهى لا تعرف عنه شيء.
أخذتها نور من يدها وقالت:
--تعالى يا منه
تبسمت منه وذهبت معها.
تابعهما زين بنظرته حتى دلفتا الأثنتين إلى المبني الخاص بكليتهما وصعد إلى سيارته ثم أنطلق بطريقه.
تحدثت منه بجدية قائلة:
--ونيللي مبطلتش سؤال عنك، أنا حاسة أن فى حاجة غلط خصوصًا أنها قالتلي أنها طردتك من البيت أيه اللى يخليها تدور عليكي تاني ، دا مفيش يوم مجتش المستشفي ولا الكلية عشان تشوفك
تنهدت نور بأختناق ثم قالت:
--هتكون عايزة ايه؟
نظرت منه إلى صديقتها بتردد ثم قالت:
--أيه بقي حكاية زين دا وظهر أمتي؟
تنهدت نور بتوتر من سؤال صديقتها ثم قالت بحيرة:
--مفيش زى ما نيللي قالتلك طردتني من البيت فروحت أشتغل ممرضة عند جدته أرعاها واخلي بالي منها هعيش منين يعنى يا منه
رفعت منه حاجبها بمكر وهى لا تُصدق هذا الحديث والكذب واضح على ملامح صديقتها البريئة.
عقدت ذراعيها أمام صدرها بقلق وقالت:
--والله ماشي، هعمل نفسي مصدقاكي يا نور
قاطعهما ظهور طالب معهم يقول:
--حمدالله على السلامة يا نور كنتِ غايبة ليه؟
نظرت نور إليه بتوتر ونظرات الإعجاب فى عينيه إليها كانت تسعدها أمس أم اليوم فلا حياة لهذا الإعجاب بعد أن تزوجت.
كان شاب فى سنهما نحيف وطويل لديه شعر أسود وزوج من العيون البنية الغامقة.
قالت نور برسمية وحدة:
--كنت تعبانة شوية يا مالك، عن أذنكم؟
وقفت منه بتعجب من تصرف صديقتها لطالما كنت تفضل البقاء مع مالك والآن هربت منه فقالت بحرج:
--معلش يا مالك عن أذنك؟
هرعت خلف نور وتناديها فقالت بهدوء:
--مالك يا نور؟ أنتِ زعلانة من مالك فى حاجة؟
أجابتها نور بلا مبالاة وهدوء:
--مفيش يا منه، أنا بس مضغوطة الفترة دي.
ألقي سليمان الصور فى وجه رجله الذي يقف أمامه وأحضر له صور نور فى الجامعة مع مالك وأستشاط غضبًا من تصرفها وكأنه شعر بإهانة لرجولته وكيف تكن زوجته وتسمح لرجل غيره يُحدثها.
أو ربما هذا الغضب نابع من غيرته التى ظهرت من قلبه الحائر بين ضلوعه.
تنهد بأختناق قائلًا:
--غور أنت من وشي دلوقت؟
فرك يديه ببعضهما من الغضب ويكز على أسنانه بقوة من الغيظ ثم وقف من مكانه بغضب سافر وهو لا يشعر بشيء سوى هذا الألم الذي يقتحم عقله ولم يقوِ على الأنتظار حتى تعود.
أنطلق إلى الخارج كالبركان الناري الذي أنفجر للتو.
خرجت نور من سكشن الجامعة بعد أن وصلت نيللي تسأل عليها فقالت بتذمر ووجه عابس:
--نعم، عايزة أيه؟
--كنت فين يا ست الحسن؟
قالتها نيللي ببرود سافر وأستنكار فتبسمت نور بضيق بعد أن فهمت نظرات نيللي الخبيثة مثلها وقالت:
--أنتِ فاكرني نيللي ولا أيه؟ وأنتِ مالك كنت فين؟ خلاص اللى كان يربطنا ببعض راح وأنتِ مش ولية أمر، عايزة أيه؟
تنهدت نيللي بضيق شديد ثم قالت بزمجرة رغمًا عنها مجبورة على التحدث:
--المحامي أتصل وقال أن البنك بلغه أن فى خزينة بأسمك ولازم تروحي معه تفتحيه
دُهشت نور من كلماتها فى بدء الأمر ثم ضحكت بخباثة وعقدت ذراعيها أمام صدرها بغيظ وقالت:
--دا اللى جابك، أنا برضو قولت أكيد ضميرك مصحيش فجأة كدة، وراكي مصيبة جاية عشان مصلحتك، وعشان أريحك المحامي بتاعك دا أنا مش هروح معاه فى حتة لأني مثقش فيه من هنا لخطوة واحدة قدام وأنا بقي مش عايزة الخزينة دى ، هو فى أيه أنا مش هخلص منك مرة عايزة تجوزينى بالعافية ودلوقت جاي تتلزقي فيه دا أيه …. أمشي يا نيللي ، أمشي ومتورنيش وشك تاني إحنا اللى بينا خلاص راح وأنتهي ومش صفحة وأتقفلت دا كتاب وأنا حرقتهم
مسكتها نيللي من ذراعها بقوة وقالت بتهديد واضح:
--أنا بقي عايزها أيه رأيك؟ وهتروحى هناك غصب عنك حتى لو حكم الأمر أنى أجرك زي الحمار لحد هنا
كسحبتها نيللي من ذراعها بقوة للخارج فرأتها منه وهرعت خلفها تناديها و نور تحدثها بقسوة قائلة:
--سيبنى أنا مش كلبة عندك، سيبنى ….. سليمان
كانت تصرخ بها بألم من معاملتها لها أمام الجميع والكل ينظر إليها حتي رأت سيارته السوداء الجيب تقف أمام المبني وخلفها سيارتين من الرجال وأمام سيارته سيارة سوداء أخرى وقد جاء إلي الجامعة بأبهي حالاته ورجاله يقفون لحارسته بوقار مُرتديًا قميص أسود وبنطلون أسود ويضع نظارة شمسية على عينيه.
تنظر إليه الفتيات بإعجاب بعد أن غلبها الشكل دون أن يدركون مدي بشعته وقسوته لكن رغم هذه البشاعة والقسوة إلا أنها حين رأته توقفت بثقة بأنه لن يترك هذه المرأة تأخذها بالقوة.
نظرت نيللي إليه بجدية بعد أن لفظت نور اسمه.
أستشاط غضبًا من هذه المرأة التى تسحب زوجته بهذه الطريقة أمام الجميع.
أقترب منها بصمت والفتيات يتهامسون على وسامته حتى وصل أمامها لينزع يد نيللي عنها وأخذها إلي جانبه بقوة.
تحدثت نيللي بجدية وعقلها قد صور لها الكثير من القذرة:
--ودا مين إن شاء الله؟ مش قولتلك يا منه هتلاقي صاحبتك فى شقة طلعتش بكدب
تقدم سليمان خطوة منها أرعبتها بعد أن نزع نظارته عن عينيه وقال بجدية:
--أحمدي ربنا أنك ست وفى مكان عام، لأن لولا المكان اللى أنا فيه كنت دفنتك حية على الكلمة دى لأن مراتي أشرف من امثالك
أتسعت عيني منه وهكذا نيللي من ذكره لزواجهم فنظرت نور إليه بحرج مما فعله وهو أول من حذرها من نطق كلمة واحدة عن زواجهما.
أخذها إلى السيارة بعد أن ترك رسالة واحدة إلى نيللي قائلًا:
--هنتقابل قريب
فتح أحد الرجال باب السيارة الخلفي لها لتصعد بها وهكذا بابه.
صعد بجوارها لينطلق السائق به فى موكبه مع رجاله.
تأففت نور بضيق وقالت:
--أنت كل حاجة على مزاجك؟ أنت مش قولت مجبش سيرة الجوازة المنيلة دى
أجابها وهو ينظر فى هاتفه بلا مبالاة قائلًا:
--أنا حر ولا منتظرة أخد الأذن من جنابك
تأففت بضيق منه ونظرت إلى النافذة.
فتحت النافذة بخنق كأنها لا تقوي على ألتقاط أنفاسها بمكان يتواجد به هذا الرجل.
نظر الرجل الجالس بجوار السائق رافضًا أن تفتح النافذة وقبل أن يعترض أشار إليه سليمان بأن يتركها.
وضعت ذراعها خارج النافذة وفوقه رأسها تتكأ عليه بتعب وتفكر فى حديث نيللي عن البنك وماذا فعل والدها بالخزينة؟
قتلها الفضول لمعرفة ذلك ورغمًا عنها تساقطت دموعها وبدأت شهقاتها تعلو فرفع سليمان نظره عن الهاتف وأدار رأسه إليها ليرآها تبكي بقهرة وألم فأغلق الهاتف بأختناق ونظر بضيق من نافذته وصدره لا يتحمل رؤية عبوسها ووجعها بهذا القدر.
أطال الطريق حتى وصلت لهذا المكان المهجور الذي يعيش به بعيدًا عن البشر.
أوقف السائق السيارة ليترجل سليمان أولاً وتقدم إلى المنزل لكن أوقفه صوت السائق يقول:
--يا ريس
ألتف سليمان إليه ليشير السائق عليها وهى نائمة على النافذة ولا يجرأ أحد على الأقتراب منها خوفًا منه.
تنهد سليمان بهدوء وأقترب من السيارة وفتح الباب بضيق لكن سرعان ما توقف عن ضيقه حين سقط جسدها بين ذراعيه مع فتح الباب فتشبث بها جيدًا وحملها على ذراعيه بضيق ثم دلف إلى غرفتها وخلفه سميرة ليقول:
--خليكي معاها يا سميرة
--أنا عايزة أقولك على حاجة من غير ما تتعصب عليا
قالتها سميرة بهدوء لينظر إليها ثم قال بحدة:
--يبقي هتقولي حاجة تعصب، خير؟!
نظرت إلى وجه نور النائمة وقالت:
--البنت دى غلبانة أوى يا سليمان وطيبة، نقية وبريئة مالهاش فى أى حاجة فى خيالك، طول الليل بتعيط وبتدعي فى صلاتها صدقني مستحيل حد يكون قريب من ربنا ويكون زى ما أنت مُتخيل، الصبح ماكنتش قادرة تدوس على رجلها وأصرت تروح الجامعة عشان خافت تقعد وأنت ترفض توديها تاني ، حرام القسوة اللى بتعاملها بيها دى يا سليمان
نظر سليمان إلى نور وأقترب منها ينزع حذاءها الأبيض ونظر على جرحها المتلهب فقال بهدوء:
--عالجيها يا سميرة وأدينى بقولك خلي بالك منها، وغير كدة مالهاش عندي ومتفكريش تطلبي مني أى حاجة تاني ليها.
أتعلمي مرة متتدخليش فى اللى ميخصكيش
تنهدت بهدوء من إصراره وعناده على رأيه.
خرج من الغرفة ليرى زين يدخل من الباب فقال بأهتمام:
--عملت أيه؟
--زى ما توقعت مرات أبوها متفقة مع المحامي وقبل وفأة أبوها كان بيدور وراء المحامي وعمل خناقة كبيرة معاها ومع المحامي وهددها أنه هيفضحهم بس طبعا ملحقش عملوا عملتهم
قالها زين بثقة بعد أن تحري عن الأمر بنفسه.
تحدث سليمان بجدية شاردًا:
--كنت واثق وأتأكدت أكثر لما شوفت اللى أسمها نيللي دى النهاردة، ست مش تمام وخبيثة
رفع زين حاجبه بأندهاش ثم سأل بفضول:
--لحظة لحظة، أنت شوفت نيللي النهاردة فين؟
تقدم سليمان إلى غرفة المكتب مع حديثه مع زين:
--روحت أجيب نور من الجامعة وشوفتها ست زبالة
أندهش زين أكثر مع حديث صديقه الذي تخلى عن كبريائه وذهب ليحضر زوجته هذه الفتاة الذي ينفر من وجودها من الجامعة بنفسه.
تحدث زين بمرح يثير غضب صديقه:
--الله الله روحت بنفسك يا سليمان بيه تجيب مراتك من الجامعة أيه هو الحب ولع فى الذرة ووحشتك بسرعة كدة
ألتف سليمان له لينتبه زين لما قاله وقال بحرج متعجلًا:
--أسف مقصدتش بهزر معاك يمكن تضحك
جلس سليمان على المقعد خلف مكتبه وقال:
--أنا بحب ملك يا زين ومش هحب غيرها ومفيش ست هتقدر تأخد مكانها فى حياتي
تبسم زين بخباثة من صديقه الذي لا يدرك أنه قد سقط فى الفخ والهوي غلبه أمام جمال نور كبقية رجاله، وقد أعترف بذلك بنفسه فى شجاره مع رجله أمس حين حدثه.
تحدث سليمان بجدية ثم قال:
--خلينا فى المهم أنا قررت أنتقم يا زين، بليل هتكون نهاية كرم الهواري، طول الليل وانا بفكر فى جراءته اللى جابته لحد عندي وأنه عرف بموضوع جوازي اللى محدش لحق يعرف عنه حاجة وأتاكدت أن فى خاين بينا يا زين، الرجالة اللى لحم كتافهم من خيري فيهم خاين ولازم أعرفه فركز كدة وأديني ودانك.
أندهش زين من إعلان صديقه الحرب بنفسه هذه المرة وبدلًا من أن يكون مدافع سيكون مهاجم فى هذه الحرب التى نشبت نيرانها وستحرق الجميع.
رواية انذار بالحب الفصل السابع 7 - بقلم نور زيزو
خرجت “نور” من غرفتها ودلفت إلى المطبخ.
صنعت كوبايين من القهوة الفرنسية، ثم خرجت لتقابلها “سميرة”.
فسألتها “نور” بحرج:
-- هو سُليمان فين؟
نظرت “سميرة” إلى القهوة بدهشة. أصابتها ألم، ألم تكره هذه الفتاة ذلك الثور الهائج؟
قالت بلطف:
-- في البلكونة فوق.
مرت “نور” من جوارها لتصعد الدرج. فأوقفتها “سميرة” قائلة:
-- لو القهوة التانية لسُليمان، فهو مبشربش القهوة غير من أيده، لازم يعملها لنفسه.
تبسمت “نور” بلطف محرجة. ثم نظرت إلى القهوة وأومأت إليها بنعم وصعدت دون أن تجيب.
كان جالسًا على الأرض في الشرفة ويمدد قدمه أمامه على الأرض المفروشة بالعشب الأخضر الصناعي، ينظر إلى القمر.
ليقاطعه كوب من القهوة أمام نظره. دُهش ونظر ليرى “نور” تقف جانبه وتقدم له القهوة. فتجاهلها تمامًا.
تنحنحت بحرج ثم جلست جواره. فنظر إليها مُجددًا من جلوسها جواره. ومددت قدميها مثله وهندمت فستانها الطويل تخفي قدميها عن أنظاره وحجابها يخفي شعرها عن عينيه.
قالت بدفء:
-- أنا عملتها مضبوطة، خدت بالي أنك بتشربها في كوباية أزاز.
قدمت القهوة مرة تانية إليه. فنظر إليها ببرود قاتل.
لتقول:
-- أعتبرها تمن طلب هطلبه منك لو ينفع يعني؟
نظر للقهوة من جديد. وهذه الفتاة لا تملك مال لتطلب منه خدمة كبقية العملاء، لكنها تحاول الدفع بأي طريقة.
أخذ القهوة ووضعها جانبًا ليقول:
-- عايزة أيه؟
تنحنحت بحرج وقالت دون أن تنظر إليه:
-- ممكن تطفي السيجارة الأول، رايحتهم وحشة جدًا وبتخنقني.
نيدهس السيجارة في الأرض ببرود مُتمتمًا بزمجرة:
-- جاية تتحكم فيا في بيتي، عايزة أيه؟
تبسمت “نور” بعفوية على كلمته ثم قالت بحرج:
-- أنا أسفة مش قصدى طبعًا.
تنهد بهدوء ونظر إلى بسمتها بهيام. فخجلت منه.
ثم قالت بجدية بعد أن طأطأت رأسها للأسفل خجلًا منه:
-- أنا عايزة أروح البنك، نيللي قالتلي أن لازم أروح مع عامر المحامى. وبصراحة دا راجل يتخاف منه ومن ذمته. ممكن تبعت معايا حد أو تشوفلي محامى وأنا هشتغل والله وهدفعلك اللى هتدفعله.
أستمع لحديثها حتى أنهت كلماتها. ونظر إلى وجهها ثم قال بجدية:
-- واحدة لسه بتدرس هتشتغل أيه؟
تنحنحت “نور” بحرج ورفعت رأسها للأعلي. لتتقابل عيونهما معًا في نظرة حزينة منه.
لتقول بلهجة واهنة:
-- أنت وعدتني أتجوزك وتجبلي حق بابا دا من ضمن الوعد وحقه.
ضحك “سُليمان” عليها بعفوية ثم قال بلطف:
-- أنتِ بتشغلى دماغك عليا يا دكتورة ولا أيه؟ أنا وعدتك أجبلك اللى قتل أبوكي مش أدور في الورث ووراء مرات أبوكي.
صمتت “نور” بحرج من كلماته وشعرت بأنها تثقل كاهله بطلباتها الكثيرة.
فقالت بحزن:
-- أنا أسفة تقلت عليك.
وقفت لكي تغادر من جواره. فأرتشف القليل من القهوة وقال بجدية وعينيه ترمق القهوة:
-- دي تعتبر أغلى كوباية قهوة شربتها، تمنها خدمة بقدمها ب50 ألف للناس.
نظرت إليه بحماس وتلاشي الحزن من وجهها. وخصيصًا أنه أرتشف القهوة رغم أن “سميرة” أخبرتها أن قهوته يصنعها بنفسه ولم يسمح لأحد بصنع القهوة له.
غادرت مُبتسمة. لينظر “سُليمان” إلى القهوة وقال:
-- أنا بشربها سادة.
تذمرت “منه” من صديقتها في الهاتف وقالت:
-- جوزك يا نور، أمتى وازاى وحصل فين؟ شوفتيه أمتى ولا دخل حياتك أمتى عشان ينتهي الموضوع بالجواز؟
تنهدت “نور” بضيق وهى لا تملك جواب على صديقها. كيف ستخبرها أنها تزوجت رجل لا تعرف عنه شيء مقابل الحصول على قاتل والدها فقط؟
لا تملك الجرأة لتجبرها أنها بمثابة باعت نفسه إليها لأجل روح والدها.
فقالت بهدوء:
-- متضغطيش عليا يا منه، أنا مبحبش أكدب عليكي. لما يجي الوقت المناسب هحكيلك كل حاجة.
أومأت “منه” إليها بنعم وقالت بلطف:
-- ماشي يا نور مش هضغط عليكي وهخليكي على راحتك. بس بالله عليك تخلي بالك من نفسك.
أومأت إليه بنعم. وتوقفت “نور” عن الحديث حينما سمعت صوت سيارات كثير وضجة بالخارج.
نظرت من النافذة لترى الرجال يصعدون بالسيارات و”سُليمان” يراقبهما عن كثب مع “زين”.
فخرجت من الغرفة ببيجامتها وشعرها المنسدل تضع عليه حجابها بتعجل بعد أن أغلقت الهاتف مع صديقتها.
لتراه جاء إلي “سميرة” ويحدثها بجدية:
-- أوعي تفتحي الباب لحد يا سميرة. وفي رجالة برا. لو حسيتى بأى حركة أو قلق رني عليهم بس.
أومأت إليه بنعم وقالت بقلق:
-- خلي بالك من نفسك أنت وزين يا سُليمان، ربنا يردكم ليا بخير.
رآها تقترب منهما فقال بحذر:
-- متغبش عن نظرك لحظة يا سميرة، إياك ترفعي عينيك عنها.
أدركت “سميرة” تهديده وعلمت أنه خائف من أن يغدر “كرم” به من جديد ويأذي زوجته فى غيابه.
حتى وأن كان يكرهها ولم يعاملها كزوجة، لكنها ما زالت رغمًا عنه تحمل أسمه.
فقالت “نور” بقلق:
-- هو في أيه؟
غادر “سُليمان” دون أن يُجيبها. لتقول “سميرة” بقلق:
-- ربنا يستر ويعدي الليلة دى على خير، يارب ما تورينى أذي فيهم.
شعرت “نور” بالخوف من توتر “سميرة” وقلقها الذي ظهر في أرتجاف يديها المُتشابكتين.
فهَرعت إلى الخارج بقلق تناديه:
-- سُليمان.
أستدار إليها بدهشة من خروجها. وفور خروجها بملابسها ألتف الجميع بخوف مُتحاشيين النظر إليها.
نظر إلى رجاله وتقدم نحوها يقابلها في منتصف المسافة وقال بغيظ:
-- أيه اللى خرجك؟
نظرت إليه بقلق وقالت بتوتر:
-- أنت رايح فين؟
تعجب من سؤالها وقال بحدة وهو يكز على أسنانه:
-- أنا مبحبش السؤال دا، وأوعي تدي لنفسك مساحة في حياتي أنا مدتهالكيش يا دكتورة، أدخلي.
شعرت بحرج من كلماته وقالت بحذر:
-- ماشي مش هدي لنفسي مساحة في حياتك. بس ممكن مترجعليش متصابش لأني مش هعالجك لا أنت ولا رجالتك.
عادت إلى الداخل غاضبة منه وتضرب الأرض بقدميها. ليصعد إلى السيارة وقال بتهديد واضح إلى رجاله الواقفين أمام المنزل:
-- إياك حد يقرب منهم فاهم.
أومأ إليه بنعم لينطلق بسيارته أولًا وخلفه الجميع.
حتى وصل إلى قرب الميناء ورأي بنفسه السيارات التي تحمل شُحنات البضائع الخاصة بـ “كرم”.
فأشار إلي رجاله بالتحرك ليقتحموا الطريق. وبعد مشاحنات مع السائق أستولوا على البضائع.
صعد “سُليمان” في السيارة وتابع طريقها إلى المكان المحدد.
وقف “كرم” ينتظر وصول السيارات مع رجاله في أحد المخازن وتبسم بأشراق فور وصول السيارات سالمة ومرورها من رجال الجمارك.
سرعان ما تلاشت بسمته حين رأي “سُليمان” يترجل من سيارته ورجاله يقتحموا المكان.
تبسم وقال:
-- مفاجأة، يارب تكون مفاجأتي أحلي من مفاجأتك، أنا قُلت مدخلش عليك بأيدي فاضية.
كز “كرم” على أسنانه بغيظ ونظر إلى رجال “سُليمان” الذين أحتلون المكان وأحاطوا بالسيارات.
فقال:
-- أنت مش قد اللى بتعمله دا يا سُليمان؟
ضحك “سُليمان” بمكر ومسدسه يحك رأسه ثم قال:
-- لو مكنتش قده مكنتش عملته، أنت بس اللى قلبك خف مع سنك يا كرم وعقلك صورلك أنك تقدر تكون خصمي في اللعبة دي.
بدأ الرجال بالحرب المُعلنة بينهما والجروح تمزق الجميع.
بينما ركض “سُليمان” خلف “كرم” الذي تحامي في رجاله بغضب ناري وألم فراق زوجته يمزقه بهذه اللحظة.
دلف “كرم” إلى غرفة المكتب وأغلق الباب. ليكسره “سُليمان” بجحوده وقال:
-- أنا وعدتك أن ثمن موت مراتي روحك وجه الوقت اللى أخد روحك فيه.
سحب “كرم” خنجره بأستسلام للمواجهة ثم قال:
-- أنت لسه مصدق نفسك، يبقي يا قاتل يا مقتول بس خد بالك ملك متستاهلش اللى بتعمله عشانها دي واحدة بنت…
تبسم “سُليمان” بغضب سافر وقال بتهديد:
-- أنا قرأت الفاتحة عليك وخد عزاءك في الطريق يا كرم.
بدأت المواجهة بينهما وكلا منهما يجرح الأخر بسكينه.
دفعه “كرم” في المكتبة لينكسر الزجاج ويخترق ظهره بغزارة.
فتبسم “كرم” عليه وقال:
-- شوفت مين اللى عجز، عيبك أنك مبتتعلمش يا سُليمان خسرت مراتك زمان بسبب غباءك وهتخسر التانية دلوقت بسبب غباءك برضو، دا أن مكنتش خسرتها فعلًا.
لم يستوعب عقله أن الماضي سيعيد نفسه من جديد وتُقتل “نور” كما قُتلت “ملك” بسببه.
أسرع نحوه بسكينه وبعد عراك طويل وبسرعة البرق نحر “سُليمان” رقبته.
وأمامه مشهد “ملك” والسيارة تدهسها عمدًا.
ليتنفس الصعداء بأريحية وخرج ركضًا يصعد إلى سيارته وترك رجاله يحرقون المكان بالمتفجرات التي وضعها في السيارات.
أنطلق بسيارته كالمجنون وهو يرن على رجاله الموجودين في المنزل.
كانت “نور” جالسة على الأريكة أمام “سميرة” بالأمر منه. تنظر في هاتفها بملل.
فقالت بأختناق:
-- أنا زهقت والفجر أذن، أنا هقوم أعمل شاي بلبن أعملك معايا.
وقفت “سميرة” بقلق ثم قالت:
-- لا، تعالي.
تأففت “نور” من مراقبتها الزائدة ودلفت للمطبخ معها لتصنع مشروبها الساخن.
فرأوا أحد يمر من أمام نافذة المطبخ. فسحبتها “سميرة” نحوها بخوف وألتفت لكي تخرج وتتصل برجالها.
لكن أوقفها صوت طلقات نارية بالخارج.
لترتعب خوفًا وقالت:
-- أنا قلبي كان حاسس أن الليلة المنيلة دى مش هتعدي على خير أبدًا، تعالي يا بنتي.
أخذتها للخارج وسحبت الهاتف من فوق الطاولة.
لتري “سُليمان” يتصل فأجابت عليه مُسرعة وهى تقول:
-- أنت فين يا سُليمان؟ فى ضرب نار برا أنا قولتلك بلاش مسمعتش كلامي.
سمع كلماتها فقال بقلق على طبيبته الجميلة التي سرقت روحه منه. وللحظة شعر بأنه مُرتعب خوفًا من فقدها أو خسارتها:
-- نور فين؟
ضغطت على يدها بأحكام وقالت بقلق:
-- معايا في أيدي، متتأخرش يا سُليمان.
-- أطلعي أوضتي يا سميرة و…….
قاطع حديثه حين سمع صرخت “سميرة” وصوت تكسير الباب.
فتحدث بخوف:
-- سميرة.
سمع صوت “نور” تصرخ بنبرة مُرعبة تستنجد به قائلة:
-- سُليمان.
أغمض عينيه بغضب سافر وعادت ذكرياته لنفس الليلة التي فقد بها “ملك”.
وزاد من سرعة السيارة أكثر ليتخطي جميع السيارات.
وصل للمنزل ووجد رجاله جثث هامدة أمام المنزل والباب مفتوح على مصراعيه.
دلف بذعر خائفٍ ليرى “سميرة” على الأرض غارقة في بركة دمائها.
فأسرع إليها ليراها تلفظ أنفاسها بصعوبة وقال:
-- سميرة.
تنفست بصعوبة وقالت:
-- ألحق نور يا سُليمان، الحقها.
أشارت إليه على الباب الخلفي ليركض مُسرعًا للخارج.
فرآها بعيدة جدًا تهرب من رجلين خلفها وكادت أن تصل إلى مخبأ رجاله.
فركض مُسرعًا خلفهم.
وصلت “نور” إلى مكتبه وأختبأت بداخله وهى تبكي بذعر وألم.
وتمتم بأرتجاف:
-- سُليمان، تعالي يلا….
تنفست بصعوبة حتى سحبها أحد من شعرها بقوة لتصرخ بألم وهى تقول:
-- اااااه أبعد عني.
أخرجها الرجل من أسفل المكتب. وسحبها من شعرها للخارج.
وكاد أن يخرج من المكتب لكن فتح الباب بقوة وسقط أرضًا.
رأت “سُليمان” أمامها ليسحبها من يدها للخارج وبيده الأخري المسدس.
بدأت معركته مع هذان الرجلان.
فسمعت “نور” صوت إطلاق النار.
وقليلًا فُتح الباب وخرج “سُليمان” مُنهكًا بنفس اللحظة التي وصل بها رجاله مع “زين”.
ركضت إليه مُسرعة وأرتطمت بصدره بقوة تختبي في عناقه.
ليتشبث بها بقوة وهو يتذكر كيف سقط بين ذراعيها في أول لقاء على وشك الموت.
تنهد بأريحية وهو يهمهم قائلًا:
-- أنتِ كويسة؟
أومأت إليه بنعم ويديها تحيط بخصره بأحكام شديد.
نظر “زين” إليه وتنهد بهدوء.
ليقاطع هذا الهدوء صوت إطلاق النار.
فانتفض الجميع ونظرت “نور” إلي “سُليمان” بألم.
ليقول بصدمة ألجمته بعد أن شعر بدمائها الدافئة تسيل على يديه:
-- نور.
لفظت نفسها الأخيرة بصعوبة ويدها تلمس لحيته بألم.
هتفت بصوت مكبوح:
-- أول مرة تنادينى بأسمي يا سُليمان وشكلها الأخيرة.
هز رأسه بالرفض. خائفًا من فقدها ودماءها الساخنة تبلل يده وتنتفض بين ذراعيه من الألم وصعوبة التنفس.
فقال:
-- لا…. لا مستحيل.
تبسمت رغم ألمها ويدها تسقط عن وجنته ببطيء حتى غابت عن الوعي كليًا وسقطت من بين يديه أرضًا.
رواية انذار بالحب الفصل الثامن 8 - بقلم نور زيزو
وقف أمام غرفة العمليات ينتظر خروج الطبيب ويديه غارقة بدمائها وقميصه الملوث بالدماء.
تنهد "زين" بقلق ثم ربت على كتفه بلطف وقال:
-- قوم خلي الدكتور يشوفك يا سليمان.
تمتم "سليمان" بنبرة خافتة تكاد تخرج من أحباله الصوتية من هول الصدمة:
-- أنا مش هتحرك من هنا غير لما أطمن عليه.
تأفف "زين" بحيرة ثم ذهب وحده.
نظر "سليمان" إلى يديه وهو يديرها متفحصًا، وعقله عالقًا هناك باللحظة التي تلقت فيها رصاصة، كأنها انتقام من أعدائه بها. رغم سعادته بأخذ ثأر "ملك"، لكن الآن أصبح لديه ثأر جديد مع القدر الذي يكرر نفسه ويسلبه الراحة والأمان، كأنه خُلق ليتألم فقط ويسرق منه كل نساءه، سواء كانت أخته أو "ملك" أو "نور". دفء جسدها بين ذراعيه حين هزمتها تلك الرصاصة جعل جسده يقشعر من الارتباك والتوتر. عندما هرعت إليه مهرولة من الخوف وتشبثت به، انتفض قلبه رعبًا.
فتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب ومعه "سميرة". فهرع إليها وقال:
-- طمني يا دكتور.
-- الحمد لله خرجنا الرصاصة، هنحطها تحت الملاحظة ولو مر 24 ساعة اللي جايين على خير يبقى نطمن.
رفع نظره عن "سميرة" ثم سأل بقلق:
-- ونور مراتي اللي كانت معاه؟
تنهد الطبيب بأسف ثم قال بهدوء:
-- ادعيلها... عن إذنك.
أخذ الممرض "سميرة" إلى غرفتها بعد أن دلف الطبيب من جديد إلى غرفة العمليات، مما أثار قلق "سليمان" أكثر. جلس على المقعد الحديدي أمام الباب في الرواق ينتظر خروجها وأغمض عينيه حتى غلبه النوم من طول الانتظار. ولأول مرة يرى "ملك" في منامه منذ أن توفيت، وكانت تبتسم لكنها تركض بعيدًا عنه، ومهما ركض لم يلحق بها حتى اختفت تمامًا عن ناظريه.
فتح عينيه عندما أيقظه "زين" وقال:
-- اشرب القهوة دي طيب.
أخذ كوب القهوة ونظر إليه مطولًا وتذكر القهوة التي قدمتها "نور" له قبل أن يرحل، فوضع القهوة جانبًا لم يقو على أخذ رشفة واحدة منها.
فتح باب الغرفة بعد مرور ساعتين وخرجت "نور" هذه المرة، وكان أنبوب الأكسجين يحيط بأنفها وفمها. فهرع إليها ومعه "زين" ليقول:
-- طمني يا دكتور.
-- الحمد لله طلعنا الرصاصة بصعوبة لأنها كانت قريبة من العمود الفقري وأي غلطة ممكن تعملها شلل، إن شاء الله تفوق ونطمن أكتر.
نظر "سليمان" إليها وشعرها مبعثرًا حولها وطاقية طبية لا تخفيه كاملًا. أخذوها إلى غرفتها مع "سميرة". سار "سليمان" خلفها مع "زين" لكن أشار أحد الرجال إلى "زين" خلسًا.
دلف "سليمان" إلى الغرفة معها فسأل "زين" بهدوء:
-- في إيه؟
أعطاه الرجل بتوتر هاتف ثم قال:
-- وإحنا بنقلب مكتب كرم وشقته لاقينا ده في الخزانة بتاعته.
نظر "زين" إلى الهاتف بحيرة وقتله الفضول لمعرفة ما به، فقال بجدية:
-- الموضوع مهم يعني عشان نتكلم فيه هنا؟ شايف ده وقته.
تنهد الرجل بحرج مما سيقوله ثم قال بثقة:
-- الموضوع مهم جدًا يخص ملك.
تعجب "زين" نطق هذا الرجل لاسم "ملك" دون ألقاب بلا خوف من رئيسه. ففتح الهاتف وأعطاه إلى "زين" ليُصدم مما رآه وعقله لا يستوعب ما يراه أو يسمعه. هز رأسه مرات عدة من هول الصدمة، ربما يفوق من هذا الواقع الخبيث.
خرج "سليمان" متعجبًا تأخر "زين" وقال:
-- في إيه؟ إيه اللي جابك هنا؟
أخفى "زين" الهاتف وراء ظهره مما لفت أنظار "سليمان" وخصوصًا ربكة صديقه، فقال بحذر ونبرة حادة كالسكين:
-- في إيه؟ خبيت إيه؟
تنحنح "زين" بقلق فتقدم "سليمان" بغضب، وهو الآن لن يقبل بأي شيء آخر وسحب الهاتف من يد "زين" الذي وضع يده على عينيه بخوف. اتسعت عيني "سليمان" على مصراعيها حين رأى "ملك" زوجته وحبيبته التي سرقت قلبه، ولأجلها هدم كيان "كرم" وبسببها "سميرة" و"نور" الآن عالقة أرواحهم بين الحياة والموت، جالسة مع "كرم" وتتفق معه على "سليمان"، وأنها مجرد خديعة وفخ صنعه "كرم" له وقد وقع فيه.
سمع صوتها تقول:
-- موافقة بس خلي بالك ده سليمان الصياد مش زي اللي قبله وهتضحك عليا بشوية قروش، أنا هتجوزه وهتتحسب عليا جوازة يعني أقل من مليون مش لاعبة معاك.
أجابها "كرم" بجدية موافقًا على طلبها:
-- ماشي يا ملك مليون بشرط كل تحركاته تكون عندي.
تبسمت بخباثة وقالت بمكر أكثر:
-- لا يا عيني المليون ده عشان أوقعه في حبي وأتجوزه، لكن أخباره كل خبر بتمنه ولو مش عاجبك شوفلك غيري، ده لو لقيت واحدة عاقلة هتقبل أنها تقرب من سليمان الصياد بعد ما تعرف هو مين، ده لو شم خبر أني من طرفك ولا عرف حقيقتي هيقتلني ده إن مدفنّيش حية.
لم يكمل "سليمان" التسجيل وقذف الهاتف بعيدًا بغضب ناري، وهذه النيران حرقت قلبه كاملًا. لم يتحمل فكرة أنه مجرد دُمية لعبت بها مع هذا الخبيث. شعر وكأن حبه تبخر في الهواء الآن وتحول لرماد وكره.
ارتعب "زين" والرجل من نظراته وأنفاسه التي علت تشق ضلوعه بعد أن انشقت رئتيه في خروجها. خرجت الممرضة من الغرفة بهلع وهي تنادي على الطبيب، فألتف إلى الغرفة ودلف مع "زين" ليرى الأجهزة المتصلة بجسد "نور" تطلق صافرتها. فأبتلع لعابه بخوف والآن غضبه يزداد أكثر من "ملك" وسببها هذه الفتاة تصارع الموت على فراش المرض.
دلف الطبيب إلى الغرفة بسرعة وأخرجته الممرضة مع "زين" للخارج. ظل ينظر من النافذة عليها والطبيب يصعق صدرها بالكهرباء ينعش قلبها الصغير. أغلق قبضته على الزجاج الحاجز بينهما وبداخله بركان نيران. فربت "زين" على ظهره بلطف وقال:
-- هتقوم لك بالسلامة يا سليمان.
التف "سليمان" إليه بنظرة نارية ثاقبة فتنحنح "زين" بحرج وخوف منه ثم قال:
-- قصدي سميرة طبعًا.
عاد بنظره إلى "نور" هذه الفتاة الصغيرة بعد أن أوقعها القدر في طريقه الوعر بظلمته ووحشته. فقال "سليمان" بتمتمة:
-- متثقش في حد يا زين.
تبسم "زين" بلطف ونظر إلى "نور" ثم قال:
-- لا أنا واثق في نور، ملك هي اللي اقتحمت حياتك وفرضت نفسها عليك، لكن نور من يوم ما جت وهي بتحاول تهرب منك يا سليمان. هي معاك بتهديد السلاح من الخوف، وده كفيل إني أثق بها، وأنت حر تثق أو متثقش، ده قرار يرجع لك.
غادر "زين" المكان تاركًا صديقه يفكر بعقله ومنطقه الدقيق فيما حدث وما سيحدث معه. ولأول مرة هذا الرجل يقف على سجادة الصلاة وبدأ يصلي ويدعو كثيرًا لأجل "نور"، هذه الفتاة التي سببها الآن هو يقف أمام الله ويبكي مما أدهشه هذه الدموع التي نزلت من جفنيه لأجل أنثى.
فتحت "سميرة" عينيها فجرًا لتنظر حولها من التعب، فرأت "نور" جوارها والأجهزة الطبية تحيط بها، فذعرت بخوف وحاولت الوقوف رغم جرح خصرها تناديها بقلق:
-- نور.
أستدار "سليمان" الواقف أمام الشرفة مع صوتها وذهب إليها وقال:
-- انتِ رايحة فين؟ ارتاحي لحد ما أشوف لك الدكتور.
عيناها لم تفارق هذه الفتاة فقالت بحزن وتأنيب ضمير:
-- عملوه فيها إيه؟ حرام عليك يا سليمان أنت السبب... أنت السبب في كل حاجة؟ ذنبها إيه المسكينة دي.
تنهد بهدوء بعد أن سمع كلماتها وضميره يمزقه بالفعل على ما حدث لها وما آلت إليه الأمور فقال:
-- أنا ما كنتش أعرف أن كل ده هيحصل يا سميرة.
جاء الطبيب ليفحص "سميرة" جيدًا فسألته بقلق على هذه الطفلة ليقول:
-- ادعيلها... عن أذنكم.
-- ممكن أفهم انتِ زعلانة من اللي خلفوني أنا ليه؟
قالها "زين" بضيق وهو جالسًا على الرصيف في الجامعة بجوار "منه" فقالت بضيق ووجه عابس:
-- عشان كذاب، ده سبب كافي، وكذبت عليا ومقولتليش إن نور متجوزة قريبك ده.
تنهد "زين" باختناق وقلة حيلة من هذه الفتاة ثم قال:
-- يا بنت الناس أنا مالي أمي تتجوز ولا تتطلق هي من بقية أهلي.
ألتفت تنظر إليه بانفعال وعبوس صارخة بوجهه:
-- بس صاحبتي وأنا سألتك عليها يبقي متكذبش عليا.
نظر "زين" لوجهها الغاضب وانفعالها الزائد فتبسم بعفوية على جمال غضبها وقال:
-- يا ستي مكذبتش، ما تهدي بقى، أنتِ عايزة تتخانقي معايا وخلاص؟ كتك القرف بت نكدية صحيح.
ضربته "منه" على ذراعه بقوة متذمرة على كلماته وتقول بغضب:
-- حسن أسلوبك الدبش ده معايا يا أما متتورنيش خلقتك دي تاني، كتك القرف.
وضع يده على ذراعه من ضربتها وقال بعبوس:
-- أنا إيدي تقيلة أمال أنتِ إيه جاموسة، دي مش إيد دكتورة دي إيد راجل ملاكمة.
رفعت يدها لتضربه من جديد لكنها توقفت قبل أن تفرغ غضبها به فقالت بهدوء:
-- أنا مش همسك نفسي أكتر من كده على فكرة ها، وبعدين أنت جاي ليه من غير نور ها، هي مجتش الجامعة النهاردة ليه ولا جوزها منعها إن شاء الله...
تنهد بارتباك وقلق من الحقيقة وهو يخفي عنها ما أصاب صديقتها وقال:
-- الواحدة لازم تكون مطيعة لجوزها.
رفعت "منه" حاجبها بقلق من توتره وعقدت ذراعيها أمام صدرها ثم قالت بجدية:
-- والله!!!
أقترب قليلًا منها ببسمة خبيثة وقال:
-- إيه أنتِ مش ناوية تسمعي كلام جوزك ولا إيه؟
ضربته على يده بأغتياظ ثم وقفت من جواره وهي تقول:
-- قوم أمشي أنا مش فاضية لك.
هرعت من أمامه بخجل ليبتسم على خجلها وذهب إلى سيارته كي يرحل وهو يشعر بإعجاب بدأ ينشب نيرانه بداخله لأجل هذه الفتاة وشعور السعادة الذي يتملكه حين يراها أو يسمع صوتها يزداد يوميًا وكل مرة عن السابقة.
جلس "سليمان" أمام الطبيب يفحص جروحه ويغير الضمادات عن ظهره التي بدأت تشفى كليًا، ورغم مرور أسبوع تقريبًا ما زالت "نور" فاقدة للوعي. تنهد بهدوء من الحزن الذي خيم على قلبه كأنه فقد جزءًا من روحه بغيابها. يشعر كأن الغربة تمزقه بدونها، ولأول مرة يجتاحه الشعور بأن وطنه الذي لطالما بحث عنه في الحياة جاءه بفتاة، قد عثر على وطنه الذي سينتشله من غربته وقساوتها، لكن هذا الوطن مهدد بالرحيل عنه.
عاد إلى غرفة "نور" ليراها كما هي، لم تفتح عينيها بعد. سحب المقعد وجلس جوارها يتأملها وهي تشبه الملاك الجميل في نومها وشعرها الأسود يزين وجهها القمري. رأى تعابير وجهها تشتد وعقدت حاجبيها وبدأت يدها تتشنج فمسكها بلطف بين راحتي يده ويقول:
-- أهدئي يا نور، استنيني لما أجيب لك حقك، أنا لسه مجبتلكيش حقك متتمشيش وأنا مديون لكِ، إياكِ تعمليها أنا متعودتش أكون مديون لحد، أجيب لك حقك الأول يا نور، ده أنا قبلت منك اللي مقبلتوش من حد وقولت عيلة، أوعي تعملي زي العيل المرة دي وتزعلي وتمشي، أكبري مرة واحدة وتحملي المسؤولية يا نور...
توقف عن الحديث عندما ضغطت بيدها على قبضته ثم فتحت عينيها لينظر لها بأريحية فرأت وجهه أول شيء أمامها لتتمتم بصوت مبحوح يكاد يخرج من ضلوعها بصعوبة:
-- اتأخرت ليه يا سليمان.
أجابها بنبرة هادئة وعينيه تقابل عينيها في لقاء طويل مفعم بالشوق ونار الانتظار تحرقهما:
-- معلش حقك عليا.
أخذت نفس عميق بصعوبة أكثر وجسدها ينتفض فقال متابعًا الحديث:
-- أهدئي أنا هشوف الدكتور.
ظلت متشبتة بيده بإحكام وقالت بحزن ولهجة واهنة بينما عينيها تجمعت بها الدموع اللؤلؤية:
-- أنا كنت هموت من الخوف يا سليمان.
ربت على يدها بلطف ثم قال:
-- متخافيش، طول ما أنتِ مراتي وأنا هنا متخافيش من حاجة يا نور.
تبسمت رغم تعبها ودموعها وقالت بلطف بريء:
-- أول مرة تناديني باسمي يا سليمان.
تنحنح بحرج ثم ترك يدها بتوتر وخرج للطبيب؛ ليخبره بأنها استعادت وعيها.
فحصها الطبيب جيدًا وجعلها تحرك قدميها وأناملها ليطمئن على حركتها ثم غادر الغرفة يتركها مع "سميرة" التي جاءت على مقعد متحرك مع "زين" من الفحص والأشعة لتبتسم بسعادة عندما رأت "نور" استيقظت وضمتها بسعادة فتشبثت بها "نور" بإحكام وقالت ببكاء:
-- انتِ كويسة صح؟
أومأت إليها "سميرة" بنعم فجهشت "نور" بالبكاء خوفًا على "سميرة" وهي تتذكر جيدًا كيف وقفت أمام هؤلاء الوحوش لأجلها ولحمايتها؟، ربتت "سميرة" على يديها وجففت دموعها. تركهما "سليمان" معًا وخرج مع "زين" وهو يقول:
-- عايزك تشوف لي محامي شاطر وماكر يا زين، أنا عايز محامي يغلب عامر ونيللي، أنا مش هخليهم يطلعوا بجنيه واحد من حق نور أنا وعدتها أرجع لها حقها كله.
أومأ "زين" له بنعم ثم قال بجدية:
-- أنا عرفت اللي وصل المعلومة لكرم إنك اتجوزت، الخائن اللي بندور عليه.
نظر "سليمان" له بجدية صارمة ليقول "زين" بهدوء:
-- مرمي في المخزن خليت الرجالة عدمه العافية.
أومأ له بنعم ثم خرج "سليمان" في طريقه إلى المنزل وبمجرد دخوله شعر بثقل على قلبه و"ملك" تركت ذكرياتها في كل مكان هنا، والآن بات يكره كل شيء يحمل ذكرى لها. الغدر والخذلان والخديعة تمزقه أربًا. رجفة القلب ورعشة اليدين، الأيام الباهتة والوحدة التي تجتاحه رغم تكتظ الناس حوله. تساءل متى سيطوي صفحات الألم والخذلان من كتاب حياته؟، ليتها سرقت ماله وهربت دون أن تسرق قلبه وعقله معًا.
دخل إلى غرفته وبدأ يجمع كل شيء يتعلق بها صورها وملابسها وكل ما يخصها وألقى بهم أمام المنزل ليرى وشاح "نور" الملوث بدمه فأخذه من بين الملابس ووضعه حول عنقه كأن يستمد منه الأمان والقوة. أخرج قداحته وعبوة السجائر ليشعل سيجارته ووضعها بين شفتيه ينفث دخانها ثم ألقى بالقداحة على أغراض "ملك" يحرقها جميعًا كما حرقت قلبه بمكرها وكذبها.
ثم ذهب إلى المخزن ووجد هذا الخائن لم يتبق به أنثى واحدة ليضربه بها أو يعاقبه، فكان مجرد نفس يدخل لرئته في جسده الذي يشبه الجثة على الأرض، فتنهد بهدوء ثم قال:
-- ارموه في أي داهية تأخده عشان يكون عبرة لكل واحد يفكر يخون سليمان الصياد.
خرجت "نور" من المستشفى بعد أسبوع بصحبة "زين" وأحد الرجال لتصل سيارة "سليمان" الذي رأى "زين" يدفع الكرسي الذي تجلس عليه، فتنحنح بحرج غيورًا من أقرب رجل غيره إليها وترجل من سيارته بجدية وتقدم للأمام وبمجرد وصوله حملها على ذراعيه عن المقعد. فنظرت "سميرة" عليه ووجهه العابس كأنه يغار من دفع "زين" المقعد لزوجته. تنحنحت "نور" بحرج من فعلته أمام الجميع وهمست له بلطف وخجل:
-- أنا قادرة أمشي.
لم يجب عليها وتابع سيره حتى وصل إلى السيارة ليفتح له أحد رجاله الباب المجاور للسائق ووضعها عليه ثم صعد بمقعد السائق وركبت "سميرة" مع "زين" في سيارته وعادوا للمنزل. رآها تفرك في السيارة بعدم أريحية ليصف سيارته جانبًا فنظرت "نور" إليه بتعجب. أقترب "سليمان" منها قليلًا وضغط على زر المقعد ليعود للخلف قليلًا حتى تستريح فتنحنحت بحرج وشعرت بارتباك ورجفة قلبها من قربه. تحاشت النظر إليه مسرعة بخجل جعل وجنتيها تتورد كالفراولتين.
قاد سيارته من جديد لتقول:
-- ينفع نروح البنك دلوقتي؟ أنا مش قادرة أصبر.
أومأ إليها بنعم واتصل على المحامي الذي رشحه "زين" ووصلوا للبنك، فقابلت "نيللي" هناك مع "عامر". تنحنحت بحرج وتوقفت عن السير بقلق. أخذ "سليمان" يدها ووضعها في ذراعه ثم همس إليها قائلًا:
-- متخافيش أنا معاك.
هزت رأسها بنعم وتقدمت معه بخطوات بطيئة وهي ما زالت مريضة. بعد أن تحقق البنك من هويتها فأخذها الموظف إلى مكان الخزينة ووقفت "نيللي" بجوار "عامر" تنظر في صمت على الخزينة حتى فتحها الموظف ليجدوه صندوقًا آخر فقالت "نور":
-- فين مفتاحه؟
أجابها الموظف بجدية ونبرة هادئة:
-- أنا ما عنديش مفاتيح تاني، اللي أعرفه إن والدك قال إنك الوحيدة اللي هتعرف الباسورد ده.
نظرت للصندوق جيدًا ولم يكن مغلقًا بمفتاح، بل بأرقام سرية. تنهدت بهدوء وبدأت تفكر في أرقام تكن مهمة بينها وبين والدها أو ما يخطر على بال والدها ليجعله رقم سري فقال "سليمان" بهدوء:
-- جربي عيد ميلادك.
كتبت 12/12/2002م ولم يكن الرقم المطلوب. فكتب تاريخ زواج والدها من والدتها ولم يكن صحيحًا. فأغمضت "نور" عينيها بتعب شديد من التفكير ثم دونت رقمًا آخر ليُفتح الصندوق هذه المرة فتبسمت "نور" بسعادة وفتحته لتُدهش مما رأته حقًا ونظرت إلى "سليمان" بصدمة ألجمتها وجعلت جسدها يتشنج مكانه كأنه جمد كالثلج. استشاطت "نيللي" غيظًا مما رأته ونظرت إلى "عامر".
رواية انذار بالحب الفصل التاسع 9 - بقلم نور زيزو
وجدت الصندوق ملأ بالذهب كأن والدها سحب كل أمواله وأشترى هذا الذهب لأبنته فقط.
ومعه وجدت ملف به أوراق وبطاقة ذاكرة.
فتحتها وكان تسجيل كاميرا لوالدها وهو يغير وصيته وكل ما يملك باسم طفلته حتى المنزل.
وكان بالملف موجود به العقود المُسجلة باسم “نور”.
فانتفضت “نيللي” غضبًا وقالت:
--دا تزوير أزاى يكتبلك حاجة هو كتبها ليا
أجابها المحامي الخاص بـ “سُليمان” بمكر شديد قائلًا:
--يا مدام أستاذ زهير كتبلك وصية من سنة أن البيت ليكي بعد وفأته لكن مدام نور معاها عقود متسجلة فى الشهر العقاري أن البيت دا ملكها، أزاى هتورثي حاجة هى مش ملك جوزك أصلًا، مجرد ورقة كتبها عند المحامي لا تقارن بشيء قصاد عقد بيع نهائي متسجل فى الشهر العقاري
أغمض “عامر” عينيه بضيق وهو لا يملك ردًا على هذا الحديث.
فقال المحامي بجدية ونبرة أستفزازية:
--يعنى حضرتك دلوقت قاعدة فى ملك مدام نور
تنهدت “نور” بأريحية ثم قالت:
--أعمالك السيئة!! ما هو مستحيل الشر ينتصر أبدًا، أنتِ مكنتيش تستاهلي أبويا ولا تستاهلي أنك تكوني مكان أمي فى البيت دا، فاكرة عملتي فيا أيه طردتني فى نص الليل وقولتلي روحي لكلاب السكك ودلوقت أنا اللي بقولك روحي لكلاب السكك اللى جيتي منها
نظرت “نور” إلى “سُليمان” بعيني باكية حزنًا على والدها الذي قُتل وهى لا تملك مشتبه به غير هذه الحية.
ثم قالت بلهجة واهنة:
--روحني
أخذ يدها بعد أن حملت الصندوق وغادر معها.
صعد للسيارة بجوارها لتمد يدها إليه بالصندوق.
فنظر مُطولًا إليه ثم رفع نظره إلي هذه الفتاة بفضول وهو لا يفهم شيء.
فقالت “نور” ببكاء:
--دا كل ما أملك يا سُليمان خده وهاتي حق أبويا، أنا ماليش حد ولا أعرف حد غيرك يساعدني، لو نيللي اللى قتلت أبويا وحرمتني منه وخلينى وحيدة وضهري مكسور وماليش حد أنتقم ليا منها، خليها تدفع تمن كسرتني ووحدتي ودموعي وكل حاجة وحشة عيشتها معها وبسببها لأن أنا معرفش أنتقم ولا أقف قصادها أنا أضعف من كدة بكتير وأدينى بدفعلك المرة دى بجد
أعاد الصندوق لها ببهدوء ثم ضغط على زر تشغيل المحرك وهو يقول مُتحاشيًا النظر إليها:
--أنتِ دفعتي يا دكتورة تمن الأنتقام دا ، أنا عايزك تقعدي تتفرجي
ستنفس الصعداء قليلًا ثم قالت مُتابعة الحديث:
--بس بالقانون
نظر “سُليمان” لها قليلًا بحيرة.
فقالت بجدية:
--أنتقم ليا منها بالقانون، أنا مش عايزك تقتل ولا تأذي حد كفاية كنت هتخسر…..
كادت أن تخبره بانه أوشك على خسارتها لكنها تراجعت وقالت بحرج:
--كفاية كنت هتخسر دادة سميرة بسبب شغلك دا
نظر إليها بصمت ثم إلى الطريق فتنهدت بهدوء ونظرت من النافذة.
وقفت “منه” فى ساحة الكلية مع “مالك” يتحدثان حتى جاء “زين” ورآها تبتسم بعفوية مع هذا الشاب الذي يقف أمامها فشعر بالغيرة تمزق قلبه من تبسمها معه.
ترجل من السيارة بغيظ مُستشاط من الغضب لتراه “منه” فقالت بلطف:
--عن أذنك ثواني يا مالك
ذهبت إلى “زين” الذي يشتعل من الغضب وعينيه ترمق “مالك” جيدًا كالصقر بنظرات ثاقبة قاتلة.
وقفت “منه” أمامه وقالت:
--مبتردش عليا ليه ها؟ مش بتصل أنا
كز على أسنانه غيظًا وما زال يرمق “مالك”.
فتحدث بتمتمة كابحًا غضبه:
--مين البيه؟
--وأنت مالك؟
قالتها “منه” بتلقائية من سؤاله.
ليمُسكها من ذراعها بقوة وقد تخلى عن النظر إلى “مالك” بالنظر إليها بانفعال؛ لتنتفض “منه” ذعرًا من غضبه الكامن بداخله ونابعًا من غيرته عليها.
تحدث بمكر قائلًا:
--مين الحمار دا؟
أبتلعت لعابها بتوتر منه ودفعته بعيدًا عنها بغيظ وقالت بضيق:
--أنت مجنون أزاى تمسكني كدة وتتحشر في حياتي وتدي نفسك مساحة أنا مدتهالكش، أى حاجة أنا بعملها متخصكش
--وكتاب الله كلمة كمان وأحتمال أفلقك نصين وتخصني غصب عن عين اللى خلفوكي أيه رأيك يا منه
قالها بعناد ونبرة عالية غاضبًا.
فقالت بضيق شديد من كلماته وصوته العالي:
--ودا بأمارة أيه إن شاء الله
صرخ بها بانفعال دون وعي وهو لا يشعر بشيء سوى نيران غيرته يقول:
--بامارة أني بحبك وأنك بتاعتي وملكي أنا
توقف عن الحديث فجأة بعدما أتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها.
فأبتلعت لعابها بأرتباك وبدأ قلبها المجنون يدق بسرعة قصوى.
ألتفت لكي ترحل من أمامه فأمسك “زين” ذراعها قبل أن ترحل وقال:
--منه أستني
تنفست بصعوبة من أرتباكها ووجنتها التى توردت خجلًا فقالت:
--سبنى أمشي طيب
--أنا بقولك بحبك
قالها “زين” بنبرة خافتة.
لتستدير له وتحدق به ونظراته اللامعة فقالت بهدوء:
--أنت قولت أيه؟
تبسم “زين” على مكرها وقال بعفوية:
--مش هقولها ثالث أيه أطرشتي
قوست شفتيها للأسفل بتذمر شديد وقالت بعناد أكثر:
--ما عنك ما قولتها أنا ماشية
ركض خلفها بعفوية وقال بحماس يغمره الحُب:
--أستني طيب ، بحبك
ضحكت بتلقائية على انتصارها عليه.
فنظرت لضحكتها بعيني لامعة مغمرًا بالحب لتقول:
--طب خلاص
--خلصت روحك بقولك بحبك مبيتردش عليها بخلاص دى
قالها بتذمر من تكبرها وعنادها.
فقالت بمشاكسة ومزاحية:
--أمال بأيه، ربنا يخليك ويسهلك يا سيدي
ضرب جبينها بلطف وقال بغيظ من أستفزازها له:
--هو أنا بأخد منك حسنة يا جزمة
تنهدت بضيق مصطنع وقالت ببرود:
--وبعدين يا زين أنا ورايا محاضرات مش فاضية ليك
ذهب من أمامها غاضبًا ويتمتم بحديث لم تفهمه وصعد إلى سيارته.
فرن هاتفه برقمها ليجيب عليها بعبوس قائلًا:
--عايزة أيه؟
--بحبك
قالتها “منه” بنبرة دافئة وناعمة.
ليترجل من سيارته مُسرعًا.
رآها تقف على باب المبني فضحكت على سعادته وأغلقت الخط ثم دخلت إلى المدرج قبل أن يأتي إليها وهى تموت خجلًا من النظر إليه الآن.
وقفت “نور” من مقعدها أمام السفرة وهى تمسك كتابًا فى يدها وشاردة به لتصطدم به وهو ينزل على الدرج يتحدث فى هاتفه.
تنحنحت بحرج فنظر إليها بهدوء وقال:
--هكلمك تانينظر إليها بعد أن أغلق الهاتف وقال بجدية:
--أيه دا؟ أيه اللى مصحيكي لحد دلوقت
أشارت إليه بالكتاب ثم قالت:
--عندي إمتحان بكرة
أومأ إليها بنعم وذهب ليجلس على الأريكة فى غرفة المعيشة.
ولجت للمطبخ ووضعت الكتاب أمامها تنظر به وهى تصنع بعض الطعام لها من الجوع وعينيها لا تغادر الكتاب وصنعت كوب من القهوة يساعدها فى سهرتها الليلية حتى الصباح.
حملت الكتاب بفمها بصعوبة والفنجان بيد والطبق الموجود بيه الشطائر بيدها الأخري وخرجت.
رآها تسير حاملة أغراضها فتابعها وهى تعود للسفرة وتكمل مذاكرتها بتركيز شديد وهو ينظر للهاتف تارة وإليها تارة.
طقطقت “نور” رقبتها بصعوبة من كثرة جلوسها ومرور الوقت.
رأته ينظر إليها وعندما تقابلت عيونهم تحاشي “سُليمان” النظر إليها بحرج من إمساكها به بالجرم فى إختلاس النظر لها.
ضحكت “نور” بعفوية ودقات قلبها تتسارع من هذا الرجل.
رن هاتفه ينقذه من هذا الحرج وكان أحد رجاله.
أجاب عليه ثم خرج من المنزل وذهب إليه.
رأى أحد الرجال مصاب بسيخ حديدي فى قدمه أثناء عمله المترصد.
تحدث “زين” بقلق:
--أجيب دكتورة نور تعالجه
تحدث “سُليمان” بتعجل ولأول مرة يعارض قدومها أمام هؤلاء الرجال:
--لا ، شوفله دكتور تاني
نظر “زين” له بدهشة من رفضه وهو أول من جلبها لهنا بعد عقد قرآنهما.
تحدث بضيق من رفضه:
--أجبله دكتور منين الساعة 4 الفجر ما إحنا عندنا دكتورة فى البيت
تأفف “سُليمان” وخرج من المكان بضيق.
فسار “زين” خلفه حتى وصلوا للمنزل وهو يلح عليه بأن يقبل أن تعالج “نور” هذا الرجل.
صرخ “سُليمان” به بضيق:
--قولت لا بطل زن وروح شوف له دكتور
تحدث “زين” بضيق من رفضه القطعي قائلًا:
--على ما أجبله دكتور هيكون دمه اتصف يا سُليمان خلي الدكتورة تعالجه
كاد أن ينفجر غاضبًا بوجهه حتى قاطعته “نور” التى سمعت الحديث الذي دار بالمنزل تقول:
--فى أيه؟ مين اللى دمه هيتصف؟
ألتف “زين” إليها وقال بضيق:
--واحد من الرجال أتصاب و…..
صرخ “سُليمان” به بضيق وانفعال قائلًا:
--زيــــــــــــــــــن
تأفف “زين” بهدوء وغادر المكان.
تنحنحت “نور” بلطف ثم ذهبت إليه أكثر قربًا وقالت بنبرة خافتة:
--سُليمان
أغمض عينيه بحيرة من لفظها لأسمه بطريقتها الدافئة والناعمة.
تبسمت بلطف وقالت:
--خلينى أعالجه وأهو بالمرة أدرب علي إمتحان بكرة
ألتف إليها كي تتقابل عيونهما معًا فى نظرة هادئة فأومأت إليه بنعم بحماس.
لتغلبه بسمتها المُشرقة وحماسها العفوي فوافق بسهولة وسلاسة.
ليقول بحدة:
--أدخلي غيري هدومك
ركضت مُسرعة للداخل لتبدل بيجامتها بفستان أبيض بأكمام فضفاض وخرجت إليه.
فسار أمامها وهى بالخلف تتابعه على خطواته حتى وصلوا إلى نادي الملاكمة فرآه “زين” ودهش من قدوم “نور”.
جعل جميع الرجال يدخلون إلي غرفهم ولم يبقي أحد سوى “زين” وهذا الرجل المُصاب.
وضعت المخدر على قدمه بلطف ليصرخ الرجال من الألم.
فتنفست “نور” الصعداء ولم تقوي على سحب السيخ الحديد فقالت:
--سُليمان
نظر إليها بصمت لتقول:
--تعال أسحبه معلش
جلس جوارها وسحب السيخ كما طلبت منه وحسب توجيهاتها.
لتضمد “نور” الجرح بعد الخياطة.
أنهت “نور” معالجته وعادت مع “سُليمان” للمنزل.
فقال بهدوء:
--أنا هطلب أكل، تأكلي حاجة
أومأت إليه بنعم ببسمة مُشرقة تُثير ربكته وتوتره أمامها وقالت بعفوية:
--ماشي أنا جعانة جدًا
طلب الطعام لهما وجلس جوارها على السفرة يتناولوا الطعام معًا.
وصلته رسالة فى السادسة صباحًا فتبسم بلطف وظهرت غمازاته بوجنتيه.
رفع نظره إليها وهو يقول:
--النهار دا
رآها تحدق به مُبتسمة شاردة ببسمته الخافتة لتشعر بحرج وتحاشت النظر سريعًا إليه وطأطأت رأسها بأستحياء.
فضحك عليها بلطف وتابع حديثه قائلًا:
--النهار دا المحامي هيودي ورق الإدانة للنيابة وهيفتح بلاغ يتهم نيللي وعامر بقتل باباكي، إحنا وصلنا لروشتات الأدوية اللى أشترت بها الدواء باسمها ومرتين دفعت بالفيزا وحاجات تانية، المحامي طمني وأكد أن التهمة لابساهما هم الإثنين
تنهدت “نور” وتلاشت بسمتها بحزن وأحتل هذا الوجع ملامحها.
ليقول بجدية مُتذمرًا برؤية حزنها وهو لا يرغب سوى برؤية بسمتها وفرحتها:
--أنا بقولك كدة عشان تفرحي أن حقك فاضله خطوة ويجي مش عشان تزعلي
أومأت إليه بنعم ثم وقفت من مكانها تاركة بقية الطعام وقالت:
--أنا هروح ألبس عشان متأخرش
دلفت إلى غرفتها فعاد بظهره للخلف بأستياء من حزنها وتوقف عن تناول طعامه.
أرتدت “نور” تنورة سوداء وبلوفر من الفرو الأبيض ولفت حجابها الأسود مع حذاء أبيض رياضي وحملت حقيبتها الصغيرة والبالطو الأبيض الخاص بها مع دفترها الكبيرة.
خرجت من المنزل بوجه عابس لتراه واقفًا بسيارته أمام المنزل منتظرها ويرتدي بنطلون أسود وسترة جلدية سوداء مع قميص رمادي فاتح.
أشار لها بأن تصعد وهو يتحدث فى الهاتف.
ركبت معه لينطلق بسيارته إلى جامعتها وما زال يتحدث فى الهاتف عن عمل جديد مشبوه.
ثم أغلق الهاتف.
لتقول “نور” بضيق من عمله:
--أنتِ مفكرتش أن اللى بتعمله دا حرام
نظر إليها بدهشة.
لتقول بغيظ مما هو عليه وكأنه يشبه الشيطان فهو يتركب كل شيء خطأ:
--أنت بتقتل وبتسرق وبتهجم على بيوت الناس وبتهدد وبتجار فى المخدرات أو على الأقل بدخلها البلد للناس تتاجر فيها، أنت عارف كم حد بيتأذي بسببك وأنت بتشيل ذنب كام حد، كم الذنوب اللى فى حياتك تكفي للعالم كله
تحدث بضيق شديد من كلماتها قائلًا:
--أنا مسالتكيش عن رأيك فيا يا دكتورة
نظرت له بحزن وهذا العمل وحده كفيلة بأن يكن حاجزًا من النار بينهما فقالت بأختناق:
--أنت شيطان فى جسم بنى أدم مش خايف من الناس ولا أنك تتسجن وحياتك تنتهي فى السجن أو بالقتل بلاش مش خايف من ربنا
أجابها ببرود شديد دون أن ينظر لها بأستياء:
--أنا شيطان يا دكتورة وبقولهالك أنا شيطان مش ملاك
تأففت بضيق شديد من حديثه وقالت بانفعال سافر:
--وأنا معرفش أعيش مع شيطان شوف عايز كام تمن خدمتك ليا وهدفعهولك وتطلقني
ألتف إليها بدهشة ألجمته من كلمتها الأخيرة وضغط على المكابح على سهو.
فقال بتمتمة:
--أطلقك!!
--اه طلقني يا سُليمان أنا واحدة من عالم تاني غيرك، أنت كل حاجة حرام بتعملها وأنا كل حاجة ترضي ربنا بحاول أعملها، أنت شيطان عايش على الأرض دى فى وش بنى أدم وأنا مش ملاك بس على الأقل مش زيك، أنت من عالم وأنا من عالم ومكنش لينا اللقى، دكتورة ومجرم متركبش ولا تتقبل عشان كدة طلقني وفلوسك هتكون عندك
قالتها “نور” بحزن شديد ثم فتحت باب السيارة وترجلت منها.
وشعر بوخزة فى قلبه كأنه على حافة تل على وشك السقوط برحيلها.
رواية انذار بالحب الفصل العاشر 10 - بقلم نور زيزو
سمعت “نور” عن القبض على “نيللي” و “عامر” وإلحاق التهمة بهما بجدارة من مهارة المحامي.
جمعت أغراضها في حقيبة سفر صغيرة وخرجت من الغرفة لترى “سميرة” تبكي بحزن على مغادرتها.
فقالت:
-- هتوحشيني يا نور والله.
-- أنتِ أكتر، ابقي تعالي زوريني.
قالتها “نور” بحزن شديد على مفارقتها لهذه السيدة التي كانت أنيستها في هذا المكان.
غادرت مع “زين” وهي تبحث عنه بنظرها، لكنه لم يخرج من غرفته ولم يراها للمرة الأخيرة.
أخذها “زين” بسيارته إلى منزلها، وأثناء قيادته رأى دموعها التي تكبحها بصعوبة بين جفنيها من مغادرتها، وهو يعلم جيدًا أن الحب زرع بذوره داخل قلوب هذا الثنائي، لكنهما اختارا الفراق والرحيل.
تحملت كثيرًا كابحة وجعها من هذا الفراق، وهي تدهس قلبها بقسوة ومشاعرها في قرارها بمغادرته عنها بعد حصولها على الطلاق منه.
وصلت للمنزل لترى “منه” أمامها في انتظارها، وبمجرد رؤية صديقتها هرعت إليها باكية ولم تقوِ على السيطرة على وجعها أكثر من ذلك.
ضمتها “منه” بإشفاق وحزن على حالة صديقتها.
أخرج “زين” الحقيبة من السيارة ووقف يراقب هذا العناق الحزين وصوت بكاءها يعلو وشهقاتها تجعل جسدها ينتفض بين ذراعي “منه”.
فتح باب المنزل بالمفتاح وأعطاها المفتاح بعد أن جففت دموعها وقال:
-- إحنا ركبنا باب جديد مصفح وكمان باب حديد وقفلنا كل الشبابيك والبلكونة بالحديد عشان الأمان، يعني أنتِ عارفة غلاوتك يا دكتورة عندنا، ولو احتاجتي أي حاجة متتردديش لحظة في الاتصال بيا على الأقل وهتلاقيني عندك.
أومأت إليه بنعم وهي تمسح أنفها في كم فستانها بحزن من بكاءها، ليغادر “زين” وهو يشير لـ “منه” بأنه سيتصل بها، فأومأت إليه بنعم.
أغلقت الباب جيدًا وجلست مع “نور” التي جهشت في البكاء بانهيار وضعف.
فضمّتها “منه” بحزن على حالها وقالت:
-- أنا اللي غلطانة يا منه، أنا اللي حبته رغم كل عيوبه وكراكيبه، أنا كنت عارفة حقيقته وعارفة هو مين، واتنيلت وحبيته، بس دا عشان حسيت إن ليا سند بعد بابا، حسيت إن فيه حد ممكن يمسك إيدي ويطمني، هو اللي طمني وقال لي متخافيش يا منه.
أنا كنت محتاجة لسند وضهر أتسند عليه في الدنيا دي ونسيت إن سندي الأول هو ربنا، يمكن عشان كده أنا أستاهل كل الوجع اللي جوايا، أنا أستاهل الأذى ده عشان مصنتش قلبي ومختارتش له اللي يستاهله ويصونه وينفع له، ولا اللي يتقي ربنا فيه وفيا، أنا أسأت الاختيار وقلبي كان الثمن.
ربتت “منه” على ظهرها بلطف مشفقة عليها وقالت بحنان:
-- متستاهليش يا روحي، لكن هي قلوبنا كده مالهاش سلطان وعمر الحب ما كان اختيار ولا كان بأيدينا، إحنا بنقع في الحب مرة واحدة كده بنلاقينا اتعلقنا وحبينا البني آدم ده من غير ما نحس، مش بمزاجنا والله.
ظلت تبكي وهي تضرب قلبها بقبضتها بقوة من الألم الذي تشعر به ويعتصر قلبها، فتمتمت بحزن:
-- أنا كنت عايزة أشوفه مرة أخيرة يا منه، سليمان قسى عليّ.
مسحت “منه” دموع صديقتها بلطف وساعدتها في الهدوء والتوقف عن البكاء.
فدَلفت “نور” إلى المرحاض تأخذ حمامًا دافئًا، وبدأت “منه” تصنع الطعام لهما في المطبخ.
***
مر أسبوع وهو لا يعلم كيف مر هذا الأسبوع عليه دون رؤيتها.
يقتله الشوق ورغبته برؤيتها، لكن كبرياءه يغلبه أكثر وأكثر.
قلبه يعتصره الألم والوجع.
لم يكن مدركًا أن طبيبته الصغيرة وفتاته المدللة سكنته هكذا.
جاء إليه “زين” بهدوء وجلس أمامه مشفقًا على صديقه وقال:
-- سليمان، كنت عايزك في موضوع.
أطفأ “سليمان” السيجارة بلا مبالاة وقال:
-- قول.
-- الشباب، فيهم اتنين بيحبوا.
نظر “سليمان” ببرود له، وهو من صنع قانون "لا للحب" بمملكته وجماعته، بنفس اللحظة هو ذاته من سقط في الحب هائمًا وقد فُتن قلبه بها.
تابع “زين” بجدية:
-- وعشان أكون صريح معاك هم ثلاثة، وعشان أكون صريح أكثر أنا الثالث يا سليمان، أنا بحب.
-- منه صح.
قالها “سليمان” بثقة رغم نبرته الباردة ويده تترك بالقلم على المكتب.
فازدرد “زين” لعابه بهدوء وقال:
-- آه.
ابتسم “سليمان” باسمة باردة:
-- كنت عارف إن الدكتورة سرقت قلبك، بس يا ترى عندها علاج ليك؟
شعر “زين” بأنه يتحدث عن نفسه وأن “نور” من سرقت قلبه وتركته مريضًا دون علاج لهذا الحب.
تنحنح بلطف وقال:
-- أنا علاجي إني أتجوزها.
ضحك “سليمان” بسخرية ووقف من مكانه مُنهكًا ثم قال بهدوء:
-- اللي عايز تعمله اعمله يا زين، أنا ماليش دعوة، واللي عايز يتجوز منهم خليه يتجوز.
خرج من المكان مُنهكًا ويائسًا كأنه شاخ رغم شعر رأسه الأسود، لكنه الآن أصبح كرجل عجوز على وشك الموت ومفارقة الحياة بمفارقة الحبيبة.
فراق الحبيب مميت، يُسلب الروح، يخطف الأنفاس، يفلق القلب، تبكي الجفون ويفقد العقل صوابه، فكيف يفارق الخل الخليلا؟
***
ضحكت “منه” بسعادة مع “نور” يوم تخرجهما، وكلا منهما لا تصدق أنها قد حصلت على حلمها ونجاحها وأخيرًا أصبحت طبيبة رسمية وتملك شهادة بهذا الحلم.
جاء “مالك” بباقة ورود حمراء مبتسمًا وقال:
-- مبروك يا نور.
ابتسمت “نور” بلطف إليه وقالت:
-- مبروك لك أنت كمان يا دكتور، محدش يقولي يا نور، أنا من النهاردة ميتقاليش غير يا دكتورة نور.
ضحكوا ثلاثتهم معًا.
فقال “مالك” بعفوية وسعادة:
-- طبعًا دكتورة وأجمل دكتورة كمان.
شعرت “نور” بحرج من كلماته، وخصوصًا بعد أن جثا على ركبته أمامها وأخرج علبة صغيرة بها خاتم يتقدم لطلبها للزواج أمام الجميع وسط قاعة الاحتفال.
فتبسمت “منه” بسعادة، على عكس “نور” التي ارتجف قلبها حزنًا والصدمة ألجمتها.
لكن قاطع صدمتها حديث “مالك” يقول:
-- أنا معجب بكِ يا نور وعايز أتزوجك.
تنهدت بألم شديد في قلبها.
ورغم مرور هذا الوقت وهذه السنوات، لكن قلبها ما زال عالقًا هناك مع هذا الشيطان الذي سرق قلبها كما يسرق كل شيء، كأنه مارس عمله عليها.
جاء “زين” بهذه اللحظة حاملًا باقة ورود اللافندر لأجل “منه” ودُهش من هذا المشهد.
و”منه” أكثر الأشخاص حماسًا لهذا العرض الرومانسي وقالت بحماس:
-- وافقي يا نور، وافقي... وافقي.
بدأت تصرخ بصوت عالٍ والجميع يرددون وراءها.
فتنحت “نور” بحرج وقالت بتلعثم:
-- مالك أنت حد كويس أوي وكل البنات تتمنى واحد زيك، بس أنا معنديش حاجة أديهالك، لا قلبي ولا عقلي هعرف أديهملك، ولو وافقت هبقى بظلمك وأنا مقدرش أظلم حد.
وقف أمامها بحرج.
وتوقفت “منه” عن الحديث بضيق من تصرف صديقتها التي ما زالت تتشبث بهذا الرجل الذي لم يحاول مرة واحدة حتى في رؤيتها أو التقرب إليها.
وتركت يد “زين” بضيق من صديقه الذي دمر قلب صديقتها.
تحدث “مالك” بجدية وبسمته ما زالت لا تفارق شفتيه بأمل:
-- أظلميني يا نور، أظلميني بس اديني فرصة أقرب لك، وصدقيني هخليكي تحبيني وتتقبليني، هخليكي تحبيني من حبي ليكي.
ابتسمت “نور” بلطف وعفوية ثم قالت بحزن ظاهر في نبرتها:
-- أنا آسفة بس... عن إذنك.
أخذت شهادتها ورحلت من المكان.
فتذمرت “منه” على “زين” وألقت بالورود في وجهه ليقول:
-- وذنب أمي أنا إيه؟
تحدثت “منه” بضيق شديد قائلة:
-- مش صاحبك السبب في كسرتها وحزنها؟
أخذ خطوة نحوها بدلال وقال ببسمة:
-- اديكي قولتي أهو صاحبي مش أنا، هتشيلني ذنبه أنا ليه بقى؟ افتراء وظلم وخلاص.
خرجت من القاعة عابسة وهو يسير خلفها ببسمة تنير وجهه على عبوسها الطفولي، فقال:
-- يا بنت الناس استني بس، أنا أول واحد نفسي أجيبه من قفاه وأجوزهاله تاني وربنا، انتِ متعرفيش حياته عاملة إزاي وهو بيقاوح وبيعاتد نفسه.
التفتت “منه” إليه بغيظ شديد من كلماته واستدارت إليه فقالت بعناد:
-- ولما هو بيعاني مختار البعد ليه؟ ما يروح لها ولا هو مستني هي اللي تروح لحد عنده وبالمرة تشتري له الشبكة وتطلبه للجواز. رجالة آخر زمان.
قهقه ضاحكًا بعفوية عليها وأخذ يدها في قبضته يسيران معًا ثم قال:
-- سيبك من رجالة آخر زمان دي وخليكي في الرجالة اللي هنا دي، هنتجوز امتى يا بت؟ طلعتي عين اللي خلفوني.
ضحكت “منه” عليه متناسية غضبها وقالت بلطف:
-- قولتلك مش عايزة أتجوز دلوقتي.
قوس شفتيه بحدة غاضبًا من رفضها لتقول بلطف مازحة معه:
-- خلاص متكشرش، أبقى تعالي حدد مع بابا ميعاد الفرح.
ابتسم “زين” بحماس وقال:
-- بليل هكون عندكم وأقول يا عمي أنا تعبت من الخطوبة اللي طولت دي وعايز أتجوز.
قهقهت ضاحكة معه على مزاحه.
أوصلها إلى منزلها ثم عاد إلى المنزل ودلف إلى المطبخ، وجد “سميرة” تجهز الطعام فحمل طبقين معها وهو يحكي لها عن قرار زواجه من “منه”.
رأى “سليمان” ينزل من الأعلى لتناول الطعام، فقال بخباثة:
-- ومش هتصدقي النهاردة في حفل التخرج حصل إيه؟ عارفة مالك اللي حكيتلك عنه زميلهم في الجامعة. طلب إيد نور للجواز.
نظرت “سميرة” له باندهاش ثم إلى “سليمان” الذي جلس على المقعد بغضب يأكله من الداخل والغيرة تقتله الآن بعد أن علم أنها ستذهب إلى غيره.
فتنهدت “سميرة” بهدوء وقالت:
-- غير الموضوع يا زين، واقعد كل بقين.
نظر إلى صديقه بخباثة وهو قد ألقى بوجهه رصاصته التي ستقتله من التفكير وربما تتمكن من تحريك هذا الوحش وتذيب الثلج الذي جمد قلبه.
***
وصلت “نور” إلى منزلها بعد يوم طويل في المستشفى.
دَلفت للمنزل بجسد مُنهك وألقت بجسدها على الأريكة وهي تنزع حذاءها وحجابها مهمومة، بعد أن أخبرت “منه” أنها ستوافق على الزواج من “مالك” ربما يطيب قلبها وروحها المجروحة منه.
حتى شعرت بأحد خلفها فانتفضت من مكانها بذعر.
وقبل أن تصرخ وضع يديه على فمها لتتسع عينيها على مصراعيها حين رأت وجه “سليمان” هذا الوجه الذي اشتاقت لرؤيته لسنوات طويلة.
تأمل عينيها وهو يحكم فمها بيده، ورغم ذلك صرخت عينيها بهذا الشوق، العتاب والحزن ممزوج بسعادتها.
تجمعت دموعها في عينيها من قسوته عليها، فقال بلطف:
-- لو كنتِ مراتي دلوقتي كنت خدتك في حضني ومطلعتكيش منه لحظة واحدة.
ابتعدت عنه بحزن وقالت بضيق:
-- أنت دخلت هنا إزاي؟
أعطاها المفتاح ثم قال:
-- وثقتِ فيا لدرجة إنك مفكرتيش تغير قلاون الباب اللي أنا ركبته.
-- اطلع برا يا سليمان، أنا جايلي ضيوف ولازم أجهز.
قالتها بعناد من كبريائه حتى بعد أن جاء إليها، لكنه ما زال متكبرًا.
جذبها من يدها بقوة وقال بغضب مكبوح بعد أن سمع من “زين” أن اليوم سيأتي لها “مالك” لخطبتها:
-- تجهزي! عايزة تتذوقي لحد غيري، ده أنا أدفنك حية قبل ما تعمليه.
تذمرت من حديثه ودلفت إلى الغرفة بغيظ من بروده، خائفة من ارتباك قلبها أمامه.
ومر الوقت وهو لم يغادر، فبدأت تبدل ملابسها وتستعد لاستقبال الضيوف أمامه غيظًا منه.
لفت حجابها ووقفت خلف الباب تستمع بأذنيها إذا كان بالخارج أم لا.
لكنها صُدمت عندما رأته أمامها، فصرخت “نور” بذعر من ظهوره في غرفتها.
وتطلعت به بعد أن دفعها في الحائط بالقوة ووضع مسدسه في منتصف رأسها.
ابتلعت لعابها بقلق منه، لا تصدق أنه هنا أمامها.
تمنت لو اختبئت من العالم بين ذراعيه.
تمتمت بضعف وما زال قلبها عالقًا معه ولا يقبل الذهاب إلى غيره ولو مرور الكرام:
-- إيه اللي جابك هنا؟
تفحصها من الرأس لأخمص القدم، كانت جميلة بفستانها الوردي وحجابها الذي يحيط رأسها.
لم ير عروسًا بجمال فتاته الصغيرة.
تحدثت بخفوت:
-- أنتِ هتتجوزيه؟
ابتلعت لعابها بقلق خوفًا منه، فقالت بحزن وقلبها لا يقوى على تحمل فكرة زواجها من رجل غيره:
-- آه، هتجوزه يا سليمان.
أنزل مسدسه بضعف، رغم أنه يتمنى قتلها للتو حتى لا تذهب إلى غيره، فقال:
-- أنتِ مش هتتجوزي غيري يا نور، حتى لو حكم الأمر أني أقتله وأنتِ عارفة إن القتل أسهل ما عليّ.
لم تتحمل كبرياءه، فلو نطق بكلمة حب واحدة لركضت إليه، لكن غروره يقتلها ويمزق قلبها أربًا.
ضربته بقوة في صدره تبعده عنها بصراخ منفعلة:
-- عارفة إنك قاتل ومجرم، وده اللي واجعني، دونًا عن كل الناس يوم لما حبيت، حبيت واحد ميعرفش غير القسوة وإزاي يقتل.
تأملها في صمت عن أي قسوة تتحدث، وهو لم يكن بهذا اللين إلا معها.
طبيبته الخجولة ذات القلب الصغير.
رغم أوجاعه من رحيلها وتركها ليده في طريقه الموحش، إلا أن قسوته لم تخلق لها.
حدق بعينيها الجميلتين عن قرب، شوقه لها يضرب أوتار قلبه وتشعل نيران ضلوعه، لا يرغب سوى بضمها حتى تخمد نيران هذا الشوق.
تحدث “سليمان” بنبرة خافتة وهادئة خائفًا من رد فعلها:
-- سبتيني يا نور، هونتِ عليكِ.
تنفس بصعوبة من قلبها الجريح.
لم تكن سوى فتاة بريئة وقعت في طريق زعيم عصابة وقاتل مأجور.
تمنت الهرب لكن قلبها أوقعها في شباكه.
هذا القلب البريء ترك كل رجال العالم وأحب أوحشهم قسوة وخطر.
تمتمت “نور” بحزن قائلة:
-- أنا معنديش حاجة أديهالك يا سليمان، أنا حذرت إن طرقنا مختلفة، أنت من عالم وأنا من عالم تاني خالص، مكانش لينا اللقاء ولا حتى نمر على بعض مرور الكرام.
أخذ خطوة نحوها بخوف من فقدها نهائيًا، هتف بعيني حزينتين ولهجة واهنة:
-- هتغير، والله يا نور عيني لأتغير عشانك، اديني فرصة بس وهثبتلك دا، استنيني بس استنيني أصفي حساباتي وهجيلك لحد عندك.
-- محدش بيتغير، أنت بتكذب على نفسك يا سليمان، أنت عمرك ما هتتغير ولا هتعرف تصفي حياتك، أنت أعدائك في كل مكان واللي بيكرهوك أكثر من اللي بيحبوك، أنت ماشي تعادي في كل اللي تقابله.
صرخت به بانفعال جنوني من هذا الرجل.
فتحت باب الغرفة وخرجت منه.
فقال بهدوء:
-- أنا بحبك يا نور، وحقك عليا إني وحش كده، حقك عليّ عيني يا نور.
التفتت إليه بدهشة من هذه الكلمة التي سمعتها، فقالت بعناد:
-- امشي يا سليمان.
تنحت بحرج من كلماته وهو يتقدم نحوها بخطواته، فعادت للخلف بتوتر منه حتى ارتطم ظهرها بالحائط، فقالت بخجل:
-- سليمان.
حاصرها بيديه في الحائط وقال بتهديد واضح:
-- إياك تنطقي اسمي مرة تانية، أما متلومنيش على اللي هعمله.
ابتلعت لعابها بارتباك وتوردت وجنتيها خجلًا، ثم قالت:
-- طيب امشي.
نظر في عينيها بهدوء نظرة مليئة بالعشق الذي يحمله بداخله وسألها بنبرة هائمة:
-- أمشي؟
تنهدت بحيرة وخوف من الرد عليها ويرحل حقًا من جديد.
ودقات قلبها تقتلها الآن بهذه اللحظة لرؤيته.
فقالت:
-- أنت جاي ليه؟
-- وحشتيني يا نور.
قالها بجدية صارمة.
ورغم هذه الصرامة، لكن هذه الكلمة سرقت ما تبقى من عقلها وهي لا تستوعب أنها تستمع لهذه الكلمة من هذا الوحش المتحجر.
تابع حديثه بجدية:
-- اديني فرصة يا نور، أنا هتغير عشانك والله، مش يمكن ربنا سترها معايا في كل اللي عملته عشان أتغير بجد معاكي وليكي.
تحدثت بجدية قائلة:
-- هتسيب كل حياتك الحرام وتنساها يا سليمان؟
أومأ إليها بنعم ثم قال بلطف:
-- أنا فضيت العصابة كلها وبطلت أشتغل في المشبوه.
تحدثت “نور” بنبرة حزينة وعينيها ترمقه رغم سعادتها لما تسمعه وتنازله عن الكثير لأجلها:
-- بس مالك حرام وبيتك من مال حرام وعربيتك، الحرام لسه موجود معاك يا سليمان.
تركها وابتعد عنها يسير نحو الأريكة وقال باغتياظ شديد:
-- أنتِ عايزة إيه يا نور؟ أموت أحسن عشان يعجبك.
سارت خلفه بضيق من كلمته.
وتحدثت بحماس وعفوية:
-- لا، عايزك تبدأ بالحلال ومفيش ذرة واحدة حرام، كفاية الذنوب اللي شايلها اللي محتاج تكفر عنها الباقي من عمرك.
صرخ باختناق من حديثها قائلاً:
-- حرام إيه؟ كان فين الحلال لما الدنيا وقسوة الناس فرضوا عليا الحرام، عدل إيه اللي بتكلمي عنه يا نور؟ أنهي عدل لما طفلة مكملتش تسع سنين يغتصبوها قصاد عيني ويقتلوها بوحشية.
اقتربت “نور” منه بعيون باكية على دموعه التي انهمرت من جفنيه مع حديثه عن أخته.
رفعت ذراعيها إليه تجفف دموعه بلطف وبدأت تربت على ذراعه بدلال وتهمس في أذنه قائلة:
-- أنا مش عايزة غيرك يا سليمان، أنا هفضل معاك وجنبك لحد ما نصلح اللي فات بس نبدأ صح، ارمي كل حاجة حرام واقفل بابه نهائي وارمي المفتاح في البحر وربنا غفور رحيم وبيقبل التوبة.
ابتعد عنها بانكسار وحزن ثم أخذ وجهها بين راحتي يديه وقال:
-- خليكي معايا يا نور متسبينيش.
أومأت إليه بنعم فتبسم بهدوء إليها.
اتصلت على “منه” تخبرها بأن هذا المقلب الذي اخترعته حتى يتحرك هذا الصنم.
فضحك “سليمان” على غفلته ووقعه في الفخ منها.
أغلقت الهاتف ونظرت إليه، فقال بحنان:
-- تطلع منك أنتِ يا ملاك، ماشي ليكي يوم، تعالي هأخدك معايا مشاوير.
تعجبت من طلبه.
أخذها بحليها وجمالها إلى مكتب المأذون ليعقد قرانه عليها، وهذه المرة لم تجادله أو تطول في تفكيرها.
عاد معها إلى منزلها، فأخذته إلى أحد الغرف وقالت:
-- دي هتبقى أوضتك مؤقتًا.
سحبها من يدها بقوة لترتطم بصدره فطوقها بذراعيه بإحكام وقال بهمس:
-- هو أنا كتبت عليكِ عشان تقوليلي أوضتي؟
تنحت بخجل منه وقربه منها متحاشية النظر إليه وقالت:
-- اتلم يا سليمان إحنا اتفقنا إنك تصلح حياتك الأول وبعدين.
لم يقوِ قلبه على تحمل النظر إلى وجهها البريء وابتسامتها التي تنير وجهها وتسرق قلبه وتسلبه عقله، فقاطعها بسحبه إليها للداخل رغمًا عنها وأغلق باب الغرفة بذراعيه.
***
في حديقة منزل “نور” المزينة بالورود البيضاء كان هناك بعض المعازيم والضيوف، وأولهم أهل “منه” و”سميرة”.
فتح باب المنزل ليخرج “زين” أولًا يتبختر يدها في ذراعه وهي ترتدي فستان زفافها الأبيض اللؤلؤي وتلف حجابها وفوق رأسها طرحة فستانها اللؤلؤي مثله تمامًا.
خرجوا أولًا، ثم خرجت “نور” مع “سليمان” وهو يمسك يدها متشابكين الأصابع، وهي ترتدي فستان زفاف أبيض مصنوع من الحرير يليق برقة هذه الفتاة التي تشبه حورية من الجنة، وتضع فوق حجابها تاجًا فضيًا وكأنها ملكة متوجة على عرش قلبه.
بدأت الترحيبات من الجميع والأغاني تعلو والثنائيان يرقصان معًا تحت زغاريط النساء والسعادة تغمر الجميع.
وقفت سيارة فان سوداء أمام المنزل وبداخلها بعض الرجال الملثمين وسائرهم يحملون الأسلحة المعبأة بالطلقات النارية القاتلة، حتى أشار الرجل الذي يجلس بجوار السائق بأن يبدأوا وقال بنبرة حادة بتهديد:
-- أنا عايز رأس سليمان الصياد.
النهاية